بسم الله الرحمن الرحيم
حسناً يا فادي، أنت توقفت عن المناظرة، ثم قبلت الرّجوع، ووضعت شروطك، واخترت المسألة التي تريد الكلام فيها. وأنا لا اعتراض لي على كلّ ما وضعته من شروط بل أعبر بما هو أعمّ منها، وهو أنه يجب على كلّ منّا أن يلتزم بآداب البحث والمناظرة المعروفة عند أهل الفنّّ. وكذلك لا اعتراض لدي على الكلام في عموم الآية الكريمة التي بدأنا الحديث فيها. ولكن لي مطلبين آخرين:
الأوّل: أنك حين قطعت المناظرة معي تعللت بأني لا أحسن تطبيق مبادئ الأصول، وإني أصرّ عليك أن تبيّن أين وقع منّي ذلك، بأن تأتي بكلامي الذي طبقت فيه تلك المبادئ ثم تبيّن لي وللقرّاء خطأ تطبيقي لها بما يسوّغ لك الحكم عليّ بذلك. وأظنّ أنّ هذا من حقّي.
الثاني: أريد في المناظرات التي سنشرع بها إن شاء الله تعالى فيما نحدده من المسائل، أن تحدد موقفك في المسألة، موقفك أنت. فأنا مثلاً في مسألة فاعل الكبيرة أتبنى قول الأشعريّة، وأعرف قول المعتزلة فيه بالتفصيل بدءاً من الأصل الذي بنوا عليه. وحين أتكلّم فأنا أريد أن أناظر فادي لا المعتزلة، إلا أن تقول لي إنك تتبنّى قول المعتزلة وتريد أن تنصّب من نفسك مدافعاً عن مقالتهم. وهو ما لا أظنّه بحسب ما فهمته من جملة النقاشات التي دارت بيننا.
وهذا أمر في غاية الأهميّة بالنسبة لي، لأنّي أخشى ما أخشاه أن نفرغ أوقاتنا الثمينة في الكلام في مسائل سواء كانت فرعيّة أو أصليّة، وفي نهاية الأمر، ومهما كانت نتيجة المناظرة سواء اندفاع مقالتك أو مقالتي، أن لا تعني لك النتيجة شيئاً ولا تلزمك بشيء، لكون الأصول التي تتفرّع عليها تلك المسائل غير مسلّمة عندك. وقد رأيتك تخالف في القول بالتكليف، وبيان القرآن الكريم، ووجوب صدق الرسول الكريم، واستحالة الكذب في خبره تعالى، وتواتر القرآن الكريم بلفظه، إلى غير ذلك من المسائل الكبرى الأصليّة.
ولذلك فإني أرى من الحكمة أن نرى ماذا سيسفر عنه نقاشك مع الشيخ في موضوع بيان القرآن الكريم، وإن كان لا يزعجك أنت والشّيخ فربّما تدّخلت في الكلام، وإلا انتظرت، حتى نرى نتيجة ذلك فنبني عليها الكلام.
وإن كنت لا تريد الانتظار، فحقق لي ما طلبت أولاً، ثم قرر لي بشكل واضح ما تعتقده أنت وتدافع عنه بخصوص الآية الكريمة محلّ الكلام، وبناء عليه فإما أن أوافقك فننتقل للكلام في مسألة أخرى، أو أسألك عليها. ويدور الكلام. وإن أردت أن تكون أنت السائل فلا مانع عندي. ولكن على كلّ حال أريد أن أعرف قولك أنت فيها بشكل واضح. وهنا لا أقبل منك أن تناقشني فيها إذا كنت تقول إنك لا رأي لك فيها، لكونها مبنيّة على كون القرآن مبيناً وأنك لا تراه كذلك مما يلزم عنه توقّفك فيها توقّف المتحيّر. فههنا يلزمنا الرجوع إلى أصل المسألة وهي بيان القرآن الكريم.
ثم حسناً لا أريد منك أن تخلص لله تعالى وللبحث الذي نبحثه كما اعترضت عليه معتبراً إياه شركاً أصغر أو كما قلت ثمّة، بل أريد من كلينا أن يكون كلامنا تعبيراً عمّا نعتقده وندين الله تعالى به، ومن باب النصيحة في الله تعالى. ووالله إني لأعلم أنّه إذا لم نتجرّد لذلك فيمكنك أن تلاحيني، وألاحيك ونستمر في الجدل ولا ينال أحد منا شيئاً سوى إضاعة الوقت. وإني بعد كلّ ما كان، أفتح قلبي وأرتفع عن لظظ التناظر، وعلى نيّة ذلك أستخير الله تعالى في هذا الأمر عساه أن يخرجنا من ظلمات الوهم، ويفتح علينا بمعرفة العلم، ويسهّل أخلاقنا بالحلم، ويوفقنا لما يحب ويرضى إنه حسبي ونعم الوكيل.
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين