حقوق الأسرى في الإسلام

وظلَّ الصحابة على هذه المعاملة الحسنة للأسرى حتى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فلم يُؤْثَر عنهم أنهم اضطهدوا أسيرًا أو آذَوْه أو عذَّبوه، حتى الهرمزان الذي نقض العهد مع المسلمين أكثر من مرَّة، كما قتل مجزأة بن ثور والبراء بن مالك، لما وقع في أيدي المسلمين أسيرًا لم يُعَذِّبوه ولم يضطهدوه ولم يُؤْذُوه جرَّاء ما فعله من جرائم في حقِّ المسلمين.

رغم أنَّ هؤلاء الأسرى ما هم إلا محاربون للإسلام؛ إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالإحسان إليهم، وتلك صورة الإسلام الحقيقية أمامهم، ويُدرِكون عندها أنه ما جاء إلا رحمة للعالمين، ولإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ولم يأمر الإسلام بالإحسان إلى الأسرى فقط، بل وضع أسسًا في كيفيَّة معاملة الأسرى، وقرَّر لهم واجبات وحقوقًا على المسلمين؛ منها الحقُّ في الطعام، والكسوة، والمعاملة الحسنة، وكلُّ ذلك له شواهد في سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم وحضارة المسلمين.

أمر الإسلام بحُسن معاملة الأسرى والرفق بهم وعدم إيذائهم، أو التعرُّض لما يجرح كرامتهم، تعدت صور المعاملة الحسنة للأسرى فشملت العفو، أو المعالجة من الأمراض، أو غير ذلك من صور المعاملة الحسنة، مما دفع بعضهم إلى أن يعتنق الإسلام


1- نهى الإسلام عن تعذيب الاسرى والإضرار بهم، ولقد وصل الأمر إلى أبعد من ذلك فعندما رأى النبي r أسرى بني قريظة في الشمس نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال لأصحابه: "لا تَجْمَعُوا عَلَيْهِمْ حَرَّ الشَّمْسِ وَحَرَّ السِّلاحِ، قَيِّلُوهُمْ حَتَّى يَبْرُدُوا"
رأى الرسول أسارى بني قريظة موقوفين في قيظ النهار تحت الشمس فأمر من يقومون بحراستهم قائلاً: "لا تجمعوا عليهم حر هذا اليوم وحر السلاح.. قيلوهم حتى يبردوا"،

2- وقد سئل الإمام مالك - يرحمه الله: "أيعذب الأسير إن رجي أن يدل على عورة العدو؟" فأجاب قائلاً: "ما سمعت بذلك"[وهبة الزحيلي : آثار الحرب، ص: (414)]

3- وهذا ما أنكره النبي صلى الله عليه وسلم على بعض الصحابة عندما ضربوا غلامين من قريش وقعا أسيرين في أحداث بدر، فقال لهم: "إذَا صَدَقَاكُمْ ضَرَبْتُمُوهُمَا، وَإِذَا كَذَبَاكُمْ تَرَكْتُمُوهُمَا، صَدَقَا، وَاللهِ إِنَّهُمَا لِقُرَيْشِ...". مع أن هذين الغلامين اللذين ضُرِبَا كانا يمدَّان الجيش المعادي بالماء (السهيلي: الروض الأنف، 3/58، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، 4/ 68)

وبذلك يحرم الإسلام تعذيب الأسرى، ويرفض إهانتهم، ويقرر عدم إهمالهم.. كما لا يجوز تعذيب الأسير، ولا إهانته للحصول على معلومات عسكرية منه..

4- حديث ثُمَامَةَ بن أُثَالٍ رضى الله عنه، فقد رُوي أن رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ خَيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ سَيِّدِ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَهُ: "مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟" قَالَ: عِنْدِي يَا مُحَمَّدُ خَيْرٌ، إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ، قَالَ لَهُ: "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟" قَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ، إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ، فَقَالَ: "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ، إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "انْطَلِقُوا بِثُمَامَةَ". فَانْطَلَقُوا بِهِ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ، وَوَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الأَدْيَانِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلاَدِ إِلَيَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي، وَإِنِّي أُرِيدُ الْعُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى. فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ (البخاري: كتاب المغازي، باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال)


5- وأسلم كذلك الوليد بن أبي الوليد القرشي المخزومي الذي أُسِرَ في بدر، ورأى المعاملة الحسنة من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ مع أنه قد قَدِمَ من مكة محارِبًا للمسلمين، فدفعته هذه المعاملة الحسنة إلى الإسلام، ولِصِدْقِ نيَّته أسلم بعد أن افتداه أهلُه من الأَسْرِ، حتى لا يُقال: إنه أسلم جزعًا من الأسر.


6- وقد بلغ أمر معاملة الأسرى إلى حد العفو عنهم، فيروى أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى أسيرًا لأبي الهيثم بن التيهان وأوصاه به خيرًا فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصاني بك خيرًا، فأنت حُرٌّ لوجه الله[الطبراني: المعجم الكبير، (569)]. وفي رواية البيهقي في شعب الإيمان، (4606). أنه قال له: أنت حرٌّ لوجه الله، ولك سهم من مالي


7- من الحقوق التي كفلها الإسلام للأسير حقُّ الطعام فلا يجوز تركه بدون طعام وشراب حتى يهلك، فهذا مخالف لشرع الله عز وجل، وفي السيرة النبويَّة والتاريخ الإسلامي أمثلة ونماذج تدلُّ على ذلك، ولقد أمر الله عز وجل بذلك فقال في كتابه: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}، فإطعام الأسير المشرِك قُرْبَة إلى الله عز وجل [7]. وذكر أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمر أصحابه يوم بدر أن يُكرِموا الأسرى، فكانوا يُقَدِّمونهم على أنفسهم عند الغداء

معنى هذا أنه لم يُطْعِمْه مما فضل من قُوتِهِ، وإنما يُطْعِمه من طَيِّب طعامه مع حاجته إليه ومحبَّته له؛ ولذلك كان منع الطعام عن الأسير من الكبائر كما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ ‏ ‏خَشَاشِ ‏‏الأَرْضِ"[10]


أسرى البغاة تعاملهم الشّريعة الإسلاميّة معاملةً خاصّةً ، لأنّ قتالهم لمجرّد دفعهم عن المحاربة ، وردّهم إلى الحقّ ، لا لكفرهم . روي عن ابن مسعودٍ أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « يا ابن أمّ عبدٍ ما حكم من بغى على أمّتي ؟ قال : فقلت : اللّه ورسوله أعلم . قال : لا يتبع مدبرهم ، ولا يذفّف على جريحهم ، ولا يقتل أسيرهم ، ولا يقسم فيؤهم » .