بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، اللهم صلِّ و سلِّم على سيِّدنا محمد و على آله و صحبه .....
أما بعد ....
فقد جرت على بالي خواطر قبل أيام، و عزمتُ اليوم على تقييدها في المنتدى، و لكني كرهتُ كرهًا أن تكون خِلوًا من التشرُّف بأي نصٍّ من نصوص الأئمة الصُّوفيَّة المحقِّقين، و لذلك اجتهدتُ أن أجد حِكمًا عطائية ألصق بها هذه الخواطر إلصاقًا! فتكون كالتعليق عليها أو تعقيبًا ....
و لأحدكم كلُّ الحقُّ أن يتعجَّب من جسارتي على التعليق على أشهر متن من متون التصوف عند أهل السنة، و لكن و الله هذه الخواطر ليس مأذونًا لها بالنشر إلا بعد أن يتم الإقرار عليها من قبل من له أهلية .... أنا هنا أتكلَّم بين مشائخ و طلبة علم ... فالظن أنهم إن رأوا في كلامي خطأ صريحًا ينبغي أن لا يوجد فسينبهوني على ذلك و لا شك ....
و على الله توكلتُ .........
---------------------------------------
قال ابن عطاء السكندري:
مَا صَحِبَكَ إِلَّا مَنْ صَحِبَكَ وَ هُوَ بِعَيْبِكَ عَلِيْم، وَ لَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا مَوْلَاكَ الكَرِيْمِ، خَيْرُ مَنْ تَصْحَبُ مَنْ يَطْلُبُكَ لَا لِشَيْءٍ يَعُوْدُ مِنْكَ إِلَيْهِ.
هل خطر ببالك، أن هذا اللطيف الخبير، المطَّلِع على خبايا نفسك، النافذ إلى أسرار روحك، سرُّك عنده علانية، ما من خطرة سوء تمر عليك، في حال طاعة أو معصية، في نعمة أو نقمة، في جدٍّ أو هزل، كان لها ألف باعث أو كان لها نصف باعث، كلُّ هذا مُسْتَطَر، كلُّ هذا محاسَبٌ عليه، هذا الواحد الأحد، قد أحاط بك علمًا، هل تعلم ماذا يعني قد أحاط بك علمًا؟ يعني يعلم كم نعمة أسبغها عليك، ظاهرة و باطنة، ابتداءً من نفخ الروح، ثم يحفُّك بعنايته، يصنعك على عينه، في ظلمات ثلاث، تُخلَق شيئًا شيئًا، ملَّكك العقل، فالقلب، فالعينين، فاللسان، فالشفتين، فالأذنين إلخ قذف في قلب أمِّك عاطفة عليك لا تطيق أن تصرفها إلى نفسها، فضلًا عمن سواها، كفلها بك، تستمرُّ النعم تتوالى عليك، إلى أن تكبر فتكون مقتدرًا على العصيان و التجبُّر في الأرض، فتبدأ تبطش و تتكبر و تحتقر و تظلم و تقذف و تقتل، فإن انصرفتَ إلى الطاعة، لعب بك العجب و الزهو، و ظننتَ في نفسك الفضل على خلق الله، بمن فيهم من لهم حق عليك، و تبدأ في مشوار الطريق إلى الله تمارس المعاصي، من حين تفتح عينيك، إلى أن تغلقهما، تعصي عن تعمد و وعي في الكثير من الأحيان، تتذكر نعم الله تعالى عليك، فتمضي، حتى إذا ما علوت في الأرض و طغيتَ، قصمك بمصيبة ينكسر منها خرطومك، يحار فيها قلبك، يكل منها عقلك، تشل فيها جوارحك، يفارقك فيها الأصدقاء، يضجر منك ذووك و أقاربك، لم فعل هذا؟ لأنه يرحمك، نعم، يرحمك، بعد كلِّ هذا الذي فعلتَه، يشفق عليك من بعدك عنه، يرأف بك من الضلال الذي أنت فيه، فعل هذا، و هو الملك، و أنت عبد السوء، فعل هذا، و هو الغنيُّ عنك، و أنت الفقير إليه، هو المتقرِّب إليك، و أنت المعرض عنه، هو المنعم عليك، و أنت الكافرِ بها، هو الآمرك بالأوامر، و أنت المرتكب النواهي. لا جرم إنها رحمة الله تعالى التي وسعت كلَّ شيء. إنها رحمة واجب الوجود، التي ليس في طوق الممكن الوجود أن يتصوُّرها بعقله الحادث. إن هذا العليم الرحيم، مَن صفاتُه التي ذكرتُ، بعد فَعَلاتك التي ذكرتُ، هو من ستر قبائحك و شنائعك عمن حولك، هؤلاء الناس الذين يثنون عليك و "يَشْرُقُونَ" باسمك، و يضربون المثل بك، و يغرُّونك بنفسك، و يزيدونك سوءًا على سوئك، و هلاكًا على هلاكك، أفسدوك بجهلهم، و رحمتهم بك و مودتهم لك الكاذبة، و أصلحك الله تعالى، العليم بجحودك و كفرك لنعمه، بمحض رحمته الغامرة، و جوده الفيَّاض. هل تعلم ما يمكن أن يفعله هؤلاء الناس الذي يتلبَّسون بالرحمة و الود، لو اطَّلعوا على خبيثة من خبائثك؟ و الله لهجروك بلا رجعة، لشتموك، لاستقذروا الجلوس معك، لاستقرفوا ذكر اسمك حتى، لأنهم مخلوقون، و رحمتهم مخلوقة، طارئة، عارضة، متغيِّرة بتغيِّر الأحوال. و أما رحمة واجب الوجود فهي القديمة التي لا يؤثر بها حادث، التي سبقت غضبه، ما زاده علمه فيك إلا رحمة بك، و إلا تفضُّلًا عليك.
و إلى لقاء.


رد مع اقتباس