بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ جمال المحترم،
لم أدر أن الشيخ سعيد قد رد على كلام الخليلي الذي نقلته عنه لأني وجدت اسمك في آخر مشاركة فحسبت أنه لم يجب عن سؤالك، فكتبت رداً، ثم لما دخلت وجدت الشيخ قد وفّى وكفّى، ولكني أضع هذا الرد لعلّ فيه فائدة إن شاء الله تعالى.
فأقول: لاحظ أن كلام الخليلي صاحب الحق الدامغ ينبني على نقطتين:
الأولى: أن استدلال الفخر الرازي باطل لكون الإمام جعل من نفي الشيء دليلاً على إثباته.
الثانية: أن الإمام الرازي اعتبر هذه الآية وهي دليل لفظيّ حجّة قاطعة، مع أنه يصرّح بأن الدلائل اللفظيّة ليست حجّة قاطعة.
فأقول:
أما الجواب عن الأولى، فالإمام لم يستدل بدليل نفي الرؤية على إثبات الرؤية. فهذا أمر لا يفعله عاقل. وبيانه من وجوه:
فأ: لا يسلّم أن هذه الآية دليل على نفي الرؤية مطلقاً، بل أهل السنّة يجعلونها مقيدة بالدنيا دون الآخرة.
وب: إن الآية لا شكّ أنها في مقام مدح الله تعالى لنفسه، والجهة التي يشير إليها الإمام الرازي هي أن الله تعالى لما كانت الرؤية في حقه جائزة وحجب الناس عن رؤيته بقدرته تعالى، كان ذلك أبلغ في مدحه مما لو كان تعالى محال عليه أن يرى، فلا يكون لقدرته سبحانه تعلّق بالمحال، وعليه فلا يكون مدحه لنفسه لكون الأبصار لا تدركه بأبلغ من الأول، أي بملاحظة تعلّق القدرة بها. على أنّ أهل السنّة يصرّحون بأن التمدّح جائز سواء كان على أمر ممكن في نفسه كالرؤية أو على أمر محال في نفسه كالشريك والولد والزوجة. والإمام الرازي نفسه يشير إلى ذلك في مواضع من تفسيره وكتبه الأخرى بحسب ما أذكر. فيكون حاصل كلام الإمام دليل ظنيّ لا يريد به الجزم والقطع. والإمام قد نثر في تفسيره وكتبه الأخرى أدلّة كثيرة جدّاً على الرؤية فلا يكون هذا دليله العمدة، وإنما هو مجرّد دليل فيه ضعف، يضيفه إلى الأدلة الكثيرة على جواز الرؤية ووقوعها للمؤمنين يوم القيامة. وناسب أن يذكر هذا الوجه ههنا لكونه يتكلّم في تفسير الآية نفسها التي أخذ منها الدليل. هذا كلّ ما في الأمر. فوصف كلام الإمام الرازي بأنه مغالطة واتخاذ لدليل النفي دليلاً على الإثبات وإلزامه بوجوب إثبات الولد والزوجة وكلّ ما نزّه الله نفسه عنه في القرآن من نفس الباب لا شكّ أنّه تماد في الإلزام بما لا يلزمه كما سنبيّنه بتفصيل إن شاء الله، لكون جهة كلام الإمام الرازي واضحة، ولها وجه ما. وصاحب الحق الدامغ كما بيّن الشيخ سعيد في بعض كتبه وذكره أيضاً في هذا المنتدى عند الكلام على مسألة صاحب الكبيرة يبالغ في التهويل بلا مبرّر، ويحب أن يزيد في التشنيع على أهل السنّة، ويسبك كلامه على نحو خطابيّ يظهر فيه تهافتهم، بل إنه أحياناً يكذب عليهم وينقل شيئاً ويترك أشياء، ويغالط حتّى يتوصّل إلى مراده من إبطال مقالتهم. وعند تحليل كلامه يظهر ضعفه. وتمسّكه بما لا ينفعه. وقد ناقشت مسألة الرؤية مع أحد الإخوة الزيديّة في هذا المنتدى قبل شهور، وكان النقاش هادفاً مفيداً، وسألني الرجل وسألته، وذكر كلّ منا بعض أهمّ الأدلّة عند المثبت والنافي، حتّى توصّلنا معه إلى أن أثبت الرؤية ولم يجد مبرراً ولا داعياً لنفيها. فأرجو أن ترجع إلى تلك المناقشة لعلك تجد فيها بعض ما يفيد إن شاء الله تعالى.
وج: الآية الكريمة تقول: (لا تدركه الأبصار)، فغاية ما في الآية من النفي نفي إدراكه تعالى بالبصر، والأصل أن الحديث عن هذه الأبصار المعهودة بهذه الكيفيّة، كما يوافق عليه النافي، ونحن نثبت الرؤية بلا كيف، فمن أين يلزم من نفي إدراكه بالبصر بهذه الكيفيّة نفي إدراكه مطلقاً، والرؤية عندنا أعمّ من أن تكون بهذه الكيفيّة، فهي صادقة على كيفيّات أخرى وعلى الرؤية دون قيد الكيفيّة. فتقييد الإدراك المنفيّ بالأبصار لا بدّ له من فائدة، لا سيّما وأن مطلق الإدراك يجيزه الجمهور. من ذلك يلاحظ كلام الإمام في الحجب عن رؤيته، بأن الله تعالى خلق الأبصار على قانون حجبها فيه عن رؤيته. وجعل رؤيته كرامة للمؤمنين في الجنة، فكان ذلك أبلغ في مدحه. ثم إذا جعلنا مطلق الأبصار بلا قيد هذه الكيفية أو غيرها وبلا كيفية أصلاً لا تدركه، فالسبيل أن يقيد هذا النفي في الدنيا جمعاً بين الأدلة.
وحاصل الجواب عن النقطة الأولى هو أن الآية ليست دليلاً على نفي الرؤية بالمعنى الذي نثبته، بحيث يدّعي هذا الرجل أن الإمام الرازي جعل دليل النفي دليلاً للإثبات. فالآية دليل على نفي رؤية خاصة ليست هي الرؤية التي نثبتها، أو الرؤية في الدنيا ونحن لا نثبتها في الدنيا، ونفي الأخص أو المقيّد لا يستلزم نفي الأعمّ أو المطلق. فلا يكون الإمام الرازي قد اتخذ من دليل نفي أمر دليلاً على إثبات نفس الأمر المنفيّ. فسقط ادعاؤه الأوّل.
وأما الجواب عن الثانية، وهي: أن الإمام الرازي اعتبر هذه الآية وهي دليل لفظيّ حجّة قاطعة، مع أنه يصرّح بأن الدلائل اللفظيّة ليست حجّة قاطعة.
فدعونا أولاً نعرض كلام الإمام الرازي ونتأمّله هل فعلاً يقول بأن استدلاله بلا قيد مطلقاً دليل قطعيّ على ثبوت الرؤية أم ما هي حقيقة قوله؟
قال الإمام الرازي: (وتمام التحقيق فيه أن الشيء إذا كان في نفسه بحيث يمتنع رؤيته فحينئذ لا يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم للشيء، أما إذا كان في نفسه جائز الرؤية ثم إنه قدر على حجب الأبصار عن رؤيته وعن إدراكه كانت هذه القدرة الكاملة دالة على المدح والعظمة، فثبت أن هذه الآية دالة على أنه تعالى جائز الرؤية بحسب ذاته.
وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة، والدليل عليه أن القائل قائلان، قائل قال بجواز الرؤية مع أن المؤمنين يرونه، وقائل قال لا يرونه ولا تجوز رؤيته، فأما القول بأنه تعالى تجوز رؤيته مع أنه لا يراه أحد من المؤمنين فهو قول لم يقل به أحد من الأمة فكان باطلا، فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية تدل على أنه تعالى جائز الرؤية في ذاته، وثبت أنه متى كان الأمر كذلك وجب القطع بأن المؤمنين يرونه، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على حصول الرؤية) اهـ
ثم الجواب عن كلام الخليلي المتعالي من وجوه:
الأوّل: أن الإمام الرازي حين عرض استدلاله الأول لم يقل إن هذه الآية دليل على إثبات الرؤية بل قال دليل على جواز الرؤية، وفرق بين إثبات الجواز وإثبات الوقوع، فلا يكون الإمام كما ادّعى الخليلي قد اتخذ من دليل النفي دليلاً للإثبات، بل غايته أنه اتخذ هذه الآية حين نظر إليها من جهة من الجهات دليلاً على جواز رؤيته تعالى، ثمّ بنى على تسليم هذا الجواز دليلاً آخر كما سيأتي بيانه، وفرق كبير بين الأمرين بين الأمرين لو أنصف الخليلي، ولكنه لا يريد أن ينصف ولا يهمه ذلك، بل يتعمد المغالظة وعدم الإنصاف.
الثاني: أن الإمام الرازي بعد أن ذكر وجه استدلاله بهذه الآية قال: (وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة) اهـ. وفيه إشارة واضحة إلى جواز وقوع المعارضة من النافي، فلذا قال إذا ثبت هذا وجب كذا، أي وإذا لم يثبت أو لم يسلّم لم يجب القطع.
الثالث: أنه بعد أن قال وجب القطع بأن المؤمنين يرونه، لم يكن قد أتمّ استدلاله بعد، لأنا قد ذكرنا من كلامه أن استدلاله الأوّل لم يثبت فيه غير الجواز، وههنا يدّعي القطع بقيد تسليم الاستدلال الأول على الأقل الذي به يسلّم جواز الرؤية، ثمّ بدليل آخر، وهو ما يذكره تالياً حيث قال: (والدليل عليه....إلخ) أي أن الدليل على هذا القطع الذي أدّعيه بوقوع الرؤية للمؤمنين بالآخرة على فرض ثبوت ما ذكرت من الدليل الأول هو كذا وكذا كما سنذكره، فلا يكون ما مضى من استدلاله هو الدليل القاطع على أن المؤمنين يرونه في الآخرة.
الرابع: اعلم أن النافي للرؤية من العلماء من المعتبرين مسلّم بأحاديثها مصحح لها، ولكنه يتأوّلها. وسبب نفيه للرؤية ومسيره إلى تأويلها وصرفها عن ظاهرها هو حكمه عليها بأنها مستحيلة في حق الله تعالى. وهذا الأمر التفت إليه الإمام الرازي فأراد أن يحصر الأقوال في الرؤية، لأن الحق لا يخرج عن مجموع أقوال الأمّة. فقال: (القائل قائلان، قائل قال بجواز الرؤية مع أن المؤمنين يرونه، وقائل قال لا يرونه ولا تجوز رؤيته، فأما القول بأنه تعالى تجوز رؤيته مع أنه لا يراه أحد من المؤمنين فهو قول لم يقل به أحد من الأمة فكان باطلا) اهـ
فإذاً النافي للرؤية نافٍ لجوازها، فإذا ثبت جوازها ثبتت الرؤية لأنه لم يقل أحد من المسلمين الرؤية جائزة ومع ذلك لا أحد من المؤمنين سوف يرى الله تعالى. فهذا القول الأخير يجب استثناؤه وإهماله لأنه لم يقل به أحد، والحقّ لا يخرج عن أقوال الأمّة لأن الشريعة مبيّنة. وهكذا توصّل الإمام الرازي رحمه الله تعالى إلى القطع بوقوع الرؤية للمؤمنين بمجرّد إثبات جوازها على الله تعالى إذا سلّم ذلك الجواز كما نبّه إليه بقوله: (إذا ثبت هذا). أي أن هذه الآية الكريمة تكون دليلاً قاطعاً على وقوع الرؤية للمؤمنين في الآخرة بدليل الإجماع على قولين هما: (الجواز مع الوقوع وعدم الجواز) وبشرط ثبوت أنها دليل على جواز رؤية ذاته العليّ سبحانه.
ولذلك قال رحمه الله تعالى: (فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية تدل على أنه تعالى جائز الرؤية في ذاته، وثبت أنه متى كان الأمر كذلك وجب القطع بأن المؤمنين يرونه، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على حصول الرؤية) اهـ
وهو حقّاً من ألطف الاستدلالات التي اطلعت عليها في إثبات الرؤية، وهو حقّاً استدلال قويّ قاطع إذا سلّم أن الآية دليل قاطع على جواز الرؤية. وهذا يعقله المنصف، ويلاحظ قوّته العاقل.
ولكم أيها السادة أن تلاحظوا أين كلام الإمام الرازي من كلام الخليلي. فالإمام كما بيّنا استدلاله لم يتّخذ من الآية من حيث ما هي دليل لفظيّ دليلاً قاطعاً على ثبوت الرؤية للمؤمنين في الآخرة هكذا دفعة وضربة بلا قيود، وبلا شروط، وبلا إضافة أيّ دليل آخر. بل استند إلى أدلّة أخرى من أهمّها إجماع المسلمين على قولين: الجواز مع الوقوع وعدم الجواز. وكذا فإنه شرط القطع بهذا الدليل بالقطع بإفادة الآية مطلق الجواز. فيكون ما نسبه الخليلي للإمام الرازي في النقطة الثانية باطلاً أيضاً. وهكذا يتهافت كلامه وادعاؤه على الإمام.
والله تعالى الموفّق.
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين