[ALIGN=JUSTIFY]لا إله إلا الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم،
إلى متى سوف نبقى نحن أهل السنة نتكلم في مثل هذه المسألة.
علم الكلام هو علم التوحيد، وليس هو علم الجدل ولا هو كلاما فارغا.
بل هو العلم الذي به أمكن تثبيت مذهب أهل السنة في وجود المخالفين. وأمكن به الرد على الكفار والمشركين في مختلف العصور.
إلى متى سوف نظل نتشبث ببعض كلمات صدرت من البعض، لنتخذها وسيلة إلى التشكيك بهذا العلم.
ألا تعلمون أن في كل علم لا بد أن تصدر فيه من بعض علمائه أحكام وآراء باطلة أو شاذة أو مخالفة للجمهور، ألا تعلمون أن هذه هي طبيعة العلوم البشرية، والمذاهب الإنسانية، فبطلان البعض لا يستلزم ردَّ الكل.
والله هذه من البديهيات الواضحة، ولكنها يتم تغييبها عندما يكون الموضوع علمَ الكلام.
ألا تعلمون أن مَنْ أوجب من المتكلمين على الناس أن يعرفوا العقائد بالطريقة المقررة عنده، قد ردَّ قوله هذا بقيةُ المتكلمين، وهم الذين قرروا مخالفته للدليل. ولم يتركوا هذا لغيرهم من أهل العلوم الأخرى.
ثم إن العلماء عندما يقولون إن بعض المتكلمين قالوا هذا القول أو ذاك، يجب أن نعلم أن اسم المتكلمين يصدق على من كان منهم من أهل السنة وعلى من لم يكن كذلك، فهو اسم عام لجميع الفرق، فإننا نقول إن القاضي عبدالجبار المعتزلي من المتكلمين، وابن تيمية من المتكلمين، وواصل بن عطاء منهم، والحلي الشيعي منهم، وهكذا.
فما قد يصدق على المتكلمين من الفرق الأخرى، لا يجوز تعميمه ليشمل المتكلمين من أهل السنة.
ولا يخلو أي علم كما قلنا من أن تكون في كتبه مسائل شاذة غريبة، ولو شئتم أن أورد لكم الشواذ من علم الحديث، ومن علم الفقه، ومن علم التفسير، ومن علم النحو ومن علم اللغة، بل ومن الشعر واللغة، بل ومن علوم الطبيعة كالفيزياء وغيرها، لأمكن الإتيان بالكثير الكثير من المسائل الشاذة.
ترى هل يكون وجود هذه المسائل والأقوال الشاذة في تلك العلوم مبررا لهدم العلوم والتنفير منها، والقول ببدعيتها وحرمتها؟؟ إن من يقول هذا فهو لا يدرك حقيقة الأمور.
ولكن بعد كل ذلك، أقول إن كثيرا من دقائق المسائل، كالكلام في الاعراض والجواهر وكيفياتها، قد لا يدرك بعض الفقهاء فائدتها، ولا يتمكن من فهم حقيقتها، فربما يدفعه ذلك إلى التشكيك فيها وردها والقول بعبثية الكلام فيها.
والحق أن الذي يعرف ما يترتب على هذه المسائل من فوائد لا يقول ذلك، ولكن لدقة هذه المسائل وعدم العلم بها إلا من المحققين من العلماء، قد يجعل الإنكار عليها أقرب إلى القبول عند العامة من الإنكار على غيرها من شواذ المسائل في العلوم الأخرى.
وأما مسألة الشك، فهي لا يترتب عليها ما ذكره القرطبي وابن حجر، بنقله له، لأن المقصود منها كما هو معلوم عند أهل الفن، أن الواحد لا يمكنه أن يحقق أصول النظر إلا عندما يحجب عن عقله كل عقيدة مسبقة، وذلك لئلا يقع في المصادرة على المطلوب وهو لا يدري. فيتوهم أن ما يعتقده هو الحق، فيجعل منه مقدمات للاستدلال وهو غافل عن أن المطلوب هو إثباته، والاستدلال عليه لا به.
وأما قصص الجويني والرازي وغيرهما فقد أطلنا الكلام عليها في أكثر من موضع. ولا نطيل فيها الآن.
واعلم أيها الأخ العزيز، أن الواحد مهما قيل له عن علم الكلام أو عن غيره من العلوم فلن يعرف حقيقته إلا بعد أن يمارسه ويتعلمه، ولو بقدر الإجمال، ويكفي أن أقول لك إن علم الكلام هو عينه علم التوحيد، وهو عينه علم أصول الدين.
واعلم أنه كما قال بعضهم إن علم الكلام مذموم، فقد قال غيرهم ممن هم أعلم منهم إنه محمود، ويكفي أن أهل السنة أجمعوا على إمامة الأشعري وهو متكلم، وأجمعوا على إمامة الغزالي وهو متكلم، وأجمعوا على إمامة الباقلاني وهو متكلم، وأجمعوا على إمامة الرازي والسعد والعضد وابن الحاجب والآمدي وغيرهم كثير وهم جميعا متكلمون.
ولا تلق بالا أيها الأخ لمثل هذه الأقوال.
ولكن عليك معرفتها.
واعلم أن مسائل العلم الواحد يتفاوت الناس في وجوب العلم بها بحسب مراتبهم:
فلا يقول قائل إن مسائل الفقه يجب على كل واحد من الناس أن يعلمها كلها.
ولا يقال ذلك أيضا في التفسير، ولا يقال ذلك أيضا في علم الحديث، ولا في أصول الفقه، وكذلك لا يقال ذلك في علم الكلام.
أما التوحيد من حيث هو اسم على القدر الذي ينجو به الإنسان من الخلود في النار، فلا يطلق إلا على القدر الضروري الواجب على كل مكلف، وأما من حيث هو لقب على العلم الصناعي الذي تؤلف فيه الكتب فهو مشترك مع غيره فيما سبق.
وأخيرا أقول إن اعتراضنا على بعض المسائل الواردة في علم من العلوم لا يصح أن يتخذ سببا لنقض هذا العلم بالكلية، ثم إن بعض المسائل قد تبدو للبعض محلا للنقد والنقض، وهي للمحققين من العلماء يجب الكلام فيها والبحث.
وأنا أقول:
إنه لا قيام لأهل السنة في هذا العصر إلا إذا تمكنوا من علم الكلام ومن علم أصول الفقه.
فهذان العلمان هما علما أصول الدين.
ولا أتردد في القول بأن أحد أكبر أسباب ضعف أهل السنة في هذا الزمان هو تخليهم عن الاهتمام بهذين العلمين.
والله أعلم وهو الموفق.[/ALIGN]
التعديل الأخير تم بواسطة الإدارة ; 09-09-2003 الساعة 10:48
وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب