[ALIGN=JUSTIFY]الأخ العزيز جمال الشرباتي
لقد كنت كتبت أكثر من بحث عن موضوع الفطرة، وهو موضوع مهم جدا لأنه من مبادئ البحث في وسائل المعرفة الإنسانية وهي كما تعلم من مقدمات ومبادئ علم الكلام.
وقد كتبت في هذا الموضوع بأكثر من أسلوب، فاحيانا كتبت بأسلوب عقلي وأحيانا نقلي فيه بعض تحليل عقلي لأن النقل لا ينفك عن العقل كما تعلم.
وقد لخصت بعض أهم الأفكار في هذا الأمر وأودعتها في شرحي الجديد على العقيدة الطحاوية، وسوف أنقل لك ذلك قريبا، آملا أن يكون مفيدا ومرضيا عنه من الأخوة الأفاضل.
وأما ما سميته أيها الأخ بغريزة التدين، فأنا أعتقد أن التسمية غير صحيحة على إطلاقها، وقد سماها بذلك الشيخ تقي الدين النبهاني كما تعلم وغيره ممن كتب في ذلك. ولكن الذي أراه في ذلك أن أصل الفطرة هو الخلقة، والإنسان أصلا محتاج، وهو يحس باحتياجه ، ووجدانه ذلك الاحتياج لا ينفك عنه، لأنه جزء منه(أنتم الفقراء إلى الله)وهذا يسمى بدليل الفقر والإمكان والاحتياج، فلا يمكن لإنسان الاعتقاد بكماله واستغنائه على الحقيقة عن غيره من الموجودات. وهذا القدر من الشعور فطري وإن سميته غريزي بمعنى أن الإنسان لا ينفك عنه فلا بأس، على أنه من لوازم ذات الإنسان القريبة.
الآن، ما دام هذا الشعور بالاحتياج إلى الغير قائما في الإنسان، فلا بد من أن يبحث الإنسان عن علة كافية يعتقدها هي التي أقامت وجوده، ومن هنا ضار البحث عن جواب هذا السؤال موجودا عند كل الناس.
وقد اختلف الناس في تعيين هذا السبب، فبعضهم عزاه إلى نفس هذا العالم المشاهد، وهم المنكرون للغيب، وبعضهم عين بعض الموجودات في هذا العالم وأسند إليها هذا الأمر، وهذا نوع شرك يختلف فيه الناس بحسب ما الذي اختاروه ليكون علتهم فبعضهم قال الكواكب، وبعضهم تعلق بالسموات وبعضهم قال بالعقول ، والأصنام بحسب ما يعتقدون من رمزها وهكذا.
وبعض الناس بل هم الأكثرية قالوا يستحيل أن يكون هذا الذي أقامنا جزءا من هذا العالم بل يجب أن يكون غير العالم، وهؤلاء هم الذين يقولون بالدين والتدين، ولكنهم اختلفوا أيضا في تعيين صفاته وصفات ذاته ما بين مجسمة وفلاسفة ومنزهة وقائلين بوحدة الوجود وغيرهم.
هذا هو الشرح الإجمالي بحسب ما يتهيأ لي الآن أن أجيبك به، وأرجو أن يكون كافيا فأرجو أن تدقق عبارته فقد أودعت فيه كثيرا من المعاني كما لا يخفى على من هو في مثل ذكائك وحدة ذهنك وصفاء جوهرك.
[ALIGN=CENTER]والله الموفق. [/ALIGN]
[/ALIGN]
وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب