[ALIGN=CENTER]بسم الله الرحمن الرحيم[/ALIGN]
[ALIGN=JUSTIFY]الأخ السائل
وعليكم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
لقد سمعت كثيراً من أمثال هذه الشبه حتى الآن.
وهي ليست بالجديدة على المتابع للمذاهب والعقائد.
والعجب منها كل العجب.
فأما أن الشيخ أبا الحسن تراجع عن مقالاته.
وأن إمام الحرمين عض على الأنامل والأيدي وأكل ذراعيه واستغشى ثيابه، ندماً على ما فرط في جنب الله.
وأن حجة الإسلام اكتشف بعد أن صار قاب قوسين أو أدنى من حتفه أنه قضى عمره مخدوعاً ملبساً عليه مفتوناً مأخوذاً بأقوال المتكلمين.
وأن الإمام الرازي بكى دماً وهو يكتب وصيته التي تراجع فيها عن مقالاته، وذم فيها علم الكلام.
وأمثال ذلك من الخزعبلات التي تنسب لأئمة الدين، حتى لا تكاد تذكر عالماً عاملاً جليل القدر اشتهر بين الناس حتى يقال لك، إن هذا قد تراجع، أو وجد تحت وسادته بعد موته وصية بكذا وكذا بخط يده على خلاف ما كان قال به وهو في قوته وعنفوان شبابه.
أفليس هذا الأمر مستهجناً أيها السادة، وغريباً غاية الغرابة، أن من يُدعى تراجعهم هم الأشعرية دون ما عداهم من أهل المذاهب.
ألا ترون أن تواطؤ أئمة الأشعرية على هذا الأمر إن سلم حصوله على ما هو المدعى لهو في غاية القبح والغرابة.
أفلا يتعظ الغزالي من شيخه الجويني، فلا يسلك طريقه التي تراجع عنها، وهو من لازمه يأخذ عنه حتى وفاته رضي الله عنه.
أفلم يكن هؤلاء الأئمة على علم بتراجع العلماء السابقين عن مقالاتهم؟
أكانوا على ذلك القدر من الخيانة لأنفسهم وعدم الأمانة في النقل عن سابقيهم بحيث داموا يؤلفون ويناظرون وينتصرون لمذهب الأشعري، وينسبون في كلامهم وكتبهم إلى سابقيهم هذه الأقوال وهم يعلمون أنهم تراجعوا عنها.
ألا ترى أن فعلهم هذا لو صح عنهم لكان مسقطاً لعدالتهم، ومثبتاً لنفاقهم، وكافياً لاندراجهم في سلك أخبث الخبيثين، وأعظم المفترين، أسفل السافلين. أليس من الغريب (ولا أريد أن أقول المستحيل عادة، ولكني فقط أمارس حقي في الاستغراب)أن يروي هذه الروايات طوائف معينة من الناس هم المخالفون للأشعرية.
مع أن تراجع واحد مثل الإمام الرازي والإمام الجويني والإمام الأشعري وكل واحد منهم جبل من جبال العلم، ومجدد من مجددي الدين حوله عدد هائل من العلماء والأصحاب المشاركين له في العلوم، لو وقع من أحدهم كلمة أو موقف مستغرب لنقل، لأنه ستتوفر له الكثير من الدواعي على نقله.
فلماذا لا يستفيض خبر تراجع الأشعري وغيره عن مذهبه؟
بل ينقل على استحياء في روايات فيها من التناقض والغرابة ما يكفي لطرحها وعدم الالتفات لها. وهي محتملة لتفسير آخر يقبله العقل ويناسب حالهم وعلمهم وشأنهم.
أريد أن أقول لكم هذه القصة التي وقعت لي شدني أليها الشجن، لأكمل لكم دائرة الحيرة والاستغراب التي عشتها منذ أمس حتى الآن وأنا أكتب لكم هذه الكلمات.
لقد حضرت أمس درساً للشيخ سعيد في أصول الفقه، ولما انفض الدرس جلست في بيت شقيقي أتكلم معه في بعض الأمور، وكان عنده ضيف من المشتغلين بالأدب الحديث، وهو ممن تكلم معي كثيراً في قضايا الدين.
فأخذ الكلام يتردد بيننا في الإلهيات كما هي العادة، حتى أجبت الرجل عن كل سؤال سأله وقررته له على أحسن الوجوه، فلجم ولم يبق له من ثغرة يدخل منها بإيراد على ما أقول كما هي عادته.
ولما انتهيت يتكلم في الصورة التي يحملها بين جوانحه عن هذا الدين، وكيف أنه كلما جلس إلي سمع أشياء يسمعها لأول مرة، ويستغربها، فإذا كان هذا هو الدين كما أدعي أنا فلماذا لا ينتشر بين الناس على هذه الصورة التي أبينها أنا؟
ومن حق الرجل أن يستغرب ويتعجب.
فقلت له:
أنا أستغرب مثلك لماذا ينظر إلى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وصحبه الأجلاء، على أنه راع في قطيع من الغنم.
أليس غريباً أن تصور وسائل الإعلام في الأفلام والمسلسلات والكتب والمحاضرات، هؤلاء المسلمين على أنهم طيبين ومتسامحين حد الهبل.
أليس غريباً أنك إذا شاهدت فيلماً سينمائياً عن يونان تلحظ الفلاسفة والعلماء وأهل القانون والصناعات والساسة والشعراء، والمقاتلين الأشداء وغيرهم كثير ممن يتكون منهم أي مجتمع في كل عصر من العصور.
وكذا إذا تابعت فيلماً عن أي أمة من الأمم حديثة وقديمة، ولكنك إذا شاهدت شيئاً يسجل تاريخ الإسلام في مهده خاصة، رأيته يسجله بطريقة فيها الكثير من الغرابة، الناس فيها كأنهم من كوكب آخر، صورة تنأى عن العقلانية. لماذا يتجاهل هؤلاء أن العرب كانوا أمة وسط أمم كثيرة، فيهم كل أصناف البشر كما في الأمم الأخرى سواء الماضية أو اللاحقة أو المعاصرة،
لماذا حين نشرح حديثاً نشير فيه إلى معاني دقيقة، يستغرب الحمقى أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد قصد هذه المعاني.
أليس من حلقة الحسن البصري قد خرج واصل شيخ المعتزلة، فكم يفصل الحسن عن الصحابة؟!!
هل ولد الحسن -مثلاً لا على سبيل الحصر- عالماً دفعة ومن عنده بدأت العلوم، أم أن العلم في أيام التابعين كان استمراراً لعلم الصحابة الذي تلقوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أليس غريباً أن يحمل كلام الرسول الكريم على معاني ساذجة بسيطة ويضرب عن معانيه التي تحصل بالنظر والبحث بحجة أنه يبعد أن يقصد ذلك، وهو من أوتي جوامع الكلم.
أليس غريباً أن تقام الدنيا ولا تقعد ويؤلف الكثير من الكتب ويقع قدر هائل من الخلافات في معاني شعر جاهلي، يصور فيه الشاعر عبقرياً مطلعاً ذا رؤية عميقة للكون والإنسان والحياة، ويشرح كلامه على محتملات ووجوه، ولا ينظر إلى الحديث الشريف بمثل هذا التقدير والاحترام على الأقل.
أليس غريباً أن يدين معظم الناس على وجه الأرض بديانات وثنية، ثم سماوية محرفة أعني مسيحية ويهودية يستحي أبناؤها منها حين تكلمهم في أصولها التي تناقض العقل، ومع ذلك لا يعاب على أحد من هؤلاء جميعاً، ولا يوصف أي منهم بالرجعية في حين يكون الإسلام هو الدين الرجعي المتخلف الذي أكل الدهر عليه وشرب، والذي لا يناسب هذا الزمان؟
أليس غريباً أن تعاب اللحية والحجاب والعمامات وحركات الصلاة في دين الإسلام ولا تعاب عينها وأكثر منها في المسيحية واليهودية؟
أليس غريباً أن يتهم الإسلام وحده بهذه القسوة وبهذا الإجحاف بأنه لا يأبه بالمرأة، ويقيدها أشد تقييد باللباس والحجب، والنساء في أوروبا وأمريكا لم تعرف الخروج باللباس غير المحتشم إلا في العصر الحديث. وبدأ ذلك ولأول مرة على شواطئ بريطانيا حين خرجت مجموعة من الفتيات بلباس يستر أجسامهن إلى الركبتين، ويظهر الذراعين كاملين، والشعر والرقبة ودائرة صغيرة من الصدر لا تصل إلى طرف الثديين، وقد نقلت الخبر جميع وسائل الإعلام، وطارت به الركبان، وصور التلفاز وكتبت الصحف، وضج المحافظون في بريطانيا. ثم سنت تلكم الحثالة من الساقطات سنة احتذتها نساء العالمين.
أليس غريباً أنه وفي ظرف فترة زمنية وجيزة تبدأ صناعة الأفلام في مصر وتعرض فيها ساقطات مصر العظيمة بالمايوهات على شواطئ الإسكندرية.
إنني أفهم كل ذلك معاً، ولا أفصل شيئاً عن شيء، إنني أنظر إلى إعلام خبيث موجه، يحتنكنا ويفعل خبيث أفعاله فينا.
إن ابن الكتاب حين يعلم تاريخه فيكون عليه أن يعود إليه وينشد فيه قبساً من النور والعلم، ليمشي رافعاً رأسه مختالاً فخوراً بدينه وتاريخه وانتسابه إلى هذه الأمة، وحين يدرّس الدين بالطريقة التي علمنا إياها وتلقيناها في المدارس، وعبر وسائل الإعلام، ليكسر رأسه، ولا يرفع ناظريه، ويتكلم في الدين على استحياء خجلاً من أن ينعت بآلاف الأوصاف المشينة التي ألصقت بهذا الدين عبر السنين من الحاقدين عليه. ولقد والله عملوا وأثمرت أعمالهم هذا الواقع وهذه الصورة التي أرادوها للدين، كما خططوا لها أن تكون وزيادة حبة.
وأعتذر من حضراتكم عن فيض لواعجي وسط هذا النهار. في حين أن الأخ السائل يريد مني أن أجيب بأسلوب علمي موثق، أفلا يجدر بنا أن نطلب ممن يدعي هذه الدعاوى الباطلة أن يكتب ذلك ويبينه بالأدلة، حتى ننظر فيه ونرد عليه، إنه لا يفعل ذلك لأنه لا أدلة عنده. فيثير النفوس بكلام خطابي ركيك. ينأى فيه عن التحقيق والتوثيق.
وقد كفانا الشيخ سعيد كثيراً من عناء الإجابة عن أمثال هذه الشبه، في العديد من كتبه ومقالاته.
وعلق تحديداً على وصية الإمام الرازي في مقالة منشورة على الرازي.
وناقش أشهر ما ورد عن العلماء في تحريم الاشتغال بالمنطق وعلم الكلام في كتاب تدعيم المنطق المنشور أيضاً في موقع الرازي فارجع إليهما.
وكثيراً ما يتكلم الشيخ في جواب هذه الشبه في دروسه المسجلة، فإن وقع لك بعضها فاستمع إليه.
أما قول هذا التافه كائناً من كان
إنه ليس من السهل أن تنقل العقيدة الربانية بوسائل بشرية وتفكيرات إنسانية، كما أنه لا يمكنك أن تنقل اللبن الطاهر بكأس أثرها خمرة، ولذا فليس من السهل أن تنقل التصور الإسلامي الرباني الصافي بقوالب فلسفية لأنها تطفئ نوره وإشعاعه وتقتله، وتصبح العقيدة جافة بعد نداوتها، سلبية بعد إيجابيتها، معقدة بعد سهولتها، ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مدكر)
فأروني دليلاً واحداً في كلامه. كيف يمنع من نقل قضايا العقيدة بقالب كلامي لأن ذلك يشوهها، كما أن اللبن إذا نقل في آنية الخمر غير مذاقه وصفاته؟
هب أنك التقيت بفيلسوف على مذهب أرسطو مثلاً، وأردت أن تبلغه الدين. فكيف توصل له أصول الدين وهو يطالبك بالاستدلال على كلامك بالأدلة العقلية؟
قل لي بالله كيف تنقض احتجاج الفيلسوف عليك بأدلة عقلية مبطلاً أصلاً من أصول دينك؟
كيف تجيب هذا وتدافع عن دينك إن لم تبين له فساد قوله بفساد لوازمه على مذهبه. وتقرر قضايا دينك في مقابل قضاياه وتبرهن له عليها برهاناً يقف أمامه فاغراً فاه لا يدري بماذا يجيبك؟
وهذا مجرد مثال بسيط لا غير، ولو أردت أن أسرد وجوهاً من الشبه والهجمات النازلة على الدين والتي لا يمكن إلا للمنطق والكلام أن تردها وتدفعها وتنتصر للدين لأتيتك من هذه الوجوه بالآلاف، مما لا يخفى على لبيب يرى ما يفعله الشرق والغرب بعقايد المسلمين.
وأستحلفك بالله هل رأيت أحداً من السلفية رد على كتاب ألف في الفلسفة المادية مثلاً وترجم وملأ أسواق المسلمين وتأثر كثير من الشباب به؟
وإذا وقع أن رأيت أحدهم أشار إلى ذلك أو أجاب عن شيء من دعاويهم، فأرجو أن تنقل لي عبارته، لأرى بأي لغة تكلم مع هؤلاء، وكيف أبطل مقالاتهم إن لم يستند في ذلك للمنطق وعلم الكلام والفلسفة.
وعلى أي حال، فإننا لا نقول، ولا أحد من علماء السنة يقول ولا أظن أن عاقلاً يقول: إن على جميع المسلمين أن يتعلموا علم الكلام والمنطق والفلسفة وأصول الفقه على طريقة المتكلمين. أبداً هذا الكلام لم يقل به أحد. بل قد وقع النهي من العلماء لبعض الناس من غير المتأهلين عن الاشتغال بهذه العلوم. وحضوا عليها ذوي القلوب الذكية من المسلمين الملتزمين بدينهم. وفرق شاسع بين القولين كما ترى؟
أما قوله: (ولقد حاول بعض الجهابذة من العلماء الأفاضل نقل العقيدة عن طريق علم الكلام والمنطق ـبعد أن افتتنوا بها ـ وذلك كحجة الإسلام أبي حامد الغزالي المتوفى سنة 505هـ وإمام الحرمين الجويني، وفخر الدين الرازي سنة 606هـ. إلا أن التجربة كانت لديهم مرّة، وكانت حصيلتها أن كادت تنزلق نفوسهم، وتضطرب تصوراتهم، مما اضطر الثلاثة أن يرجعوا عن الكلام أخيراً)
فهذا كلام رجل أكاد أقسم أنه لم يقرأ كتاباً لا للجويني ولا للغزالي ولا للرازي.
ولا يجوز هذا الكلام إلا على ضعاف العقول. وزيفه أظهر من أن يجاب عنه.
ومع ذلك نقول: هات برهانك على أن أحداً منهم كادت أن تزل قدمه لولا أن رأى برهان ربه، فهجر علم الكلام.
إن هذا الغبي لعله لا يعرف أن الذين قالوا عن الإمام الغزالي هذا الكلام أرادوا منه أنه انتهى في آخر حياته إلى طريق العرفان والكشف عوضاً عن النظر والكلام.
محاولين أن يجدوا في سير العلماء ما ينصر مذهبهم، وهم طوائف من الصوفية.
فهذا الدعي ماذا يريد من نسبة ذلك إلى الغزالي وهو ينكر على الطرق الصوفية جملة وتفصيلاً.
بل إن السلفية تناصب الصوفية أشد العداء.
فهل يقول هذا الأحمق إن الغزالي أصاب في تراجعه عن طريقة المتكلمين والتزامه طريق الكشف (هذا إن سلم أن ذلك حصل، ولا نسلم ذلك) أم أنه كان مخطئاً؟
فتأمل هذا الخبط.
وأما الرازي والجويني فلأي شيء رجعا؟ .
هل رجعا إلى مذهب المشبهة والمجسمة؟
الذي أفنيا العمر في إبطاله. هل كانا عليه يوماً حتى يعودا إليه؟
هل هذا كلام عقلاء؟
هل أمرا الناس بنبذ النظر المأمور به شرعاً والتلقي عن العجائز؟
إنه إن ثبت دعوة العلماء إلى التزام دين العجائز فما المقصود منها أيها العقلاء؟
هل يعقل أن يقصد بها من أسس مذهبه على النظر طرح النظر، أم يقصد بها الثبات على الدين والتسليم والاستسلام لله تعالى كما هي حال العجائز؟
ليبين لي هذا الفاهم لخبايا الأمور، والمحقق لأحوال هؤلاء العلماء، والخبير بسيرهم ما معنى قول الجويني وغيره: (عليكم بدين العجائز)؟
ليشرح لنا المعنى المقصود من هذه العبارة ويصوره لنا حتى نرى هل هذا المعنى يلزم عنه طرح علم الكلام والمنطق وترك طلب العلوم بالنظر أم لا؟
أما قوله: (نعم لقد تراجع الأعلام الثلاثة عن علم الكلام ولكن متى؟ بعد أن أغرقوا العقيدة بالمنطق والكلام اليوناني المشوب بالأساطير الوثنية. وكيف يمكن لعقيدة التوحيد الخالصة التي نزلت من رب العالمين أن تنقل بالتفكير الإغريقي الملوث بالوثنية؟ إنه محال)
أجيب بطلب نص واحد من عبارة واحد من هؤلاء الأعلام فيها ما يدعي من الوثنية اليونانية.
ثم عند وجدان هذا النص هل هو في مقام الدعوة إليه أم في مقام الرد عليه؟
إن كان الثاني فهذا قيام بواجب شرعي، وإن كان الأول فأرنا إياه، لكي نحكم لك بكفر هؤلاء وحاشاهم ولا نأخذ عنهم شيئاً. لأنا لا نعبد أشخاصاً، ولا نتبع أسماء عن تقليد أعمى وجهل بأقوالهم، فوالله الذي لا إله إلا هو لو وقع أي من هؤلاء العلماء الأجلاء في الوثنية أو أي من عقائد الكفار، لبادر إلى تكفيرهم عشرات الألوف من العلماء من يومهم إلى أيامنا.
والخبير بالعلماء يعرف أنهم حراس الدين، وأنهم يترصدون كل مخالف ويمسكون به، وينبهون على مخالفته.
ولا يهتم واحدهم أن يخطئ إماماً كبيراً إن تبين له خطؤه، لأنهم يعلمون أنه لا عصمة إلا للأنبياء،
وهؤلاء ليسوا بأنبياء.
ولعمري أنا رجل تعلمت هذا الدين بعد أن كنت لا اعرف فيه شيئاً كما هي حالنا جميعاً...
فلماذا اعتدت بأقوال هؤلاء العلماء وضربت بقول ابن تيمية وسلفه وخلفه عرض الحائط....
أبيني وبين الأشعري نسب أو قرابة؟
أحملني على القول بعقيدته مهابة أم طلب دنيا؟
وما الذي يمنعني أن أخالف عقيدة الأشعري وأعتنق عقيدة المعتزلة؟
إن حالي هذه هي حال كل واحد منا، لأنه ليس لأحد سلطان على القلوب إلا الله تعالى، هو الذي يعلم السر وأخفى.
وإذا كانت هذه حالنا على ضعف عقولنا وقلة علمنا وتحصيلنا، فبأولى أن تكون حال واحد كإمام الحرمين والغزالي والرازي وهم من هم؟ في العلم والشجاعة في مقارعة الخصوم.
أفيعقل أن يكون هؤلاء أفنوا أعمارهم واستغرقوا جميع أيامهم في الدعوة والذب عن عقيدة الأشعري، ثم حين بلغت التراقي دعوا بكتف ودواة وأملوا أنا نشهد الله والحاضرين أن بريئون مما قلناه، ومما ألفناه، ومما علمناه.
ودعني أسلم أن هذا الجنون قد وقع فعلاً بالاتفاق على هذا النحو العجيب. فحين أنظر أنا في كتاب الرازي فأي شيء تراجع عنه من كلامه وأي شيء لم يتراجع عنه؟
دعني أقول إني قرأت للرازي على الأقل كتاب الأربعين، وأنا أعتقد بكل ما برهن فيه على صحة أقواله، فأقول والله لو قام الرازي رحمه الله من قبره وقال لي إني كنت مخطئاً حين نفيت أن يشبه الله شيئاً من خلقه لما استمعت إليه، وكذا لو قال إن الإمام الحق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو علي وليس أبا بكر، ومثل ذلك في كل مسألة قالها وبرهن عليها. أتدرون لماذا؟ لأن القضايا حين يبرهن عليها تصبح علوماً بصرف النظر عن قائلها، وتكتسب بذلك الحجية لذاتها ومن ذاتها، ولا يلتفت بعد ذلك إلى من الذي قالها، ولماذا قالها، وهل تراجع عن هذه المقالة أم لا.
فما الذي يريده السلفية، أو بعض الصوفية، أو بعض الفلاسفة، أو الشيعة أو غيرهم حين ينسبون إلى بعض أهل السنة من عهد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليوم تراجعهم عن أقوال قالوها؟
هذا هو السؤال.
والجواب عندي واحد لا ثاني له.
لا لعدم وجود أجوبة أخرى، بل الأجوبة عن ذلك كثيرة يقترن كل منها بخصوص تلك الشبهة، ولكني أقتصر على هذا في الإجابة عنها جملة.
وهو:
أنا سلمنا جدلاً تراجع كل واحد ممن نسبتهم إليه ذلك، كلٌ عن كل ما ذكرتم من القضايا أنه أضرب عنها..
فجوابنا:
أنا ننظر في المرجوع عنه، فإن كان ثابتاً عندنا فلتذهبوا إلى الجحيم.
ولا يضيرنا إن كان المنسوب أليه تراجع أو لم يتراجع حال ثبوت القول عندنا. وبهذه الطريقة ينتقل الكلام من سفساف الأمور إلى معاليها.
وماذا يضيرني أنا إذا كان الغزالي رجع أم لم يرجع عن أقواله.
وماذا يضيرني إن كان ابن عربي كفر وتزندق أو كان ولياً من أولياء الله.
إن لنا عقولاً يمكنها أن تنظر، وتتأمل.
وعندنا شرع وقواعد مقررة في البحث والنظر وأساليب وطرق ومناهج للفهم.
فاعرضوا لنا القول بصرف النظر عن قائله، وتعالوا ندع أنفسنا وأنفسكم ونفكر ونتأمل ونتناقش هذا القول صحيح موافق للدين أو لا؟
فإن ثبتت صحته وموافقته لمذهب أهل السنة اعتنقناه، وإن بان خطؤه طرحناه.
وإن أراد أهل التواريخ والسير التحقيق والبحث في نسبة الأقوال إلى قائليها فليفعلوا، ولتكن نتائجهم ما تكون، فلن تؤثر تلك النتائج في حكمنا على ما بحثناه من القضايا.
أما الالتفاف على عقول السذج والعوام، والتشكيك في هذه الأقوال بدعوى أن الدعاة إليها تنازلوا عنها، وخانوها، أو تنكروا لها وتابوا منها... فكل ذلك إن سلم وقوعه فلا يقدم ولا يؤخر في صحتها أو خطئها، وهو من أرخص الأساليب التي يلجأ إليها المبتدعة والمتغرضون وأهل الأهواء.
أما كلامه عن صعوبة بعض الكتب وشدة تعقيدها فمسلم، ولكن السبكي وابن الحاجب والعضد وابن الهمام الكمال، لم لا يقال إنهم ما ألفوا هذه الكتب للعامة، بل ألفوها للعلماء، ولطلاب العلم المحققين الذي يمكنهم أن يفهموا هذه الكتب ويغوصوا فيها، ويتلذذوا بقطف فوائدها.
فهل في الدين ما يمنع أن أكتب كلاماً عميقاً دقيقاً حرصاً على أن لا يتناوله إلا ما من كان أهلاً لتناوله!!؟؟
ألا توافق أيها السائل على أن من منح الجهال علماً أضاعه ومن منع المستوجبين فقد ظلم.
فهل رأيت أو سمعت عالماً قط شكا من صعوبة كتب هؤلاء على جهة استنكار واستشناع فعلهم.
أنا شخصياً لا أعرف شيئاً من ذلك. فإذا وقع لك عبارة لأحد العلماء شنع فيها على عالم لكون أسلوبه معقداً فانقلها لي. فالناس ليسوا سواء، ونفوسهم تختلف، ونزوعهم نحو التيسير في الكتابة أو التعقيد والرصانة إنما تحكمه متغيرات كثيرة، منها ما هو ذاتي يعود إلى صفاتهم النفسية، ومنها ما له علاقة بالقراء المقصودين من تأليفه.
ولقد رأيت العلماء يراوحون بين السهولة الصعوبة في كتبهم، مراعين المبتدئ والمتوسط والمنتهي.
ثم إن العلم مراتب، ومن العلوم ما هو غاية التعقيد، لأن تحصيله يفتقر إلى مقدمات طويلة جداً.
فهب أني قدمت بحثاً لنيل شهادة الدكتوراه في جزئية صغيرة من دقيق دقائق العلم، واحتجت لأبرهن على صحة دعواي ونظريتي ألف مقدمة قررتها في مجلد ضخم، فهل يعاب علي أنه لم يفهم رسالتي إلا قليل من الناس.
فإن كنت تقول إن العلم كله سهل، ويمكن أن يتناول بالتدريس والتأليف بيسر وسهولة فهذا لا يسلمه لك أحد..
وإن كنت تقول إنه لا حاجة إلى الغوص في العلوم إلى تلك الدرجة فأنصح لك ألا تذكر هذا الكلام أمام أحد من العقلاء.
واعلم أن العلماء الذين عهد إليهم كتابة الخريطة الجينية للإنسان، منذ عام 2000، حتى اليوم قد أفرغوا ترميزاتهم للشيفرات الجينية الموجودة في الحامض النووي الرايبوزي منقوص الأوكسجين DNA، والذي بلغ طول سلسلته في الخلية الإنسانية أبعد من المسافة بين الأرض والشمس، أقول احتاجوا في ذلك إلى مليونين ونصف المليون صفحة من قياس A4. فكيف بفك هذه الرموز، وتفسير معانيها، وكتابة الخريطة، وتوصيفها، والكلام فيها.
فكفى حمقاً.
كفى هبلاً بالله عليكم أيها المشايخ..
والله العظيم إني أذوب خجلاً من كثير من المشايخ حين أسمعه يتكلم في الدين على القنوات الفضائية بهذه السذاجة.
وأقول في نفسي هذا الأحمق الدعي كم من الناس يأخذ كلامه على أنه هو الدين الخالص كما نزل به الروح الأمين على قلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
ولكم أن تجروا عملية بحث واحدة عن المواقع الإسلامية المنتشرة على شبكة الإنترنت باللغة الإنكليزية وحدها، لتكتشفوا هذا الجهد الهائل الذي قامت به الدعوة الوهابية لنشر تخاريفها في العقيدة والفقه والتفسير وقدمتها سهلة سائغة لغير الناطقين بالعربية، كم شوهت هذه المواقع صورة الإسلام في أذهان هؤلاء. وكم من الجهد علينا أن نبذل لنصحح هذه المفاهيم.
أما الكلام في التأويل:فأرجو أن تقرأ كلام الشيخ علي القاري في ذلك، وترى بنفسك هل ما يقوله هو أو أبو حنيفة هو ما يقوله السلفية في اليد والنفس والوجه وغير ذلك.
إن عقيدة الإمام أبي حنيفة وعقيدة صاحبيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن هي عينها عقيدة الإمام الطحاوي.
وهي عقيدة أهل السنة والجماعة. والعلماء قد انتهوا منذ زمن بعيد من تقرير مسألتي التفويض والتأويل، وقد كلت الألسنة من كثرة الكلام فيها. وهنالك بحوث كثيرة في هذا الموضوع،
انظر مثلاً كتاب دفع شبه التشبيه، وانظر المواضع المتشابهة في القرآن الكريم في تفاسير، وشروح الحديث والآثار. ثم انظر ماذا ترى.
ولعل الإخوة في المنتدى يزيدونك بياناً وإفادة.
فلقد انقبضت نفسي من قبح ما نقلته لنا من قول هذا الأحمق. ولا أجد لي رغبة في كتابة شيء بعد. وفقنا الله تعالى وإياك لما يحب ويرضى.
والسلام عليكم.[/ALIGN]
التعديل الأخير تم بواسطة الإدارة ; 06-09-2003 الساعة 15:30
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين