بسم الله الرحمن الرحيم
اسمحا لي أن أتدخل في هذا النقاش.
أولاً: يا أخ هيثم أنت تقول إن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، وهي عبارة الإمام أحمد كما هو معلوم. وهذا القدر لا ينازعك فيك الشيخ جلال.
ثانياً: الأخ جلال يقول لك كلام الله تعالى الذي هو صفته القائمة به والتي لاتصافه تعالى بها سمّي الله تعالى متكلّماً إنما هي صفة قديمة قائمة بذاته ولا يجوز أن تكون مخلوقة. ولا يظهر لي أنّك تخالف في أنها غير مخلوقة. ولكن الظاهر أنك تقول إن الكلام فعل من أفعال الله يحدثه الله في ذاته، فهل هذا بالضبط ما تريده؟
ثالثاً: أنت يا أخ هيثم تقول إن البخاريّ يقول بأنّ كلام الله تعالى محدث مستدلاً بتبويبه: (باب قول الله تعالى: (كل يوم هو في شأن)، و(ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث) وقوله تعالى: (لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً) وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين لقوله تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)، وقال ابن مسعود عن النبي (صلى الله عليه وسلم): (إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة). والأخ جلال لا ينازعك في أنّ الذكر الوارد في الآيتين محدث بنصّ الكتاب العزيز. ولا يمكنه أن يجادل في ذلك. ولكن الاختلاف بينكما في معنى هذا الذكر. فهو لا يجيز كون هذا الذكر المحدث قائم بذاته الله تعالى، وأنت تجيزه كما هو ظاهر، فأين الدليل على أن هذا الذكر -الموصوف في هاتين الآيتين بأنه محدث- هو الصفة القائمة بذات الله. أو أنه فعل من أفعال الله تعالى التي يحدثها في ذاته. ائتنا بدليل من الشرع، أو من أقوال السلف على ذلك. أو على الأقل من قول البخاريّ الذي كلامه هو محلّ النزاع الآن.
رابعاً: أنت يا أخ هيثم تقول بأن البخاريّ يفرّق في المعنى بين المحدث والمخلوق. ولم تأتنا بدليل على أنّه يفرّق بينهما في المعنى، بل كلّ ما أتيت به لا يدلّ إلا على التزامه بعبارة القرآن الكريم. أي أنّه يلتزم بما أطلقه القرآن على الذكر بأنه محدث. سلّمنا أن الذكر ههنا هو القرآن وهو كلام الله تعالى، ولكن التزام البخاري بوصفه بأنه محدث لا يدلّ على أنّه يفرّق بين المحدث والمخلوق. ولا يدلّ على أنّه يقصد بأن هذا الكلام المحدث من حيث ما هو محدث هو صفة قائمة بالله، أو أنه فعل قائم بالله، بحيث يجوز لك أن تقلّده فتقول إن الكلام الذي هو صفة لله تعالى أو فعل له حادث في الذات الإلهية.
فلا يدل كلام البخاري بمنطوقه ولا بمفهومه على أن كلام الله تعالى سواء كان صفة له أو فعلاً من أفعاله أن كلامه يحدث في ذاته العليّ سبحانه. فعليك أن تقول لنا أولاً هل الكلام عندك صفة لله تعالى، أو هو فعل من أفعاله؟ ثمّ تقول لنا: ما معنى الحدوث في ذات الله؟ ثمّ عليك أن تدلل على أن المعنى الذي تقول به أنت هو عين المعنى الذي يقصده البخاريّ في ترجمته.
خامساً: لا شكّ عندي بأن إطلاقك لفظ المحدث على كلام الله، وعدم إطلاقك لفظ المخلوق عليه هو فرع فهمك لمعنى المحدث ولمعنى المخلوق، وإلا لا يجوز في العقل تفريقك بين شيئين إذا لم تكن فاهماً لمعنييهما. فقل لنا ما معنى المحدث الذي تصف به كلام الله تعالى وما معنى المخلوق. وهل ما يخلقه الله فعل من أفعال الله أو لا؟ وهل ما يحدثه الله فعل من أفعال الله أو لا؟ فالظاهر من كلامك أن أفعال الله تعالى تنقسم إلى قسمين: قسم يفعله في ذاته أي أن ذاته تكون محلاً له ويسمّى محدثاً، وقسم يفعله خارج ذاته ويسمى مخلوقاً؟! وأنتم السلفية لا تعتقدون بعقيدة إلا إذا كان لكم عليها كما تدعون- دليل من القرآن أو السنة أو الإجماع أو أقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم من السلف الصالح. فهات لي أي دليل تختاره على هذه القسمة؟
سادساً: عليكم أن تلاحظوا أن لفظ القرآن وكلام الله لما جاز في الشرع إطلاقه على أكثر من معنى، صار إطلاق لفظ المحدث ولفظ غير المخلوق دون تبيين وتحديد المعنى الذي أخبر عنه بأنه محدث والمعنى الذي أخبر عنه بأنه غير مخلوق، منشأ للغط. فتحرير النزاع تماماً بيننا وبين الأخ هيثم، يكون بالجواب على الأسئلة التالية:
أولاً: هل القرآن المتلو من الناس بالأصوات والحروف، والمكتوب في المصاحف، والمحفوظ في الصدور مخلوق أو غير مخلوق؟
ثانياً: هل القرآن المتلو من الناس بالأصوات والحروف، والمكتوب في المصاحف، والمحفوظ في الصدور محدث أو غير محدث؟
ثالثاً: هل الصفة القائمة بالله تعالى والتي نسميها الكلام والقرآن مخلوقة أو غير مخلوقة؟
رابعاً: هل الصفة القائمة بالله تعالى والتي نسميها الكلام والقرآن محدثة أو غير محدثة؟
واعلم أن الأخ جلال والأشاعرة عموماً يقولون بأن الكلام صفة لله تعالى قائمة بذاته قديمة قدم ذاته العليّ سبحانه، ولذا يستحيل عندنا أن يكون كلامه تعالى القائم بذاته فعلاً من أفعاله، أي مخلوقاً من مخلوقاته، أي محدثاً بإحداثه له تعالى في ذاته أو خارج ذاته. ونحن لا نفرق بين المحدث والمخلوق. وأما الورق الكتابة والأصوات والحروف والمحفوظ في الصدور فلا نعلم عاقلاً يقول إن هذه الأشياء ليست مخلوقة من مخلوقات الله تعالى أو أنها ليست بحوادث. ولكننا في نفس الوقت نقول إن هذه الألفاظ المنطوقة والمحفوظة في الصدور والكلمات المكتوبة في المصاحف دالة على كلامه تعالى الذي هو صفته، وهي عبارة عليه.
وأما الآيتان اللتان وصفتا القرآن الكريم بأنه محدث فإن قولنا فيهما هو قول الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره، قال: (القول في تأويل قوله تعالى ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون يقول تعالى ذكره ما يحدث الله من تنزيل شيء من هذا القرآن للناس ويذكرهم به ويعظهم إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة قوله ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث الآية يقول ما ينزل عليهم من شيء من القرآن إلا استمعوه وهم يلعبون). انتهى
وقال: (القول في تأويل قوله تعالى وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين يقول تعالى ذكره وما يجيء هؤلاء المشركين الذين يكذبونك ويجحدون ما أتيتهم به يا محمد من ثم ربك من تذكير وتنبيه على مواضع حجج الله عليهم على صدقك وحقيقة ما تدعوهم إليه مما يحدثه الله إليك ويوحيه إليك لتذكرهم به إلا أعرضوا عن استماعه وتركوا إعمال الفكر فيه وتدبره) انتهى
وأين هذا مما تقوله أنت من أن الكلام محدث في ذات الله تعالى، أي أنه تعالى يحدثه في ذات نفسه. أين كلام الطبريّ من كلامك. وهو عندك إمام المفسرين. ائتنا بواحد من المفسرين أو واحد من السلف يقول بقولك هذا يا هيثم. فأنت تقول: (...أما الجهمية والأشاعرة فيقولون بأن الله ليس محلاً للأفعال الحادثة، وأن الإحداث والخلق مترادفان) فهات لنا قولاً لأحد من السلف يقول بأن الخلق غير الإحداث، أو أن الله تعالى محلّ للأفعال الحادثة. أو أن الكلام فعل لله وليس صفة له؟
ولألخّص لك ما أريده مرّة أخرى لكي لا تقول أكثر عليّ الأسئلة:
- ما هو تعريف المخلوق وما هو تعريف الحادث؟
- وما الدليل على تفريق البخاري بينهما؟
- ما هو الدليل على أن أفعال الله تعالى قسمان: حادثة تقوم بذاته وتكون ذاته محلاً لها، ومخلوقة تقوم خارج ذاته؟
- ما الدليل على أن البخاري يقول بهذا الكلام الذي تقوله أنت؟
- هل المكتوب في المصاحف المحفوظ في الصدور والمقروء بالألسن المسموع بالآذان مخلوق أم غير مخلوق؟
- هل القائم في ذات الله تعالى هو عين الألفاظ والحروف والأصوات والمقاطع التي نعرفها أم غيرها؟
- إنني ألاحظ أنك أحياناً تطلق على القرآن بأنه صفة وأحياناً تريد بأنه فعل حادث يقوم بذات الله كما أفهمه من بعض عباراتك، فهل القرآن صفة أم فعل؟
أجب عن هذه الأسئلة، ثم نتمم النقاش.
وأما السؤال الذي سألته آخراً للأخ جلال فالجواب عنه:
قال ابن حجر في الفتح: (قال ابن بطال: .... فالذكر الموصوف في الآية بأنه محدث هو الرسول لأن الله تعالى قد سماه في قوله تعالى قد أنزل الله إليكم ذكراً رسولاً فيكون المعنى ما يأتيهم من رسول محدث ويحتمل أن يكون المراد بالذكر هنا وعظ الرسول إياهم وتحذيره من المعاصي فسماه ذكراً وأضافه إليه إذ هو فاعله ومقدر رسوله على اكتسابه. وقال بعضهم في هذه الآية أن مرجع الإحداث إلى الإتيان لا إلى الذكر القديم لأن نزول القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شيئاً بعد شيء فكان نزوله يحدث حيناً بعد حين كما أن العالم يعلم ما لا يعلمه الجاهل فإذا علمه الجاهل حدث عنده العلم ولم يكن إحداثه عن التعلم إحداث عين المعلم. قلت: والاحتمال الأخير أقرب إلى مراد البخاري لما قدمتُ قبل أن مبنى هذه التراجم عنده على إثبات أن أفعال العباد مخلوقة ومراده هنا الحدث بالنسبة للإنزال وبذلك جزم بن المنير ومن تبعه). اهـ
والمعنى أننا لا نسلّم أن مراد البخاريّ بهذه الترجمة هي وصف كلام الله تعالى الذي هو صفة له، بل بيان أن أفعال العباد مخلوقة. ومراده بالحدث بالنسبة للإنزال لا أن القرآن الذي هو صفة الله تعالى محدث. ولا نسلّم أن البخاريّ يفرّق بين المحدث والمخلوق. فعلى من يدّعي ذلك أن يأتي بالدليل الواضح. ثمّ لو كان هذا كما تقول هو اعتقاد أهل الحق سلفاً وخلفاً فإنك ستجد لديهم الكثير من النقول التي تؤيد هذه التفرقة، فائتنا بشيء من ذلك.
ولنا عودة إن شاء الله بعد أن تجيبنا على أسئلتنا. والحمد لله رب العالمين.
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين