الأخ المحب لله،
وعليكم السلام ورحمة الله بركاته،
أما أننا نجعل المنطق الأرسطي مناطاً لعقائدنا، فهذا كلام غير صحيح. لأن المنطق الأرسطيّ حين ترجم كان مشوباً بعقائد فلسفيّة يونانية باطلة. فنقده المسلمون ونقحوه وخلصوه من ضلالات الفلاسفة فلم يعد فيه ما يتعارض مع الشريعة من الأمثلة. والقدر الذي اعتمده المسلمون منه قدر صحيح علميّ، ولما كانت العلوم لا تتناقض من حيث هي علوم لم يكن عند المسلمين من ضير لاستخدامه كآلة لترتيب الأدلة العقليّة على عقائدهم وإلزام الفلاسفة بها، ورد اعتقاداتهم بنفس اللغة التي يفهمونها. وأي ضير في ذلك، والمسلمون يبحثون عن أي دليل في أيّ علم من العلوم للاستدلال على صحة عقايدهم.
أما أن العلم لم ينهض نظرياً على علم المنطق فهذه مجرد دعوى فارغة بلا دليل، لأن العلوم الحديثة قامت على الرياضيات التي لم تكن لتنهض إلا على أكتاف المنطق. وأما أنه لم ينهض عملياً على المنطق فهي مغالطة أخرى، لأن التجربة فرع الطريقة العقليّة الكليّة التي عند المناطقة ونتائجها محكومة بقوانين المنطق والعقل ولا تخرج عنها. لأنه لا يلجأ إلى التجربة إلا عند تعسر اختيار واحدة من المحتملات العقلية، فتعمل التجربة وتكرر للتحقق من القانون الطبيعي (العلم العادي) الذي يضبط التجربة، فالتجربة تكشف عن ذلك القانون الموجود بالفعل والذي أمكن للعقل أن يضعه واحداً من المحتملات ولم يمكنه تعيينه ابتداء أي قبل التجربة. لنقص في مقدماته.
وأما رد ابن تيمية على المنطق فأرجو أن ترجع إلى كتاب شيخنا العلامة سعيد فودة تدعيم المنطق المنشور في موقع الرازي، لترى نقده لكلام الشيخ ابن تيمية. والسيوطي رحمه الله تعالى مع كونه أشعرياً وشافعياً كما تنبه أنت عليه فهو ليس بحجة على المنطق لأنه وإن برع في علوم اللغة والحديث وغيرها إلا أنه لم يكن ذا باع في العلوم العقلية، وليست تلك طريقته، ولم يضف بحسب علمي نقداً يذكر للمنطق.
ثم يبدو لي أنك متأثر بعض الشيء بالدعاية الغربية حين تصف ديكارت وبيكون وميل، وأقل علماء الكلام قدراً عند المسلمين ليضع أعظم فلاسفة الغرب في جيبه الصغيرة كما يقولون، لو كنت على اطلاع بمقالاتهم.
ثم سلمنا أن قوانين المنطق مغروسة في العقول، ولكن ذلك لا يعني أن لا ندرس المنطق، لأن في دراسة المنطق اكتشاف لتلك القوانين وملاحظة لتلك القواعد وفهم لها وتطبيق ومراس، بحيث تتقوى الملكة الفكرية، ويلاحظ المرء أخطاءه في فكره وفي كلام الآخرين ومنشأ الغلط عنده وعندهم. وهذا معلوم ملاحظ بين الدارسين لفن المنطق، لا ينكره أحد.
أما أن المنطق أكثره مبالغات في التشقيق اللغوي والتنظير الفكري، فلعمري هذا كلام من لا يعرف المنطق. فإن مسائله مما تذعن له العقول كقولهم الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وكقولهم النقيضتان لا تكذبان معاً ولا تصدقان معاً، وكقولهم القضية الصادقة فعكوسها من مستوٍ ونقيض موافق ومخالف صادقة. وكقولهم لا تنتج قضايا الشكل الأول إلا بشرط إيجاب الصغرى وكليّة الكبرى. وغير ذلك.... وهذا الأمور لا يلاحظها الذي لا يدرس المنطق يا أخ محب، وأنا أشبه المنطق بالرياضيات التي انبنت أصالة عليه لأن الناس على اطلاع جمليّ بها، فقبل تعلم الطرق التي تحلّ بها المعادلات التربيعية مثلاً يعسر على الإنسان حلها وفهم فائدتها، وبعد تعلمها والاستدلال على صحتها تصير علماً قطعياً ويستخدمها الإنسان في حياته ويتعرف على عظيم فائدة هذه القوانين في الحياة العلمية والعملية، ولم لم يتعلمها فإنه لن يموت، وربما قال ما لي وللرياضيات هذه اللغة الصعبة المعقدة وما فائدتها، وهو لا يعلم أنه لو لم توجد الرياضيات لم ير جهازاً كهربائياً ولا إلكترونياً في العالم ولم يعرف الكهرباء أصلاً ولا أفاد من شيء من هذه الاختراعات التي لا حصر لها في هذا الزمان. وربما يعاديها من يجهلها ككثير من الطلاب في المدارس. فكذا المنطق لا يعرف قيمته وثمرته إلا من جربه ومارسه. وأما ابن تيمية فكان لزاماً عليه أن يقدح في المنطق، لأنه آلة تقدح في عقيدته، وتبين عوارها وخطأها. فقوله مثلاً بأنه لم يزل مع الله تعالى مخلوقات منذ الأزل حوادث تتسلسل لا إلى نهاية هو عين قول الفلاسفة بقدم العالم بالنوع، والمنطق يهدم هذه العقيدة. والكلام في ذلك يطول وأحيلك في ذلك لقوله في مجموعة الرسائل والمسائل في تعليقه على حديث عمران بن حصين، يقول ابن تيمية:
(وإذا قيل: لم يزل يخلق، كما معناه لم يزل يخلق مخلوقاً بعد مخلوق، كما لا يزالُ في الأبد يخلق مخلوقاً بعد مخلوق، ننفي ما ننفيه من الحوادث شيئاً بعد شيء، وليس في ذلك وصفه بدوام الفعل، ولا بأن معه مفعولاً من المفعولات بعينه. وإن قدّر أن نوعها لم يزل معه، فهذه المعيّة لم ينفها شرع ولا عقل، بل هي من كماله، قال تعالى: (أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون) والخلق لا يزالون معه......) اهـ
فهذا هو ابن تيمية الذي لا يقول بحوادث لا أول لها في ذات الله تعالى فقط كما توهم الأخ هيثم في نقاشه معي في موضوع برهان التطبيق، ولكنه أيضاً يقول بقدم العالم بالنوع أي بأنه لم يزل مع الله حوادث يخلقها. بل الأخطر من ذلك أنه يجعل ذلك من كمالاته تعالى، فأي كمال لله تعالى يتوقف على وجود الحوادث!!!
وعلى أي حال، فأمثال هذه الاعتقادات يا أخ محب الله وإن كان يمكن ردّها للمسلم بدليل من الكتاب أو السنة كقول النبي صلى الله عليه وسلم كان الله ولم يكن شيء معه، فإن من الناس من لا يدين بالإسلام كالفلاسفة فلا تستطيع أن تستدل عليهم بدليل لا يسلمونه أصلاً فهم لا يسلمون نبوة سيدنا محمد ولا أن القرآن من عند الله تعالى فعليك أن تقيم لهم أدلة أخرى على صحة عقائد المسلمين، وحين يلتزمون ويصدقون بنبوته صلى الله عليه وسلم، تبدأ بتعليمهم الشريعة والاستدلال منها على ما تريدهم أن يعلموه من الدين. واعلم أن علم الكلام والمنطق كان وما زال حرباً على أعداء الإسلام من جميع الملل والطوائف والفلسفات، وحارساً على عقائد المسلمين يرد أهل البدع والضلالات، ولا يعرف قدره وفائدته إلا الذي تعلمه وأتقنه تماماً كالرياضيات.
واعلم أن العقائد التي كتبها علماء الأشعرية وأدخلوا فيها الأدلة الكلامية والمنطقية إنما كتبت لمخاطبة جميع الناس من جميع الملل لا للمسلمين فقط. بل إننا ننصح المسلم العادي العاميّ الذي ليس بطالب علم ولا يريد التعمق في دراسة العلوم الدينية أن لا يدرس الكتب الكلامية والمنطقية العميقة المطولة، وأن يكتفي بالسهل منها، أو بالكتب التي تحتوي على أدلة إجمالية دون تفاصيل للأدلة العقلية.
أما عن سؤالك: (هل الحد هو الطريق الأوحد لمعرفة المحدود؟ وهل يمكن التوصل إلى معرفة المحدود دون حده)
الجواب: الحد بالمعنى الأعم هو التعريف، وبالمعنى الأخص هو اللفظ المركب من جنس المحدود القريب وفصله القريب، ويسمى بهذه الصورة حداً تاماً، وبصورة الجنس البعيد والفصل، أو بالفصل القريب فقط حد ناقص.
أما بمعناه الأخص فلا قائل بأن هذه الطريقة هي الوحيدة لحد المحدود، لأن هنالك الرسم والتعريف اللفظيّ. وكذا لأن بعض ما يطلب تصوره لا يحد أصلاً لكون ذاته بسيطة ليست بمركبة كالنقطة فيعرف بلازمه كقولهم فيها هي طرف الخط. وأما بمعناه الأعم الذي تدخل فيه طرق التعريف الخمسة فنعم هي الطريقة الوحيدة التي تؤدي إلى تصور المحدود عن طريق اللغة. أي باستخدام الألفاظ. والمنطق يعتبر اللغة من هذه الجهة أي جهة كونها وسيلة للفهم والتفهيم. وإلا إن لم نعتبر اللغة فيمكنك أن تتصوره من بعض جهاته عن طريق الحواس، كأن ترى مثلاً المحدود وتلاحظ بعض خصائصه.
فهذا هو الجواب، وأرجو أن يكون واضحاً لك.
والله الموفق.
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين