نظرية الوجود الفائق في تفسير بعض أنماط الظواهر الغامضة(2)
د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
Sabri.m.khalil@gmail.com
أمثلة: ا /الجن:
كائن مفارق فائق: الجن هو كائن ذو وجود مفارق فائق . فهو كائن له حضور في الوجود الشهادى المحدود بالمكان والزمان ، من ناحية الشكل "الكيفية" ( وهي عنده غير ثابته - كما هو الحال فى الكائنات الشهاديه كالنباتات والحيوانات والبشر- فله القدرة على التشكل فى كيفيات مختلفه ) . ولكنه ينتمي من ناحية الجوهر "الماهية "( اى حقيقته) ، إلى درجه مستوى من درجات الوجود الغيبي المقيد ، فهو من هذه الناحيه - غير خاضع للسنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى،والسببية التي تشكل مضمون هذه السنن . ويرتبط بهذه الطبيعة المفارقة أنه ذو طبيعة فائقة، بمعنى أنه ذو امكانيات تفوق امكانيات غيره من كائنات شهاديه "كالإنسان".
غير خارق: غير ان امكانيات الجن ليست مطلقه ، فلا تتوافر له إمكانية إلغاء أو إبطال السببية التي تشكل مضمون السنن الالهيه . لذا يقرر القران أن قدره الجن شان قدره اى كائن مخلوق آخر- محدودة مقيدة " تكوينيا وتكليفيا " بالقدرة الالهيه المطلقة، قال تعالى( يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بسلطان) ( الرحمن :33) يقول القرطبي:...( ...قَالَ اِبْن عَبَّاس : " لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ " لَا تَخْرُجُونَ مِنْ سُلْطَانِي وَقُدْرَتِي عَلَيْكُمْ . وَقَوْله : " فَانْفُذُوا " أَمْر تَعْجِيز) ، وكدليل على محدودية قدره الجن ، يقرر القران ان تفوق قدره الجن على قدره الإنسان ليست مطلقه، كما فى قوله تعالى(قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ* قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ .. )(النمل: 39-40) ، اغلب المفسرين يرون أن الذي عنده علم من الكتاب ، والذي فاق العفريت من الجن ،هو من الإنس وليس من الجن ، وان هذا الإنسان نال درجه الصديقيه ،وان فعله الذي فاق فعل الجن هو كرامه- قبل ختم النبوه وانقضاء عصور امكانيه انقظاع اضطراد السنن الالهيه وابطال السببيه - ورد في تفسير القرطبي( قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور مِنْ النَّاس أَنَّهُ رَجُل صَالِح مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل اِسْمه آصَف بْن برخيا ... وَقِيلَ : أَرَادَ مِقْدَار مَا يَفْتَح عَيْنه ثُمَّ يَطْرِف , وَهُوَ كَمَا تَقُول : اِفْعَلْ كَذَا فِي لَحْظَة عَيْن ; وَهَذَا أَشْبَه ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْفِعْل مِنْ سُلَيْمَان فَهُوَ مُعْجِزَة , وَإِنْ كَانَ مِنْ آصَف أَوْ مِنْ غَيْره مِنْ أَوْلِيَاء اللَّه فَهِيَ كَرَامَة...) . كما أن الجن بوجوده المفارق هذا قد يفوق الإنسان فى العلم لكن علمه ليس مطلق، فالقران الكريم يقرر ان الجن لا يعلم الغيب كما فى قوله تعالى( وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْض أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبّهمْ رَشَدًا )، والمقصود بالغيب هنا الغيب المطلق الذي ينفرد بالعلم به الله تعالى، أما الغيب النسبي (اى ما غاب عن علم الإنسان في مكان أو زمان معينين وفى ذات الوقت ينتمي إلى الوجود الشهادى المحدود بالزمان والمكان )، قد تتوافر للجن أمكانيه العلم به . بل أن القران الكريم يقرر أن الجن لا يعلم كل أحداث عالم الشهادة (فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ) (سبا: 41).
امكانيه رؤيه الجن: هناك مذاهب متعددة فى امكانيه رؤيه الجن :
الاثبات المطلق: القول بإمكانية رؤية الجن مطلقا، اى للانبياء او غيرهم، فى هيئتهم الاصليه (الجوهر "الماهية") ، او الصور التى يتشكلون بها (الشكل "الكيفية").وقال به العديد من العلماء منهم الألوسي, وابن العربي. ولكنه يتعارض مع ظاهر قوله تعالى( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ).
النفى المطلق: نفى إمكانية رؤية الجن مطلقا، فهي غير ممكنة للانبياء او غيرهم، فى هيئتهم الاصليه او الصور التى يتشكلون فيها.وقال به المعتزلة.وهو يتعارض مع الكثير من النصوص التى تفيد إمكانية رؤية الجن.
الاثبات المقيد: القول بان امكانيه رؤيه الجن فى هيئتهم الاصليه (الجوهر "الماهيه") مقصور على الانبياء- لا نها تنتمى الى الوجود الغيبى - اما امكانيه رؤيتهم فى الصور التى يتشكلون فيها (الشكل"الكيفيه") فمتاحه لهم ولغيرهم- لانها تنتمنى الى الوجود الشهادى- وهو مذهب الجمهور، قال الحافظ ابن حجر: (إن الشيطان قد يتصور ببعض الصور، فتمكن رؤيته، وأن قوله تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ مخصوص بما إذا كان على صورته التي خلق عليها،.. وأنهم يظهرون للإنس بالشرط المذكور) (فتح البارى: ج4 ،ص489)، وقال الباقلاني: (لسنا ننكر مع كون أصلهم النار أن الله تعالى يكثف أجسامهم ويغلظها ويخلق لهم أعراضاً تزيد على ما في النار، فيخرجون عن كونهم ناراً، ويخلق لهم صوراً وأشكالاً مختلفة) (الفتاوى الحديثيه :ص 65)، ثم يقول (إنما رآهم من رآهم لأنهم أجساد مؤلفة... )) الفتاوى الحديثيه : نفس المكان) .ويمكن إدراج اقول العلماء الذين قرروا ان إمكانية رؤية الجن مقصورة على الأنبياء تحت اطار هذا المذهب، بشرط حملها على معنى هيئتهم الأصلية (الجوهر" الماهية ")،ومن هؤلاء العلماء الإمام الشافعي وابن حزم والنحاس والقشيري ، ورد فى تفسير القرطبى (قال القشيري: أجرى الله العادة بأن بني آدم لا يرون الشياطين اليوم)(ج7، ص186)، ويقول ابن حزم : (ولا سبيل إلى وجود خبر يصح برؤية جني بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هي منقطعات أو عمن لا خير فيه )(الفصل في الملل والأهواء والنحل: ج5/ ص13).
طبيعه المس الشيطانى: أشارت النصوص الى المس الشيطانى كما فى قوله تعالى (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس)(البقرة : 275). غير ان هناك العديد من المذاهب فى تفسير طبيعته : هل هو اتصال بين الانسان والجن، وفى حال كونه كذلك هل هو اتصال مادي حسى، أم غيبى معنوى ، وتستند هذه المذاهب الى تصورات معينة طبيعة العلاقة بين الوجودين الشهادى والغيبى.
مذهب النفي المطلق للاتصال بين الانسان والجن: ويقوم على ان المس الشيطانى ليس اتصال بين الإنسان والجن، فهو يقوم نفى إمكانية هذا الاتصال مطلقا ، اى باى شكل من الاشكال ، ويستند الى تصور معين لطبيعة العلاقة بين الوجود الشهادى والغيبى ، يجعل العلاقة بينهما علاقة فصل، ومن ممثلي هذا المذهب المعتزلة قديما. أما النقد الموجه لهذا المذهب فهو ان هذا المذهب يتعارض مع تقرير العديد من النصوص إمكانية الاتصال بين الإنسان والجن، فضلا عن ان التصور الذي يستند اليه ، حول طبيعة العلاقة بين الوجودين الشهادى والغيبى ،يخالف روح التصور الإسلامي للوجود .
مذهب الإثبات المطلق"الاتصال المادى الحسي ": ويقوم على ان المس الشيطانى هو اتصال بين الإنسان والجن. ولكنه يجعل هذا الاتصال ذو طبيعه مادية حسيه، ويستند الى تصور معين لطبيعة العلاقة بين الوجودين الشهادى والغيبى،يجعل العلاقة بينهما علاقة خلط .ومن ممثليه التصورات التى تستند الى مفاهيم التجسيم والتشبيه البدعيه. .أما النقد الموجه لهذا المذهب فهو انه يستند فى تقرير الطبيعة المادية الحسية للاتصال بين الانسان والجن إلى ظاهر الآية ايه المس الشيطانى - غير ان هذا الظاهر لا يفيد ذلك، فهو يتحدث عن يوم الجزاء كما قال جمهور المفسرين .ويرى كثير منهم أن ذلك جاء موافقا لمعتقد العرب أيام الجاهلية، في امكانيه الاتصال "المادي -الحسي " بالجن.كما ان التصور الذي يستند اليه ،حول طبيعة العلاقة بين الوجودين الشهادى والغيبى، لا يعبر عن جوهر التصور الإسلامي للوجود.
مذهب الإثبات المقيد"الاتصال الغيبي": ويقوم على ان المس الشيطانى هو اتصال بين الانسان والجن ، غير أن هذا الاتصال هو اتصال غيبي "معنوى" - وليس اتصال مادى "حسي " - والدليل على هذا ان استخدم القران مصطلح " مس" ، الذى هو اشمل من مصطلح " لمس" ، إذا يقتصر الأخير على معنى الاتصال الحسي فقط ، بينما يشمل الأخير معنىٍ الاتصال الحسي وغير الحسي- وهو المقصود هنا - وهو ما قرره كثير من المفسرين في تفسير الآيات المتعلقة بعلاقة الإنسان بالجن كقوله تعالى ( وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ) (الجن : 6 ) ، قال الطبري( ... كانوا في الجاهلية إذا نزلوا بالوادي قالوا : نعوذ بسيد هذا الوادي ، فيقول الجنيون : تتعوذون بنا ولا نملك لأنفسنا ضرا ولا نفعا ) (جامع البيان في تأويل القرآن : 12 / 263) .وذكر مثل ذلك البغوي ابن كثير في ( تفسير القرآن العظيم)، والشوكاني في ( فتح القدير ) . ويستند هذا المذهب الى تصور معين لطبيعة العلاقة بين الوجودين الشهادى والغيبى مضمونه ان العلاقة بينهما هى من ناحية علاقة وحده وارتباط (وليست علاقة خلط ) ، ومن ناحية اخرى علاقة تمييز (وليست علاقة فصل)، وبالتالى فان الوجود الغيبي يحدد الوجود الشهادى كما يحدد الكل الجزء فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه .
ب/ الكرامات: والكرامات- طبقا لمذهب الإثبات المقيد الذى نرجحه - هى ظاهرة ذات وجود فائق- مفارق.
مذاهب تفسير طبيعتها: حيث أثبت أهل السنة بفرقهم المختلفة كرامات الأولياء ، اتساقا مع تقرير العديد من النصوص لها كقوله تعالى (الا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولاهم يحزنون)، غير أن هناك مذهبين في تفسير طبيعتها:
مذهب الإثبات المقيد: مضمونه تقييد مضمونها تكوينيا بالتزام بحتمية السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى ، وبالتالي فان الكرامة هي تكريم الله تعالى لشخص صالح، بمنحه قدرة تفوق قدرة تفوق قدره غيره من أشخاص عاديين، دون انقطاع اضطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود،اى دون إلغاء السببية - اى علاقة التلازم بين السبب والمسبب- خلافا للمعجزة- يقول الإسفرائيني (إن الكرامة لا تبلغ مبلغ خرق العادة)( الموافقات : ص25) ، وهو يقارب رأى عدد من العلماء الذين فرقوا بين الكرامة والمعجزة ، بان ما جاز معجزة لنبي لا يجوز كرامة لولي ، يقول الإمام النووي (... قال وصار بعض أصحابنا إلي أن ما وقع معجزة للنبي، لا يجوز تقدير وقوعه كرامة لولي)( بستان العارفين: ص 30) . وطبقا لهذا التفسير يجوز الأخذ بالتعريف الكرامة بأنها"خرق للعادة"، بشرط أن يكون المقصود بالعادة ما اعتاد عليه الناس ،وليس العادة المضطردة، ورد في شرح العقيدة الطحاوية (فالمعجزة في اللغة كل أمر خارق للعادة ، وكذلك الكرامة في عرف الائمه أهل العلم المتقدمين، ولكن كثير من المتأخرين يفرقون في اللفظ بينهما...وجماعها الأمر الخارق للعادة...وإنما ينال من تلك الثلاثة بقدر ما يعطيه الله،ويعلمه ما علمه الله إياه، ويستغنى عما أغناه الله، ويقدر على ما اقدره الله عليه من الأمور المخالفة للعادة المضطردة ، أو لعاده اغلب الناس ،فجميع المعجزات والكرامات لا تخرج عن هذه الأنواع )( شرح العقيدة الطحاوية ،مكتبه الدعوة الاسلاميه،القاهرة، ص 499).
ظاهره فائفه- مفارقه: اتساقا مع هذا المذهب فإن الكرامات هى ظاهرة مفارقة فائقه ، فهى من ناحية الجوهر "الماهية "(اى حقيقتها)، تكريم الهى- كما اشرنا اعلاه- فهى تنتمى من هذه الناحية إلى درجه مستوى من درجات الوجود الغيبي المقيد (فهى محصله للظهور الصفاتى للفعل الالهى المطلق " الذى عبر عنه القران بمصطلح الربوبيه "- اى مادل على هذا الفعل المطلق )، ويرتبط بهذه الطبيعة المفارقة أنها ذات طبيعة فائقة ( فمضمون هذا التكريم الالهى منح شخص صالح إمكانيات تفوق إمكانيات غيره من الناس) .
مذهب الإثبات المطلق ونقده : مضمونه إثبات الكرامة دون تقييد مضمونها تكوينيا، فالكرامة يمكن أن تتم بانقطاع اضطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود،وإلغاء السببية ، اى إلغاء علاقة التلازم بين السبب والمسبب،وهو ما عبر عنه أصحاب هذا التفسير بتعريف الكرامة بأنها " خرق للعادة "، والمقصود بالعادة عند أصحاب هذا التفسير العادة المضطرة اى السنن الالهية.اما أوجه النقد التى يمكن ان توجه لهذا المذهب فهى أن هذا التفسير لا يوضح الفرق بين الكرامة والمعجزة، لذا رفضه عدد من متأخري الأشاعرة و المتصوفة، ومنهم الإمام السبكي القائل (معاذ الله أن يتحدى نبي بكرامه تكررت على ولي، بل لا بد أن يأتي النبي بما لا يوقعه الله على يد الولي، و إن جاز وقوعه فليس كل جائز في قضايا العقول واقعا . و لما كانت مرتبة النبي أعلى و أرفع من مرتبة الولي ، كان الولي ممنوعا مما يأتي به النبي على الإعجاز و التحدي، أدبا مع النبي )( طبقات الشافعية: ج 2، ص 320 ).
غير خارقة: على النقيض من هذا المذهب فإن الكرامات هى ظاهرة غير خارقه ، فلا تتحقق من خلال قطع اضطراد السنن الالهيه التى تضبط حركه الوجود الشهادى ، وإلغاء أو إبطال السببية التي تشكل مضمون السنن الالهيه- خلافا للمعجزات - كما أشرنا عند الحديث عن مذهب الإثبات المقيد .
مقارنة بين الكرامات والظواهر التى يدرسها الباراسيكولوجى:
اوجه الاشتراك: مضمون كلاهما امكانيات فائقة - اى ان يكون لشخص معين إمكانيات تفوق إمكانيات غيره من الناس - فكلاهما لهم طبيعة فائقة .
اوجه الاختلاف: ان الامكانيات التى يدرسها الباراسيكولوجى ذات طبيعة غير مفارقه، تنتمى الى الوجود الشهادى، بمعنى انها إمكانيات كامنة اصلا فى الشخص المعين وتحتاج فقط الى تفعيل، و لا تاتى نتيجه لصلاح من يمتلكها .أما الكرامات فتتعلق بامكانيات ذات طبيعة مفارقة ،لان حقيقتها وكما اشرنا اعلاه تكريم الهى لهذا الشخص المعين لصلاحه، فهى طارئة- وكمحصله لفعل معين- "وهو الصلاح" - وليست كامنه.
بين الجعل والخلق: وهذا يعنى انه اذا كان كلاهما ظهور صفاتى للفعل المطلق الذى ينفرد به الله تعالى "الربوبيه" ، فان الاولى تتصل بالجعل الذى مضمونه اى الفعل المطلق فى الايجاد - اى ظهور صفه الخلق - في الوجود الشهادى المحدود في الزمان والمكان ، كما اشارت العديد من النصوص ،كقوله تعالى (وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ) ( يس : 34)، ويتضمن انماط مراحل: ا/ التسوية: اى جعل النوع في أحسن الهيئات (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى)،ب/ التقدير: أي إيجاد فعلي للنوع المعين، في عالم الشهادة القائم على السببية، بعد إيجاد شروط "أسباب" وجوده (والذى قدر فهدى)، الهدايه : أي ضبط حركة النوع المعين بسنن إلهية كلية ونوعية بعد إيجاده (الذي أَعْطَى كلَّ شيء خَلْقَه ثم هَدَى). اماالثانيه فتتصل بالخلق الذى مضمونه مجمل هذا الفعل المطلق في الإيجاد ، مع التركيز على ظهور هذا الفعل المطلق ، في الوجود الغيبى المطلق عن قيود الزمان والمكان،كما اشارت العديد من النصوص كقوله تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) ( الأنعام :1). ويتضمن نمط - مرحله الأمر الذي لا يتم في زمان أو مكان (إنما أمره أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون).
ج/ السحر:السحر ظاهره ذات طبيعة فائقه، ولكن بينما السحر الحقيقى ذو طبيعه مفارقه ، فان السحر التخييلي ذو طبيعة غير مفارقه، غير ان كلاهما ذو طبيعة غير خارقه.
مذاهب تفسير طبيعة أقسام السحر: أثبت أهل السنة بفرقهم المختلفة وجود السحر، لثبوته بالنصوص القطعيه، لكنهم اختلفوا فى تفسير طبيعة أقسامه.
السحر حقيقي: وهو قلب الأعيان في ذاتها " اى تغيير الحقيقة الموضوعية للأشياء". و هناك مذهبين في تفسير طبيعته :
المذهب الأول:الإثبات المطلق: اى القول بأن السحر الحقيقي هو قلب للأعيان في ذاتها "اى انه يغير الحقيقة الموضوعية للأشياء"على وجه الإطلاق. ويعنى هذا أن القلب أو التغيير يمكن أن يتم حتى بانقطاع اطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود،وإلغاء السببية ، اى إلغاء علاقة التلازم بين السبب والمسبب.
المذهب الثاني:الاثبات المقيد:اى إثبات وجود السحر الحقيقي، وتفسيره بأنه قلب للأعيان في ذاتها، مع تقييد ذلك بعدم انقطاع اطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود،وإلغاء السببية ، اى إلغاء علاقة التلازم بين السبب والمسبب. ومثاله السحر المتحقق بالاتصال بالجن وما تملكه من قدرات فائقة وليست خارقة تتضمن إمكانية قلب الأعيان فى ذاتها، لكن بدون انقطاع اطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود،وإلغاء السببية كما ذكرنا أعلاه.
طبيعه فائقة مفارقة غير خارقة: على النقيض من المذهب الاول واتساقا مع المذهب الثانى فاننا نرى ان السحر الحقيقى ذو طبيعة فائقة مفارقه، ولكن غير خارقه.
السحر التخييلي: وهو قلب الأعيان بالنسبة للمعاين لا في ذاتها " اى تغيير الإدراك الحسي للأشياء"، ومنه قوله تعالى ( يحيل إليه من سحرهم أنها تسعى)( طه: 66) ، ويتصل بالمعنى اللغوى للسحر، يقول الجوهري (السحر الآخذة ، وكلّ ما لَطُف مأخذه ودَقّ فهو سحر . وسحره أيضا بمعنى خدعه . وقال ابن مسعود: كنّا نُسَمّي السحر في الجاهلية العِضَة. والعضة عند العرب: شدّة البَهْت وتمويه الكذب ). وهذا القسم من أقسام السحر يتم طبقا لقوانين نوعية "هي بمثابة شرط لفاعلية القوانين الكلية" يعلمها الساحر ويجهلها غيره، اى انه يتم طبقا لأسباب يعلمها الساحر ويجهلها غيره، يقول القرطبي ( السحر حيل صناعية يتوصل إليها بالاكتساب، غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته الوقوف على خواص الأشياء والعلم بوجوه تركيبها وأوقاتها، وأكثرها تخييلات بغير حقيقة، وإيهامات بغير ثبوت، فيعظم عند من لا يعرف ذلك كما قال الله تعالى عن سحرة فرعون: "وجاءوا بِسِحْرٍ عظيم" (الأعراف: 116). مع أن حبالهم وعصيهم لم تخرج عن كونها حبالاً وعصيًا) ثم قال( والحق أن لبعض أصناف السحر تأثيرًا في القلوب كالحب والبغض وإلقاء الخير والشر، وفي الأبدان بالألم والسقم- وكل ذلك يندرج تحت اطارالسحرالحقيقى - وإنما المنكور أن الجماد ينقلب حيوانًا أو عكسه بسحر الساحر ونحو ذلك- اى قلب الأعيان فى ذاتها كما فى السحر الحقيقى- ).
طبيعة فائقة غير مفارقة وغير خارقة: اتساقا مع هذا المذهب فاننا نرى ان السحر التخييلي ذو طبيعة فائقة غير مفارقه،وغير خارقة أيضا.
.................................
الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات