لا يظهر اضطراب الفرق الكلامية قدرما يظهر عند تعاملهم مع نصوص القرآن والسنة. كيف لا وهم لا يعتقدون بوجود دليل نقلي خالص، فكلّ دليل نقلي لا بدّ له من مقدمات عقلية يُفهم بناء عليها!
ومن أمثلة ذلك الاضطراب: تعريفهم لصفتي السمع والبصر.
ففي بداية الأمر جعلوا السمع متعلقاً بالمسموعات والبصر بالمبصرات. لكنهم سرعان ما واجهوا إشكالية اقتضاء تعريفهم هذا للتشبيه والتجسيم! لأسباب يعرفونها.
فلجؤوا إلى اختراع ضحكة لم يُسبَقوا إليها، فقالوا: إن سمع الله وبصره متعلقان بكل ما تعلّق به علمه! وعلمه متعلّق بكل موجود! والسمع والبصر قدْرين زائدين من الكشف عن حقيقة الموجود على مجرّد العلم!
يعني: الله (سبحانه) سمع الألوان والروائح، ورأى الأوهام، وسمع ورأى الأحوال من بنوة وأبوة وغيرهما، وسمع ورأى صفاته السبع!
فهل هذا إثباتٌ لهاتين الصفتين على الحقيقة؟! وهل لأحدهم أن يحلف بالله أنه مطمئن لعقيدته هذه؟! ثم يرمون الأثريين بأنهم لا يفهمون عقيدتهم.
والغريب أنهم يعتبرون هذا الاختلاف اختلاف تنوّع، مع الفرق الشاسع بين القولين فيما يتعلق بمسألة عقدية مهمّة لا ينبغي أن يكون فيها خلاف، فإن القول الأول يقتضي أن الله لم يسمع نفسه، أما الثاني فلا يمنعه!




