بسم الله الرحمن الرحيم
تعليقات سريعة على نونيّة القحطاني
أيها الإخوة الأفاضل،
وقفت على قصيدة نونيّة لرجل يقال له أبو محمد عبد الله بن محمد الأندلسي، فوجدته يتكلّم فيما لا يفقه، قبح الله البلادة.
قال هذا الإنسان في كلام الله تعالى:
(ولأتلون حروف وحيك في الدجى* ولأحرقن بنوره شيطاني
أنت الذي يا رب قلت حروفه* ووصفته بالوعظ والتبيان
ونظمته ببلاغة أزلية* تكييفها يخفى على الأذهان)
أقول: لاحظ أنه في البيت الثاني يثبت أن الله جلّ وعزّ قال نفس الحروف. وفي البيت الثالث يثبت أنّ الله تعالى نظم هذه الحروف في الأزل ببلاغة أزليّة. ويقرر أنّ لها كيفاً ولكنّ هذا الكيف خافٍ عن عقولنا. أن كلامه تعالى بكيف، ولكنّا لا نعلم هذا الكيف. وأريد من القارئ الكريم أن يستحضر ما يقوله الناظم في كلّ وقفة لنا مع كلامه، ليرى مبلغ تخبطه وتناقضه.
ثمّ قال: (وكتبتَ في اللوح الحفيظ حروفه* من قبل خلق الخلق في أزمان)
أقول: هذا المعنى لا إشكال فيه ظاهراً، ولكنه يريد أنّ نفس كلامه الذي هو صفته هو ما كتبه في اللوح المحفوظ كما سيتوضّح لك.
ثمّ قال: (فالله ربي لم يزل متكلما* حقا إذا ما شاء ذو إحسان)
أقول: هنا يثبت أن الله تعالى لم يزل متكلّماً أي أن كلامه جل ثناؤه قديم، ومع ذلك فهو يعلّق كلامه على المشيئة، بمعنى أنّه إذا شاء تكلّم، وإذا شاء لم يتكلّم. فكيف يصحّ في العقول أن يكون الكلام قديماً وهو متوقف على المشيئة؟ إن ما يتوقف على المشيئة هو الحادث، لأن إرادة الله تعالى لا تتعلّق إلا بالممكنات، ولا يكون الشيء ممكناً وقديماً في آن. لأن القديم واجب في العقل، ولا يتصوّر العقل عدمه. والممكن ما يتصور العقل وجوده وعدمه. فلا يستقيم أن يكون كلام الله تعالى أزلياً ومتوقّفاً على الإرادة أبداً. ولا معنى لقوله متكلّم إذا شاء أي وغير متكلّم إذا شاء، بعد قوله إن كلامه أزليّ. فلا يستقيم مطلقاً في العقل إيقاف القديم على الإرادة. فلا يبقى له إلا أن يثبت أن كلام الله تعالى مخلوق تابع لقدرته وإرادته سبحانه. ولكي يتمّ لهذا الإنسان اعتقاده، فلا بدّ أن يلجأ إلى نوع من التلفيق كما وصفه الشيخ سعيد في كلامه مع هيثم حمدان. وهو أن يقول لم يزل الله متكلّماً، بمعنى أنّه لم يزل خالقاً لكلامه. وهو عين القول بقدم الكلام النّوعيّ. وبما أنّه يجعل الكلام صفة للباري تعالى كما سيأتي في النظم، فيكون الله تعالى عنده خالقاً للكلام في ذاته منذ الأزل. ولا تلتفت إلى تفريق الجهلة بين الإحداث والخلق، لأنّه مجرّد تلاعب بالألفاظ لا معنى له. ثمّ لاحظ التناقض الكبير الذي ينشأ من هذا القول. فالذي يقول إن الله تعالى لم يزل فاعلاً للكلام في ذاته، فلا يمكن أن يكون مريداً لكلامه. بل هو من جنس قول الفلاسفة بأن الإله دائم الفيض بالعليّة. أي أنه تعالى موجب بالذات. ومن يثبت أن الإله دائم الفعل منذ الأزل فالأليق به أن ينفي الإرادة كما فعل الفلاسفة، أما أن يثبت أن الإله مختار، ثمّ يقول إنه لم يزل فاعلاً منذ الأزل. فلا يخفى ما فيه من الخبط.
والحلّ الآخر هو أن يقولوا إن معنى كونه متكلّماً أنه قادر على الكلام متى شاء. وهو قول في غاية الشناعة، لأنه أوّلاً تعطيل للإله عن صفة الكلام، بردّها إلى صفة أخرى هي القدرة. وثانياً نفيٌ صريح لوجود كلام أزليّ. فكيف مع ذلك يقال إن له تعالى كلاماً أزليّاً. إن حقيقة هذا المعتقد هو القول بأن الكلام مخلوق للإله في ذاته بقدرته وإرادته، ولا شيء آخر. فلا يكون ثمّة كلام قديم مطلقاً، لأنه لا يتصوّر التسلسل في الحوادث لا في الذات الإلهيّ الأقدس، ولا في العالم، فالتسلسل أي القول بحوادث لا أوّل لها محال. وكذا لأنه لا يمكن أن يكون القديم موقوفاً على القدرة والإرادة. ولعمري لماذا بعد ذلك يعيب السلفيّة على المعتزلة بأنّهم جهميّة معطّلة وهم في الحقيقة مثلهم من وجهين: الأوّل في أنّهم ينفون صفة قديمة للإله وهي الكلام بردّه إلى القدرة والإرادة. والوجه الثاني أن حقيقة قولهم هو أنّ كلام الله تعالى مخلوق من مخلوقاته، وليس معنى تكليم الله لموسى إلا خلقه لكلامه. ولكي يهربوا من النهي عن خلق والإتيان بأشنع منه، اخترعوا قولاً عجيباً وهو أنّ كلام الله محدث وليس بمخلوق، لكي لا يخالفوا صريح ما نقل عن الأئمة من أن كلام الله تعالى غير مخلوق.
ثمّ قال:
(نادى بصوت حين كلم عبده* موسى فأسمعه بلا كتمان
وكذا ينادي في القيامة ربنا* جهرا فيسمع صوته الثقلان)
أقول: انظر ههنا كيف يثبت أنّ كلام الله تعالى الذي سمعه موسى هو صوت. وأنه تعالى في يوم القيامة ينادي بصوت يسمعه الإنس والجنّ. وانتبه أيها القارئ الكريم إلى أنّ هذا هو الإلزام الذي ألزمه الشيخ سعيد لهيثم في النقاش معه، وهو أنّ الله عند السلفيّة يتكلّم بصوت، أي أنّ كلامه صوت مثل كلام البشر، ويُسمع بهذه الكيفيّة التي نسمع بها الأصوات. وأنّ كلامه الذي هو صفته ينفصل عن ذاته ويقرع طبلة آذاننا. فتزول عن الإله صفته عندهم، وتحلّ في الآذان. وتحدث صفته شيئاً بعد شيء، وتتقضى شيئاً بعد شيئاً. وهيثم يصرّح بكلّ حماقة ووقاحة بذلك، ولا يجد فيه حرجاً. فإن لم يكن هذا تشبيهاً لله تعالى بخلقه، في أنّ كلامه صوت كالأصوات، ويسمع كما تسمع، ويحدث في ذاته شيئاً بعد شيء، ويخرج منها لينتشر في الجو، وينعدم من ذاته ويتقضى شيئاً بعد شيء، ثم المنفصل عنه يصل إلى آذاننا ونسمعه بهذه الكيفية. أقول إن لم يكن هذا تشبيهاً وتكييفاً لصفة الله تعالى، فماذا عساه يكون؟!! ثمّ انظر هذا الناظم البليد، يقول بعد ذلك:
(لسنا نشبه صوته بكلامنا* إذ ليس يدرك وصفه بعيان
لا تحصر الأوهام مبلغ ذاته* أبدا ولا يحويه قطر مكان)
فأقول: قبح الله الجهل والعيّ ماذا يفعلان بصاحبهما، بعد أن لم يُبق من التكييف والتشبيه شيئاً يقول لسنا نشبّه صوته بكلامنا. بالضبط كما يفعل هيثم، يكيف اللإله وصفاته، ويقيس الخالق على المخلوق، ثمّ ينفي عن نفسه التشبيه والتجسيم، ويتّهمنا نحن به، فسبحان الله!
إن الناظم قد أثبت أن كلام الله تعالى أصوات وحروف، وأنه يُسمع كما تسمع الأصوات والحروف. فماذا أبقى من التشبيه؟ ما هو الفرق بين صوت الله وصوت الناس عنده؟ أيكون صوته تعالى عنده قوياً عالياً لا يقدر أن يصوّت بمثله أحد من الخلق؟ أم ما هو الفرق بين الصّوتين أيها المتكلّم فيما لا تفقه؟!
ثم يقول:
(من ذا يكيف ذاته وصفاته* وهو القديم مكون الأكوان)
أقول: أنت أيها الناظم، وابن تيميّة من بعدك، وابن قيّم الجوزيّة تابعه، وهيثم حمدان اليوم، ومن قبلكم ومن على شاكلتكم من السلفيّة الذين هم كرّاميّة الأمس، تكيّفون ذات الله تعالى وصفاته، فلماذا تنفون عن أنفسكم التشبيه والتجسيم والتكييف، يكفي كلامكم قبحاً أنكم تخجلون وتتبرأون منه، ويكفيكم خداعاً وتلبيساً على الناس في انتسابكم إلى القرآن والسنّة وأئمة السلف، فهم منكم براء.
ثم يقول:
(وكلامه القرآن أنزل آيه* وحيا على المبعوث من عدنان
....
هو جاء بالقرآن من عند الذي* لا تعتريه نوائب الحدثان)
أقول: إن ابن تيميّة يخالفك في هذا أيها الناظم، إذ يصرّح بأن كلام الله تعالى حادث، وهيثم حمدان يخالفك في ذلك فيقول إن كلامه حادث، وأنت نفسك أيها الناظم لا تعقل ما تقول، لأنّك وصفت كلامه تعالى بصفات الحوادث. وإذا أثبتّ القدم للقراءة والصوت والحرف فأنت في غاية البلادة والسفه. ألم تقل أيها الناظم، إن كلام الله تعالى حرف وصوت، فكيف تقول إنهما قديمان، ثمّ ألم تقل إن الله نظم حروف كلامه، وكتبها في اللوح المحفوظ، وأنزلها على نبيّه... فكيف لا يكون المنظوم من الحروف، المصوّت، المكتوب في اللوح، والمنزّل قديماً. إنه لا يعقل إلا أن يكون مخلوقاً حادثاً عندك لأنّه عندك حرف يكتب، وصوت يسمع، وكتاب ينزل.
ثمّ قال: (من قال إن الله خالق قوله* فقد استحل عبادة الأوثان)
أقول: أخشى أنّ ذلك لازمك لا محالة، ولا انفكاك لك عنه. لأن الحرف والصوت مخلوقان لله تعالى. فليقم رجل من السلفيّة اليوم وليقسم بأن الصوت الصادر عن القارئ ليس بمخلوق من مخلوقات الله تعالى، ليضحك الناس عليه، ووليقل إن الحرف المكتوب في المصاحب ليس بمخلوق من مخلوقات الله تعالى. إنه إن فعل فإنه يفتري على الله تعالى الكذب، ويحكم على نفسه بالجهل ونقص العقل وقلة الفهم. وعلى أي حال قد فعل ذلك هذا الناظم فقال:
(من قال إن حروفه مخلوقة* فالعنه ثم اهجره كل أوان)
أقول: هذه هو الجهل بعينه، وهذا هو التعصّب عليه. فإذا بلغ الواحد مبلغ أن يفهم قول الأئمة كلام الله غير مخلوق بأن نفس الحرف والصّوت غير مخلوقين، فقد تودّع من عقله.
والحق أن النقد التفصيليّ لما ذكره هذا الإنسان يطول، ولكني اخترت أهمّ ما نظمه في مسألة الكلام وحدها، وأريد أن أختم بما يثير العجب من قوله:
(كلامه صفة له وجلالة* منه بلا أمد ولا حدثان)
....
(والله أكبر أن تحد صفاته* أو أن يقاس بجملة الأعيان)
فسبحان الله العليّ العظيم، كيف يجعل كلامه صفة من صفاته بعد كلّ ما وصف الكلام به من الكيفيّات الجسمانيّة المخلوقة الحادثة، ومع ذلك ينفي عنها صفة الحدوث، ثمّ يتعجّب من أن تحدّ صفات الإله وهو يحدّدها ويكيّفها، ويتعجّب من أن تقاس صفاته أو ذاته على الأعيان أي أجسام هذا العالم وهو يقيس الإله على خلقه بكلّ معنى الكلمة. وأرجو أن يكون القارئ قد لاحظ مقدار التخبّط في كلام الناظم، والتشابه الكبير بين تخبطه وتخبط هيثم في كلاميهما. لكي لا يقول أحد أننا ندّعي على السلفيّة ما لا يقولون به، أو أنّ كلامنا عن المجسّمة المشبّهة كلام خيالي، لأنّه لا وجود لهم اليوم، بل الحقّ أنّهم موجودون، وكانوا موجودين في كلّ قرن من القرون، ولو بأسماء مختلفة، وهم اليوم ممثلون خير تمثيل بالسلفيّة أو الوهابيّة. ولك أن تتأمل في كلام هيثم التالي لكي تطمئن إلى هذا الكلام الذي نقوله.
قال هيثم في نقاشه مع الشيخ سعيد: (الله سبحانه يتصف بالكلام باعتبارين: الأول: باعتبار التكلم المتعلق بالمشيئة، بمعنى أن الله يتكلم إذا شاء وأنه قادر عليه متى شاء بفعل منه يصدر عنه حرف وصوت، وهذه صفة قديمة، فالله لا زال إذا شاء أن يتكلم بفعل قائم به سبحانه فإنه يتكلم، والاعتبار الثاني: هو فعل الكلام الذي يقوم به سبحانه حال مشيئته للتكلم. فلسنا نقسم صفة الكلام إلى صفتين مختلفتين، بل هي صفة لها اعتبارين. وأما الحرف والصوت فما داما قائمين في الله سبحانه فلا إشكال فيه)
أقول: هذا الأحمق كالناظم في أنّه يعلّق الكلام على المشيئة والقدرة. وأنه يجعل كلامه تعالى حرفاً وصوتاً، وأنّه يقول الله لا زال متكلّماً أزلاً وإذا شاء معاً، فيلزمه إما إثبات كونه متكلّماً أي فاعلاً لكلامه بالإيجاب الذاتيّ وهذا يلزم منه نفي الإرادة، أو أن ينفي صفة الكلام ويجعلها فعلاً من أفعاله فيردها إلى القدرة. كما بيّناه في كلام القحطانيّ. ومع كون كلامه تعالى حرفاً وصوتاً وحادثاً عنده إلا أنّ الكلام صفة لله تعالى وقديمة أيضاً. والحقّ أن ما نفاه ههنا من قوله بالصّفتين لازمه لا محالة، بل هو مأخوذ من صريح كلامه، وإن نفاه فلأنه كالناظم لا يعقل ما يقول، لأن الشيء لا يكون باعتبارين قديماً وحادثاً، وصفة وفعلاً، فيلزمه على ذلك نفي الوحدة في كلامه تعالى، أي إثبات كلامين أحدهما قديم وهو في الحقيقة ليس كلاماً عند هيثم وأمثاله بل قدرة على الكلام، والثاني حادث يقوم بذاته تعالى وهو الحرف والصّوت، وهو يزول عن ذاته بهذا الاعتبار، فتجدد صفة ذاتيّة كماليّة لله عنده، وتنقضي، وتنفصل عن ذاته، وتحلّ في آذاننا، ويسمّي ذلك ممارسة للكمال كما قال في أثناء نقاشاتنا معه، مطلقاً أكبر طرفة في القرن الحادي والعشرين. وأخيراً لا يرى هذا الجاهل في نفسه غضاضة أن يقول (وأما الحرف والصوت فما داما قائمين في الله سبحانه فلا إشكال فيه) اهـ
فلا أدري ما معنى قوله (ما داما ههنا)، إذ الحرف والصوت لا يدومان في ذات الله ولا بعد أن ينفصلا عن ذات الله على مذهبه، وأما قوله لا إشكال في قيام الحرف والصوت في ذات الله، فلا أدري من أي قرآن وأي سنّة وأي سلف يستقي هذا الإنسان عقيدته، فأين ورد أن الله تعالى تحلّ في ذاته الحوادث. والله إن عقيدة السلفيّة في غاية الشناعة في هذا الباب، والعارف بعقيدتهم يعرف أن الله تعالى عندهم ليس فقط أنه تحلّ الحوادث في ذاته، بل وأيضاً يحلّ ذاته وصفاته في العالم. وهذا غيض من فيض من فضائح هؤلاء الحمقى، وعلى رأسهم المتصدّي للدفاع عنهم في هذا المنتدى هيثم حمدان، وسنتكلّم إن شاء الله عنه ونبيّن أشياء من تهافتاته في المسأئل التي طلب المباهلة فيها، وسيكون كلامنا القادم إن شاء الله تعالى في العلوّ الحسيّ الجسميّ الذي يصف الله تعالى به جهلاً، والذي يتبجح هذا الأحمق بطلب المباهلة فيه. فحسبنا الله ونعم الوكيل. وسبحان الله العليّ العظيم الذي عافانا مما ابتلى هؤلاء البلداء. فإن العقل نعمة وأيّ نعمة. وإلى لقاء قريب إن شاء الله تعالى.



رد مع اقتباس
