بسم الله الرحمن الرّحيم
الأخت الفاضلة أسماء وفقها الله تعالى لما يحب ويرضى،
كنت كتبت هذا الرد، وكعادته الشيخ سعيد نشيط وسباق إلى العمل، ولكني أضعه ههنا لعله يزيد في توضيح ما سألت عنه.
سؤالك: (ما الفرق بين اللازم والملزوم؟)
أقول: اللزوم في الاصطلاح يستعمل بمعنى امتناع الانفكاك. أي أنّ اللزوم للشيء هو عدم المفارقة عنه. وهذا مناسب أيضاً للمعنى اللغويّ للكلمة، إذ يقال: لزم فلان بيته، إذا بقي في بيته ولم يفارقه.
واللزوم قسمان: لزوم خارجيّ، ولزوم ذهني.
أما اللزوم الخارجيّ: فهو عدم الانفكاك في الخارج. مثل لزوم السّواد للغراب. فإنه لا يوجد في العالم الخارجي غراب ليس بأسود. بل كلّ غراب موجود فهو أسود. إذاً فالسواد ملازم لكلّ غراب موجود. ولكنك تلاحظين أنه يمكنك في الذهن أن تتصوّري غراباً أبيض أو أحمر أو أزرق إلخ. إذاً فالسواد ينفك عن الغراب في العقل، ولكنه لا ينفكّ عنه في الخارج. فيقال السواد لازم للغراب خارجاً لا ذهناً. والغراب ملزوم للسواد خارجاً لا ذهناً. واللزوم أو التلازم بين السواد والغراب خارجيّ لا ذهنيّ.
أما اللزوم الذّهنيّ: فهو عدم قبول الانفكاك في الذهن. وربّما تلاحظين أنّ ما لا يقبل الانفكاك في العقل لا يمكن أن يقبل الانفكاك في الخارج. ومثاله قبول العدد أربعة القسمة على اثنين بدون باقي. فإنه لا يمكن أن يتصوّر العقل أربعة لا تقبل القسمة على اثنين بدون باقي. إذاً فالتلازم بين العدد أربعة والزوجيّة تلازم عقليّ لا يمكن أن ينفك في الذّهن. وعليه فلا يمكن أن تنفكّ الزوجيّة عن أي مصداق من مصاديق العدد أربعة في الخارج أيضاً. فأربعة الخيول زوج. وأربعة الكلاب زوج، وأربعة الكتب زوج، وهكذا الحال في كلّ أربعة، فالزوجيّة لازمة لها في الخارج، كما هي لازمة لها في الذهن. فنقول الزوجيّة لازم للعدد أربعة، والعدد أربعة ملزوم الزوجيّة، والنسبة أو العلاقة بين اللازم والملزوم تسمّى اللزوم.
وعليه فإذا قرأت أن ثمّة تلازماً بين [أ] و[ب]. فأحدهما هو الملزوم، والثاني هو اللازم له أي الذي يتعلّق به ولا ينفكّ عنه ولا يفارقه سواء كان في الخارج فقط، أو في الذهن والخارج معاً.
وهاك مثالاً آخر، هو قياس من الشكل الأوّل، ذكرته لك فيما مضى، وهو دليل حدوث العالم:
المقدّمة الأولى: [كلّ العالم متغيّر]. المقدّمة الثانية: [وكلّ متغيّر حادث]. فالنتيجة [كلّ العالم حادث]
فنقول النتيجة لازمة للمقدّمتين، لا تنفكّ عنهما في الذّهن أبداً. أي أننا إذا علمنا أنّ كلّ ما صدق عليه أنه عالم فهو متغيّر، وعلمنا أنّ كلّ ما صدق عليه أنه متغيّر فهو حادث. فإن العقل لا ينفكّ عن العلم والتسليم بأنّ كلّ ما صدق عليه أنه عالَم فهو حادث. فنسمي النتيجة لازم للمقدمتين. ونسمّي المقدّمتين ملزوم النتيجة. ونسمّي التعلّق بين المقدّمتين والنتيجة تعلّق لزوم.
هذا وقد شرحت في الدّرس الثالث من دروس المنطق، مفهوم الدلالة. وبيّنت أقسام الدلالات. وتكلّمت عن معنى اللزوم واللازم والملزوم. وشرحت معنى اللازم غير البيّن، واللازم البيّن سواء كان البيّن بالمعنى الأخصّ أو الأعمّ. فيمكنك أن تراجعيه لمزيد من التفصيل.
سؤالك: (عن معنى قولهم إن الفعل الواحد لا يصدر عن فاعلين)
الجواب: أولاً لو دقّقت في المثال الذي مثّلت به، وهو مثال اشتراك عدد من الناس في رسم خريطة الدي إن إيه. فإنك إذا تفحّصت في كلّ عمل جزئيّ من هذه الأعمال، أي في كلّ جزء من أجزاء هذا العمل ككل وهو رسم الخريطة، لم تجدي أن أيّ فعل منه قد فعله أكثر من واحد. نعم إنّ الخارطة اشترك في رسمها مجموعة من الناس. والعمل ككلّ ينسب إليهم جميعاً. ولكن هذا الكلّ مقسّم إلى أجزاء كثيرة.
والحقّ أنّ هذا البحث دقيق، ويحتاج إلى تحرير وكثير كلام. ولكن يمكننا ببساطة أن نقول إن الفعل بمعنى التأثير من جهة مؤثّر، لا يمكن أن يتصوّر من أكثر من جهة واحدة للتأثير.
فلو تصوّرت جسماً يتحرّك. فالعقل يبحث عن محرّك هذا الجسم، لأنه يفهم من هذه الحركة وجود محرّك واحد، هو الفاعل المؤثر في هذا الجسم بحيث ظهر عليه هذا الأثر وهو الحركة. ولا بدّ أن يكون التأثير من جهة مؤثر واحد. فإن قيل: يمكن أن يؤثر على هذا الجسم مجموعة من القوى فتحدث فيه الحركة فيجتمع على هذا الأثر أكثر من مؤثر.
فالجواب عنه أنّ الأثر وهو الحركة هو نتيجة لمؤثر واحد ههنا أيضاً، وهو محصّلة هذه القوى. فمحصّلة هذه القوى هي الجهة الوحيدة المؤثّرة في الجسم، تكسبه طاقة حركيّة معيّنة واتجاه حركة معيّن.
فهذا معنى هذه العبارة باختصار. ولعلّك قرأت في الخريدة أنّ الفاعل الوحيد في الوجود هو الله تعالى. وهو تعالى المؤثر في كلّ شيء، ولا يتأثر بشيء. وأنّ الأفعال تنسب إلى الإنسان كسباً، وإلى الله تعالى خلقاً واختراعاً وإيجاداً. وأنه لا بدّ للفاعل من قدرة على الفعل، ومن إرادة تخصص الفعل وتميّزه وتجعله على الصّورة المعيّنة التي يقع عليها دون ما عداها من الصّور المحتملة. وأنّه ثبت ببرهان التمانع أنه لا يمكن أن يكون هنالك فاعلان. وأن الله تعالى هو الواحد في ذاته فلا شريك له، وأنه الواحد في صفاته فلا شبيه له، وأنّه الواحد في أفعاله فلا قسيم له. وإنما تتعلّق إرادة الإنسان واختياره بالأفعال تعلّق كسب، وتتعلّق قدرة الإنسان بالأفعال تعلّق كسب. وأما إرادة الله تعالى وقدرته فهما اللتان تتعلّقان بالممكنات تعلّق إيجاد وإعدام وترك. فهو إن شاء فعل وإن شاء ترك. ولكن العبد لا يقوى إلا على الكسب. ومن ذلك علمنا أنّه لا يمكن أن يكون للفعل الواحد بمعنى الإيجاد والإعدام إلا فاعل واحد قادر مريد.
سؤالك: (عن الضرورة العقلية)
الجواب: الضّرورة مشتقّة من الضرّر. وهو الأذى الذي ينزل على الشيء ولا يمكن دفعه وردّه.
ومن هذا المعنى اشتقت الضرورة العقليّة. فالضروري عند العقل هو ما لا يملك العقل إلا أن يصدّقه. أي أنه يصدّق به ويستسلم له ويعلم علماً يقيناً صدقه دون تفكير ونظر لأنه يكون له واضحاً منكشفاً جليّاً. وهذا التصديق يكون بلا إرادة من الإنسان. بل إنه يجد نفسه مضّطراً إليه اضطراراً، بحيث لا يمكنه دفعه عن النّفس.
فإننا نعلم مثلاً أنّ الواحد نصف الإثنين. ونسمّي علمنا بذلك ضرورياً. لأنه لا يمكن لإنسان عاقل أن يكذّب ذلك، إلا إذا كان معانداً كذّاباً صاحب هوى ومتسفسطاً.
ولعلك تلاحظين أنّ هذا المثال أيضاً ينطبق عليه أنه بديهيّ، أو بدهيّ. وذلك لأنّ كلّ بديهيّ فهو ضروريّ. وليس العكس. فالضروريّ أعمّ من البديهيّ. إذ الضّروريّ قد لا يكون متيسّراً سهلاً كالبديهيّ، أي أنه في الأصل قد يكون نظريّاً، ولكن لما قام عليه البرهان وألفه الإنسان صار ضرورياً، لا ينظر فيه ولا يفكر بل يصدّق به مباشرة ولا تدفعه نفسه بمجرّد أن يعرّض عليه.
فالرياضيّ مثلاً إذا قرأ أن تكامل 2س = س مربع + جـ، فإنه يعلم ذلك علماً ضرورياً ولا يمكنه أن يكذّبه، أو يتوقف للتفكير فيه لكي يصدّقه. ولكن هذه القضيّة قضيّة نظريّة في نفسها، فلو عرضناها على كثير من الناس لم يصدّقوا بها قبل أن ينظروا فيها ويعلموا أشياء ومقدّمات أخرى قبلها. فالبداهة بمعنى آخر هي المعرفة التي تحصل للنفس ابتداء بمجرّد تصوّر القضيّة ودون أدنى فكر أو نظر، ويستوى جميع العقلاء فيها ولا يختلفون فيها. وأمّا الضرورة فقد لا تتحقّق على هذا النحو عند جميع الناس.
فهذا تبسيط لمفهوم الضرورة العقليّة. وتقييدها بالعقليّة لكي تتميّز عن غيرها من الضرورات كضرورة الشرعيّة مثلاً التي يباح معها المحظور. كأن ينزل بالإنسان عطش شديد لا يمكن أن يدفعه عن نفسه إلا إذا شرب خمراً، فيصبح الخمر له مباحاً في هذه الحال.
ولعلنا في المنطق نفصّل في دروس قادمة إن شاء الله تعالى معنى الضرورة لغة وعرفاً. ونبيّن المقصود من هذا المصطلح في عرف المناطقة، فهو قريب من هذا المعنى أيضاً.
والله تعالى الموفق
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين