هاتان المشاركتان فصلاتا عن موضوع بين سني وحشوي:
http://www.al-razi.net/vb/showthread...=&threadid=496
http://www.al-razi.net/vb/showthread...5&pagenumber=4
كنواة لموضوع جديد وهو خبر الواحد والخبر المتواتر ويقتصر الكلام عليهما هنا فقط وأي موضع آخر يفتح له صفحة جديدة
بسم الله الرحمن الرحيم
على الرّغم من الأخطاء التي وقعت فيها في تفكريك في هذه المشاركة إلا أنها بحقّ أجود ما قرأته لك حتى الآن من حيث التنظيم وحسن التعبير عن المراد، ويسعدني أن أقرأك دائماً على هذا النحو.
وأريد أن ألفت النظر قبل الإجابة على ما وضعته ههنا إلى أمر مهمّ جدّاً يا أخ هيثم، واعتبره طلباً أخويّاً خالص النيّة أشهد الله تعالى عليه. وهو أنّ الحوار لا يمكن أن يأتي بنتيجة إذا لم نعرف عن ماذا نتحدّث، وعلى ماذا نختلف. وأراك مصّراً على أنّ خبر الواحد يفيد العلم، وهو أمر أخالفك فيه قولاً واحداً، ومحلّ كلامي هو الخبر الواحد غير المحتفّ بالقرائن كما بيّنته غير مرّة. وأقصد بالعلم الجزم واليقين والصدق التامّ فيما أفاده الخبر. فهل تنازعني في هذا الخبر بالذات أنه لا يفيد العلم. أم أنّ محلّ كلامك غير محلّ كلامي. هذه أوّل مسألة. وأما المسألة الثانية التي يجري فيها البحث الآن، وهي مسألة الكلام النفسيّ. فما هو الكلام النفسيّ كما تتصوّره أنت، فلعلّنا لا نتكلّم عن نفس الأمر؟
ثمّ ما الذي تريده بالضبط من هذا البحث؟ هل تريد أنه لا وجود لشيء اسمه الكلام النفسي؟ أم تريد أن لفظ الكلام النفسيّ لا يجوز إطلاقه على الله تعالى؟ أم أنّ معناه لا يجوز أن يطلق على الله تعالى؟ إلخ هذه الأمور. أريدك أن تحدد لي بالضبط جهة اعتراضك على الكلام النفسيّ بشكل واضح ومنضبط. حتّى أركّز كلامي على هذه المحلات وأبحثها معك بحثاً وافياً إن شاء الله تعالى. فالكلام إذا آل إلى الكثرة والتفرّع دون لمّ شتاته وتحديد محلات النزاع وتلخيص الدلائل من الجانبين، واقتصر على المشاغبة، فالأظهر أنه لا يراد به وجه الله تعالى والله أعلم. عافانا الله تعالى وإياك من ذلك. فأرجو أن تلخص لي بأقل ما يمكن من الجمل جهة اعتراضاتك على الكلام النفسيّ والخبر المتواتر. فإني والله شديد الانشغال، ولا أريد أن تضيع أوقاتي وأوقاتك في خلافات ليس لها ثمرة.
قولك: (أنت لم تثبت أن السلف يقولون إن خبر الواحد يفيد الظن، فكيف تقول: "إذا ثبت أن خبر الواحد يفيد الظن"؟)
أقول: ما أجبتك به ثمّ هو عن سؤالك: (وأين في كلامه اعتبار العقائد التي تثبت بالتواتر يقينية! وبالآحاد ظنية!)
فقلت لك إذا ثبت أن ما يفيده خبر الواحد هو الظنّ وما يفيده المتواتر هو القطع، فما استفيد من الأول كان ظنيّاً سواء كان في العقد أو العمل، وما ثبت بالثاني كان يقينياً سواء كان في العقد أو العمل. فأولاً الجواب مطابق للسؤال. وثانياً كأني أنبّهك على أنّ هذا السؤال فرع القول بظنيّة خبر الواحد في مقابل خبر التواتر. فلا حاجة إلى سؤاله.
قولك: (أمّا الإمام الشافعي فإنه لم يجعل ما يفيده خبر الواحد في مقابل ما يفيده خبر العامة)
أقول: بل جعل. وظاهر كلامه في الموضع الذي نقلته لك هو ما بيّنته. وسآتيك بنصوص أوضح في دلالتها على ذلك عمّا قليل وفي القابل إن شاء الله تعالى. ولكن الأصل فيك أن لا تقول هذا وفقط. بل عليك أن تبيّن كيف أنه لم يجعلهما متقابلين من جهة إفادة أحدهما الظنّ والآخر القطع بدليل، لا بمجرّد الادعاء. فتنبّه.
قولك: (ومجرّد تمييزه بينهما من حيث هما طريقتان لإثبات الأخبار لا يعني أنه يرى تبايناً فيما يفيدانه)
أقول: هذا حقّ لو عدّهما عدّاً أو نحو ذلك مما لا يفيد تمييزه بينهما من تلك الجهة. ومحلّ الاحتجاج سياق حادثة القبلة التي قدّر فيها كلاماً للرسول صلى الله عليه وسلّم يسألهم فيه عن سبب تركهم العمل بما ثبت لهم من سبب يقيني إلى العمل بما لم يثبت بنحوه من سماع من المعصوم أو خبر العامّة الذي سيأتيك الآن بنصّ الشافعيّ على إفادته اليقين، أو على أقلّ تقدير خبر غير واحد يعزز ذلك ويشهره. فلو كان الشافعيّ لا يرى تفاضلاً فيما تفيده هذه الأنواع من الأخبار ما عدّها في هذا المقام. ولم يكن لتقديره سؤال النبيّ صلى الله عليه وسلّم لهم عن مخالفته من وجه. وهذا ما أفهمه من كلام الإمام المطّلبيّ وعلى النافي أن يبيّن وجهاً أقوى من هذا الذي أتيتنا به والذي لا يفيد إلا مجرّد الاحتمال البعيد في هكذا سياق.
قولك: (وإلا فهات الدليل من كلامه على ما تزعم)
أقول: سيأتيك إن شاء الله تعالى.
قولك: (الزركشي والأنصاري ذكروا فهمهما لكلام الشافعي، وكتب الشافعي مطبوعة متوافرة، فالمطلوب هو نُقول من كتب الشافعي نفسه لأنه من السلف، وليس من فهم غيره لكلامه)
أقول: أنا أحتج عليك بفهم العلماء لكلامه، وسيرة العلماء لها وجه معتبر في الاحتجاج كما تقرر في الأصول، ولعمري كيف تقبلها إن كنت تنكر الإجماع. وعلى أيّ حال، قد بيّنت وجه احتجاجي بقولهما بما يكفي. وأزيد ههنا أنه من جنس ما احتججت أنت به من نحو كلام ابن أبي الدم، وابن الصلاح وغيرهما مما شرحناه لك، ولم نلق منك رداً على ما قلناه ثمّة. واذكر حين سألتني لم تصرّ على عدم اعتبار قول ابن أبي الدم وابن الصلاح، فهل لي أن أقول نحو مقالتك ههنا. وأنا معي عدد لا يحصى من العلماء الذين يعتبرون التواتر، ويقولون به، فإن لم نقل أجمعت الأمة على قبول التقسيم، فجماهير العلماء على ذلك، فأينا مع السواد الأعظم؟ وأينا أولى بأن تطمئن نفسه لما هو عليه من الرأي؟
ألا ترى أنك تقبل قول العلماء حين تريد وتردّه حين تريد؟ ونرى أهل طريقتكم يردّون الإجماع أحياناً أو لا يأخذون بقول واحد من السلف، ويتبعون أقوالاً في غاية الشذوذ لم يقل بها أحد لا من السلف ولا من الخلف، ونراكم في بعض المسائل تتمسكون بأقوال السلف. وتطلبون نصوصاً لا تحتمل غير معنى واحد في مسائل لم يشتهر كلامهم فيها هروباً من أن يوسموا بالابتداع. ألا ترى هذا أمراً غريباً في طريقتكم؟! وليكن هذا تعليقاً صغيراً على ما سيأتي من قولك: (إثبات سلفيّتها....) الذي أجده في غاية الغرابة في مسألة كمسألة الكلام. فأنت تريدني أن آتيك بأحد من السلف الصالح غير من صرّح بذلك من أمثال ابن كلاّب والأشعريّ وأبي حنيفة، يقول بأن كلام الله تعالى هو كلام نفسيّ قديم غير مخلوق ولا محدث وقائم بذاته لأنه صفته وليس بحرف ولا صوت... إلخ من التفاصيل حتّى تعتبر هذا القول صحيحاً؟ وهو أمر غريب ولعلّه يعسر فعلاً أن تجد واحداً من القدماء نصّ بالنصّ على هذا النحو على كلّ أمر من هذه الأمور، وبخاصّة عند معرفتنا أنهم كانوا يتحاشون التفصيل، وينفرون من أهل الأهواء والبدع، وأكثر المكلّمين كانوا من هؤلاء في تلك الحقبة، حتّى إنهم كانوا لا يرددون عباراتهم ومصطلحاتهم. فإن جئناك بواحد قال بذلك قلت هذا لا نصحح اعتقاده، فكأنك تطلب واحداً ليس من دأبه أن يفصل أن يفصّل فيعسر عليّ المجيء به، إلا أن أفهمه من عبارته فهماً لما أن كثيراً منهم لم يكن يعبّر بمصطلح الكلام. فإن شرحت لك قوله، فستقول حمّلته ما لم يحتمله.
فإذا كنت تطلب هذا، فهل لي بالمثل أن أطالبك بأن تأتي لي بواحد من السلف الصالح المتفق على إمامته ومنزلته يقول إن كلام الله تعالى صفة قائمة بذاته ومع ذلك هو محدث في ذاته وهو حرف وصوت، وأنه يتكلّم ويسكت...أنا أتحدّاك أن تأتيني بنص لعالم من العلماء يقول فيه إن كلام الله تعالى حادث في ذاته العليّ، أو أنه تحدث الحوادث في ذاته العليّ، سواء كانت أصواتاً وحروفاً أو إرادات أو غير ذلك من الانفاعلات. ووالله الذي لا إله إلا هو يا هيثم إنك لتعلم علم اليقين أنكم أتيتم بأشياء لا وردت في كتاب الله ولا في سنّة رسوله ولا في كلام أحد من السلف الصالح، والعجب أنني كلّما كلّمت سلفيّاً قال لي هات الدليل من كذا وكذا... إلخ، فأيّ سلف صالح يقول بأن الله تعالى في جهة ومكان ويستقر بمماسة ويماس خلقه ويتحرّك ويتكلّم بكلامه يحدثه في ذاته... إلخ، ألا ترى هذا كيلاً بمكيالين. ألا ترى أنكم تحرّمون على الناس ما تحلّونه لأنفسكم. وعلى الرغم من أن هذا الكلام خارج موضوعنا، ولا أريد أن أخوض فيه أكثر، إلا أن ذكري له لا يعدو كونه تذكرة للإخوة السلفيّة، لكي يراجعوا أنفسهم ويكون لديهم الشجاعة الأدبيّة ويقفوا من أنفسهم وقفة الناقد، فينصفوا أنفسهم والآخرين، ليس لنا، بل لوجه الله سبحانه وتعالى إن كان هو بحقّ مطلوبنا كما ندّعي، ونزايد.
وسأجيبك الآن باختصار شديد عن باقي أسئلتك، لأنّي أريد أن نركّز على موضوع واحد هو خبر الواحد والخبر المتواتر، ثمّ حين ننتهي منه نتكلّم في مسألة أخرى. وأرجو أن لا يتشعّب الحديث في غيرها حتّى تنتهي. وبعد ذلك آتيك ببعض كلام الإمام الشافعيّ رضي الله عنه في الرسالة، وأعلّق عليه، وأريد أن تقول لي رأيك في ما أقوله دائماً ولا تعرض عن ذلك.
قولك: (أنت تقول: مادام الله متصفاً بالكلام، ومادام كلامه لا يكون بحرف ولا صوت فلا بدّ وأن يكون كلامه نفسياً. وأنا أطلب منك أن تثبت أن هذا التسلسل في التفكير والاستنتاج كان عند السلف. وها هي كتبهم في العقيدة كثيرة فمَن منهم فكر بهذه الطريقة؟)
أقول: ليس هذا بالضبط ما قلته. ولكن على أي حال، هب أني قلت ذلك: فما هو الخطأ في هذا التفكير الذي وقعت فيه؟ أين الخطأ في التفكير الذي وقعت فيه؟ إن كلّ ما يعنيه بنظري قيد النفسيّ هو زيادة تفصيل للتحرّز عن توهّم حدوث كلامه تعالى أو مشابهته لكلام البشر. وإلا فقد قلت لك مائة مرّة إن من قال إن كلام الله تعالى صفته القديمة ويتنزه الله تعالى عن أن يشبه كلامه كلام المخلوقين فهذا هو اعتقاد الأشعريّة، ولم يخطر بباله أنه نفسيّ أو غير نفسيّ.
وعلى سبيل المعارضة لا أكثر، أقول الله تعالى يقول إنه استوى على العرش، وأنتم تقولون ما دام استوى إذاً جلس ومس العرش فالعرش حدّه... إلخ هذه الخزعبلات فكيف لزم عندكم ذلك. أثبت لي هذه الطريقة في التفكير عند السلف؟ ومثل ذلك مثايل في عقيدتكم. كقولكم ما دام ورد ينزل ويدنو فهو يتحرّك، فمن قال من السلف ذلك؟ وكقولكم ما دام يتكلم، إذا بحرف وصوت، وما دام متصفاً بالكلام إذا الحرف والصوت يقومان بذاته، ولكن الحرف والصوت حادثين، والحادث لا بدّ له من محدث، إذاً الله تعالى يحدث صفته التي هي الكلام في ذاته!!!! فقل لي من من السلف فكّر بهذه الطريقة.
قولك: (لقد سألتك سؤالاً لعله حُذف بالخطأ وهو: هل تصحّ نسبة (الفقه الأكبر) للإمام أبي حنيفة عندك؟ وهل ترى أن كل ما جاء فيه يمثل عقيدة الإمام أبي حنيفة؟ وإن كنت ترى أن فيه بعض الأمور التي لا تمثل عقيدته فما توجيهك لوجودها في الكتاب؟)
أقول: أسئلتك التي تطلب فيها رأيي هي خارج موضوع بحثنا وأخشى أن تبعدنا عنه. أما الفقه الأكبر فالمشهور عند الأحناف بحسب علمي قولهم بصحة النسبة. وقد شرحه بعض علمائهم الأفاضل. فإن كنت تحب أن تضيف شيئاً بشأن النسبة أو أردت التعليق على شيء مما تضمّنه فيمكنك أن تؤجل ذلك قليلاً إن أحببت، أو تعلّق باختصار على ذلك.
قولك: (في حدود علمي فإن أول من أثبت صفة الكلام لله دون أن يثبت له حرفاً ولا صوتاً هو ابن كلاب! وهو أول من قال بعقيدة (الحكاية). فهل توافقني على هذا الكلام؟ وإن كان ابن كلاب! هو أقدم مرجع لك في القول بهذين القولين فأرجو أن تصرّح بذلك)
أقول: الذي أعرفه أن من أثبت لله تعالى كلاماً بحرف وصوت هم المعتزلة على أنه فعله، ومن أثبت لله تعالى الكلام بحرف وصوت على أنه صفته هم الحشوية والمجسّمة. أما موضوع العبارة، وأن اللفظ العربيّ عبارة على كلام الله تعالى، فبعض علماء الأشعريّة يذكرون ذلك ويقصدون به أن الألفاظ مخلوقة، ولكن مدلولها وهو الصفة القائمة بالله تعالى هي قديمة. ولا يجوز عند أحد من الأشاعرة إطلاق القول بأن القرآن مخلوق. أو الإشارة إلى القرآن والقول بأن هذا ليس كلام الله أو نحو ذلك. ومن قال إنه من كلام البشر فقد كفر. كما نص على ذلك الإمام الطحاويّ. ولا ادري بالضبط ما الذي ترمي إليه، دعك من هذه الطريقة، قل لي ما الذي تريده منّي بالضّبط أن أقرره لك لأفعل.
قولك: (ليس المطلوب معارضة عقيدة الكلام النفسي ومحاولة نفيها، المطلوب هو إثبات سلفيتها. وأنت لم تأت من ذلك بشيء حتى الآن)
أقول: ألا ترى هذا الكلام غريباً يا هيثم؟ فما معنى إثبات سلفيّتها. ولقد تكلّمت في هذا المعنى قبل ولا أريد أن أعيد. ولكن ما قيمة هذه السلفيّة إذا كان معنى الكلام النفسيّ صحيحاً، فهل يكون الإشكال في الاسم. اعتقد ما نعتقده في كلام الله تعالى وعش بقية حياتك لا تقيد كلام الله تعالى بنفسيّ ولا غيره، فلن يضيرك شيء إذا نزهت الله تعالى عن أن تشبه صفاته صفات المخلوقين. والعجيب في ادعائك على ابن كلاّب أنك توهم أن كلّ من قال إن الله متكلّم قبل هذا العالم فكان يقول إن كلام الله تعالى بحرف وصوت. فاذكر لي واحداً من العلماء المجمع على إمامتهم وصحة اعتقادهم نصّ على أن كلام الله حرف وصوت؟
وأخيراً تأملّ كلام الشافعيّ هذا في الرسالة، باب العلم:
(قال الشافعي فقال لي قائل: ما العلم؟ وما يجب الناس في العلم؟
فقلت له: العلم علمان: علم عامة لا يسع بالغاً مغلوب على عقله جهله.
قال: ومثل ماذا؟
قلت: مثل الصلوات الخمس، وأن لله على الناس صوم شهر رمضان وحج البيت إذا استطاعوه وزكاة في أموالهم وأنه حرم عليهم الزنا والقتل والسرقة والخمر وما كان في معنى هذا مما كلف العباد أن يعقلوه ويعملوه ويعطوه من أنفسهم وأموالهم وأن يكفوا عنه ما حرم عليهم منه.
وهذا الصنف كله من العلم موجوداً نصاً في كتاب الله وموجوداً عاماً عند أهل الإسلام ينقله عوامهم عن من مضى من عوامهم يحكونه عن رسول الله ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم.
وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلطُ من الخبرِ، ولا التأويلُ، ولا يجوز فيه التنازع) اهـ
فأقول:
أولاً: إن وصفه للخبر محلّ الكلام (بقوله ينقله عوامهم عن عوامهم ... إلخ) هو عين وصفنا للخبر المتواتر بما لا يجادل فيه إلا عميّ القلب. فيثبت بذلك تصوّر الإمام رحمه الله تعالى لهذا النوع من الأخبار.
ثانياً: وقد نصّ على أنه يفيد العلم القاطع بحيث لا ينازع فيه أحد.
ثالثاً: رتّب على هذا النوع من الخبر أحكاماً خاصّة مثل عدم جواز مخالفته.
ثمّ ذكر بعد ذلك العلم الثاني الذي هو علم الخاصّة. وذكر أن أسبابه: أخبار الخاصّة إن كانت من الستّة لا أخبار العامّة، وما كان يحتمل التأويل ويستدرك قياساً، وما لم يذكر نصّاً في الكتاب. إلخ...
وما يهمّني هنا هو قوله: (وإن كانت في شيء منه سنّة فإنما هي أخبار الخاصّة لا أخبار العامّة)
فهذا القسم من الأخبار الذي أجاز في ما يفيده الاختلاف. هل يمكنك أن تقول لي لم أجاز فيه الخلف؟
واعلم أنه لا يهمّني ههنا قولك بأن خبر الواحد يفيد العلم، فلستَ أنت أول من قال بذلك، ولم يكن هذا ما دعاني للتدخل في الكلام والنقاش، وإذا أردت أن نقيم مناظرة منفصلة في أن خبر الواحد يفيد العلم أو لا يفيده فعلت، والمسألة عندي من الأمور البدهيّة وقد انتهى العلماء من بحثها من زمن بعيد، وأنا أستغرب أن أحداً اليوم يقول بأن خبر الواحد يفيد العلم؟
وعلى أي حال، أصل كلامنا هو في مفهوم الخبر المتواتر، هل كان معروفاً وواضحاً في أذهان علماء السلف أو لا، هل رتّبوا عليه أحكاماً أو لا؟ هل الذي أقرّه جماهير علماء الإسلام بلا نكير ونصوا عليه في كتبهم سواء كانوا من أهل الأصول أو الكلام أو الحديث أو الفقه أو المنطق أو غير ذلك من العلوم، هل هؤلاء جميعاً أقرّوا مفهوماً خاطئاً، ولا وجود له في الواقع، ولا فائدة في معرفته وتمييزه، ولا يترتّب على معرفته أحكام؟؟ إن من يقول ذلك لهو المبتدع لا هم يا أخ هيثم. ولا داعي لأن أنقل لك أقوال الشافعيّ الذي نحتكم الآن إلى كلامه في معنى الإجماع وعدم جواز مخالفته، واعتبار أقوال جمهور العلماء، والاعتداد بمقالاتهم ... لكي تقف مع نفسك وقفة طويلة جدّاً قبل أن تخالف جماهير العلماء. وهم أئمة الدين وحملة لوائه. وإن كنا ونحن على ما ترى من فساد الخلق، وقلة العمل، وقلة العلم، لنتصدّى لحماية الدين، وندّعي الحفاظ عليه من البدع، فكيف بهم هم، وهم من هم، أليسوا أحرى بتقوى الله تعالى منا. فلماذا تتجرأ على جماهيرهم وفيهم في كلّ طبقة وعصر أسماء يهتز الواحد حين يسمعها: فتقول إنهم مشوا على هذه البدعة؟ فبدل أن نجتهد في معرفة أصول كلامهم ونبحث عنه عند القدماء نسارع برميهم بالبدعة.
فهذا ما تيسّر في هذا الصباح المبارك إن شاء الله، والحمد لله رب العالمين.



رد مع اقتباس