الأخ الفاضل،
إن الشيعة الإمامية يبالغون في كثير من أمورهم، كمبالغتهم في إظهار حزنهم على من قتل ظلما من آل البيت، وهذه الطريقة مقصودة منهم لإيقاع أنهم هم الذين ظلموا فقط في التاريخ الإسلامي بل وفي تواريخ البشر جميعا، والحق أنه ما من أحد إلا وقد ظلم، ألم يظلم الرسول خير اليشر عليه السلام من قومه، وألم يظلم أكثر الرسل والأنبياء من أقوامهم ومن أقرب المقربين منهم؟ ألم يقع الظلم على كثير من أهل الفضل والعلم.
إن المظلومية أمر واقع بين البشر، وهو منتشر لا يختص بأحد دون أحد. ولا بد أن يطرأ على البعض من قبل البعض، وهذا الأمر هو أساس إنزال الشرائع، والأحكام، فإنما أنزلت لرفع الظلم عن الناس، أو لإرشادهم إلى كيفية رفع الظلم ونشر العدل.
هذا أمر.
وأمر آخر، إن العلم ليس مختصا بنسل دون نسل، ولا طائفة دون أخرى، فكما ورد من النبي عليه السلام بيان فضل الإمام علي فكذلك ورد الفضل ببيان كثير من الصحابة غيره، وكما اشتهر بعض أهل البيت كالإمام جعفر الصادق بالعلم فكذلك اشتهر غيره ممن ليس من أهل البيت بالعلم كذلك، بل يمكن القول بكل سهولة ويسر إن عدد العلماء من غير أهل البيت أكثر بكثير من العلماء من أهل البيت، وذلك القول طبيعي جدا، فهو نتيجة طبيعية لتفاوت الأعداد بين أهل البيت وسائر الناس غيرهم. والعلم مطروح للجميع.
وأما أن الأشاعرة ليس فيهم من أهل البيت، فهذا غير صحيح بل إن كثيرا من أهل البيت أشاعرة، من المتأخرين والمتقدمين منذ ظهور المذهب الأشعري، وحتى الآن. والقول بأن المتأخرين إنما تبعوا على جهالة المذهب الأشعري تحكم من قائله، وسوء ظن واتهام منه لهم بغير دليل ولا بينة.
وأما تراجع السيد الشريف الجرجاني عن المذهب الأشعري، فهي إشاتعة تشابه ما كان ابن تيمية يقوله من تراجع الإمام الرازي عن المذهب الأشعري، وما قاله من تراجع الإمام الأشعري نفسه عن مذهبه، وما أشاعه من تراجع الكثيرين غيرهم عن المذهب الأشعري. وهذا مجرد كذب منه يتلاعب به بعقول الناس السذج.
فكذلك المخالفون للحق يتبعون نفس الأسلوب، فها أنت تنقل عن هذا الشيعي زعمه تراجع الشريف الجرجاني عن المذهب الأشعري، وهذا محض كذب. وكيف ثبت عندهم هل بالكشف أم بالخيال أم بمجرد التمني.
واعلم أيها الأخ أن الشيعة قد ادعوا أن الجلال الدواني شيعي منهم، والحقيقة أن هذا الزعم رأيته من أكثر من واحد منهم، وهم يحتجون بكلامه على أنه منهم، أو يوهمون السذج من أتباعهم بذلك، والواقع غير ذلك مطلقا، فإن للجلال الدواني كتابا خاصا في الرد على الشيعية وهو موجود عندي مخطوط لم يطبع بعد.
وكذلك فقد رأيت في مقدمة كتاب لأحدهم وهو الذي عمل مختصرا لكتاب إحياء علوم الدين للغزالي، يقول في مقدمته إن الإمام الغزالي تراجع في آخر حياته في مذهب الشيعة، وهو كذب محض كما ترى.
وكذلك التقيت أنا بقرب الحوزة الزينبية في دمشق بواحد منهم، ولم يكن يعرفني من أنا، زعم هذا أن الإمام الرازي شيعي فضحكت أثناء النقاش وقلت له ومن ألقمك وعلمك أنه الرازي منكم أيها الأستاذ والشيخ الفاضل؟! إن الإمام الرازي أحد أئمة الأشاعرة، فدهش واستغرب، حتى جاء أحد أساتذة الحوزة وأعدنا الكلام بحضوره واعترف هذا بما قلته أنا.
فهذا الأمر انتحال من الشيعة للعماء، وانتحال الأمور بمعنى محاولة سرقتها، أمر ليس بغريب عليهم، فهم قد عملوا بشتى الأساليب من أجل انتحال العلوم والمعارف التي تراكمت بين أيدي الأشاعرة وعلمائهم فعملوا على انتحالها لأنفسهم، ولو قد ذهبت أبين لك كيف فعلوا ذلك لطال الأمر. وأنا في نيتي عمل كتاب خاص لبيان ذلك موثقا بالنقول.
واعلم أخيرا أن المذاهب لا يجوز إثبات صحتها بالقول بأن فلانا من أهل البيت دخل فيه أو فلانا من أهل البيت خرج منه. فليس هذا هو المقياس، بل المقياس على حقية المذاهب إنما هو قوة الأدلة والبراهين التي تدعم الأقوال فيه.
واعلم أن الشيعة الإمامية لا يستطيعون أن ينكروا أن كثيرا من الزيدية من أهل البيت، وهم مخالفون لهم في المذهب، بل إن بعض الإثني عشرية يكفرون الزيدية، والعكس صحيح.
واعلم أيضا أن مذهب أهل السنة موجود قبل وجود الإمام الأشعري، وإنما الي فعله الإمام الأشعري، هو تنظيم أركان المذهب وإقامة الأدلة مرتبة عليه، بل أهم ما قام به هو الدفاع عن المذهب ضد مخالفيه والمنتسبين إليه وليسوا منه. فقبل الإمام الأشعري كان يوجد أهل السنة وكان منهم من آل البيت وإن لم يكونوا أشاعرة لعدم وجود هذا اللقب بعد، فهذا لا ينفي أنهم مخالفون للشيعة الإمامية.
ثم نحن أهل السنة لا نسلم أن الإمام جعفر الصادق كان إماميا بالمعنى الذي يفهمونه هم الآن، أي إنه لم يكن يعتقد بعصمة الأئمة ولا بالنص على الإمام كما يقولون، ولم يكن يقول بأن الله تعالى فوض إدارة الدنيا إلى الأئمة كما يزعمون، ولم يكن يقول بخيانة عمر وأبي بكر كما يفترون، ولم يكن يقول بكثير من عقائدهم الفاسدة التي يتمسكون بها هم الآن.
وتأمل بعد ذلك كيف يعترفون أن الشريف المرتضى أحد أئمتهم، وكان قد درس وأخذ علومه على مشايخ من المعتزلة ليسوا من آهل البيت، فاعترفوا بذلك أن العلم إنما يؤخذ بالتعلم عند المتقدمين وعند المتأخرين، وأن النسب ليس علامة على مذهب أو آخر. فمرتبة القاضي عبد الجبار أعلى بلا شك من مرتبة المرتضى!!
وللكلام بقية وإنما ذكرت لك هذا الآن على عجل.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
والسلام عليكم .
وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب