القسم الثاني من التعليق على إشكالية فهم النص القرآني
بسم الله الرحمن الرحيم
قال فادي: (فكيف سيفهم القرآن؟ قبل أن نجيب على هذا السؤال أحب أن أشير إلى نقطة مهمة، وهي أن الإشكال المطروح يحوي إشكالاً آخر، وهو أن القرآن يحمل حكمين في ذات المسألة، أي أنه بناءا على آليات فهم الخطاب التي ناقشناها سيبدو أن في القرآن تعارضا ظاهريا وهو ما لا يمكن وجوده في خطاب الله)
أقول: حقُّ كلامِه أن يكون (سيبدو أن في القرآن تعارضاً حقيقياً) لأن التعارض الظاهريّ أعني بادي الرأي، أو الموهوم حاصل بالفعل، وهو ليس بتعارض للإجماع على استحالته. وقول فادي من الآن وحتّى ينتهي نقاشنا معه مقبول مقصوده الصحيح عندنا على المسامحة. فالعذر حقّ له لما بان من قلّة تدقيقه حتّى اللحظة. وها هو يجازف بالحل. وليت شعري أليس قبل سطور قال: (وإذا كان الخطأ جائزا على الصحابة فلا حجة في قولهم). أما هو فتصوّره للحل سيكون لكم أيها المسلمون فصل الخطاب. لأن فادي لا يجوز عليه الغلط. أفهكذا تورد الإبل؟
إنّ أهل السنّة يقولون من قبل أن تفيض عليهم: إنّ كل من لم يجب له الصدق، جاز عليه الخطأ. ولكن مجرّد جواز الغلط ليس بداعية كافية لردّ الكلام. وهذا موقف سقط فيه الشّيعة القائلون بعصمة الأئمة أيّما سقوط. ومن جاز عليه الغلط عندنا فلا تقبل منه القضايا إلا مقترنة بالدليل. وعليه فالمسوّغ الوحيد عندنا لقبول القضايا أو ردّها هو مقدار علميّتها، فكلّما قوي الدليل ازداد اعتدادنا بالمدلول. وكلّ ما قام عليه الدليل القاطع اندرج في العلوم، وكلّ ما ثبت علماً فلا يجوز عندنا القول بخلافه. وأمّا القضايا التي قامت على إثباتها أو نفيها أدلّة ظنيّة، فالخلاف فيها سائغ، ولكن بشروط وقيود وليس على إطلاق هذا القول كما هو مبحوث في محلّه.
وعلى أيّ حال، لنعد إلى الإشكال الذي طرحه. وهو في الحقيقة إشكال مبني على قضيّة وهميّة، وهي وجود تعارض في القرآن الكريم، أو قضيّة غير مسلّمة عندنا مفادها أن القرآن الكريم قد يحمل حكمين في المسألة الواحدة. فأي مسألة هذه التي تعلّق بها في كتاب الله تعالى حكمان. أهي مسألة عقائديّة أم عمليّة؟ فليأتنا بها حتى ننظر فيها.
وإن كان قد بنى كلامه هذا على المثال الذي قدّم به كلامه في صاحب الكبيرة على ما يظهر. فنقول:
علينا وقبل أن نجيب عن سؤالك أن نستثني كلّ خبر في القرآن من حيث هو كذلك. لأنّ الله تعالى يستحيل أن يخبر بأمر يناقض ما أخبر به في موضع آخر. لأن النقيضتين لا تصدقان معاً ولا تكذبان معاً. فيلزم أن يكون خبره في إحداهما صادقاً وفي الأخرى كاذباً، والله تعالى يستحيل عليه الكذب لقيام البرهان على صدقه. هذا خلف. اللازم فاسد فالملزوم مثله. فثبت استحالة التعارض في أخباره. وأما الدليل على وجوب الصدق له تعالى، فقد قررته بعدّة وجوه أثناء نقاشي مع الأخ الفاضل إسماعيل حمّودة وفقه الله قبل شهور وهو موجود في المنتدى، فليرجع إليه من أراد الاستزادة.
فصاحب الكبيرة إن كان مؤمناً فهو إما خالد في النار أو ليس بخالد فيها. ولا ثالث بين النفي والإثبات. وكما يستحيل اجتماع هذين الأمرين على القابل لهما، فكذا يستحيل ارتفاعهما عنه، لكون القضية المسلّمة ههنا منفصلة حقيقيّة أي مانعة جمع وخلوّ. فإذن الحق في هكذا مسألة لا يمكن أن يتعدد. ونحن ندّعي أن كلّ من خالف قول أهل السنّة فيها، فقد نظر نظراً فاسداً. فليقرر لنا المخالف استدلاله. وعلينا إظهار فساده. وأنت إما أن تسلّم قولنا فلا يصح بعدُ الاستناد إلى هذه القضية فيلزمك لتثبت الحكم بتوارد حكمين ثابتين في القرآن على محلّ واحد أن تأتي بدليل آخر. أو لا تسلّمه فتنتصر لقول المعتزلة بدليل، ونأتيك نحن بنقضه. فماذا تقول في ذلك؟
أما في آيات الأحكام أي العمليّة، فإنا نقول: الحق عند الله تعالى واحد لا يتعدد مطلقاً خلافاً للمصوّبة كما هو مقرر في محلّه. فإن قلت فماذا نفعل بالتعارض؟
أقول: قبل ذلك، أريدك أن تدقق في عبارة العلامة المحقق صاحب جمع الجوامع حيث يقول: "يتحصّل من النصّين المتعارضين" أي ظاهراً "ستّة وثلاثون نوعاً" أي من أنواع التعارض "لأنّه لا يخلو إمّا أن يكونا عامّين أو خاصّين، أو أحدهما عامّاً والآخر خاصّاً، أو كلّ منهما عامّ من وجه خاصّ من وجه. فهذه أربعة أنواع كلّ منهما ينقسم ثلاثة أقسام. لأنّها إمّا معلومات أو مظنونات. أو أحدهما معلوم والآخر مظنون. يحصل اثنا عشر. وكلّ منهما إمّا أن يعلم تقدّمه أو تأخّره، أو يجهل. فيحصل ست وثلاثون".
وهذه الطريقة من النظر التي اتبعها علماؤنا، وهي القسمة التامّة في كلّ مسألة، لتحصيل جميع الاحتمالات الممكنة، ثمّ البحث في كلّ احتمال، هي برأيي سر من أسرار الثّقة الكبيرة الموجودة عند أهل السنّة الأشعريّة، فهم حين يبحثون المسائل مع الناس تراهم لا يستغربون قولاً، وإن لم يكونوا قد بحثوا في نفس المسألة بالذات، فإنهم تكلّموا في كليّاتها على الأقل، وكثير من الناس ممن ليس لهم خبرة بكتب أهل السنّة يستغرب هذا الكلام حين نقوله، وربما يخطر ببالهم بعض الأفكار، ويظنّون أنها فتح لم يسبقوا إليه، وأن كلّ الناس كانوا عنه من قبله غافلين. ويكون في الواقع أمراً معروفاً ومتقرراً ومبحوثاً ومدوّناً منذ زمن بعيد. وقد مررت بذلك شخصيّاً في بداية قراءتي للكلام، ثم انحلّت في ذهني هذه العقدة كما سأذكره الآن. وليكن هذا الاستطراد حاشية على قول فادي: (لكن إذا أتينا إلى واقع الحال فإننا سنصطدم بكثير من المسائل التي لا يعلم لأحد من الصحابة خوض فيها) اهـ مثل ماذا يا فادي؟
إن سبر الاحتمالات بالقسمة أمر عقلي محض، وإذا تعلّقت المسألة بأمر نظريّ محض لا يتوقّف تحصيله على توفر أجهزة القياس أو تطوّرها، فلا شكّ أن الباحث سيجد فيه تطوّراً كبيراً جدّاً عند القدماء. بل إنهم كانت عندهم علوم ومواهب ليست موجودة لدينا اليوم، وإني والله أرى كلّّ الضجّة الفلسفيّة القائمة في العالم اليوم هي تكرار لما بحث في الماضي، ويندر أن يضاف شيء جديد حقيقي، وإن الذين يمكننا أن ننظر في مقالاتهم بالإعجاب والتقدير قليل ما هم، من بين كثير من أدعياء الفلسفة والنظر والتجديد فيها أو في الدين. ثم إنّي لا أفتأ أقول إنه من الغريب النظر إلى الصحابة على أنّهم مجموعة من الناس المنعزلين فكريّاً عن كلّ ما سبقهم من الأفكار، وكلّ ما يعاصرهم من الثقافات كأنّهم سقطوا من السماء. فلا تكاد تتكلم بشيء إلا وترى من يقفز لك ليقول إن الصحابة لم يعرفوا بذلك، أو لم يشتغلوا به وغير ذلك من المقالات الغريبة. ثمّ إن زمانهم كأي زمان، ما يدوّن من تفاصيله شيء يسير بالنسبة إلى تفاصيله الهائلة.
وعلى أي حال، فقد حقق العلماء هذه التعارضات الظاهريّة بين آيات الكتاب أيّما تحقيق، وبحثوا فيها بأقصى ما وسعهم. وكذا بين الآثار. وبين الكتاب والآثار. وما عليك إلا أن تأتي لنا بما تستشكله مما يبدو لك متعارضاً لنرفع عنه الإشكال إن شاء الله تعالى. وستجد أن حلّنا للتعارض سيكون مبنيّاً على الأدلّة الشرعيّة، وليس متأثراً ببيئة وثقافة معيّنة أو غيره مما حاولته فيما سيأتي.
ولنعد، فإذا تقرّر أنّه لا تعارض بين نصوص الكتاب، أو نصوص السنة، أو بين نصوص الكتاب والسنة حقيقيّاً في نفس الأمر. فيكون التعارض موهوماً. وإشارتك إلى أنّ آلات فهم النصوص تتيح فهوماً متعدّدة. حسناً دعنا نتكلّم فيها. لنا عند سلامة الآلات والنظر باستعمالها نظراً صحيحاً عند اتحاد الجهة، والمحلّ، والزمان. فلا نسلّم تعدّد النتايج. سلّمنا إمكان تعدد النتايج بتعدد المذكورة، ولكن لا نسلم مساواة الدليلين في الثبوت والقوّة. سلّمنا المساواة. فلا نسلّم عمومهما. سلّمناه. فلا نسلّم عدم إمكان حمل أحدهما على القيد والآخر على الإطلاق. وإن كانا خاصّين فمثله. وإن كان أحدهما خاصّاً والآخر عامّ فالأمر هيّن. وخلاصة هذا البحث الصغير أن قواعدنا مقرّرة فأتنا بما تعدنا من التعارض لنحلّه.
ثمّ أقول إما أنّك تعتقد بوقوع التعارض بالفعل أو لا. فإن كان الأول فبيّنه لنحلّه. وإلا فإنك لا بدّ أن تسلّم معنا الثاني. والحلّ عند وجوده ظاهراً هو فيما ذكرنا في المقالة السابقة وهذه على سبيل الإجمال.
ثمّ إن غاية ما يمكن سؤاله ههنا: ماذا لو تساوى دليلان من كلّ وجه فما العمل؟
فنقول إن كون هذين الدليلين في أصول الدين ممنوع. فيكونا في الفروع. ثمّ إنّ ههنا أمر آخر، وهو أنّه لا يمكن أن يكون الدليلان قطعيين. لأن العلوم لا تتناقض بالاتفاق. فههنا حجيّة دليل المعلّل توجب له المعذريّة. ويكون دليلنا وارداً عليه على سبيل معارضة قطعه بدليله إن ادعاه. وإن لم يدّعه أجاز كلّ منهما العمل بدليل الآخر لغيره. وهو الحاصل في الخلافات الفقهيّة وغيرها بين العلماء كما هو معلوم. بل التسامح عندنا يتجاوز ذلك ليشمل من لديه شبهة دليل. فترى القضاة لا يحدّون المتمتع للشبهة مع قولهم بأن المتعة زنا. وعلى أي حال، فكلّ هذا جار بين من يجوز لهم الاجتهاد وله ضوابطه المشروحة في كتب الأصول، واعتبر المجتهدون في ذلك لا من هو دونهم لأنّ ظهور الدليل وظنّ الأحكام ليس بمعتبر إلا عندهم. ولا يجوز لمن لم يبلغ رتبة الاجتهاد أن يعمل بظنّه. كما هو معلوم.
وحاصل الجواب عن هذا الإشكال، أن التعارض المذكور إما أنّه محلول بالترجيح قطعاً أو ظنّاً. الأول واضح. والثاني الاختلاف فيه سايغ، فيعتبر فيه ظنون أهل الاجتهاد. مع قولنا إنه لا تعارض في الحقيقة، وقولنا إن ذلك لا يكون في أصول الدين بل في الفروع.
ونرى هذا الأمر من خصائص شريعتنا لحكمة التوسعة على الخلايق، والحث على الاجتهاد، ونقطع بأن مراد الشارع أن تكون الشريعة على هذا القدر من احترام الحريّة الفكريّة. فالمجتهد عندنا يحرم عليه التقليد. ويجب أن يستقل بالنظر. وحكم الله في حقّه هو ما ظنّه الصحيح في المسألة. وله أن يرجع عن حكمه إذا ظهر له في القابل شيء آخر أقوى من الأوّل. وحكم الله تعالى في حق مقلّده هو حكمه في حقّه. وقد يستفتيه اليوم رجل في مسألة فيفتيه بشيء، ثم يظهر له خلافه، فيستفتيه آخر في نفس المسألة فيفتيه بالجديد، ويبقى الأول يعمل بما أفتاه به طوال عمره، والآخر كذلك. وكلّ منهم عابد لله مأجور. ولو أراد الشارع أن يكون الناس كلّهم على قول واحد لنصّ على كلّ مسألة مسألة. والله تعالى أعلم.
قوله: (وهذا سينقلنا إلى سؤال آخر وهو: هل يمكن أن يحمل القرآن حكمين على ذات المسألة من غير أن يكون فيه اختلاف!)
أقول: الاختلاف الذي نفاه الله تعالى في القرآن الكريم جاء في معرض الاستدلال على نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم. وقد بحث المفسرون في معنى هذا الاختلاف ووجوهه الكثيرة، ولا أريد أن أعرض له ههنا لكي لا يطول البحث. فأرجو أن يرجع للتفاسير لتحصيل ذلك.
ثم أقول: إن سلّم أن من الاختلاف المنفي عن القرآن تعدد الأحكام المشار إليه ههنا، فأجيب بأنّ القرآن الكريم ليس فيه اختلاف قطعاً. وبيانه أنه ليس هو نفسه الذي يحمل حكمين في نفس المسألة التي قلنا إنه يجوز أن يقع فيها الاختلاف بين العلماء. ولكن الشارع أراد حصول الاختلاف في الفهم، ليحصل الاختلاف في الحكم. بدليل أنّه أجازه، وقعّد له. وعليه، فيجوز أن يتعدد فهم القرآن المستلزم لتعدد الأحكام في الفروع، ولا يلزم من ذلك أبداً صحّة جميع تلك الأحكام وإن اعتدّ بالأفعال المرتكبة على وفقها، ولا يلزم أنّ حكم الله تعالى في تلك المسألة متعدد. أو حتّى أن القرآن الكريم نفسه يحكي جميع تلك الأحكام في نفس الأمر. بل غاية ما يلزم أنّه يتوارد على ذلك الموضع من المجتهدين عدّة مظانّ. ولمّا جاز العمل بظنّهم جاز اختلاف الأحكام. وقولنا إنّ الآية تُفهِم هذه الأحكام جميعها فليس ذلك في نفس الأمر، بل نعني بذلك أن الآية تحتمل أن يكون المقصود منها أحد هذه الأحكام، بمعنى أنّها يصحّ أن تظنّ تلك الأحكام منها. ولمّا استحال كون هذه الظنون جميعها صحيحة لاستحالة تعدد الحق في نفس الأمر، فإنّا لا نقول أبداً إن القرآن الكريم يثبت حكمين أو أكثر على الحقيقة في المسألة الواحدة.
ثمّ دعني أسلّم لك أن القرآن بالحقيقة يؤدّي حكمين أو أكثر في نفس المسألة، فعند ذلك لمَ لا يقال إن هذه الأحكام المتكثّرة مقصودة بالذات للشارع، فتكون كلّها صحيحة على قول المصوّبة. وعندها لا يضيرنا هذا الأمر، لأنا نقول عندها إن حكم الله تعالى في هذا المسألة واحد هو هذا التعدّد. وإن سمّيته أنت اختلافاً، وسلّمنا لك هذه التسمية أصلاً، فلا نسلّم أنه من أنواع الاختلاف التي نفاها الله تعالى عن كتابه. فتدبّر هذا الكلام الرائق. وإن أردت أن تناقش المسألة أكثر، فإن ذلك مما يسرّني، إذ لدي وجوه أخرى تتدافع الآن إلى ذهني لأثبتها، وأضرب عن ذكرها صفحاً خشية التطويل. وأختم التعليق على هذا الموضع بكلمة، هي أني أستغرب منك ومن كثير غيرك ممن يحاولون تصوير الخلاف بين العلماء بطريقة توهم أنّ الدين لا يعرف رأسه من رجله، وقد ضاع الحق وتفرّق ولا يعلم أين هو، ولذا فإن علينا أن نعيد النظر لصياغة جميع مسائله، ونحكم فيها أحكاماً تتناسب مع فهمنا الموضوعي وظرفنا التاريخي. وهذا في الحقيقة مغالطة كبيرة جدّاً. ويمكن معرفتها بالبحث عن جواب سؤال صغير، وهو أنه من المعلوم أن أئمة الدين المقلَّدين لهم أقوال في الأغلب الأعم من المسائل الاعتقادية والعملية وفي جميع المسائل التي احتيج إليها في عصرهم مما عرض عليه. وعصرهم لا يختلف كثيراً عن عصرنا كما يحاول البعض إيهامه. فكم عدد المسائل التي قال فيها أحدهم إنها حرام والآخر قال إنها حلال. وكم مسألة قال فيها عالم بقول وكفّره أو فسّقه أو بدّعه عالم آخر... وما هي تلك المسائل، وكم بلغت من الأهميّة والانتشار في حياتنا اليوم.
هل فعلاً وجوب احتجاب المرأة أمر مختلف فيه بين العلماء، بحيث لو بعث الأئمة والصحابة الآن من قبورهم ومشوا في شوارع العواصم العربية والإسلاميّة ورأوا هذا السفور والتشليح المقرف في الملابس الذي يصممه مصممون أكاد أحلف أنه ليس لأحد منهم أخت أو زوجة أو ابنة يغار عليها، سينظر هؤلاء الأئمة إلى ذلك بعين الرّضا، ولا يجدون في أنفسهم غضاضة ولا حرجاً. ويهزون رؤوسهم أن الحمد لله هذا هو دين الله الذي أمر؟ إن كلّ واحد يعلم من نفسه علماً ضرورياً بأنّ ذلك ليس صحيحاً.
قوله: (قبل الإجابة عن السؤال المطروح دعونا نطرح سؤالا آخر وهو: إذا كان النص واحداً فلماذا اختلفت الفرق في فهمه؟)
أقول: وحدة النص لا تقتضي فهماً واحداً ليسأل عن ذلك. فإن اختلاف الفهوم أمر طبيعي. لأن الفهم وصف للفاهم. وليس صفة للنص فلا يستغرب اختلافه. ولكنّا نقول إن النصّ في سياقات الشريعة كوحدة متكاملة فهو في حالة بحيث يلزم من العلم بمعناه الوضعي العلم بأمر آخر. ثم إن الأصل أن يكون هذا المعنى المدلول واحداً. ولكننا أيضاً لا نجد إشكالاً في قول من قال بتعدد حتى ذلك المعنى على ما بيناه سابقاً عند الكلام في أنه هل يجوز أن يكون للنص حكمان. وسنناقش الأمر أكثر فيما يلي، ولكني ههنا أحببت التنبيه على الفرق بين أمرين فهم الفاهم، ومدلول النص في نفس الأمر.
ثم قال: (إن آليات فهم النص تتحدد بعدة أمور)
أقول: إذا سلّمنا أن للنص في نفس الأمر معنى معّيناً سواء كان واحداً أو متعدّداً، ولنسمّه المعنى المقصود بصرف النظر عن وحدته وتعدّده، فالسؤال المهمّ والذي يجب أن يتأمل مليّاً وتدقّ عنده الأوتاد، هو أنّه هل ثمّة أداة للفهم تكون مشتركة بين جميع المكلّفين وتكون مستقلّة وموضوعيّة كما يسمّونها في هذا العصر وتكون في نفس الوقت مطلقة الصحّة إذا تمّ لها استدلالها وفق قواعد الصحّة المتّفق عليها. أنا أقول نعم. وهو الأصل. وأزيد بأن ذلك هو أنسب أداة بل هي الوحيدة التي يسوغ أن يتعلّق بها التكليف، لأنّه بها تتساوى فرص المعرفة أمام المكلّفين. وهذه الأداة هي العقل المحضّ أولاً وهو واحد في كلّ عاقل. ثم القدر القطعي من علوم الآلات، الذي هو في الحقيقة مبدأ لكلّ العلوم. وكلّ عقل محض فبوسعه أن يحصّل تلك الأدوات. وهنا يحصل التفاوت بين المكلّفين بمقدار تمكّنهم وتملّكهم لتلك الآلات. ثمّ إنّ تعميق فهمنا للنص المطلق المنزه عن التعارض يكون بتقدّمنا في العلوم، فكلّما زادت علومنا ازداد القدر القطعي من الآلات والمعطيات التي يمكننا أن نفكّر في النصّ من خلالها أو باعتبارها وبهذا يكون فهمنا لهذا النصّ أعمق وأشمل. وهذا أيضاً قدر يتفاوت فيه البشر.
لا يقال التفسير القديم ليس صحيحاً والتفسير الصحيح هو تفسيرنا اليوم. إذ كلّ منهما استند إلى نفس قواعد الفهم. بل أقول إن الفهم الجديد لا يمكنه إذا كان منبنياً على نظر صحيح أن يعارض الفهم الأوّل، ولكنّ الأول إما أنه يكون قد تناول جهات دون أخرى، وهذا الجديد راعى تناوله للجهات التي أغفلت، أو أن الأول مجمل والثاني مفصّل...إلخ. والحقيقة أن هنالك كلام كثير جدّاً يمكن أن يقال ههنا. والمقصود من هذا البحث الصغير هو أنّا نستطيع أن نفكّر في أمور كلّية على مستوى أعلى بكثير من الذي ستقرأونه الآن في كلام فادي. ثمّ إني أدعو فادي والإخوة القرّاء إلى تناول بعض الكتب التي تتكلّم في البلاغة القرآنية أو الإعجاز أو أصول التفسير، أو مقدّمات بعض التفاسير كعشر مقدّمات الإمام العلاّمة ابن عاشور قبل شروعه في تفسيره التحرير والتنوير. وأنا أعد كلّ من يفعل ذلك أن يجد نفسه أمام عقول كبيرة، ومستوى عال من الفكر في تناول الكليّات... فتأملوا كلامه:
يقول: (منها الثقافة التي فهم القارئ النص من خلالها بالإضافة إلى نفسية القارئ التي تتعامل مع النص ثم طبيعة النص ذاته، فعلى سبيل المثال الثقافة التي يبرز فيها مفهوم الظلم المفتعل من قبل أصحاب السلطة سيؤدي بالضرورة إلى إفراز نمطين من الناس من يعاني من هذا الظلم ومن يؤيده وفي حالة أن كان الطرفان يستندان إلى مرجعية واحدة فإن كل فريق سيحاول أن يجد في هذه المرجعية ما يدعم موقفه، وسيقرأ في النص رأيه هو، وقد يقرأ بعض من يتعرض للظلم الرأي المقابل إذا اشتد الظلم عليه لتبرير استكانته وتخاذله)
أقول: نعم يمكن أن يسقط الإنسان ثقافته وأهواءه ومآربه على نصوص الشريعة وخصوصاً القرآن الكريم، ويحاول أن يقرأها قراءة معيّنة توهم أن المراد منها هو الفكرة التي يطرحها أو يدعو إليها. وماذا يضير الدين في ذلك. ألا ترى كلّ محاولات الحكماء لتجيير الدين لصالح مقالاتهم، وكذا ضلاّل الصوفية، ومثله يتجلّى في تفاسير الشيعة الإمامية، وحمقى أدباء هذا العصر الذين يحاولون تطبيق معايير النقد الأدبي الغربية على النصوص القرآنية حذو القذّة بالقذّة، ومنهم من ينظر إلى القرآن الكريم كمجموعة من القصص والمقالات التي ليست سوى حلقة من حلقات التراث الفكري الإنساني في رحلة تطوّر وعيه وبحثه عن الحقيقة، فيساوي بينه وبين الإنياذة والأوديسة وجلجامش والشاهنامة وغيرها من الملاحم والأساطير... فليغنّ كلّ على ليلاه. فالقافلة تسير والكلاب تنبح. لأنّ كلّ قول غير مأصّل وغير مقترن بدليل له وجهه فسوف ينتهي به الأمر إلى مزبلة التاريخ، وسيندثر ولن يلتفت إليه أحد. والأدلّة على ذلك من التاريخ لا تكاد تحصى.
وقصارى الكلام، فليقل كلّ من يشاء ما يشاء، ولكن من يقدر على إثبات مقالاته هو الذي سيخلّد. وبكل موضوعيّة، وأمانة، وبلا تعصّب أقول: لا يظنّ ظانّ أني أنا المتكلّم مثلاً قد ولدت فوجدت نفسي أترعرع في المساجد، بل لقد تقلّبت على جمر طوال سنوات وسنوات وأنا أبحث عن الفكر الذي يمكنني أن أحمله بعزّة، وأدافع عنه دفاع المستميت، حتّى انتهى بي المقام على قول أهل السنة والجماعة من الأشعريّة، وحين أقابل مقالاته بمقالات مخالفيه وخصوصاً الاتجاهات غير الدينية في حقيقتها أرى أصحاب تلك المقالات كالعصافير الصغيرة في أيدي السادة العلماء. ولكن الحال أن تلك العصافير لها صياح عال يلفت الأنظار، وتقلّبات في يد القابض عليها تستدر عطف بعض مشاهديه للانتصار له.
والجواب عن كلامك يتلخّص بكلمة واحدة، وهي أنه سلّمنا أن أصحاب المآرب يحاولون فهم الدين بحسب تلك المآرب، من حيث يشعرون بذلك ويقصدون إليه أو من حيث لا يشعرون ولا يقصدون أي في لا وعيهم كما يطيب للبعض أن يسمّيه، وهي تسمية تحتاج إلى تحقيق. فإنا لا نسلّم إمكان إثبات كلّ مدّع لدعواه، بل نقطع بأنه إذا سلّطنا معايير النقد على هذه المقالات فإنها ستتهاوى تحت معاولنا. فماذا يريد فادي من هذا الكلام، هل يريد تبرير مقالة كلّ قائل مهما كانت خاطئة، لمجرّد أن قائلها يرى أنّها صحيحة. إن كان هذا ما يريده فلا أظنّ عاقلاً في العالم يوافقه على هذا الكلام. لأنّ هذه النسبيّة والعنديّة لا ينصرها غير فرقة منبوذة من السفطائية. وإن كان يوحي لنا بغير ذلك فليبيّنه لنعطي رأياً فيه.
قوله: (وفي المسألة المفروضة فإن الطرف الذي يشعر بقسوة الظلم سيسترعي انتباهه النص الذي يتكلم عن تخليد مرتكب المعاصي في النار .. إلى قوله: مبرراً للاستكانة والتخاذل)
أقول: لو كنت في رائق زماني الفائت حين كنت أطرّز القصص، وأديلكتكها لكتبت مسلسلاً تدور أحداثه حول هذه الفكرة. فبأدنى نظر نعرف أن هذه قصّة فيلم هندي وليست ضابطاً لاستنباط الأحكام من نصوص الشريعة. وكلامه كلّه معارض بالكثير من الشواهد على مظلومين ومقهورين لم يتعلّقوا بالنصوص التي يجب أن يتعلّقوا بها من وجهة نظر فادي، وكذا هنالك كثير من أصحاب السلطان قد تبنوا المواقف والعقائد التي تتعارض مع أهوائهم ومصالحهم الشخصيّة. وأقلّ ما يسأل عنه ههنا: كيف تريدنا أن نستخرج من هذا الكلام قواعد منضبطة لفهم الشريعة. أي هل لك أن ترينا كيف نفعل ذلك؟ ثمّ إن كنت قد سقت هذا الكلام لتبرير مواقف الناس الاعتقادية أو العمليّة، فلا نرى في كلامك قاعدة منضبطة يمكن تسليمها كعلم. والنفس الإنسانيّة أعقد بكثير مما حاولت تصويره ههنا. أما أن يسوّغ التفسير بناء على حالة المفسّر، أي وجهة نظره من حيث ما هو جزء من تركيبة اقتصادية اجتماعية ثقافية ... إلخ مخصوصة، فأنا أطلب منك أن تقرر قضاياك في الاستدلال على جواز فهم نصوص الشريعة بحسب ما يقتضيه كلّ عصر من مصلحة أو منفعة فرديّة أو عامّة، وسأريك كيف أهدم لك هذا الكلام من أركانه. أريد فقط أن أستمتع بقراءتك تستدل على جواز ذلك، ثم يكون لي الحديث.
ثم قال: (هذا بالنسبة إلى العامل الأول مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الثقافة ...إلى قوله: بل في شعوره كذلك.)
أقول: لم يزد ههنا شيئاً جديداً يستحقّ الكلام عليه. فلا يزال يدور حول أثر العامل الذاتي أو النفسي أو البيئة والتربية ومختلف الظروف الزمانية والمكانية المحيطة بالمفسّر. وقد تكلّمنا في ذلك فلا نعيد.
قوله: (إلا أني لا أقصد إهمال دور النص... إلى قوله: وكما رأينا تعرض لتأويلات مختلفة جعلته يظهر وكأنه فقد صفة البيان التي نسبها لنفسه)
أقول: هذا الكلام ليس صحيحاً، ولا يسلّم أبداً. فالقرآن الكريم مبين عن نفسه بالتشكيك كما حقّقناه، والفهوم المتفاوتة في شموليتها وخصوصيتها وكلّيتها وجزئيّتها لا تتعارض تعارضاً حقيقياً كما أثبتناه إذا كانت فهوماً صحيحة، فلم يفقد هو مطلقاً صفة البيان. وتعارض الفهوم سببه فساد بعض الأنظار.
يتبع... والعذر إذا كنت أتأخر في الكتابة فالبكاد أجد وقتاً لذلك في أواخر رمضان، بارك الله تعالى لنا في أوقاته. وأنا والله أفترص الفرصة لأكتب بعض الملاحظات ثمّ أنشغل، ويمكن لفادي أن يبدأ بالإجابة والمناقشة ولا اطلب منه انتظار كلّ ما سأقوله. فسأوافيه بكلّ ما يريد وزيادة، فلا يعجل عليّ. ثمّ إني في شوق لقراءة رأيه وتحقيقاته فيما كتبنا.
وصلّ اللهمّ على سيّدنا العظيم محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم
ملحوظة للإدارة: لقد وجدت خيار إضافة رد ملغى من مقالة فادي فلم ذلك؟
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين