[ALIGN=CENTER]بسم الله الرحمن الرحيم[/ALIGN]
[ALIGN=JUSTIFY]الأخ محمد وفقه الله تعالى،
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
أشكر لك مرة أخرى، استجابتك للحوار معي في أصول الدين.
وأسأل المولى عز وجل أن يجعلني وإياك ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا بفضله اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، إنه سميع مجيب الدعاء.
وأنا سائل الإخوة الأعضاء في هذا المنتدى، والزوار الأفاضل، أن يلتزموا بما تعهدت به للأخ محمد قبل بدء هذا الحوار، وهو أن لا يتدخل أحد في النقاش، وإن كان لا بد من أن يفعل، فليتكلم بخير، وليبقى في نطاق بحثنا ولا يخرجنا عن مقاصدنا. وأن لا يشوش بكلامه على الأخ محمد ولا يشتت فكره وذهنه. فإني بحق أريد منه أن يتأمل في كل كلمة أقولها، كما سأفعل أنا، بحيث يتخذ كل منا موقفه ويطلق أحكامه، باستقلالية تامة، لكي تكون نابعة من صميم قلبه وعقله إيماناً واعتقاداً.
ولا أريد أن يكون شيء من كلامه ردود فعل دون روية. فأسعدوا قلبي بتحقيق هذه الأمنية، وسأكون لكم من الشاكرين. واعلموا أن اجتماعنا ههنا إنما هو للعلم والتعلم، ونبذ العصبية، وتحقيق المسائل والدلائل، راغبين في معرفة قضايا هذا الدين، وراغبين عما سواه من الأباطيل، وما ذلك إلا طلباً لمرضاة ربنا سبحانه وتعالى، كما أمرنا.
قولك: (هذه أول مناقشاتي معكم، ولكن أرجو المعذرة في حالة التأخر لما فصلته لكم على منتدى الترحيب فيمكنكم قراءته هناك)
أقول: وأنا أجبتك هناك، بأن لا بأس عليك يا محمد، (صلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم). فافعل ما يريحك ويرضيك، ولا تجبني بشيء قبل أن تحقق بحثه، لأني قد أدقق في كل كلمة تقولها. كما هي عادتي في المناقشات، إن كنت قد اطلعت على بعضها. وأنا أعذرك، فأنا أيضاً مشغول جداً، وأعرف أن المرء قد يضطر إلى تأجيل أمور مهمة لانشغاله.
ولعلك لا تعلم أني أقتطع من وقت عملي وأفترض كل دقيقة فراغ لأكتب هذه الكلمات من وراء مكتبي في عملي. أعاننا الله تعالى وإياكم.
ولكن لي رجاء ذكرته هناك، وأكرره ههنا وهو أن تلتزم بمواصلة البحث حتى النهاية، ثم تتخذ موقفاً علنياً واضحاً في المسائل التي نتباحثها في نهاية الأمر.
وإني ألزم نفسي بالإجابة عن كل سؤال تسأله في حدود ما أعلم وأعتقد، وأريد منك أن تفعل الأمر نفسه معي، حتى يثمر هذا البحث إن شاء الله تعالى.
أما قولك: (رئاسة الخلاف بين السلفيين والأشاعرة ترجع إلى ظواهر أسماء الله تعالى وصفاته الواردة في الكتاب والسنة فما قولكم ومذهبكم فيها بالتفصيل مع التمثيل؟)
أقول: إن قصدت بالرياسة هنا أصالة وسبب الخلاف الذي تتفرع عنه الخلافات الأخرى، فلا أسلم ذلك.
فإن الأمر بين الأشعرية وابن تيمية (لا من حيث هو شخص وفرد، بل بالنظر إلى كل ما يمثله من أصول الاعتقاد لمن سبقوه ولمن تابعوه) أعمق من ذلك. فإن أصل الخلاف يعود إلى نظرية المعرفة التي يتبناها هذا الرجل. والقائمة على اعتبار الحس والوهم الذي هو فرع الحس، طريقين أصيلين للمعرفة، وفي غمرة ذلك يتجاهل العقل أشد تجاهل، ويحاربه ويحارب منطقه.
وعليه يدعي مثلاً أن ما لا يدرك بالحس فليس بموجود. بل هو عدم محض.
ثم إنه بناء على ذلك كلما عرض له آية كريمة أو حديث شريف يوهم التشبيه حملها على معنى حسي.
فوقع في التشبيه قطعاً، لأن الوهم والحس لا يمكن أن تدرك بهما الأحكام المتعلقة بالإله.
ولا أقول إن ابن تيمية يحملها على ظاهرها، فلا نسلم ظهور المعاني التي يقول بها ابن تيمية لما أضيف إلى الله تعالى في القرآن والسنة، إذا أخذت في سياقاتها. وربما نأتي إلى بحث ذلك لاحقاً.
وحمل النصوص على المعاني الحسية هو مذهب ابن تيمية المتفرع عن نظريته في المعرفة، كما حققه شيخنا سعيد فودة وفقه الله تعالى في الكاشف الصغير.
وعلى أي حال،
أنا لا أفهم الخلاف بيننا وبين ابن تيمية على أن الرجل يفوض ونحن نؤول، كما يتوهمه كثير من الناس.
فينقلون الكلام إلى أنه ما هو مذهب السلف من هاتين الطريقين، ثم يؤتى بكثير من الأمثلة على تفويض السلف للمتشابه، ويخلص الباحث متعامياً عن كل تأويلات السلف والخلف، إلى أن مذهب ابن تيمية هو الحق في الأسماء والصفات والمحكم والمتشابه. معتبراً من جهله أن كل ما أضيف إلى الله تعالى في الكتاب والسنة فهو من صفات ذاته.
أقول المسألة ليست كذلك مطلقاً، وإنما الحال أن هذا الرجل في الحقيقة لا يفوض المتشابه إن سلم تشابهه، بل يؤوله، ويؤول بعض المحكمات مدعياً تشابهها كما ستعلم إن بلغنا بالنقاش إلى ذلك الموضع.
لأن التفويض المعتبر عند أهل السنة هو عدم حمل اللفظ على أي معنى، بل الإيمان بصحته، وردّ علمه إلى الله تعالى، مع الاعتقاد اليقيني بمخالفته تعالى لسائر الحوادث، أي تنزيهه عن المماثلة والمشابهة لسائر المخلوقات.
ولذا قالوا: أمروها كما جاءت، أو تفسيرها قراءتها، وكل ما خطر ببالك فالله تعالى بخلاف ذلك، وفوض ورم تنزيهاً، وأمثال ذلك من التعابير التي تبين قاعدة التفويض.
أما ابن تيمية فإنه يحملها على معنى معين، وهو لا يكتفي بإنكاره تأويلات وتفسير كثير من العلماء لكونهم يتأولونها فحسب، بل لكونهم يتأولونها على معان لا توافق مذهبه، وإلا فإن ما يفعله هو أنه يتأولها، من حيث درى أتباعه ذلك أو لم يدروا.
فحين يأتي في الحديث الشريف مثلاً، أن ربنا جل وعلا ينزل إلى السماء الدنيا في كل ليلة. الحديث. فمن اعتبر من أهل السنة هذا الكلام متشابهاً قال: آمنت بأن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا في كل ليلة كما جاء في الحديث. بلا كيف، لأن الكيف في حقه تعالى غير معقول. وانتبه أنهم يقولون بلا كيف، لا أنهم يقولون لا نعرف كيف. ويقولون ننزه الله تعالى عن أن يشابه في نزوله نزول شيء من مخلوقاته، وإنا نفوض معنى النزول الوارد في هذا الحديث إلى الله تعالى، هو وحده العليم بمعناه، ولا ندخل بآرائنا في ذلك متأولين كما جاء في الطحاوية.
وأما ابن تيمية والسلفية اليوم فإنهم يحتجون بهذا الحديث على حركته تعالى وانتقاله من مكان إلى مكان كما لا يخفى عليك، لأن ذلك عندهم فرع كونه تعالى جسماً محدوداً. فهم يرون أن لخيالهم مدخلية في فهم هذا النزول. فإذا جوز الخيال ذلك، فليكن صحيحاً، وإن منعه العقل فالعقل عند السلفية وشيخهم لا اعتبار به، لأن العقايد عندهم تؤخذ من الشرع لا من العقل. وتفهم بالوهم ولا إشكال في ذلك، ولا يجوز أن تفهم بالعقل.
فأسألك: هل حمل النزول على الحركة والانتقال هو مذهب التفويض المعروف عند السلف الصالح يا أخي محمد؟ أم هو تأويل للحديث الشريف، يخالف قاعدة كلية محكمة في الشرع، وهي قوله تعالى: ليس كمثله شيء؟
إننا نرى كل شيء في العالم يتحرك وينتقل، فأين ليس كمثله شيء من إثبات الحركة والانتقال لله تعالى.
إن من يجيز أن الله تعالى يتحرك وينتقل فإنه قطعاً يشبه الله تعالى من هذا الوجه بكل مخلوق يتحرك.
وهذا التأويل من ابن تيمية وأتباعه يخالف العقل أيضاً لأنه تقرر في علم الكلام أن الله تعالى هو خالق العالم، وخالق العالم لا يمكن أن يكون من العالم، ولا مشابهاً له، وإلا لكان حادثاً مفتقراً، لأن من اتصف بالحوادث لزمه الحدوث، فيفتقر إلى محدث. كيف والله تعالى خالق كل شيء، وهو القديم الذات والصفات، وهو الأول بلا بداية.
فبان أن ابن تيمية حين يدعي أنه يفوض وينزه ولا يثبت لله إلا ما أثبته لنفسه، مجرد مدع، وفي كتبه من كلامه الكثير مما يخالف ذلك. وارجع إن شئت للكاشف الصغير وانظر الأهوال.
فإن غاية ما في الحديث الشريف أنه أثبت لفظ النزول، فمن أين تثبت له الحركة. فالحركة والانتقال تأويل للنزول كما لا يخفى.
وعند النظر في هذا التأويل نجده يعارض القواعد القطعية الشرعية والعقلية.
فلهذا نرد كلامه، ونخالفه ونشنع على من يقول بذلك، لا لأننا نحقد على شخص هذا القائل أو نغار منه أو نكرهه، بل لأنا ننتصر لدين الله، ونغضب لله، فنذم من يشبه الله تعالى بمخلوقاته.
وليس الأمر كما يتوهم البعض أن الرجل ملتزم بأنه يثبت لله ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم بلا تأويل ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل،
هذه العبارة التي يرددها جميع السلفية ولا يعرفون أن رئيسهم غارق في التشبيه حتى أذنيه.
وإن التشبيه الذي ينفيه حين يورد هذه العبارة في كتبه إنما هو التشبيه من كل وجه الذي معناه التمثيل. كما حققه أيضاً شيخنا سعيد في الرد على التدمرية التي ستنشر قريباً إن شاء الله تعالى.
فكل ذلك غير صحيح، وهذه كتب القوم تعال نقرأها معاً أيها الأخ الكريم...
فإنهم يسمون نفينا للحركة عن المولى جل وعز تعطيلاً.
ويسمون نفينا لكون الله تعالى تتغير أحواله فيفرح ويغضب يسمون ذلك تعطيلاً. لأنهم يرون في الفرح والغضب والنزول صفات ذاتية لله.
ولاحظ أن كل الصفات التي نثبتها لله تعالى يثبتها السلفية أيضاً.
وإن كانوا يخالفوننا في معاني بعضها، فلماذا يصفوننا بالتعطيل يا ترى؟
إنهم يصفوننا بالتعطيل لأنا لا نقول بأن الله جسم، وهم لا يتصورون موجوداً ليس بجسم.
فلذلك يقولون إننا شر من اليهود والنصارى لأن ما نسميه نحن إلهاً ليس بموجود إلا في أذهاننا، ولا يمكن أن يوجد في الخارج إلا ما هو جسم.
وكذلك يصفوننا بالتعطيل حين نقول إن الله لا يجلس ولا يتحرك وليس له أركان وحدود ولا يتكلم بحرف وصوت ولا يغضب ولا يفرح بمعنى أنه لا تتغير أحواله، لأنهم ينظرون إلى هذه المذكورة على أنها صفات ذاته تعالى القائمة به، وهي وإن كانت حادثة فلا يضرهم ذلك، لأنهم يجيزون قيام الحوادث بذاته سبحانه وتعالى، فمن لا يثبت لله تعالى ما يثبتونه هم بهذه الخرافات التي يرفضها الشرع والعقل يقولون إنه عطل الإله.
فهل أدركت الآن لماذا نخالف ابن تيمية ونشنع عليه، وعلى أتباعه اليوم من السلفية.
وأردت بما مضى من الكلام، أن أرد الخلاف بيننا وبين السلفية إلى أبعد من وصفك له، لأن كلامك الذي تفضلت به وإن كان صحيحاً أعني أني أوافق على أن من أكبر الخلافات بيننا وبين السلفية هو موضوع الصفات، وهي وإن كانت مسألة أصلية لا يجوز الخلاف فيها، أعني تشبيه الله تعالى بخلقه، إلا أنها نتيجة متوقعة لطريقة ابن تيمية في التفكير، وإن ما يجنيه السلفية اليوم لهو ثمار نظرية ابن تيمية في المعرفة التي أصلت لهم أصولاً مخالفة لأصول أهل السنة والجماعة.
وإن كنت تسألني عن مذهبي في الصفات.
فإن صفات الله تعالى الواردة في الشرع، هي العلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام. وهي قائمة به تعالى. قديمة قدمه. لا يحدث من ذلك شيء.
ثم إنا نظرنا في الشرع فوجدناه ينفي عن الله تعالى ما لا يليق به وسمينا تلك الأحكام التي تنفي عن الله تعالى ما لا يليق بذاته العلي صفات سلبية.
وهي في الحقيقة ليست صفات وجودية قائمة به كالصفات المعنوية. وهذه الصفات هي:
القدم والبقاء ومخالفته تعالى للحوادث وقيامه تعالى بنفسه والوحدانية.
وكل هذه الأحكام والصفات دللنا عليها بالشرع والعقل بعد ثبوت كونه تعالى موجوداً واجب الوجود لذاته، أي أنه لا يتصور في العقل عدم وجوده. ودللنا على ذلك بالعقل كما تعلم. وذات الله تعالى عندنا وصفاته لا تدرك حقيقتها، ولا يعلمها إلا هو سبحانه.
هذا كل ما نعرفه من صفات الله تعالى. مع قولنا بأن كمالات الله تعالى لا حصر لها. ولم يكلفنا بمعرفتها على التفصيل فضلاً منه سبحانه. فنثبت له كل كمال يليق به وننفي عنه كل نقص لا يليق بذاته العلي على سبيل الإجمال.
وما دون ذلك مما أضافه الشرع للباري جل وعلا، فإن علماء أهل السنة إما أنهم فسروه بحسب ما تجيزه لغة العرب والقواعد القطعية من الشرع والعقل، ومن اجتهد في التفسير ولم يقطع بنتيجة تأويله بدليل قطعي لم يلزم أحداً بالقول برأيه. أو أنهم فوضوا علمه إلى الله تعالى مؤمنين به على المعنى الذي أراده الله تعالى منه، منزهين الله تعالى عن مشابهة المخلوقات، دون أن يحملوا تلك الألفاظ على أي معنى.
وكلا الطريقين إن سألتني عن مذهبي شخصياً مرضيين عندي، فأفوض غالباً منزهاً الباري جل وعلا، وأقبل تأويلات العلماء الملتزمة بقواعد التأويل المقررة في الشريعة كل بحسب بحثه ودليله.
أما أسماؤه تعالى فهو وحده جل وعلا من له الحق في أن يسمي نفسه، فلا أسميه إلا بما سمى به نفسه.
وربما أجاز البعض اشتقاق الأسامي والأوصاف له من أفعاله تعالى وتدبيره لمخلوقاته، على أن يلتزم في ذلك بقواعد وضوابط أهمها صحة المعنى، وعدم الإيهام بمعنى باطل، وحسن الأدب مع الخالق سبحانه وتعالى.
وكتب علماء الأشعرية في شرح أسمائه الحسنى سبحانه وتعالى، كتب مرضية معروفة، ورد بعض الأسامي إلى صفات المعاني كالخالق والرازق إلى القدرة عن إرادة وعلم، طريق صحيحة ليس فيها إشكال.
وتأويلات العلماء رضي الله عنهم لبعض ما أضيف للمولى جل وعلا بلوازمه كما فسروا الغضب بلازمه وهو إرادة العقاب مما يجيزه العقل وتتسع له اللغة، ولا يعارضه الشرع. فلا أرى فيه إشكالاً. وهو ما دام ملتزماً بقواعد الشريعة الكلية فهو طريق مرضي.
هذا ما أحببت أن أجيبك به عن سؤالك، بحسب ما فهمته منه. فاتحة للحديث دون مزيد من التفصيل.
فإني أحب أن أقرأك تتكلم في الأدلة.
فإن كنت لم آتِ بشيء من المسؤول عنه في الجواب، فأرجو أن تحدده أكثر لأجيبك عنه.
وإن كنت وفيت فما قولك فيما قرأت، إن كنت تخالف فيه شيئاً فبين لي بطلانه بالدليل وضع قولك في مقابله مقروناً بالدليل.
والله ولي التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
والسلام عليكم ورحمة الله.[/ALIGN]
التعديل الأخير تم بواسطة الإدارة ; 14-09-2003 الساعة 17:54
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين