[ALIGN=JUSTIFY]الأخ إسماعيل المحترم،
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
قولك: (ردك الذي تظهر فيه ... اعتداد بما تلقاه المتأخرون عن المتقدمين).
أقول: فقط أريد أن أنبه على أن هذا الاعتاد لم يأت هكذا من فراغ، ولا من انبهار بأسماء كبيرة، ولا عن تقليد وتسليم دون تمحيص في المسائل والدلائل، ولقد والله تقلبت على نيران الشك مدة لا أستقيم على حال، تراني أورد على نفسي الشبهات وأظل أتأملها، وأعود لأقرأ ما كتب العلماء، ثم أفكر وأفكر حتى أني كنت أحلم في مسائل علم الكلام، وأضع رأسي على وسادتي، والكلام في رأسي بركان لا يهدأ، والمسائل تتردد وأحلها فتظهر غيرها، حتى استقرت نفسي على ما هي عليه الآن، على المذهب الأشعري، والحمد لله الذي هدانا لهذا، وجزى الله عني وعمن أفاد مني شيخي الفاضل العلامة سعيد فودة، نضر الله وجهه، وغفر له ولوالديه آمين، وأفاض بالخير حيث حل وارتحل.
أما عن الحوار الذي أوردته، فاسمح لي أن أضع نفسي مكان هذا الأشعري الذي يجيب على المعتزلي، بمعنى أني أورد أسئلة المعتزلي، وأجيب أنا عنها، والله تعالى الموفق للسداد، وهو حسبي ونعم الوكيل.
وقبل ذلك أود أن أوضح أن القسوة التي اعتذرتها منك سببها فهمي من كلامك أنك كنت تناظر الخصم بوصفك أشعرياً، وإلا فيمكن لكائن من كان أن يقول ما يريد مستقلاً بنفسه.
المعتزلي: أنت تقول بأن الله تعالى لا يجب عليه شيء من الأفعال.
الأشعري: نعم. لا يجب عليه عقلاً فعل شيء. لأن الفعل بمعنى المفعول من حيث هو كذلك جائز في العقل أن يُفعل، لأنه لا معنى لكونه ممكناً إلا ذلك. وكل ما كان كذلك، كان إيجاده من الله تعالى إما مستحيل أو واجب أو جائز. ليس الأول بالاتفاق. والثاني لا يثبت إلا بنفي الاختيار عنه سبحانه، وهذا باطل عندنا. وهو قولكم في بعض الأفعال دون بعض فما المخصص؟ لأنا نفهم من الممكنات استواء تعلق الإرادة والقدرة بها، فلا بد من مخصص ليصدق مدعاكم. فنسألكم: هذا المخصص إما من ذاته تعالى أو غير ذاته؟ والثاني باطل بالاتفاق لأن الحادث لا يخصص القديم. والأول مثله باطل لأن المخصص هو صفات التأثير وهي لا تتعلق بالواجب بل بالممكن. فيبقى الثالث وهو عين المدعى.
(وفي الحقيقة عندي الكثير من الأدلة على انتفاء وجوب فعل الممكنات على الله تعالى، والكلام فيها يطول، وأود كما قلت لك لو تقرأ ما كتبته في ذلك في كتاب التصريح الذي أخبرتك عنه. ثم إني أريد أن أتعرف على أقوالك أكثر، لأني لا أريد أن أستطرد في إثبات أمر قد يكون ثبوته مسلماً عندك، أو إبطال أمر يكون بطلانه كذلك).
المعتزلي: إذن أنت تجوز أن يدخل الله تعالى المؤمن النار يوم القيامة ويدخل الكافر الجنة يوم القيامة
الأشعري: أنا أقول إن ذلك جائز على الله تعالى عقلاً، على معنى أنه يدخل من شاء الجنة فضلاً منه، ويدخل من شاء النار عدلاً. لأن إدخال بعض الناس الجنة وبعضهم النار أو كلهم الجنة أو كلهم النار، كل ذلك من الأفعال الممكنة في العقل، بمعنى أنه يتصور في العقل وجودها وعدمها، وحدوث أي منها لا يقع بالاستقلال أي لذاتها، لأن ذلك ترجح بلا مرجح، وهو في العقل محال. بل لا بد لكل فعل يقع في الوجود من مرجح لا من ذاته بل من غيره، والمرجح في ذلك هو عين إرادة الله جل وعلا. ولأن هذه الأمور لما ثبت إمكانها استحال أن يجب على الله تعالى فعلها، لأنه لا يجب عليه شيء، بل يجوز عليه سبحانه فعل كل ممكن أو تركه. هذا هو المعني بكون ذلك جائزاً في العقل. ولكنا نقطع بأن من آمن وائتمر وانتهى مستسلماً لله أدخله الله الجنة، لأنه أخبر بذلك وخبره الصدق، ووعد بذلك ووعده الحق. ومثله في الكافر ومن خلط عملاً صالحاً وآخر خبيثاً كل حسابه عند الله، وله من الجزاء ما يستحق، كما أخبر بذلك ربنا عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم. فوجب أن تقع هذه الأمور على وفق ما أخبر لا لذاتها بل لغيرها، وغيرها هذا هو قدرته تعالى على إنجاز وعده على وفق ما أراد وكما أخبر وهو العليم الخبير.
المعتزلي: وكيف عرفت أنت المخلوق المهين ما هي مشيئة الله تعالى؟
الأشعري: عرفت مشيئة الله تعالى فيما ذكرته، من طريق الخبر المتواتر عن الرسول المؤيد بالمعجزة. وهذا سبب كاف للعلم عندي.
المعتزلي: على رسلك.... دعنا من الكلام النفسي وتفصيلات علمائك فيه. وقل لي ما علمته أنت بحواسك. متى أخبرك الله تعالى بمشيئته وكيف؟
الأشعري: الجواب على هذا السؤال هو عين الجواب على السابق. إلا أن لي بعض التدقيقات. فإن ما علمته وهو الذي ذكرته لك علمته بعقلي من طريق الحس لا بالحس نفسه. وفرق كبير بين الأمرين كما لا يخفى. أما متى أخبرني الله بمشيئته فهو لم يخبرني مباشرة بل من طريق الخبر المتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أذكر بالضبط متى حصل عندي القطع بذلك إلا أن انضمام الخبر إلى الخبر بلّغني إلى ما أنا عليه الآن من اليقين بما قلته لك. وأما كيف فكما ذكرناه.
المعتزلي: وأين الكلام النفسي في كل هذا؟؟؟ هذه كلها أفعال... وهي ممكنة عقلا وليست واجبة على الله تعالى...
الأشعري: الكلام النفسي قائم بذات الله تعالى وهو صفته القديمة، وقد أوحى ربنا جل وعز إلى الرسول قرآناً عربياً غير ذي عوج يعبر عن بعض متعلقات كلامه النفسي الأشرف الأعلى. ومما جاء في الكتاب ما ذكرناه لك بالمعنى. قولك: (هذه أفعال)؟ أي شيء هو الفعل؟ إن كان إرسال الرسول الكريم ومن قبل ذلك خلقه و إنزال القرآن عليه، وتكليفنا بالشرع وحسابنا وإثابتنا ومعاقبتنا، فمسلم. وإن كان القرآن الكريم، فإن كنت تعني هذه الحروف والأصوات والصحف والرسوم فمسلم، وإن كنت تعني كلام الله تعالى الذي هو صفته، فغير مسلم. بل نقول هو صفته على ما هو مقرر ومدلل عليه عندنا. قولك (وهي ممكنة وليست واجبة على الله تعالى) نعم هي كذلك، وأين الإشكال فيه. بينه لنا لكي نجيبكم.
المعتزلي: هل من الجائز عقلا أن يأتيك رجل يزعم أمورا مختلفة غير صحيحة؟
الأشعري: نعم هذا جائز في العقل.
المعتزلي: هل من الممكن عقلا أن يخلق الله من الخوارق ما يبدو أنه يؤيد دعوى هذا الرجل؟
الأشعري: أما أولاً: فهنالك فرق بين أن يبدو ما يظهر على يديه خارقاً، وبين كونه خارقاً في نفس الأمر. لأن ما قد يبدو لخليل بائع الخضار مع احترامنا الشديد لشخصه، غير ما قد يبدو لأرباب العقول. والسبب في ذلك أن الوهم يلابس العقل في مأخذه، والباطل يشاكل الحق في مباحثه. وأما ثانياً: فإن مثل هذه الأمور الخوارق إذا نظر إلى ذاتها من حيث هي، فإنها في نفسها أمور ممكنة لذاتها، فيجوز على الله فعلها. وأما إذا نظر إليها من حيث هي معجزة لنبي كريم أظهرها الله تعالى على يديه بحيث تتنزل منزلة قوله تعالى صدق عبدي فيما يبلغ عني، فيمتنع عند ذلك عقلاً أن تظهر على يد غير الأنبياء. ولا نسلم إمكان ظهور الخوارق مقرونة بدعوى الرسالة والتحدي على غير أيدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وإن بدا للبعض أن ذلك وقع، فإننا نقدح في خرقه للعادة، أو نقدح إن ثبت كونها خرقاً للعادة في دعواه التبليغ عن الله عز وجل. والتباس الأمر عندك هو في جهة النظر إلى ذلك الأمر الخارق، فأنت تنظر إليه من حيث هو أمر ممكن مطلقاً دون قيد أو شرط، ولكن المعجزة أخص من ذلك، فتنبه.
المعتزلي: هل من الممكن عقلا أن يجعل الله تعالى الناس جميعا يسمعون الرسول الصادق بشكل خاطئ يؤدي إلى فهم رسالة خاطئة؟
الأشعري: الكلام على المعجزة ينطبق إلى حد كبير على هذا المثال. ولكن دعنا نناقش الأمر، الله تعالى خلق الحواس الخمس (أعني السليمة) للإنسان شرطاً لتعقله، وقيد السلامة واضح. فإذا أجمع الناس أن ما سمعوه من فمه الشريف هو (أ) فإن ما سمعوه هو (أ). لا يقال قال (ب) ولكنهم سمعوا (أ)، لأنا نقول: السؤال عما سمعوه لا عما قاله، ولأن الأصل أن ما اجتمعوا على أنهم سمعوه فهو عين ما قاله، وادعاء خلافه مع جوازه في العقل خلاف الظاهر والعادة والمتواتر من سيرة العقلاء، لا عن دليل. ولا ينكر إفادة الحواس للعلم بأن ما أحسته فقد أحسته على الوجه الذي من شأن الحاسة أن تفيده للحساس إلا سفسطائي. وعقلاء المعتزلة أشرف من أن ننعتهم بالسفسطة.
ولو سلم جدلاً كون ما سمعه الناس من الرسول الأعظم هو غير ما قاله، ولا يسلم. فالتكليف منوط بما سمع لا بما قيل. ولا يخفى ما في القول بأن التكليف مغاير لما قاله الرسول من التناقض. والمجوز لذلك يلزمه الكثير من اللوازم الباطلة والاحتمالات البعيدة. ولنتأمل الأمر أكثر، هل يقول هذا القائل بأن كل ما سمعه الناس هو خلاف ما قاله الرسول أم أن بعضه موافق وبعضه مخالف. الأول باطل لأنه قال أنا النبي لا كذب والمدعى أنه صادق، وسامع خلاف ذلك، مخالف فيه، والمخالف فيه كافر، فلم يجلس إليه ويأخذ عنه وهو ليس نبياً. وإن كان في البعض دون البعض، فما الضابط لذلك؟ إما أن يكون لسان النبي، أو أذن السامع؟ لا جائز أن يكون الأول لأن المدعى أن كلام الرسول كلامه وإنما المشكلة في سمعنا. وعلى الثاني أنك تجوز أن تعمل أذنك بشكل منضبط وصحيح حيناً، وأن لا تعمل بشكل صحيح حيناً آخر، وهذا هو عين القول بعدم سلامتها، وعدم الاحتجاج بها طريقاً للمعرفة، لأن طرق المعرفة لا بد وأن تكون منضبطة دائماً. ثم لو وقع ما تقول لاستحال أن لا يلاحظ الناس ذلك، ولو لاحظ الناس عدم انضباط السمع دليلاً على أن ما سمعناه فقد سمعناه، لما جعلوه من أسباب العلم.
ثم إن الرسول أخبر بأن خالق العالم تعالى قديم، فلو جاز أن يكون الناس قد سمعوا خلاف ذلك، فهم قد سمعوا أن الله حادث، لأنه لا ثالث بين الحدوث والقدم، وهذا باطل بالعقل، فلو سمع الناس خلاف ما يقول الرسول في أصول الدين خاصة، للزم إفحام الأنبياء وتناقضهم، لأن كثيراً من العقائد ثابتة بالبرهان. فلما لم نر برهانا قام على خلاف ما ادعاه النبي علمنا صدقه، في أصول الدين، وما توصلنا إليه بالدلائل العقلية هو عين ما نقرأه في القرآن ونقلته الأخبار المتواترة عنه صلى الله عليه وسلم، فثبت أنه لو كان أخبر خلاف ما أثبتاه بالبرهان، فإن كلامه يجب أن يكون كاذباً لمخالفته البرهان، وعليه فلا يكون صادقاً كما هو المدعى. هذا خلف. فيكون ما سمعناه هو عين ما قاله، وهو عين ما قام عليه البرهان.
وههنا وجه آخر، إن كثيراً ممن سمعوا استفهموا، فإذا استفهم واحد من السامعين من الرسول عن أمر معين، فهل تقول إن الرسول يسمع كلامه كما قاله أم لا كما قاله؟ إذا كان الثاني فقد أثبت عطباً واضطراباً في سمعه الشريف، المستلزم لجوابه على الناس على خلاف ما سألوا المستلزم لظهور بلهه وعدم فطنته بما يكفي لينفر منه الناس ويكذبوه، وبما هو خلاف المتواتر من ذكائه وحدة ذهنه وحسن بيانه. وإذا كان الأول فإذا استفهم مشرك عن أن الله هل هو واحد أم متعدد؟ فماذا عساه أن يسمع إذا أجابه الرسول بأن الله تعالى واحد لا شريك له؟ فبان أنه لا يستقيم تبليغ للرسالة ولا صدق رسول مع القول بما قلت.
ثم هل تقول بأن الناس كلهم إذا قال النبي (أ) فإنهم سيسمعون نفس (ب) أم أن كل واحد منهم يسمع على خلاف الآخر، أم أن بعضهم يسمع (أ) وبعضهم يسمع (ب) وآخرون (ج)... وهكذا. ألا ترى أن هذه الأقوال جميعها في غاية الركاكة، لأنه يلزم منها تناقضات كثيرة. ولو جاز ما قلت والله ما أجمع المسلون على مسألة. ولظهر في الدين تناقضات واختلافات لا حصر لها، لأنها لن تكون عين ما أنزل الله تعالى. فتأمل أكثر في مثالك. وما زال هنالك الكثير من الكلام ليقال في هذا الباب.
المعتزلي: هذه كلها أفعال ممكنة عقلا في حق الله تعالى تمنعك أن تتعرف إلى علمه ومشيئته... أليس كذلك؟ وقد زعمت من قبل أن إدخال المؤمن النار وإدخال الكافر الجنة ممكنان عقلا...
الأشعري: أجبنا عن هذا السؤال بما فيه الكفاية.
المعتزلي: ولكني أنا المعتزلي أرى في هذا عبثا وظلما وكذبا... قل لي بربك: أليس تجميع هذه الممكنات التي ذكرتها يؤدي إلى أن يكون من الممكن عقلا أن نكون نحن نعيش في كذبة كبيرة اسمها الدين وأنه ليس هناك حياة تكليف؟؟؟؟
الأشعري: نحن منعنا ما جوزته فلا يلزمنا ما تقول، وأما نسبة الظلم والعبث والكذب عليه فقد أجبناك عنها في رسالتنا السابقة. كما أجبنا عن استحالة أننا نعيش كذبة اسمها الدين. لأن الدين موجود فعلاً، ومعتنقه ومتأمله بإنصاف يرى فيه غاية الحسن والكمال، ويقتنع به عقله، ويطمئن له قلبه، وترتاح وتكمل به نفسه. والعالم به يحيل كونه موضوعاً من عند غير الله تعالى لأنه لا يعتريه الخلل ولا التنافر والتناقض، ويراه مساوقاً لطبيعته وحقيقته الإنسية، سائقاً لهو نحو الخير بالذات في الدنيا والآخرة. وهذه الأوصاف لا يمكن أن تتحقق فيما سميته كذبة.
والحمد لله رب العالمين.
(ملحوظة: الأخ إسماعيل، أنا مسافر لبضعة أيام، قد أعود الإثنين أو الثلاثاء المقبل، فإذا أردت أن ترد على كلامي، وأردت مني جواباً، فإنه يصعب أن يأتيك جوابي قبل يوم الأربعاء القادم، ولعل بعض الإخوة والمشايخ في المنتدى يواصلون الحوار في هذه المسألة وغيرها من المسائل. والسلام عليكم ورحمة الله).[/ALIGN]
التعديل الأخير تم بواسطة الإدارة ; 06-08-2003 الساعة 16:33
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين