بسم الله الرحمن الرحيم
تعليقات على ما ذكره شيخنا العلامة سعيد فودة وفقه الله تعالى
قوله: (كنحو الأسماء غير الأعلام)
أخرج الأعلام لأنه لا خلاف في كونها موضوعة للموجود الخارجيّ المتشخّص. وإنما الخلاف في اللفظ الذي يصحّ إطلاقه على كثيرين. والأعلام ليست من هذا الباب. فإن الاسم إما أن يكون معناه واحداً أو كثيراً، فإن كان معناه واحداً وتشخّص فهو العلم. فإن قيل ما بال زيد يطلق على متشخصين كثيرين وهو علم. قلنا: من باب الاشتراك في الاسم فقط، بل زيد لا يفهم منه غير واحد عند ذكره عند عاهده. وليس الكلام في المشترك، بل الكلام في الدال على كثيرين مشتركين في معنى، صحّ إطلاق اللفظ عليهم لوجود ذلك المعنى فيهم. والعلم لا يلاحظ فيه هذا المعنى عند إطلاقه على مسمّاه. ثم البحث في أن هذا المعنى الذي وضع اللفظ بإزائه أهو الخارجيّ المتعيّن المتشخّص في بعض ما استقريناه من أفراده، أم هو المعنى المعقول من اللفظ في الذهن، أو المعنى بلا قيد كما سيأتي بحثه.
قوله: (كاليد والعين)
إشارة إلى ما يثبته المجسّمة للمولى سبحانه وتعالى بمعانٍ باطلة، وهي الجارحة. لاعتقادهم بأنه لا معنى لها إلا ذلك، لأنها إنما وضعت في اللغة لذلك. ولذلك لزمهم التشبيه والتجسيم.
قوله: (إما أن تكون.. إلخ)
ذكر ثلاثة الأقوال في المسؤول عنه، لأن اللفظ المستعمل الدالّ على معنى له جهتان: جهة إدراكه بالذهن، وجهة تحققه في الخارج. فهل الوضع له يكون باعتبار الجهة الأولى أو الثانية أو بغير نظر إلى شيء منهما. تردد:
الأول: أنه موضوع للمعنى الخارجيّ لا الذهني. أي يعتبر في وضعه دلالته على الموضوع له باعتبار وجوده الخارجيّ، أي بالنظر إلى ما صدق عليه لفظ اليد مثلاً لا باعتبار معنى اليد. فيدخل في معناها ههنا قيود من مشخّصات ولواحق زائدة على المعنى المفهوم من اليد، وإليه الإشارة بقوله (على مجموع الأمرين) أي المفهوم والقيد. وهنا تكمن الخطورة في هذا القول.
الثاني: أنه موضوع للمعنى الذهنيّ، أي لما يتصوّره الذهن من لفظ اليد مثلاً، أو الإنسان ... إلخ. والقول الأول كما ترى أخصّ من الثاني، لأن فيه إثباتاً للمعنى الذهنيّ وزيادة. ولذا قال القائل بالأوّل إن من تأول اليد بالقدرة معطل، لأنه أخرج عن معناها بعض ما دخل فيه مما يلحق ماهيّتها بسبب تعيّنها وتشخّصها الخارجيّ.
الثالث: أنه موضوع للمعنى من حيث هو، من غير تقييد بخارجيّ أو ذهنيّ. فيكون إطلاق اللفظ على كلّ من المعنى الذهنيّ والخارجيّ إطلاقاً حقيقياً. لأن كلا المعنيين من مصاديق المعنى بلا قيد الذهن أو الخارج.
قوله: (يمكن الاختلاف في ذلك، والأقرب أن يكون للذهني)
تسويغ للقولين واعتبار لهما من حيث الجواز، والقوة في النظر، مع ترجيح للقول المذكور في ثانياً.
قوله: (ولانحصر المصححات في المصداقية التامة)
أي أن اعتبار القول الأول يلزم منه أن لا يجوز أن يطلق اللفظ إلا على ما ماثل المصداق الذي أطلق عليه اللفظ في قيوده المشخّصة له أي ما ساواه في الكيفية التي قيّد بها في الخارج مساواة تامّة. وبهذا يشترط لصحة الإطلاق هذه المساواة. والواقع بخلافه. فبطل الملزوم لبطلان لازمه. وللمتأمل أن يعرف من قول ابن تيمية بهذا سبب نفيه للمجاز.
قوله: (والحق أن استعمال اللغة لليد في مصاديق مختلفة دليل لنا لا له)
أي لأن اليد في اللغة تستعمل في أعمّ من العضو والجارحة. ولأن المجاز في اللغة أثبتُ من أن يستطيع أحد أن ينكره. فلا يلزم من قولنا تعطيل معنى اليد الثابت لله تعالى، ولكنه إنما لزمنا تعطيل الباري عن صفة اليد عند ابن تيمية لأنه يراها من جنس الجوارح والأركان والأعضاء، فلمّا نفينا هذه القيود عنها، فقد عطلنا الإله عن صفة ذاته عنده!!! وبعبارة أخرى فإن تنزيهنا للإله تعالى عن مشابهة مخلوقاته التي تدركها حواسنا في الخارج يسمّى تعطيلاً عند هذا المبتدع.
قوله: (وكذلك فوجود المجاز في أصل اللغة مؤيد لنا لا له)
لأن مجرّد ثبوت المجاز في اللغة يمنع انحصار صحة الإطلاق والاستعمال في المصداقية التامة بين الموضوع له أصلاً وما عداه. بل يوسعها إلى درجة جواز إطلاق اللفظ على معنى بينه وبين المعنى الوضعيّ علاقة عقليّة ما. بحيث ينتقل الذهن من المعنى الوضعيّ إلى ذلك المعنى المجازيّ، بصرف النظر عن جلاء أو خفاء تلك العلاقة، والله أعلم.
قوله: (وأما جزئيات علاقاته فالأصح أنها غير متوقفة على النقل)
يعني تلك العلاقات التي استقريت في المجازات في القدر المنقول لنا من لغة العرب. ويظهر جلياً ميل الشيخ إلى القول بعدم انحصارها في النقل. أي تجويزه لأن يكتشف العقل علاقات جديدة زائدة على الكليّة، والجزئية، والسببية، والمسببية، والحاليّة والمحليّة، واعتبار ما كان، واعتبار ما يكون... إلخ ذلك من العلاقات المنقولة لنا. فيجيز الكشف عن علاقات جديدة بين المعاني الوضعية والمعاني الأخرى تسوغ إطلاق الألفاظ التي للأولى على المعاني الثانية.
قوله: (وأما القول الأول فمع فجاجته، فهو معارض بأمور كثيرة أشرنا إلى بعضها أثناء الكلام)
من ذلك استلزامه لنفي المجاز الثابت في اللغة، وانحصار صحة الاستعمال والإطلاق في المصداقية التامة على ما بيّنه، وكذا لاستلزامه محظورات فاسدة في العقيدة من تشبيه وتجسيم الإله سبحانه المنافية لقواطع الأدلة، وفيه أيضاً أن المعنى الشخصيّ لا يقوم بمحلّين، فلا بدّ من تصوّر قدر مشترك يصحح الإطلاق، هو ما به الاشتراك، لأن ما به الامتياز والتشخص لا يصح في العقل قيامه بأكثر من المتشخّص، فيعود الكلام إلى القول الثاني والثالث، المثبتين لمعنى كليّ مشترك بين المصاديق يكون المصحح للإطلاق. تأمل.
قوله: (كنت أريد الكتابة بتفصيل أكثر...إلخ)
نرجو من الله تعالى أن ييسر للشيخ الوقت ويوفقه لإتحافنا بتحقيقاته، ويلاحظ علينا بملحوظاته، وأن ينفعنا بعلومه في الدارين آمين.
ولعل الشيخ يتكلم لنا في أكثر في فوائد معرفة ذلك، وما ينبني على هذه الأقوال، فإنا نعرف مثلاً أن الوضع خاص بالحقيقة، وأن الاستعمال يعم الحقيقة والمجاز والكناية. وعليه فبتحديد لأي شيء كان الوضع نميز المعنى الحقيقي. وبمعرفة المعنى الوضعيّ نحصّل مدلولات اللفظ من طريق المطابقة والتضمن والالتزام. ولا شكّ أن اعتبار القول الأول يطع الاستعمال في المعاني المجازية، كما أنه يوسع في مدلولات بالدلالات الثلاث. وإن كلام الشيخ ليفتح دائماً في عقلي أبواباً كثيرة جداً للتأمل، وليتكم تكونون معي حين يقرر المسائل في دروسه على نحو فريد جديد، فتنشأ في العقل فكر تتزاحم عليّ حتى لا أقوى على تقييدها، فأيأس من ذلك، وكم اعتصرت ذاكرتي بعد بعض دروسه لأجمع ما ضاع مما حصل في ذهني من معان نتيجة لبحوثه. كان الله في العون. والحمد لله رب العالمين
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين