الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
معنى الحسن والقبح
لكل من الحسن والقبح معان ثلاثة :- الاول:الحسن بمعنى مونه صفة كمال
القبح يراد به صفة نقص
فالحسن كون الشئ صفة كمال بمعنى أنها توجب ارتفاع شأن صاحبها والقبح كون الشئ صفة نقصان بمعنى أنها توجب انحطاط شأن صاحبها المتصف بها كقولنا : العلم حسن والعدل حسن أى لمن لمن اتصف بهما كمال وارتفاع شأن والجهل قبيح والظلم قبيح أى لمن اتصف بهما نقصان.
الثانى: الحسن كون الشئ ملائماً للطبع والغرض.
والقبح كون الشئ منافراً للطبع والغرض.
بمعنى أن ما وافق الغرض كان حسناً ومالم يوافق الغرض كان قبيحاً كقتل زيد بالنسبة لأعدائه وأوليائه فانه بالاعتبار الأول حسن أى ملائم للغرض وبالاعتبار الثانى قبيح أى غير موافق بغرضهم .
ولا خلاف بين العلماء فى كون هذين المعنيين يستقل بالعقل ادراكهما سواء ورد الشرع أو لا وذالك لأنهما عقليان يدركهما العقل .
أما المعنى الثالث فهو محل النزاع بين المعتزلة وجمهور أهل السنة فالحسن كون الفعل متعلق المدح فى العاجل والثواب فى الأجل .
والقبح كون الفعل متعلق الذم فى العاجل والعقاب فى الاجل.
وسنتعرض هنا ان شاء الله لمذهب المعتزلة .
وملخص مذهب الأشاعرة فى هذا الأمر
رأى الأشاعرة أن العقل لايدل على حسن الشئ ولا قبحه فى حكم التكليف وانما يتلقى التحسين والتقبيح من موارد الشرع وموجب السمع.
وعلى هذا فمعنى الحسن : ما ورد الشرع بالثناء علي فاعله .
والقبيح :ما ورد الشرع بذم فاعله .
فالحسن ما حسنه الشرع وامر به الشارع الحكيم والقبيح ما قبحه الشرع أو نهى عنه الشارع الحكيم .
فليس الحسن شرعاً - عندهم -الا ما قيل فيه : افعلوه .وليس القبيح شرعاً الا ما قيل فيه لا تفعلوه.
وهذا با ختصار مذهب الأ شاعرة
* مذهب المعتزلة
ان التحسين والتقبيح من مدارك العقول على الجملة بمعنى أن العقول تدرك حسن الأشياء وقبحها وأفعل العباد قبل ورود الشرع تتصف بالحسن والقبح لأن العقل يحكم بحسنها وقبحها على اعتبار أن الأفعال لها صفات ذاتية يدركها العقل فيحكم بحسن الفعل أو قبحه .
يقول القاضى عبد الجبار: وكل عاقل يعلم بكمال عقله قبح كثير من الالام كالظلم الصريح وغيره وحسن كثير منها كذم المستحق للذم وما يجرى مجراه ووصف الفعل بالحسن والقبح -عند المعتزلة - اما لذاته أو لصفة أو لوجوه واعتبارات والعقل يدرك حسن او قبح بعضها بضرورة العقل كحسن انقاذ الغرقى والهلكى وشكر المنعم ومعرفة حسن الصدق وقبح الكفران ومنها ما يدرك بنظر العقل كحسن الصدق الذى فيه ضرر وقبح الكذب الذى فيه نفع ومنا ما يدرك بالسمع كحسن الصلاة وسائر العبادات .
يقول القاضى عبد الجبار : وكل هذه القبائح تنقسم ففيها :ما يكفى فى معرفة قبحه أن يعلم الوجه الذى منه قبح فيبعد حصول العلم بالوجه الا مع العلم بالقبح وهذا نحو الظلم والجهل والعبث والمفسدة وغير ذالك فانا لا نعلم فى شئ من هذه الأفعال الوجوه التى ذكرناها الا وقد علمنا معها القبح.
والضرب الثانى : أن نعلم وجه القبح ولكنا لا نعلم الا بتأمل زائد وهذا كا الكذب لأنه اذا حصل فيه نفع ودفع ضرر فقد عرفناه كذباً ولكنا لا نعرفه قبيحاً ووجه قبحه هو كونه كذباً فنحتاج الى ضرب من النظر بأن نقول : ليس الذى قبحه لأجله الكذب الخالى من منفعة ودفع مضرة الا كونه كذباً فاما تعريه من نفع ودفع ضرر فقد يوجد فى الصدق كما يوجد فى الكذب والفرق بينهما معلوم فى القبح والحسن فاذن انما يفبح لكونه كذباً فيجب فى كل كذب ان يقبح
فأما القبائح المعروفة شرعاً فطريق جميعها الاستدلال لأنه لا مدخل للضرورة فى شئ منها.
ثم يقول : وانقسام الحسن الى ما يكون حسنه لأمر يرجع اليه أو الى غيره كالكلام فى القبيح لا يختلف فى الوجوه التى تقدمت).
واذا ادرك العقل الحسن فى فعل من الأفعال - كما ترى المعتزلة- أدرك حكم الله فيه بالأمر زكذالك اذا ادرك العقل قح فعل من الأفعال أدرك حكم الله فيه بالنهى بمعن أن المرء يثاب ويعاقب على الأفعال قبل ورود الشرع.
وهنا يثور سؤالا حول فائدة ارسال الرسل ؟؟؟
ويجيب القاضى عبد الجبار قائلاً :-ان ما تاتى به الرسل والحل ما قلناه لا يكون الا تفصيل ما تقرر جملته فى العقول فقد ذكرنا أن وجوب المصلحة وقبح المفسدة متقرران فى العقل الا أنا لما لم يمكننا أن نعلم عقلاً أن هذا الفعل مصلحة وذالك مفسدة بعث الله الينا الرسل ليعرفوننا ذالك من حال هذه الأفعال فيكونوا قد جاءوا بتقرير ما قدر ركبه الله تعالى فى عقولنا وتفصيل ما قد تقرر فيه.
وهذا يعنى انهم يقولون أن الرسل ياتون للتقرير أو التفصيل أو التأكيد وكشف ما يمكننا به أن ندرك الحسن والقبح .
العقل يدرك الظلم قبيحا فتأتى الرسل لتقرر هذا وتقره
وفى بعض الأحيان قد يكون هناك أمر قبيح والعقل لا يدرك قبحه فلا يحكم عليه بالقبح أو يدركه حسناً فتأتى الرسالة لبيان قبحه ونصب الأدلة التى لو أدركها العقل لأدركه قبيحاً حتى ولو لم يكن شرع ... وذالك كا لزنا فقد يحكم العقل بحسنه ولكن لما جاء الشرع ببيان المفاسد التى تترتب عليه وحكم بقبحه من اجلها كان دور الشرع هو الكشف عن هذه المفاسد التى من اجلها كان الزنا قبيحاً وليس انشاء قبح الزنا بحيث لو كنا علمنا هذه المفاسد قبل الشرع لحكمنا بقبح هذا الفعل .
اى ان الزنا قبيح سواء جاء الشرع أم لم يجئ والذى كان ينقصنا هو كشف هذه الصفة فيه.
والمعتزلة يلتزمون بكل النتائج التى تؤدى اليها نظريتهم فى المعرفة فيرون ان التكليف - فى عمومه - لا يتوقف على بعثة الرسل فيوجبون النظر ومعرفة الله سبحانه وانه واحد ولو لم يبعث رسوله فهذا من الواجبات العقلية.
* ملخص المذهب
يقولون أن العقل يدرك حسن الأشياء أو قبحها وبالتالى فهو مدرك لحكم الله فى الشياء والانسان تبعاً لذالك فهو مكلف بما أدرك العقل والشرع يأتى مؤكداً ومبينا لحكم العقل او مفصلاً وكاشفاً للعقل لادراك ما يمكنهبه الحكم على الأمر بالحسن والقبح فى تلك الأمور التى لم يستطع الحكم عليها قبل الشرع.
أ دلة المعتزلة
استدل المعتزلة على ما ذهبوا اليه من أن العقل يدرك حسن الفعال وقبحها بعدة أدلة عقلية نذكر منها:
الدليل الأول:- أن العقول اتفقت على حسن العدل وقبح الظلم مثلاً وهذا يعنى أن الحسن والقبح عقليان.
يقول القاضى عبد الجبار:- ان العلم باصول المقبحات والواجبات والمحسنات ضرورى وهو من جملة كمال العقل ولو لم يكن ذالك معلوماً بالعقل لصار غير معلوم ابداً لأن النظر والاستدلال ل يتأتى الا ممن هو كامل العقل ولا يكون كذالك الا وهو عالم ضرورة بهذه الأشياء ليتوجه عليه التكليف.
ويقول: انا انفرض الكلام فى رجل قاسى القلب جافى الفؤاد لا يبالى بهلاك الثقلين ولا يحتفل بالمدح والذم ملحد زنديق لا يؤمن بالله واليوم الأخر ولا يقر بالثواب والعقاب ومعلوم أنه والحال هذه يستحسن بكمال عقله ارشاد الضال وأن يقول للأعمى وقد أوشرف على بئريكاد يتردى فيه يمنة أو يسرة ولا وجه لذالك الا حنه وكونه احساناً فكل عاقل يستحسن بكمال عقله التفرقة بين المحسن والمسئ.
ويقول : لو قبح القبيح للنهى - وقد عرفنا أنه لا يحصل العلم بالقبيح الا بعد العلم بوجه القبح على جملة أو تفصيل - للزم فيمن لا يعرف الله أن لا يكون عارفاً بقبح قتل القاتل ولده وغصب ماله وأن لا يفرق بين المسئ والمحسن لأن علمه بالنهى يترتي عليالعلم بالناهى ومعلوم أن الملحد كالموحد فى هذا الباب بما ذكر من القبيح والحسن. ........ واللا زم باطل فبطل ما أدى اليه.
ومراده .....أن الملحد الذى لا يعرف الله لا شك انه يعرف قبح من قتل ولده وبالتالى فان القول بأن قبح القبيح لا يدرك الا بالشرع باااطل ويثبت النقيض وهو أن ادراك قبح القبيح يكون باالعقل لا بالشرع .... فهم يقولون أن الدليل على أن القبح والحسن يدركان عقلاً أن الملا حدة ومنكرى الشراع وجاحدى النبوات يعلمون قبح الظلم وحسن الشكر ولو كان الأمر يتوقف فى ذالك على السمع لما أحاط من أنكره بالحسن والقبح.
وقد أجاب العلماء على هذا الدليل بقولهم :
القول بأن العقول ومنهم الملاحدة والذين لا يؤمنون بدين - اتفقت على قبح القبيح غير مسلم على اعتبار أن الكلام على الحسن والقبيح الذى هو متعلق المدح والذم عند الله تعالى وهذا لا اتفاق عليه بين الماحدة والذين لا يؤمنون بدين اذ ان الأمر بالنسبة للملاحدة هو ملاءمة غرض العامة وطباعهم وعدمها
وقد سلمنا اتفاق جميع الناس حسن العدل والاحسان وقبح الظلم والاساءة لكن لا بالمعنى المتنازع عليه بل بمعنى أن الفاعل يمدح أو يذم عند الناس .
وقد ناقش الاستاذ الدكتور / بركات دويدار موقف المعتزلة من التحسين والتقبيح العقليين مبيناً أن الناس لو تركوا لعقولهملن يتفقوا على أن هذا الفعل ظلم حتى يحكموا عليه انه قبيح.
ثم يقول ( ان المعتزلة يردون على من يرجع قبل القبيح الى نهى الشرع عنه بما يلى : ومعلوم أن الأمم الملحدة يعرفون قبح الظلم وان لم يعرفوا النهى والناهى .
ونحن نسألهم:- أى ظلم هذا الذى أدرك الملاحدة قبحه ؟؟؟
ان مزدك عندما نادى بالشيوعية كان يرى أنه من الظلم أن يختص رجل بامرأة دون الاخر بحجة أنها زوجته !!! وأنه من الظلم المخالف للقوانين الطيعية أن يختص انسان بمال دون الأخر !!! ومن هنا نادى بالشيوعية فى المال والنساء .
وفى العصور الحديثة نادى فلاسفة الغرب من أمثال (نيتشه) بأنه لا داعى للشفقة عند السعى الى الهدف فالانسان الأعلى ولما كانت غايت الفوز فانه يابى كل شفقة على المساكين.
ان المعتزلة علقونا بخيط من الأمل لن يتحقق عندما قالوا( متى عرفناه ظلما عرفنا قبحه ولن نعرف أمرا اخر)
ومن الذى يعرفنا أنه ظلم حتى نعرف قبحه ؟؟؟؟!!!!!
لقد ألفت الانسانيةعلى مدى تاريخها صوراً من الظلم لم يعرف الظالم فيها أنه يظلم ( بالبناء للمعلوم) ولا المظلوم أنه يظلم( بالبناء للمجهول).....
ذبح العذارى عند قبور الملوك وأطفال الأمراء على قبر ملكة من الملكات وهذا وذاك استساعه الانسانية أزمانا طويلة ....
ولولا الأديان لبقيت هذه الأثام منتشرة حتى الأن ....أوربا عندما أبادت سكان أمريكا واستراليا وأكثر سكان أفريقيا لم تشعر أنها أتت بقبيح...
وكلما تقدم الزمن وجدنا أنفسنا نرجع الى الوراء فى هذه الناحية حتى لقد أصبحنا نشكو القول بنسية الأخلاق أكثر مما كان يشكو الأقدمون ...!!!
وأصبحنا نرى بوضوح أن ما يعتبر خطيئة فى مجتمع من المجتمعات قد يعتبر خطيئة فى غيره بل قد يعد فضيلة من الفضائل .
كما أن المفهوم العلمى للنسبية يتضمن انكاراً للقيم المطلقة .
ولما كانت فكرة الخطيئة تعتمد على حكم مطلق فقدت كثيراً من سطوتها على عقول ابناء القرن العشرين والواحد والعشرين !!!!
هذا ما رجع اله العقل بعد كل هذه المدة عندما تخلى عن اللأديان
ونجلس مع المعتزلة ونردد ( متى عرفناه ظلماً عرفناه قبيحاً).
فلو كان للأ شياء صفة ذاتية والعقل يدركها وبذالك يدرك حسن الحسن وقبح القبيح بنفسه لو كان هذا لما اختلف حكم العقل باختلاف العصور والأماكن أما والواقع أن حكمه يختلف وغير مستقر فان هذا يصبح أكبر دليل على عدم موضوعية هذا الحكم وانه لن يصل الى الموضوعية بنفسه .
وتكون النتيجة ان القبح والحسن لا يدركان الا بالشرع.
وأما ماورد فى الشرع من ان العقل يدرك بنفسه كقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( استفت قلبك وان أفتاك الناس وأفتوك ) فانه ورد فى العقل الذى تربى تربية ايمانية وهذا نراه يدرك الحق فى جزئية ما ولو لم يحضره الدليل الشرعى فى ذالك الوقت لأنه عندما تشبع بروح الشرع أصبح لقلبه الحق فى ان يكون مفتيه .
ومن هنا نستطيع أن نفهم قول الله تبارك وتعالى (ولو اتبع الحق اهوائهم لفسدت السماوات والأرض ).... مع قوله صلى الله عليه وسلم ( استفت قلبك وان أفتاك الناس وافتوك).
والله الهادى الى سواء السبيل
==========================
*- مبحث عن المعتزله فى كتاب بحوث فى العقيدة الاسلامية للدكتور / أحمد عجيبة ونقل منه كلام د/ دويدار.
معنى الحسن والقبح
لكل من الحسن والقبح معان ثلاثة :- الاول:الحسن بمعنى مونه صفة كمال
القبح يراد به صفة نقص
فالحسن كون الشئ صفة كمال بمعنى أنها توجب ارتفاع شأن صاحبها والقبح كون الشئ صفة نقصان بمعنى أنها توجب انحطاط شأن صاحبها المتصف بها كقولنا : العلم حسن والعدل حسن أى لمن لمن اتصف بهما كمال وارتفاع شأن والجهل قبيح والظلم قبيح أى لمن اتصف بهما نقصان.
الثانى: الحسن كون الشئ ملائماً للطبع والغرض.
والقبح كون الشئ منافراً للطبع والغرض.
بمعنى أن ما وافق الغرض كان حسناً ومالم يوافق الغرض كان قبيحاً كقتل زيد بالنسبة لأعدائه وأوليائه فانه بالاعتبار الأول حسن أى ملائم للغرض وبالاعتبار الثانى قبيح أى غير موافق بغرضهم .
ولا خلاف بين العلماء فى كون هذين المعنيين يستقل بالعقل ادراكهما سواء ورد الشرع أو لا وذالك لأنهما عقليان يدركهما العقل .
أما المعنى الثالث فهو محل النزاع بين المعتزلة وجمهور أهل السنة فالحسن كون الفعل متعلق المدح فى العاجل والثواب فى الأجل .
والقبح كون الفعل متعلق الذم فى العاجل والعقاب فى الاجل.
وسنتعرض هنا ان شاء الله لمذهب المعتزلة .
وملخص مذهب الأشاعرة فى هذا الأمر
رأى الأشاعرة أن العقل لايدل على حسن الشئ ولا قبحه فى حكم التكليف وانما يتلقى التحسين والتقبيح من موارد الشرع وموجب السمع.
وعلى هذا فمعنى الحسن : ما ورد الشرع بالثناء علي فاعله .
والقبيح :ما ورد الشرع بذم فاعله .
فالحسن ما حسنه الشرع وامر به الشارع الحكيم والقبيح ما قبحه الشرع أو نهى عنه الشارع الحكيم .
فليس الحسن شرعاً - عندهم -الا ما قيل فيه : افعلوه .وليس القبيح شرعاً الا ما قيل فيه لا تفعلوه.
وهذا با ختصار مذهب الأ شاعرة
* مذهب المعتزلة
ان التحسين والتقبيح من مدارك العقول على الجملة بمعنى أن العقول تدرك حسن الأشياء وقبحها وأفعل العباد قبل ورود الشرع تتصف بالحسن والقبح لأن العقل يحكم بحسنها وقبحها على اعتبار أن الأفعال لها صفات ذاتية يدركها العقل فيحكم بحسن الفعل أو قبحه .
يقول القاضى عبد الجبار: وكل عاقل يعلم بكمال عقله قبح كثير من الالام كالظلم الصريح وغيره وحسن كثير منها كذم المستحق للذم وما يجرى مجراه ووصف الفعل بالحسن والقبح -عند المعتزلة - اما لذاته أو لصفة أو لوجوه واعتبارات والعقل يدرك حسن او قبح بعضها بضرورة العقل كحسن انقاذ الغرقى والهلكى وشكر المنعم ومعرفة حسن الصدق وقبح الكفران ومنها ما يدرك بنظر العقل كحسن الصدق الذى فيه ضرر وقبح الكذب الذى فيه نفع ومنا ما يدرك بالسمع كحسن الصلاة وسائر العبادات .
يقول القاضى عبد الجبار : وكل هذه القبائح تنقسم ففيها :ما يكفى فى معرفة قبحه أن يعلم الوجه الذى منه قبح فيبعد حصول العلم بالوجه الا مع العلم بالقبح وهذا نحو الظلم والجهل والعبث والمفسدة وغير ذالك فانا لا نعلم فى شئ من هذه الأفعال الوجوه التى ذكرناها الا وقد علمنا معها القبح.
والضرب الثانى : أن نعلم وجه القبح ولكنا لا نعلم الا بتأمل زائد وهذا كا الكذب لأنه اذا حصل فيه نفع ودفع ضرر فقد عرفناه كذباً ولكنا لا نعرفه قبيحاً ووجه قبحه هو كونه كذباً فنحتاج الى ضرب من النظر بأن نقول : ليس الذى قبحه لأجله الكذب الخالى من منفعة ودفع مضرة الا كونه كذباً فاما تعريه من نفع ودفع ضرر فقد يوجد فى الصدق كما يوجد فى الكذب والفرق بينهما معلوم فى القبح والحسن فاذن انما يفبح لكونه كذباً فيجب فى كل كذب ان يقبح
فأما القبائح المعروفة شرعاً فطريق جميعها الاستدلال لأنه لا مدخل للضرورة فى شئ منها.
ثم يقول : وانقسام الحسن الى ما يكون حسنه لأمر يرجع اليه أو الى غيره كالكلام فى القبيح لا يختلف فى الوجوه التى تقدمت).
واذا ادرك العقل الحسن فى فعل من الأفعال - كما ترى المعتزلة- أدرك حكم الله فيه بالأمر زكذالك اذا ادرك العقل قح فعل من الأفعال أدرك حكم الله فيه بالنهى بمعن أن المرء يثاب ويعاقب على الأفعال قبل ورود الشرع.
وهنا يثور سؤالا حول فائدة ارسال الرسل ؟؟؟
ويجيب القاضى عبد الجبار قائلاً :-ان ما تاتى به الرسل والحل ما قلناه لا يكون الا تفصيل ما تقرر جملته فى العقول فقد ذكرنا أن وجوب المصلحة وقبح المفسدة متقرران فى العقل الا أنا لما لم يمكننا أن نعلم عقلاً أن هذا الفعل مصلحة وذالك مفسدة بعث الله الينا الرسل ليعرفوننا ذالك من حال هذه الأفعال فيكونوا قد جاءوا بتقرير ما قدر ركبه الله تعالى فى عقولنا وتفصيل ما قد تقرر فيه.
وهذا يعنى انهم يقولون أن الرسل ياتون للتقرير أو التفصيل أو التأكيد وكشف ما يمكننا به أن ندرك الحسن والقبح .
العقل يدرك الظلم قبيحا فتأتى الرسل لتقرر هذا وتقره
وفى بعض الأحيان قد يكون هناك أمر قبيح والعقل لا يدرك قبحه فلا يحكم عليه بالقبح أو يدركه حسناً فتأتى الرسالة لبيان قبحه ونصب الأدلة التى لو أدركها العقل لأدركه قبيحاً حتى ولو لم يكن شرع ... وذالك كا لزنا فقد يحكم العقل بحسنه ولكن لما جاء الشرع ببيان المفاسد التى تترتب عليه وحكم بقبحه من اجلها كان دور الشرع هو الكشف عن هذه المفاسد التى من اجلها كان الزنا قبيحاً وليس انشاء قبح الزنا بحيث لو كنا علمنا هذه المفاسد قبل الشرع لحكمنا بقبح هذا الفعل .
اى ان الزنا قبيح سواء جاء الشرع أم لم يجئ والذى كان ينقصنا هو كشف هذه الصفة فيه.
والمعتزلة يلتزمون بكل النتائج التى تؤدى اليها نظريتهم فى المعرفة فيرون ان التكليف - فى عمومه - لا يتوقف على بعثة الرسل فيوجبون النظر ومعرفة الله سبحانه وانه واحد ولو لم يبعث رسوله فهذا من الواجبات العقلية.
* ملخص المذهب
يقولون أن العقل يدرك حسن الأشياء أو قبحها وبالتالى فهو مدرك لحكم الله فى الشياء والانسان تبعاً لذالك فهو مكلف بما أدرك العقل والشرع يأتى مؤكداً ومبينا لحكم العقل او مفصلاً وكاشفاً للعقل لادراك ما يمكنهبه الحكم على الأمر بالحسن والقبح فى تلك الأمور التى لم يستطع الحكم عليها قبل الشرع.
أ دلة المعتزلة
استدل المعتزلة على ما ذهبوا اليه من أن العقل يدرك حسن الفعال وقبحها بعدة أدلة عقلية نذكر منها:
الدليل الأول:- أن العقول اتفقت على حسن العدل وقبح الظلم مثلاً وهذا يعنى أن الحسن والقبح عقليان.
يقول القاضى عبد الجبار:- ان العلم باصول المقبحات والواجبات والمحسنات ضرورى وهو من جملة كمال العقل ولو لم يكن ذالك معلوماً بالعقل لصار غير معلوم ابداً لأن النظر والاستدلال ل يتأتى الا ممن هو كامل العقل ولا يكون كذالك الا وهو عالم ضرورة بهذه الأشياء ليتوجه عليه التكليف.
ويقول: انا انفرض الكلام فى رجل قاسى القلب جافى الفؤاد لا يبالى بهلاك الثقلين ولا يحتفل بالمدح والذم ملحد زنديق لا يؤمن بالله واليوم الأخر ولا يقر بالثواب والعقاب ومعلوم أنه والحال هذه يستحسن بكمال عقله ارشاد الضال وأن يقول للأعمى وقد أوشرف على بئريكاد يتردى فيه يمنة أو يسرة ولا وجه لذالك الا حنه وكونه احساناً فكل عاقل يستحسن بكمال عقله التفرقة بين المحسن والمسئ.
ويقول : لو قبح القبيح للنهى - وقد عرفنا أنه لا يحصل العلم بالقبيح الا بعد العلم بوجه القبح على جملة أو تفصيل - للزم فيمن لا يعرف الله أن لا يكون عارفاً بقبح قتل القاتل ولده وغصب ماله وأن لا يفرق بين المسئ والمحسن لأن علمه بالنهى يترتي عليالعلم بالناهى ومعلوم أن الملحد كالموحد فى هذا الباب بما ذكر من القبيح والحسن. ........ واللا زم باطل فبطل ما أدى اليه.
ومراده .....أن الملحد الذى لا يعرف الله لا شك انه يعرف قبح من قتل ولده وبالتالى فان القول بأن قبح القبيح لا يدرك الا بالشرع باااطل ويثبت النقيض وهو أن ادراك قبح القبيح يكون باالعقل لا بالشرع .... فهم يقولون أن الدليل على أن القبح والحسن يدركان عقلاً أن الملا حدة ومنكرى الشراع وجاحدى النبوات يعلمون قبح الظلم وحسن الشكر ولو كان الأمر يتوقف فى ذالك على السمع لما أحاط من أنكره بالحسن والقبح.
وقد أجاب العلماء على هذا الدليل بقولهم :
القول بأن العقول ومنهم الملاحدة والذين لا يؤمنون بدين - اتفقت على قبح القبيح غير مسلم على اعتبار أن الكلام على الحسن والقبيح الذى هو متعلق المدح والذم عند الله تعالى وهذا لا اتفاق عليه بين الماحدة والذين لا يؤمنون بدين اذ ان الأمر بالنسبة للملاحدة هو ملاءمة غرض العامة وطباعهم وعدمها
وقد سلمنا اتفاق جميع الناس حسن العدل والاحسان وقبح الظلم والاساءة لكن لا بالمعنى المتنازع عليه بل بمعنى أن الفاعل يمدح أو يذم عند الناس .
وقد ناقش الاستاذ الدكتور / بركات دويدار موقف المعتزلة من التحسين والتقبيح العقليين مبيناً أن الناس لو تركوا لعقولهملن يتفقوا على أن هذا الفعل ظلم حتى يحكموا عليه انه قبيح.
ثم يقول ( ان المعتزلة يردون على من يرجع قبل القبيح الى نهى الشرع عنه بما يلى : ومعلوم أن الأمم الملحدة يعرفون قبح الظلم وان لم يعرفوا النهى والناهى .
ونحن نسألهم:- أى ظلم هذا الذى أدرك الملاحدة قبحه ؟؟؟
ان مزدك عندما نادى بالشيوعية كان يرى أنه من الظلم أن يختص رجل بامرأة دون الاخر بحجة أنها زوجته !!! وأنه من الظلم المخالف للقوانين الطيعية أن يختص انسان بمال دون الأخر !!! ومن هنا نادى بالشيوعية فى المال والنساء .
وفى العصور الحديثة نادى فلاسفة الغرب من أمثال (نيتشه) بأنه لا داعى للشفقة عند السعى الى الهدف فالانسان الأعلى ولما كانت غايت الفوز فانه يابى كل شفقة على المساكين.
ان المعتزلة علقونا بخيط من الأمل لن يتحقق عندما قالوا( متى عرفناه ظلما عرفنا قبحه ولن نعرف أمرا اخر)
ومن الذى يعرفنا أنه ظلم حتى نعرف قبحه ؟؟؟؟!!!!!
لقد ألفت الانسانيةعلى مدى تاريخها صوراً من الظلم لم يعرف الظالم فيها أنه يظلم ( بالبناء للمعلوم) ولا المظلوم أنه يظلم( بالبناء للمجهول).....
ذبح العذارى عند قبور الملوك وأطفال الأمراء على قبر ملكة من الملكات وهذا وذاك استساعه الانسانية أزمانا طويلة ....
ولولا الأديان لبقيت هذه الأثام منتشرة حتى الأن ....أوربا عندما أبادت سكان أمريكا واستراليا وأكثر سكان أفريقيا لم تشعر أنها أتت بقبيح...
وكلما تقدم الزمن وجدنا أنفسنا نرجع الى الوراء فى هذه الناحية حتى لقد أصبحنا نشكو القول بنسية الأخلاق أكثر مما كان يشكو الأقدمون ...!!!
وأصبحنا نرى بوضوح أن ما يعتبر خطيئة فى مجتمع من المجتمعات قد يعتبر خطيئة فى غيره بل قد يعد فضيلة من الفضائل .
كما أن المفهوم العلمى للنسبية يتضمن انكاراً للقيم المطلقة .
ولما كانت فكرة الخطيئة تعتمد على حكم مطلق فقدت كثيراً من سطوتها على عقول ابناء القرن العشرين والواحد والعشرين !!!!
هذا ما رجع اله العقل بعد كل هذه المدة عندما تخلى عن اللأديان
ونجلس مع المعتزلة ونردد ( متى عرفناه ظلماً عرفناه قبيحاً).
فلو كان للأ شياء صفة ذاتية والعقل يدركها وبذالك يدرك حسن الحسن وقبح القبيح بنفسه لو كان هذا لما اختلف حكم العقل باختلاف العصور والأماكن أما والواقع أن حكمه يختلف وغير مستقر فان هذا يصبح أكبر دليل على عدم موضوعية هذا الحكم وانه لن يصل الى الموضوعية بنفسه .
وتكون النتيجة ان القبح والحسن لا يدركان الا بالشرع.
وأما ماورد فى الشرع من ان العقل يدرك بنفسه كقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( استفت قلبك وان أفتاك الناس وأفتوك ) فانه ورد فى العقل الذى تربى تربية ايمانية وهذا نراه يدرك الحق فى جزئية ما ولو لم يحضره الدليل الشرعى فى ذالك الوقت لأنه عندما تشبع بروح الشرع أصبح لقلبه الحق فى ان يكون مفتيه .
ومن هنا نستطيع أن نفهم قول الله تبارك وتعالى (ولو اتبع الحق اهوائهم لفسدت السماوات والأرض ).... مع قوله صلى الله عليه وسلم ( استفت قلبك وان أفتاك الناس وافتوك).
والله الهادى الى سواء السبيل
==========================
*- مبحث عن المعتزله فى كتاب بحوث فى العقيدة الاسلامية للدكتور / أحمد عجيبة ونقل منه كلام د/ دويدار.
تعليق