موقف أهل الحديث من الرأي والنظر

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أشرف سهيل
    طالب علم
    • Aug 2006
    • 1845

    #1

    موقف أهل الحديث من الرأي والنظر

    موقف أهل الحديث من الرأي والنظر

    إعداد/عبد النصير أحمد الشافعي المليباري


    وفي البداية - ليس مرادي بأهل الحديث هنا هم جميع أهل الحديث، وأنا أعرف منهم عددا كبيرا جدا لا ينطبق عليهم كلامي الآتي، وكيف ينطبق عليهم ومنهم أمثال الحافظ ابن عساكر «أفضل المحدثين» ومن قبله الحافظ البيهقي ومن بعده «ولي الله بلا نزاع» الإمام محي الدين النووي وغيرهم كُثُر، وقفوا وقفات جريئة في وجوه المتعنتين المتنطعين. ولكني هنا مع فريق خاص منهم أصبحت «مدرسة أهل الحديث» تطلق عليهم فقط دون غيرهم.
    كان مسلكهم يتميز بسمة خاصة هي الابتعاد عن مسالك الرأي والنظر بصفة عامة. وكان أولئك الرواة يرَوْن العلم كل العلم روايةَ الحديث سندا ومتنا، لا بحثا وفقها، ويرون إعمال العقل والرأي في فهم الأثر خروجا عليه. فإذا بلغهم عن فقيه أنه تكلم في مسئلة فقهية باحثا مجتهدا حسب ما يتطلبه المقام وتقتضيه الظروف، أو عن متكلم قال في صفة من صفات الله تعالى قولا ينـزهه به عن سمات الحدوث أو شوائب التغير، أو عن مذكِّرٍ تحدث عن حال النفس كاشفا منقبا، أو حتى عن محدث مثله روى شعرا ثارت لذلك حفيظتهم وقامت له قيامتهم ونقموا عليه ما صنع وقالوا فيه من أنواع الجرح ما يرونه مناسبا وملاقيا للجارح الذي اتصف به في نظرهم. وفي التاريخ الإسلامي أمثلة عديدة وأدلة كثيرة تدل على سريان هذه العلة في جسد الأمة الإسلامية للأسف.
    وقد جاء في ترجمة الإمام الشافعي رضي الله عنه في «معجم الأدباء» لياقوت الحموي ما نصه: «عن مصعب الزبيري قال: كان أبي والشافعي يتناشدان، فأتى الشافعي على شعر هذيل حفظا، فقال: لا تعلم بهذا أحدا من أهل الحديث فإنهم لا يتحملون هذا».
    بل إن أهل الحديث لم يحتملوا أقل من هذا بكثير! لم يحتملوا تصنيف الأحاديث على الأبواب والفصول! وقد جاء في حلية الأولياء لأبي نعيم الإصفهاني في ترجمة الإمام الجليل القدوة عالم خراسان أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك المتوفى 181هـ رضي الله عنه ما يلي:
    «قال أحمد بن أبي الحَوارَى سمعت أبا أسامة وهو الحافظ الإمام الحجة حماد بن أسامة الكوفي يقول: مررت بعبد الله بن المبارك بطرسوس وهو يُحدِّث، فقلت يا أبا عبد الرحمن إني لَأُنْكِرُ هذه الأبواب والتصنيف الذي وضعتموه! ما هكذا أدركنا المَشْيَخَة!.
    فإذا كان هذا شأنَ أحدِ كبار المحدثين مع شيخ المحدثين والزهاد وإمام المجاهدين والعُبَّاد عبد الله بن المبارك، وكل الذي صنعه هو أنه جمع الأحاديث تحت عناوين فلا شك أن شأنهم أشد إنكارا خمسين مرة مع الذين يعملون رأيه في فهم النص أو يؤولونه لدليل يقتضي ذلك عنده.
    وكان بين رواة الحديث أناس لم يتقنوا النظر، ولم يمارسوا استنباط الأحكام من الأدلة، فإذا سئل أحدهم عن مسألة فقهية لا يجهلها صغار المتفقهين يجيب عنها بما يكون وصمة عار له أبد الآبدين، فيصلي أحدهم الوتر بعد الاستنجاء من غير إحداث وضوء ويستدل على هذا العمل بقوله عليه الصلاة والسلام «من استجمر فليوتر» المقصود منه إيتار الجمار عند الاستنقاء، لا صلاة الوتر بعد نقض الوضوء مباشرة من غير توضء.
    ويبقى أحدهم لا يحلق رأسه قبل صلاة الجمعة أربعين سنة على ما فهم من حديثِ «نهي عن الحِلَق قبل الصلاة يوم الجمعة» مع أن المراد منه النهي عن عقد حلقات العلم أو الذكر المؤدية إلى مضايقة الجماعة والإخلال بالإنصات إلى الخطبة، بدون أن يكون له أدنى علاقة بحلق الرأس.
    وهكذا كان دهماء الرواة بعيدين عن تعقل محل النـزاع وتحريره، وكان بين أهل الغوص على المعاني وبين نقلة الألفاظ جفاء متوارث، حيث كانت النقلة متمسكين بحرفية ما ينقلونه غير معولين على أفهام الآخرين في النصوص، يرمونهم بمنابذة السنة عند عدم موافقة أفهام هؤلاء لأفهامهم أنفسهم. وفي هؤلاء يقول شعبة: «كنت إذا رأيت رجلا من أهل الحديث يجيئ أفرح به، فصرت اليوم ليس شيئ أبغض إلي من أن أرى واحدا منهم»، ويقول عمرو بن الحارث شيخ الليث بن سعد «ما رأيت علما أشرف وأهلا أسخف من أهل الحديث».
    وقد دعا هذا نُقادَ الحديث وعلماءَ الجرح والتعديل إلى وضع قاعدة جليلة في قبول جرح الجارح أو عدم قبوله، تتمثل في أن كلام البعض في حق البعض الآخر لا يقبل و لا يعبأ به إذا لاح أنه لعداوة يضمرها الجارح أو لمذهب يتبناه. وقال القاضي عياض في «ترتيب المدارك»: «قال أحمد بن حنبل ما زلنا نَلْعَنُ أهل الرأي ويلعنوننا، حتى جاء الشافعيُّ فمزج بيننا».
    ومن أمثلة ذلك ما أورده الذهبي وهو الحافظ الإمام في تراجم كثير من الأئمة الأعلام فقهاء أو متكلمين أو متصوفين - من وجوه الجرح والانتقاد لم يمن وراء ذلك إلا التعصب المذهبي الذي ما ينجو منه إلا من عصمه الله. وكم أبدى التاج السبكي تلميذ الذهبي النجيب من الحزن والأسى تجاه ما صنعه شيخه في حق الأعلام الكبار لمجرد أنهم أشاعرة أو متصوفة أو ما إلى ذلك، ونبهنا على تصرفات الذهبي البغيضة، حتى اضطر إلى القول بأن «الذهبي شيخنا ومعلمنا غير أن الحق أحق أن يتبع».
    ويروي لنا الخطيب البغدادي في ترجمة الحارث المحاسبي الإمام الزاهد المتوفى عام 243هـ- «عن سعيد بن عمرو البرذعي قال: شهدت أبا زرعة الرازي وقد سئل عن الحارث المحاسبي وكتبه، فقال للسائل: إياك وهذه الكتب، هذه كتب بدعٍ وضلالات! عليك بالأثر، فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب. وقال الذهبي في ترجمة المحاسبي نفسه: «والمحاسبي العارف صاحب التآليف، صدوق في نفسه، وقد نقموا يعني هؤلاء النفرُ من أهل الحديث - عليه بعض تصوفه وتصانيفه».
    ولقد دافع الإمام الغزالي عن المحاسبي بحق أمام اتهام الإمام أحمد للمحاسبي رحمهما الله - وإنكاره له حيث قام بتأليف الكتب للرد على المعتزلة، ولم يكن الإمام أحمد موافقا له في هذا، فقال للمحاسبي: أنت حكيت شبهتهم أي المعتزلة أولا ثم أجبت عنها، فبم تأمن أن يطالع الشبهة من يعلق ذلك بفهمه ولا يلتفت إلى الجواب؟ أو ينظر إلى الجواب ولا يفهم كنهه؟
    لله دره أي الغزالي حيث وفق بين الموقفين بين قطبين من أقطاب الأمة أحسن توفيق ورد على الإمام أحمد بلطفٍ وقال: «وما ذكره أحمد حق، ولكن في شبهة لم تنتشر ولم تشتهر، فأما إذا انتشرت فالجواب عنها واجب، ولا يمكن الجواب عنها إلا بعد الحكاية أي حكاية الشبهات».
    هكذا كان البعض من المحدثين الكبار، وهم بلا شك امتداد طبيعي لإمامهم المبجل أحمد بن حنبل رحمه الله، كانت نيتهم صادقة وهدفهم نزيها حين اختاروا هذا المنهج العدائي مع كل لمسة عقلية وحركة كلامية، كان همهم الشاغل هو الحفاظ على عقيدة العوام وعدم التشويش عليهم. وهذا الذي اختاروه هو اجتهادهم هم، فليس لهم ولا لغيرهم أن يلزموننا به ولا يجب على جميع الأمة أن يقبلوه كأنه أصل من أصول الدين بحيث يخرج المرء عن الدين حين يخالفه. بل إنني وأنا أعيش في عصر الطوفانات الفكرية المعادية للإسلام لا أطمئن إلى هذا المنهج، ولي مبررات قوية لتبنيِّ الموقف المقابل له؛ موقف المحاسبي وابن كلاب والأشعري، ليس هنا محل بيانه.
    ولكن الذي انتهى إليه الأمر هو أن وجد هناك شرذمة قليلة من الأمة اتخذ من هذا المنهج ذريعة لهم لترويج العقائد الباطلة التي اختلقوها باسم السلف وحاربوا السواد الأعظم من الأمة حربا شعواء. وهم لم يريدوا بإدانة الحركة العقلية إلا الاستمرار والبقاء لخرافاتهم بين الناس، لأنهم عرفوا أنها لن تلقى رواجا في سوق العقل والفكر. ومن هنا نفهم الدافع الأساسي وراء محاربتهم لكل من يقول «أخطأ ابن تيمية» أو «أخطأ ابن بطة»!
    ثم لم يكن هذا الجرح موجها فقط إلى هؤلاء، بل تعدى إلى الذين تظاهروا بأنهم أهل الحديث وبأنهم على مذهب الإمام أحمد إلى حد أن قال قائلهم:
    أنا حنبلي ما حييت وإن أَمُتْ فوصيتي للناس أن يتحنبلوا
    لكنه مع كل ذلك اُتُّهِمَ بما اتُّهِمَ. هذا ما نعرفه من سيرة هذا الرجل هو أبو إسمعيل الهروي- الذي اشتهر بين الحنابلة بأنه شيخ الإسلام وتظاهر بالتجسيم والتشبيه ولعَنَ شيخ السنة أبا الحسن الأشعري وذكر أن ذبائح الأشعرية لا تحل، فأصبح محببا إلى الشيخ ابن تيمية عفا الله عنا وعنه. لكن ما ذا حدث حينما ألف الرجل كتابا في التصوف؟ وهو كتاب «منازل السائرين»؟ اتهموه حتى ابن تيمية نفسه بأنه اتحادي وحُلولي رغم أن الكتاب ليس فيه القول بالاتحاد ولا الحلول - ورموه بالعظائم. وإن كان هذا هو الأمر بالنسبة للحنابلة أنفسهم بعضهم مع البعض فلما ذا نستغرب حين نراهم يتهمون غيرهم بما هم منه برآء. والله المستعان.

    اللهمَّ أخرِجْنَا مِنْ ظُلُمَاتِ الوَهْمِ ، وأكْرِمْنَا بِنُورِ الفَهْمِ ، وافْتَحْ عَلَيْنَا بِمَعْرِفَةِ العِلْمِ ، وحَسِّنْ أخْلَاقَنَا بالحِلْمِ ، وسَهِّلْ لنَا أبْوَابَ فَضْلِكَ ، وانشُرْ عَلَيْنَا مِنْ خَزَائنِ رَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِين
يعمل...