[ALIGN=RIGHT]بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل أبو محمد،
أولاً: قولك: (حتى هذه القدرة التي أثبتناها للعبد هي خلق من خلق الله فمردها الى الله. فكيف نخرج من قضية الجبر)
أقول: لا شكّ في أن ما في الوجود لا يخرج عن كونه إما الخالق الموصوف بصفات الكمال المطلق، أو المخلوق المحتاج إلى الله تعالى احتياجاً تامّاً سواء في وجود ذاته أو صفاته أو أفعاله. فكلّ ما سوى الله تعالى فهو من خلق الله تعالى حتّى إرادة الإنسان وقدرته وأفعاله.
إذا سلّم ذلك، فنقول إن كلّ إنسان يجد من نفسه بالضرورة فرقاً واضحاً بيّناً بين حركة ارتعاشه، وحركة يده لتناول كوب الشاي مثلاً. وإنّ كلّ إنسان يستيقن هذا الفرق، ويستيقن إرادته للحركة الثانية وقدرته عليها، ويستيقن أنّه لم يكن مريداً للحركة الأولى، ولا كان قدرته مدخليّة في تحصيلها. فهذا دليل ضروريّ على أنّ الإنسان مخيّر في بعض الأمور، ومسيّر مجبور في بعضها. وليس مجبوراً مطلقاً ولا مخيّراً مطلقاً. والتكاليف الشرعيّة سواء الاعتقاديّة أو العمليّة فلا شكّ أنها واقعة في دائرة الاختيار والقدرة الإنسانيّتين، وهذا مستيقن في نفس كلّ إنسان منّا بالضرورة. فلا يستطيع أحد أن ينكر أنّه مختار في أن يؤمن أو لا يؤمن، أو يقوم بالواجبات العمليّة من صلاة وصيام ونحوهما أو لا يقوم. فانتفى بذلك بحسب الظاهر والمعلوم بالضرورة أن يكون الإنسان مسيّراً في هذه التكاليف. إذاً فلينحصر الكلام من الآن فصاعداً في هذه الأفعال الاختياريّة التي نحاسب عليها. هذا أولاً.
أمّا قولك بالمعنى أنّه ما دام الله تعالى هو خالق قدرتنا وإرادتنا وأفعالنا فهو بالضرورة مجبر لنا، فهو غير صحيح. وبين يدي توضيح الغلط فيه هاك مثلاً يضربه العلماء يقرّب معنى مهمّاً يجب الالتفات إليه، وكذا قواعد عقليّة ضروريّة سوف نستخدمها في الجواب.
والمثل هو أنّك حين تحرّك يدك لتناول كوب الشاي، فإن ثمّة عدداً كبيراً من الحركات الصغيرة، والتغيرات الكيميائية التي لها علاقة بتوفير الطاقة اللازمة لهذه الحركة، وهنالك سيّالات عصبيّة هي عبارة عن إشارات كهربائيّة، يتم تبادلها بين مراكز معيّنة في الدّماغ والأجزاء الكثيرة المشاركة في عمليّة تناول الكوب. وأشياء أخرى لو بدأت بتفصيلها لمللت، وكلّ هذه الأشياء تحصل ولا يشعر بها الإنسان، ولا يلتفت إليها. إنّ الأصابع يجب أن تتحرّك على نحو معيّن متناسق وتلمس الكوب بالشكل المناسب وتمسك به بالشكل المناسب، واليد يجب أن تنتقل نحو موضع الكوب المعيّن، ثمّ ترتفع إلى الفمّ بشكل معيّن، فتساهم أيضاً الحواس من بصر ولمس في العمليّة، وكلّ حركة صغيرة أو كبيرة تحصل في هذه العملية المعقّدة جداً تكون بإشارات كهربائيّة متبادلة بين ذلك الجزء المشارك ومراكز معيّنة في الدّماغ، ولو اختلّ عمل أي جزء من هذه الأجزاء لم تحدث العمليّة بالشكل الصحيح، ولا بدّ فوق كلّ ذلك أن يكون ثمّة تناغم بين هذه الحركات جميعها، بيحث يؤدي المجموع إلى القيام بالفعل المطلوب.
أما القواعد العقليّة فهي:
1- أنّ فاعل الفعل يجب أن يكون قادراً على الفعل، وإلا إن لم يكن الفعل قد حصل بقدرته هو فلا يصحّ أن ينسب إليه على الحقيقة.
2- أنّ فاعل الفعل المحكم النظام، لا بدّ أن يكون مريداً له على ذلك النحو، وإلا لوقع منه على غير تلك الصورة، فوقوعه على صورة معيّنة دون ما عداها من الصوّر دليل جليّ على أنّ فاعل الفعل مريد لوقوعه على هذه الصورة بالذات، أي أنّ له إرادة خصّصت المقدور ببعض الأمور دون بعض بحيث يكون على هذه الصورة بالذات دون غيرها من الصّور.
3- أنّ فاعل الفعل الذي قلنا إنه مراد ومقدور ومحكم النظام لا بدّ أن يكون عالماً بكيفيّة حدوثه، وتفاصيله الجزئيّة التي يتألف منها، أي عالماً بكلّ ما يختصّ بإيقاع هذا الفعل مطلقاً. فلا يتصوّر أن وقوع الصنعة المحكمة المتكرّرة على نسق واحد إلا من عالم بكيفيّاتها.
والآن الجواب:
إنه لا منافاة بين كون الله تعالى هو عالماً بأفعالنا ومريداً وخالقاً لها وبين كون الفعل مراداً ومقدوراً منا بما يصحّح نسبة الفعل إلينا، مع أننا لم نوجده ولم نوقعه بقدرتنا.
أما أننا لم نوقعه بقدرتنا فلأنا لا نعلم كيفية وقوعه على التفصيل ولا كيفيّة إيقاعه، ونغفل عن تفاصيل كثيرة يتطلّبها وقوع الفعل، فلا نستطيع أن نقول إننا أردنا وقوع تلك التفاصيل، أو أننا نحن من خلق هذا الفعل وأوجده مع كلّ هذا الجهل وهذه الغفلة عمّا يتطلّبه الفعل.
وأما أنه يصحّ أن ينسب الفعل إلينا فذلك معلوم من اللغة. لأنا نعلم علماً ضرورياً أنّه حين يحرّك أحد الكوب من مكانه، أنه يسأل عمّن فعل ذلك؟ وأن أهل اللغة يجيبون أنّ فلاناً فعل ذلك. مع أننا نقطع بعقولنا أنّ فلاناً الذي نسبوا إليه الفعل لا قدرة له على إيجاده وإيقاعه، لما مرّ من غفلته وعدم إرادته لكثير من التفاصيل التي يتطلّبها وقوع الفعل.
وأما أنه لا منافاة بين كون الله تعالى هو القادر المريد لأفعالنا وبين كون الفعل مراداً منا ومقدوراً لنا. أنّه يمكن أن يتصوّر العقل وقوع فعل يكون مشتركاً بين عدّة إرادات وعدة قدر غير متنافية. فإن ما يشترطه العقل للفعل هو مطلق القدرة على تحصيله ومطلق إرادته على الوجه الذي وقع عليه، أما كون الإرادة واحدة والقدرة واحدة، فهذا أمر آخر لا يلتفت إليه العقل ههنا لكي يصحح وقوع الفعل.
ثمّ لمّا علمنا بالضرورة أن لنا إرادة وبنا قدرة على بعض الأفعال المنسوبة لنا كما قدّمنا، وعلمنا أنّ قدرتنا وإرادتنا لا يمكن أن تتعلق بإيجاد تلك الأفعال. قلنا إن إرادتنا وقدرتنا تعلّقتا باكتساب الفعل، وليس بإيجاده. وإرادة الله تعالى وقدرته تعلّقتا بإيجاده. فاجتمعت على الفعل إرادتان واحدة من المخلوق لاكتسابه والأخرى من الخالق لإيجاده، وقدرتان واحدة من المخلوق لاكتسابه والأخرى من الخالق لإيجاده. فأنت تحرّك يدك وتتناول الكوب موقنا أنّك أردت ذلك وأنك تقدر عليه قابلاً بأن ينسب إليك هذا الفعل، وأن تكون لمسؤولاً عنه، ومع ذلك يقطع عقلك بأنّك لم توجد ذلك الفعل لأنّ إيجاده يتطلب العلم بتفاصيله وأنت جاهل بها، ويتطلب إرادة تلك التفاصيل وأنت لم تردها ولا خطرت لك على بال، ويتطلب قدرة على تحريك السيالات العصبيّة وتنسيق وظائف الأعضاء والأجزاء الكثيرة المشاركة في الفعل وتنظيم عملها والتحكّم بها.. إلخ ما أشرنا إليه، والحق أنك عاجز عن كلّ ذلك. فكيف بالله يدّعي البعض بأنه خالق أفعاله وهو على هذه الحالة من الجهل والغفلة والعجز!
فالحلّ إذاً في نظريّة الكسب. أن الأفعال التي تسمى اختياريّة، والتي يقع التكليف في دائرتها ويتعلّق الثواب والعقاب بها، مكسوبة للعبد مخلوقة للرب سبحانه وتعالى. والدليل عليه أنّ العبد ليس بقادر على خلق هذه الأفعال وإيجادها كما قلنا، بل يستحيل أن يخلق شيئاً، لأنّ الخلق فعل الله تعالى وحده. ولا يشترط لكي يقع التكليف بها، والمحاسبة عليها أن تكون مخلوقة للعبد، بل يكفي كونها مكسوبة له.
ثانياً: قول الشيخ: "قادر على فعله وإن لم تكن القدرة مؤثرة في إيقاع المقدور". وقولك: (إذاً هنا مازلنا في دائرة الجبر لأن قدرتك ليست هي المؤثرة)
أقول: ومن قال إنك تكون مجبوراً إذا لم تكن قدرتك مؤثّرة؟ إنه كما بيّنا يمكنك أن تكون مختاراً للأفعال المنسوبة إليك دون أن تكون مؤثّراً في إيجادها. ألا ترى أنّك لو ألقيت حجراً على رأس إنسان فمات أنه يقال إنك قتلته ويحاسبك القانون على ذلك، مع أنّه لم يكن لك أيّ أثر مباشر في قتله. إنك صرفت جزءاً من طاقتك لتحريك الحجر عامداً إلى تحريكه وإيقاعه على رأس ذلك الإنسان بقصد أن يحدث له ضرر جسيم يعطب دماغه فيموت. فأنت توجهت إلى تحريك الحجر والله تعالى خلق هذا الفعل، وهو الذي خلق العطب في دماغ ذلك الإنسان وهو الذي أماته. ومع علمك بكلّ ذلك فإنك تقبل أن تحاسب على هذا الفعل، وتقول إنك مختار فيه، ولم يجبرك أحد عليه. ولا تشترط كونك المميت للرجل، ولا الفاعل لحركة الحجر، أي المؤثّر في هذه الأفعال لكي تسمّي نفسك مختاراً مريداً لموته. فكلّ ما تراه لا يعدو كونه أسباباً عاديّة لحدوث الحوادث، وليست هي المؤثرة في وجودها أي ليست علة في إيجادها أو إعدامها. بل الله تعالى وحده هو الفاعل المختار، أي الذي تتعلق قدرته وإرادته بإيجاد الأشياء وإعدامها. وليست المخلوقات إلا كاسبة لتلك الأفعال على وفق جري العادات أي القوانين التي اختارها الله تعالى لهذا العالم. ولو شاء الله تعالى لخرق جميع هذه القوانين وأبدلها بقوانين أخرى. فالإنسان يتحرّى اجتلاب المنافع والمضار بما لها من الأسباب، والله تعالى يخلقها. فالعبد كاسب، والله تعالى هو الخالق. ولا يشترط لكي يصحّ كون الإنسان مخيّراً أن يكون خالقاً ومؤثراً، فإن الخلق من أخصّ خصائص الربّ سبحانه، ولا يقدر عليه أحد غيره.
ثالثاً: قولك: (هل يجوز تفويض معاني الصفات الثابة قطعا لله. يعني بحثت عن معنى واضح للحياة فلم أجد إلا هذا التعريف الذي في السنوسية "صفة تصحح لمن قامت به أن يتصف بصفات الإدراك" هذا التعريف ينطبق كذلك على المخلوقات)
أقول: نعم هذا التعريف ينطبق على حياة المخلوقات، ولكن ليس في ذلك تشبيه لله تعالى بالمخلوقات. فهو يتكلّم عن الحياة بوصفها شرطاً عقليّاً للاتصاف بصفات المعاني، والقياس الذي من باب الشروط والعلل العقليّة لا إشكال فيه. مع قطع السنوسيّ وغيره بأنّ حياة الله تعالى لا تشبه حياة المخلوق ولا بوجه من الوجوه، وليست على أيّ كيفيّة من الكيفيّات. ولعلّك تلاحظ أنّ الإمام السنوسي وغيره من علماء العقائد يشرحون الصفات ببعض لوازمها، لا بحقيقتها. لأنّ حقيقتها في نفس الأمر غير معلومة لنا. فنحن مثلاً نعلم أنّ قدرة الله تعالى صفة قديمة يتأتى بها إيجاد كلّ ممكن أو إعدامه، ولكن ما حقيقة القدرة؟ لا نعلم. وكذلك فإننا نجهل حقيقة الإله، مع معرفتنا له بآثاره ولوازم صفاته سبحانه وتعالى. ولذلك فإن تفويض حقائق الصفات بهذا المعنى الذي نتكلّم عنه ههنا، واجب، لأنه يشبه أن يكون تفكّراً في ذات الله تعالى. وهو عمل مهما تطاولت فيه فإنك لن تصل إلى نتيجة، لأن حقيقة ذات الله تعالى وصفاته مما لا قدرة لحواس الإنسان وعقله على الإحاطة بها. ولذا قال بعضهم ذات الله تعالى وصفاته لا تدرك ولا تترك. أي لا تدرك حقائقها، ولا يترك الإيمان بوجودها لقيام الأدلة القاطعة عليها. هذا ما تيسّر لي قوله الآن، والله تعالى أعلم بالصواب. [/ALIGN]
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين