بسم الله الرحمن الرحيم
الرسالة الشمسية في القواعد المنطقية
لنجم الدّين عمر بن عليّ القزوينيّ المعروف بالكاتبي
الحمد لله الذي أبدع نظام الوجود، واخترع ماهيات الأشياء بمقتضى الجود، وأنشأ بقدرته أنواع الجواهر العقلية، وأفاض برحمته محركات الأجرام الفلكية، والصلاة على ذوات الأنفس القدسية، المنزهة عن الكدورات الإنسية، خصوصاً على سيدنا محمد صاحب الآيات والمعجزات، وعلى آله وأصحابه التابعين للحجج والبينات.
وبعدك فلما كان باتفاق أهل العقل، وإطباق ذوي الفضل: أن العلوم سيما اليقينية أعلى المطالب، وأبهى المناقب، وأن صاحبها أشرف الأشخاص البشرية، ونفسه أسرع اتصالاً بالعقول الملكية، وكان الاطلاع على دقائقها، والإحاطة بكنه حقائقها لا يمكن إلا بالعلم الموسوم بالمنطق، إذ به يعرف صحتها من سقمها، وغثها من سمينها، فأشار إليّ من سعد بلطف الحق، وامتاز بتأييده من بين كافة الخلق، ومال إلى جنابه الداني والقاصي، وأفلح بمتابعته المطيع والعاصي، وهو المولى الصدر الصاحب المعظم، العالم الفاضل المقبول المنعم، المحسن الحسيب النسيب، ذو المناقب والمفاخر: شمس الملة والدين، بهاء الإسلام والمسلمين، قدوة الأكابر والأماثل، ملك الصدور والأفاضل، قطب الأعالي، فلك المعالي: محمد بن المولى الصدر المعظم الصاحب الأعظم، دستور الآفاق، آصف الزمان، ملك وزراء الشرق والغرب، صاحب ديوان الممالك، بهاء الحق والدين، ومؤيد علماء الإسلام والمسلمين، قطب الملوك محمد. أدام الله ظلالهما، وضاعف جلالهما، الذي مع حداثة سنه فاق بالسعادات الأبدية والكرامات السرمدية، واختص بالفضائل الجميلة، والخصائل الحميدة، بتحرير كتاب في المنطق، جامع لقواعده، حاو لأصوله وضوابطه، فبادرت إلى مقتضى إشارته، وشرعت في ثبته وكتابته مستلزماً أن لا أخلّ بشيء يعتدّ به من القواعد والضوابط، مع زيادات شريفة، ونكت لطيفة، من عندي غير تابع لأحد من الخلائق، بل للحق الصريح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وسميته:
بالرسالة الشمسية في القواعد المنطقية
ورتبته على مقدمة، وثلاث مقالات وخاتمة: معتصماً بحبل التوفيق من واهب العقل، ومتوكلاً على جوده المفيض للخير والعدل، إنه خير موفق ومعين. أما المقدمة ففيها بحثان:
[البحث] الأوّل في ماهية المنطق وبيان الحاجة إليه
العلم إما تصور فقط: وهو حصول صورة الشي في العقل، وإما تصوّر معه حكم. وهو إسناد أمر إلى آخر إيجاباً أو سلباً. ويقال للمجموع تصديق. وليس الكل من كلّ منهما بديهياً، وإلا لما جهلنا شيئاً، ولا نظرياً، وإلا لدار أو تسلسل. بل البعض من كلّ منهما بديهيّ، والبعض الآخر نظريّ يحصّل بالفكر. وهو ترتيب أمور معلومة للتأدي إلى مجهول. وذلك الترتيب ليس بصواب دائماً لمناقضة بعض العقلاء بعضاً في مقتضى أفكارهم، بل الإنسان الواحد يناقض نفسه في وقتين، فمسّت الحاجة إلى قانون يفيد معرفة طرق اكتساب النظريات من الضروريات، والإحاطة بالصحيح والفاسد من الفكر الواقع فيها، وهو المنطق. ورسموه بأنه: آلة قانونية تعصم الذهن عن الخطأ في الفكر. وليس كلّه بديهياً، وإلا لاستغني عن تعلّمه، ولا نظرياً وإلا لدار أو تسلسل، بل بعضه بديهيّ وبعضه نظريّ مستفاد منه.
[البحث الثاني] في موضوع المنطق
موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه التي تلحقه لما هو هو: أي لذاته ولما يساويه أو لجزئه. فموضوع المنطق المعلومات التصورية والتصديقية. لأن المنطقيّ يبحث عنها من حيث إنها توصل إلى مجهول تصوريّ أو تصديقيّ، ومن حيث إنها يتوقف عليها الموصل إلى التصوّر ككونها كليّة وجزئية وذاتية وعرضية وجنساً وفصلاً وعرضاً وخاصّة، ومن حيث إنها يتوقف عليها الموصل إلى التصديق: إما توقفاً قريباً ككونها قضية وعكس قضية ونقيض قضية، وإما توقفاً بعيداً ككونها موضوعات ومحمولات.
وقد جرت العادة بأن يسمى الموصل إلى التصور قولاً شارحاً، والموصل إلى التصديق حجة. ويجب تقديم الأول على الثاني وضعاً لتقدم التصور على التصديق طبعاً، لأن كلّ تصديق لا بدّ فيه من تصوّر المحكوم عليه إما بذاته، أو بأمر صادق عليه، والمحكوم به كذلك، والحكم. لامتناع الحكم ممن جهل أحد هذه الأمور.
وأما المقالات فثلاث:
[المقالة الأولى] في المفردات
وفيها أربعة فصول:
[الفصل الأول] في الألفاظ
دلالة اللفظ على المعنى بتوسط الوضع له مطابقة، كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق. وبتوسطه لما دخل فيه ذلك المعنى تضمن، كدلالته على الحيوان وعلى الناطق فقط. وبتوسطه لما خرج عنه التزام، كدلالته على قابل العلم وصنعة الكتابة.
ويشترط في الدلالة الالتزامية كون الخارج بحالة يلزم من تصوّر المسمى في الذهن تصوّره، وإلا لامتنع فهمه من اللفظ. ولا يشترط فيها كونه بحالة يلزم من تحقق المسمى في الخارج نحققه فيه كدلالة لفظ العمى على البصر، مع عدم الملازمة بينهما في الخارج.
والمطابقة لا تستلزم التضمّن كما في البسائط. وأما استلزامها الالتزام فغير متيقّن، لأنّ وجود لازم ذهنيّ لكلّ ماهية يلزم من تصوّرها تصوّره غير معلوم، وما قيل إن تصوّر كلّ ماهية يستلزم تصوّر أنها ليست غيرها فممنوع. ومن هذا نتبين عدم استلزام التضمن الالتزام. وأما هما فلا يوجدان إلا مع المطابقة لاستحالة وجود التابع من حيث إنه تابع بدون المتبوع.
والدالّ بالمطابقة إن قصد بجزئه الدلالة على جزء معناه فهو المركّب، كرامي الحجارة، وإلا فهو المفرد. وهو إن لم يصلح أن يخبر به وحده، فهو الأداة كفي ولا؛ وإن صلح لذلك، فإن دلّ بهيئته على زمان معيّن من الأزمنة الثلاثة فهو الكلمة، وإن لم يدلّ فهو الاسم.
وحينئذ إما أن يكون معناه واحداً أو كثيراً. فإن كان الأوّل فإن تشخّص ذلك المعنى سمّي علماً، وإلا فمتواطئاً إن استوت أفراده الذهنية والخارجيّة فيه كالإنسان والشمس، ومشكّكاً إن كان حصوله في البعض أولى وأقدم وأشدّ من الآخر كالوجود بالنسبة للواجب والممكن. وإن كان الثاني فإن كان وضعه لتلك المعاني على السويّة فهو المشترك كالعين، وإن لم يكن كذلك، بل وضع لأحدهما أولاً ثم نقل إلى الثاني.
وحينئذٍ إن ترك موضوعه الأوّل يسمى لفظاً منقولاً: عرفيّاً: إن كان الناقل هو العرفَ العامَّ كالدّابة، وشرعيّاً: إن كان الناقل هو الشرعَ كالصلاة والصوم، واصطلاحياً: إن كان هو العرفَ الخاصَّ كاصطلاح النحاة والنظار، وإن لم يترك موضوعه الأوّل بالنسبة إلى المنقول عنه حقيقةً، وبالنسبة إلى المنقول عنه مجازاً: كالأسد بالنسبة إلى الحيوان المفترس والرجل الشجاع.
وكلّ لفظ فهو بالنسبة إلى لفظ آخر مرادف له إن توافقا في المعنى، ومباين له إن اختلفا فيه.
وأما المركّب فهو إمّا تامّ: وهو الذي يصحّ السكوت عليه، أو غير تامّ. والتامّ إن احتمل الصدق والكذب فهو الخبر والقضيّة، وإن لم يحتمل فهو الإنشاء. فإن دلّ على طلب الفعل دلالة أوّليّة: أي وضعيّة فهو مع الاستعلاء أمر، كقولنا: اضرب أنت، ومع الخضوع سؤال ودعاء، ومع التساوي التماس؛ وإن لم يدلّ فهو تنبيه يندرج فيه التمنّي والترجّي والتعجب والقسم والنداء. وأمّا غير التامّ فهو إمّا تقييديّ كالحيوان الناطق، وإما غير تقييديّ كالمركب من اسمٍ وأداة، أو كلمة وأداة.
[الفصل الثاني] في المعاني المفردة
كلّ مفهوم فهو جزئيّ إن منع نفس تصوّره من وقوع الشركة فيه، وكلّيّ إن لم يمنع. واللفظ الدالّ عليهما يسمّى كلّياً وجزئيّاً بالعرض.
والكليّ إما أن يكون تمام ماهيّة ما تحته من الجزئيّات وداخلاً فيها، أو خارجاً عنها، والأوّل هو النّوع الحقيقيّ سواء كان متعدّد الأشخاص، وهو المقول في جواب ما هو بحسب الشركة والخصوصيّة معاً كالإنسان، أو غير متعدّد الأشخاص، وهو المقول في جواب ما هو بحسب الخصوصيّة المحضة كالشمس، فهو إذن كلّيّ مقول على واحد أو على كثيرين متّفقين بالحقائق في جواب ما هو.
وإن كان الثاني، فإن كان تمام الجزء المشترك بينهما وبين نوع آخر فهو المقول في جواب ما هو بحسب الشركة المحضة، ويسمّى جنساً، ورسموه بأنه كلّيّ مقول على كثيرين مختلفين بالحقائق في جواب ما هو. وهو قريب إن كان الجواب عن الماهية وعن بعض ما يشاركها فيه عينَ الجواب عنها وعن بعض ما يشاركها فيه كالحيوان بالنسبة للإنسان، وبعيد إن كان الجواب عنها وعن بعض ما يشاركها فيه غيرَ الجواب عنها وعن بعض آخر. ويكون هناك جوابان إن كان بعيداً بمرتبة واحدة، الجسم النامي بالنسبة للإنسان، وثلاثة أجوبة إن كان بعيداً بمرتبتين كالجسم، وأربع أجوبة إن كان بعيداً بثلاث مراتب كالجوهر، وعلى هذا القياس.
وإن لم يكن تمام المشترك بينهما وبين نوع آخر، فلا بدّ إمّا أن لا يكون مشتركاً بين الماهيّة وبين نوع آخر أصلاً كالناطق بالنسبة إلى الإنسان، أو يكون بعضاً من تمام المشترك مساوياً له كالحساس، وإلا لكان مشتركاً بين الماهيّة وبين نوع آخر؛ ولا يجوز أن تمام المشترك بالنسبة إلى ذلك النوع لأنّ المقدّر خلافه بل بعضه، ولا يتسلسل بل ينتهي إلى ما يساويه فيكون فصل جنس، وكيفما كان يميز الماهيّة عن مشاركها في جنس أو في وجود فكان فصلاً. ورسموه بأنه كليّ يحمل على الشيء في جواب أيّ شيء هو في جوهره، فعلى هذا لو تركّبت حقيقة من أمرين متساويين أو أمور متساوية كان كلّ منها فصلاً لها لأنه يميزها عن مشاركها في الوجود.
والفصل المميز للنوع عن مشاركه في الجنس قريب إن ميّزه عنه في جنس قريب كالناطق للإنسان، وبعيد إن ميّزه عنه في جنس بعيد كالحساس للإنسان.
وأما الثالث فإن امتنع انفكاكه عن الماهيّة فهو اللازم، وإلا فهو العرض المفارق، واللازم قد يكون لازماً للوجود الخارجيّ كالسواد للحبشيّ، وقد يكون لازماً للماهيّة كالزوجيّة للأربعة، وهو إما بيّن وهو الذي يكون تصوّر ملزومه كافياً في جزم الذهن باللزوم بينهما كالانقسام بمتساويين للأربعة، وإما غير بيّنٍ وهو الذي يفتقر جزم الذهن باللزوم بينهما إلى وسط كتساوي الزوايا الثلاث لقائمتين للمثلث، وقد يقال البيّنُ على اللازم الذي يلزم من تصوّر ملزومه تصوّرُه، والأوّل أعمّ. والعرض المفارق إما سريع الزوال كحمرة الخجل وصفرة الوجل، وإما بطيئة الزوال كالشيب والشباب.
وكلّ من اللازم والمفارق إن اختصّ بأفراد حقيقة واحدة فهو الخاصّة كالضاحك، وإلا فهو العرض العامّ كالماشي. وترسم الخاصّة بأنها كليّة مقولة على ما تحت حقيقة واحدة فقط قولاً عرضياً. والعرض العامّ بأنه كليّ مقول على أفراد حقيقة واحدة وغيرها قولاً عرضيّاً. فالكليّات إذن خمس: نوع، وجنس، وفصل، وخاصّة، وعرض عامّ.
[الفصل الثالث] في مباحث الكلّيّ والجزئيّ
وهي خمسة:
[الأول] الكلّيّ قد يكون ممتنع الوجود في الخارج لا لنفس مفهوم اللفظ كشريك الباري عزّ اسمه، وقد يكون ممكن الوجود لكن لا يوجد كالعنقاء، وقد يكون الموجود منه واحداً فقط مع امتناع غيره كالباري عزّ اسمه، أو مع إمكانه كالشمس، وقد يكون الموجود منه كثيراً: إما متناهياً كالكواكب السبعة السيارة، أو غير متناهٍ كالنفوس الناطقة عند بعضهم.
[الثاني] إذا قلنا للحيوان مثلاً بأنه كلّيّ، فهنالك أمور ثلاثة: الحيوان من حيث هو هو، وكونه كلّيّاً، والمركّب منهما، والأوّل يسمّى كليّاً طبيعيّاً، والثاني يسمى كليّاً منطقياً، والثالث يسمى كليّاً عقليّاً. والكليّ الطبيعيّ موجود في الخارج لأنه جزء من هذا الحيوان الموجود في الخارج، وجز الموجود موجود في الخارج، وأمّا الكليّان الآخران ففي وجودهما خلاف، والنظر فيه خارج المنطق.
[الثالث] الكليّان: متساويان: إن صدق كلّ واحد منهما على كلّ ما صدق عليه الآخر كالإنسان والناطق. وبينهما عموم وخصوص مطلق: إن صدق أحدهما على كلّ ما صدق عليه الآخر من غير عكس كالحيوان والإنسان. وبينهما عموم وخصوص من وجه: إن صدق كلّ منهما على بعض ما صدق عليه الآخر فقط كالحيوان والأبيض. ومتباينان: إن لم يصدق شيء منهما على شيء مما يصدق عليه الآخر كالإنسان والفرس.
ونقيضا المتساويين متساويان، وإلا لصدق أحدهما على ما كذب عليه الآخر، فيصدق أحد المتساويين على ما كذب عليه الآخر وهو محال، ونقيض الأعمّ من شيء مطلقاً أخصّ من نقيض الأخصّ مطلقاً، لصدق نقيض الأخص على كل يصدق عليه نقيض الأعمّ من غير عكس. أما الأول فلأنه لولا ذلك لصدق عين الأخصّ على بعض ما صدق عليه نقيض الأعمّ، وذلك مستلزم لصدق الأخصّ بدون الأعمّ وإنه محال. وأما الثاني فلأنه لولا ذلك لصدق نقيض الأعمّ على كلّ ما يصدق عليه نقيض الأخصّ، وذلك مستلزم لصدق الأخصّ على كلّ الأعمّ وهو محال، والأعمّ من شيء من وجه ليس بين نقيضيهما عموم أصلاً لتحقق مثل هذا بين الأعمّ مطلقاً ونقيض الأخصّ مع التباين الكليّ بين نقيض الأعمّ مطلقاًَ وعين الأخصّ.
ونقيضا المتباينين متباينان تبايناً جزئياً، لأنهما إن لم يصدقا معاً أصلاً على شيء كاللاوجود واللاعدم كان بينهما تباين كليّ، وإن صدقا معاً كاللاإنسان واللافرس كان بينهما تباين جزئيّ، ضرورة صدق أحد المتباينين مع نقيض الآخر فقط، فالتباين الجزئيّ لازم جزماً.
[الرابع] الجزئيّ كما يقال على المعنى المذكور المسمّى بالحقيقّي، فكذلك يقال على كلّ أخصّ تحت الأعمّ ويسمى الجزئيّ الإضافيّ، وهو أعمّ من الأوّل، لأنّ كلّ جزئيّ حقيقيّ فهو جزئيّ إضافيّ دون العكس. أمّا الأوّل: فلاندراج كلّ شخص تحت الماهيّات المعرّاة عن المشخّصات. وأمّا الثاني: فلجواز كون الجزئيّ الإضافيّ كليّاً، وامتناع كون الجزئيّ الحقيقيّ كذلك.
[الخامس] النوع كما يقال على ما ذكرناه، ويقال له النوع الحقيقيّ، فكذلك يقال على كلّ ماهيّة يقال عليها وعلى غيرها الجنس في جواب ما هو قولاً أوّليّاً. ويسمّى النوع الإضافيّ.
ومراتبه أربع، لأنّه إمّا أعمّ الأنواع: وهو النوع العالي كالجسم، أو أخصّها: وهو النوع السافل كالإنسان ويسمى نوع الأنواع، أو أعمّ من السافل وأخصّ من العالي: وهو النّوع المتوسّط كالحيوان والجسم النامي، أو مباين للكلّ: وهو النوع المفرد كالعقل إن قلنا إن الجوهر جنس له.
ومراتب الأجناس أيضاً هذه الأربع، لكن العالي كالجوهر في مراتب الأجناس يسمى جنس الأجناس، لا السافل كالحيوان، ومثال المتوسّط فيها الجسم النامي، ومثال المفرد العقل إن قلنا الجوهر ليس بجنس له.
والنوع الحقيقيّ موجود بدون الإضافيّ كالأنواع المتوسّطة، والحقيقيّ موجود بدون الإضافيّ كالحقائق البسيطة، فليس بينهما عموم وخصوص مطلق، بل كلّ منهما أعمّ من الآخر من وجه لصدقهما على النوع السافل.
وجز المقول في جواب ما هو إن كان مذكوراً بالمطابقة يسمّى واقعاً في طريق ما هو، كالحيوان والناطق بالنسبة إلى الحيوان الناطق المقول في جواب السؤال بما هو عن الإنسان، وإن كان مذكوراً بالتضمّن يسمّى داخلاً في جواب ما هو: كالجسم والنامي والحساس والمتحرّك بالإرادة الدالّ عليها الحيوان بالتضمّن.
والجنس العالي جاز أن يكون له فصل يقوّمه لجواز تركّبه من أمرين متسوايين، أو أمور متساوية، ويجب أن يكون له فصل يقسمه. والنوع السافل يجب أن يكون له فصل يقوّمه، ويمتنع أن يكون له فصل يقسمه. والمتوسّطات يجب أن يكون لها فصول تقسمها وفصول تقوّمها. وكلّ فصل يقوّم العالي فهو يقوّم السافل من غير عكسّ كليّ. وكلّ فصل يقسّم السافل فهو يقسّم العالي من غير عكس.
[الفصل الرابع] في التعريفات
المعرّف للشيء، وهو الذي يستلزم تصوّره تصوّر ذلك الشيء وامتيازه عن كلّ ما عداه، وهو لا يجوز أن يكون نفس الماهيّة لأنّ المعرِّف معلوم قبل المعرَّف، والشيء لا يعلم قبل نفسه؛ ولا أعمّ لقصوره عن إفادة التعريف؛ ولا أخصّ لكونه أخفى؛ فهو مساوٍ لها في العموم والخصوص.
ويسمّى حدّاً تامّاً إن كان بالجنس والفصل القريبين، وحدّاً ناقصاً إن كان بالفصل القريب وحده أو به وبالجنس البعيد، ورسماً تامّاً إن كان بالجنس القريب والخاصّة، ورسماً ناقصاً إن كان بالخاصّة وحدها أو بها وبالجنس البعيد.
ويجب الاحتراز عن تعريف الشيء بما يساويه في المعرفة والجهالة كتعريف الحركة بما ليس بسكون، والزوج بما ليس بفرد، وعن تعريف الشيء بما لا يعرف إلا به سواء كان بمرتبة واحدة، كما يقال: الكيفيّة ما بها يقع المشابهة، ثمّ يقال المشابهة اتفاق في الكيفيّة، أو بمراتب، كما يقال: الاثنان زوج أوّل، ثمّ يقال الزوج الأوّل هو المنقسم بمتساويين، ثمّ يقال: المتساويان هما الشيئان اللذان لا يفضل أحدهما على الآخر. ثم يقال: الشيئان هما الاثنان. ويجب أن يحترز عن استعمال ألفاظ غريبة وحشيّة غير ظاهرة الدلالة بالقياس إلى السامع لكونه مفوّتاً للغرض.
نهاية المقالة الأولى في المفردات. ويليها المقالة الثانية في القضايا وأحكامها إن شاء الله تعالى
الرسالة الشمسية في القواعد المنطقية
لنجم الدّين عمر بن عليّ القزوينيّ المعروف بالكاتبي
الحمد لله الذي أبدع نظام الوجود، واخترع ماهيات الأشياء بمقتضى الجود، وأنشأ بقدرته أنواع الجواهر العقلية، وأفاض برحمته محركات الأجرام الفلكية، والصلاة على ذوات الأنفس القدسية، المنزهة عن الكدورات الإنسية، خصوصاً على سيدنا محمد صاحب الآيات والمعجزات، وعلى آله وأصحابه التابعين للحجج والبينات.
وبعدك فلما كان باتفاق أهل العقل، وإطباق ذوي الفضل: أن العلوم سيما اليقينية أعلى المطالب، وأبهى المناقب، وأن صاحبها أشرف الأشخاص البشرية، ونفسه أسرع اتصالاً بالعقول الملكية، وكان الاطلاع على دقائقها، والإحاطة بكنه حقائقها لا يمكن إلا بالعلم الموسوم بالمنطق، إذ به يعرف صحتها من سقمها، وغثها من سمينها، فأشار إليّ من سعد بلطف الحق، وامتاز بتأييده من بين كافة الخلق، ومال إلى جنابه الداني والقاصي، وأفلح بمتابعته المطيع والعاصي، وهو المولى الصدر الصاحب المعظم، العالم الفاضل المقبول المنعم، المحسن الحسيب النسيب، ذو المناقب والمفاخر: شمس الملة والدين، بهاء الإسلام والمسلمين، قدوة الأكابر والأماثل، ملك الصدور والأفاضل، قطب الأعالي، فلك المعالي: محمد بن المولى الصدر المعظم الصاحب الأعظم، دستور الآفاق، آصف الزمان، ملك وزراء الشرق والغرب، صاحب ديوان الممالك، بهاء الحق والدين، ومؤيد علماء الإسلام والمسلمين، قطب الملوك محمد. أدام الله ظلالهما، وضاعف جلالهما، الذي مع حداثة سنه فاق بالسعادات الأبدية والكرامات السرمدية، واختص بالفضائل الجميلة، والخصائل الحميدة، بتحرير كتاب في المنطق، جامع لقواعده، حاو لأصوله وضوابطه، فبادرت إلى مقتضى إشارته، وشرعت في ثبته وكتابته مستلزماً أن لا أخلّ بشيء يعتدّ به من القواعد والضوابط، مع زيادات شريفة، ونكت لطيفة، من عندي غير تابع لأحد من الخلائق، بل للحق الصريح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وسميته:
بالرسالة الشمسية في القواعد المنطقية
ورتبته على مقدمة، وثلاث مقالات وخاتمة: معتصماً بحبل التوفيق من واهب العقل، ومتوكلاً على جوده المفيض للخير والعدل، إنه خير موفق ومعين. أما المقدمة ففيها بحثان:
[البحث] الأوّل في ماهية المنطق وبيان الحاجة إليه
العلم إما تصور فقط: وهو حصول صورة الشي في العقل، وإما تصوّر معه حكم. وهو إسناد أمر إلى آخر إيجاباً أو سلباً. ويقال للمجموع تصديق. وليس الكل من كلّ منهما بديهياً، وإلا لما جهلنا شيئاً، ولا نظرياً، وإلا لدار أو تسلسل. بل البعض من كلّ منهما بديهيّ، والبعض الآخر نظريّ يحصّل بالفكر. وهو ترتيب أمور معلومة للتأدي إلى مجهول. وذلك الترتيب ليس بصواب دائماً لمناقضة بعض العقلاء بعضاً في مقتضى أفكارهم، بل الإنسان الواحد يناقض نفسه في وقتين، فمسّت الحاجة إلى قانون يفيد معرفة طرق اكتساب النظريات من الضروريات، والإحاطة بالصحيح والفاسد من الفكر الواقع فيها، وهو المنطق. ورسموه بأنه: آلة قانونية تعصم الذهن عن الخطأ في الفكر. وليس كلّه بديهياً، وإلا لاستغني عن تعلّمه، ولا نظرياً وإلا لدار أو تسلسل، بل بعضه بديهيّ وبعضه نظريّ مستفاد منه.
[البحث الثاني] في موضوع المنطق
موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه التي تلحقه لما هو هو: أي لذاته ولما يساويه أو لجزئه. فموضوع المنطق المعلومات التصورية والتصديقية. لأن المنطقيّ يبحث عنها من حيث إنها توصل إلى مجهول تصوريّ أو تصديقيّ، ومن حيث إنها يتوقف عليها الموصل إلى التصوّر ككونها كليّة وجزئية وذاتية وعرضية وجنساً وفصلاً وعرضاً وخاصّة، ومن حيث إنها يتوقف عليها الموصل إلى التصديق: إما توقفاً قريباً ككونها قضية وعكس قضية ونقيض قضية، وإما توقفاً بعيداً ككونها موضوعات ومحمولات.
وقد جرت العادة بأن يسمى الموصل إلى التصور قولاً شارحاً، والموصل إلى التصديق حجة. ويجب تقديم الأول على الثاني وضعاً لتقدم التصور على التصديق طبعاً، لأن كلّ تصديق لا بدّ فيه من تصوّر المحكوم عليه إما بذاته، أو بأمر صادق عليه، والمحكوم به كذلك، والحكم. لامتناع الحكم ممن جهل أحد هذه الأمور.
وأما المقالات فثلاث:
[المقالة الأولى] في المفردات
وفيها أربعة فصول:
[الفصل الأول] في الألفاظ
دلالة اللفظ على المعنى بتوسط الوضع له مطابقة، كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق. وبتوسطه لما دخل فيه ذلك المعنى تضمن، كدلالته على الحيوان وعلى الناطق فقط. وبتوسطه لما خرج عنه التزام، كدلالته على قابل العلم وصنعة الكتابة.
ويشترط في الدلالة الالتزامية كون الخارج بحالة يلزم من تصوّر المسمى في الذهن تصوّره، وإلا لامتنع فهمه من اللفظ. ولا يشترط فيها كونه بحالة يلزم من تحقق المسمى في الخارج نحققه فيه كدلالة لفظ العمى على البصر، مع عدم الملازمة بينهما في الخارج.
والمطابقة لا تستلزم التضمّن كما في البسائط. وأما استلزامها الالتزام فغير متيقّن، لأنّ وجود لازم ذهنيّ لكلّ ماهية يلزم من تصوّرها تصوّره غير معلوم، وما قيل إن تصوّر كلّ ماهية يستلزم تصوّر أنها ليست غيرها فممنوع. ومن هذا نتبين عدم استلزام التضمن الالتزام. وأما هما فلا يوجدان إلا مع المطابقة لاستحالة وجود التابع من حيث إنه تابع بدون المتبوع.
والدالّ بالمطابقة إن قصد بجزئه الدلالة على جزء معناه فهو المركّب، كرامي الحجارة، وإلا فهو المفرد. وهو إن لم يصلح أن يخبر به وحده، فهو الأداة كفي ولا؛ وإن صلح لذلك، فإن دلّ بهيئته على زمان معيّن من الأزمنة الثلاثة فهو الكلمة، وإن لم يدلّ فهو الاسم.
وحينئذ إما أن يكون معناه واحداً أو كثيراً. فإن كان الأوّل فإن تشخّص ذلك المعنى سمّي علماً، وإلا فمتواطئاً إن استوت أفراده الذهنية والخارجيّة فيه كالإنسان والشمس، ومشكّكاً إن كان حصوله في البعض أولى وأقدم وأشدّ من الآخر كالوجود بالنسبة للواجب والممكن. وإن كان الثاني فإن كان وضعه لتلك المعاني على السويّة فهو المشترك كالعين، وإن لم يكن كذلك، بل وضع لأحدهما أولاً ثم نقل إلى الثاني.
وحينئذٍ إن ترك موضوعه الأوّل يسمى لفظاً منقولاً: عرفيّاً: إن كان الناقل هو العرفَ العامَّ كالدّابة، وشرعيّاً: إن كان الناقل هو الشرعَ كالصلاة والصوم، واصطلاحياً: إن كان هو العرفَ الخاصَّ كاصطلاح النحاة والنظار، وإن لم يترك موضوعه الأوّل بالنسبة إلى المنقول عنه حقيقةً، وبالنسبة إلى المنقول عنه مجازاً: كالأسد بالنسبة إلى الحيوان المفترس والرجل الشجاع.
وكلّ لفظ فهو بالنسبة إلى لفظ آخر مرادف له إن توافقا في المعنى، ومباين له إن اختلفا فيه.
وأما المركّب فهو إمّا تامّ: وهو الذي يصحّ السكوت عليه، أو غير تامّ. والتامّ إن احتمل الصدق والكذب فهو الخبر والقضيّة، وإن لم يحتمل فهو الإنشاء. فإن دلّ على طلب الفعل دلالة أوّليّة: أي وضعيّة فهو مع الاستعلاء أمر، كقولنا: اضرب أنت، ومع الخضوع سؤال ودعاء، ومع التساوي التماس؛ وإن لم يدلّ فهو تنبيه يندرج فيه التمنّي والترجّي والتعجب والقسم والنداء. وأمّا غير التامّ فهو إمّا تقييديّ كالحيوان الناطق، وإما غير تقييديّ كالمركب من اسمٍ وأداة، أو كلمة وأداة.
[الفصل الثاني] في المعاني المفردة
كلّ مفهوم فهو جزئيّ إن منع نفس تصوّره من وقوع الشركة فيه، وكلّيّ إن لم يمنع. واللفظ الدالّ عليهما يسمّى كلّياً وجزئيّاً بالعرض.
والكليّ إما أن يكون تمام ماهيّة ما تحته من الجزئيّات وداخلاً فيها، أو خارجاً عنها، والأوّل هو النّوع الحقيقيّ سواء كان متعدّد الأشخاص، وهو المقول في جواب ما هو بحسب الشركة والخصوصيّة معاً كالإنسان، أو غير متعدّد الأشخاص، وهو المقول في جواب ما هو بحسب الخصوصيّة المحضة كالشمس، فهو إذن كلّيّ مقول على واحد أو على كثيرين متّفقين بالحقائق في جواب ما هو.
وإن كان الثاني، فإن كان تمام الجزء المشترك بينهما وبين نوع آخر فهو المقول في جواب ما هو بحسب الشركة المحضة، ويسمّى جنساً، ورسموه بأنه كلّيّ مقول على كثيرين مختلفين بالحقائق في جواب ما هو. وهو قريب إن كان الجواب عن الماهية وعن بعض ما يشاركها فيه عينَ الجواب عنها وعن بعض ما يشاركها فيه كالحيوان بالنسبة للإنسان، وبعيد إن كان الجواب عنها وعن بعض ما يشاركها فيه غيرَ الجواب عنها وعن بعض آخر. ويكون هناك جوابان إن كان بعيداً بمرتبة واحدة، الجسم النامي بالنسبة للإنسان، وثلاثة أجوبة إن كان بعيداً بمرتبتين كالجسم، وأربع أجوبة إن كان بعيداً بثلاث مراتب كالجوهر، وعلى هذا القياس.
وإن لم يكن تمام المشترك بينهما وبين نوع آخر، فلا بدّ إمّا أن لا يكون مشتركاً بين الماهيّة وبين نوع آخر أصلاً كالناطق بالنسبة إلى الإنسان، أو يكون بعضاً من تمام المشترك مساوياً له كالحساس، وإلا لكان مشتركاً بين الماهيّة وبين نوع آخر؛ ولا يجوز أن تمام المشترك بالنسبة إلى ذلك النوع لأنّ المقدّر خلافه بل بعضه، ولا يتسلسل بل ينتهي إلى ما يساويه فيكون فصل جنس، وكيفما كان يميز الماهيّة عن مشاركها في جنس أو في وجود فكان فصلاً. ورسموه بأنه كليّ يحمل على الشيء في جواب أيّ شيء هو في جوهره، فعلى هذا لو تركّبت حقيقة من أمرين متساويين أو أمور متساوية كان كلّ منها فصلاً لها لأنه يميزها عن مشاركها في الوجود.
والفصل المميز للنوع عن مشاركه في الجنس قريب إن ميّزه عنه في جنس قريب كالناطق للإنسان، وبعيد إن ميّزه عنه في جنس بعيد كالحساس للإنسان.
وأما الثالث فإن امتنع انفكاكه عن الماهيّة فهو اللازم، وإلا فهو العرض المفارق، واللازم قد يكون لازماً للوجود الخارجيّ كالسواد للحبشيّ، وقد يكون لازماً للماهيّة كالزوجيّة للأربعة، وهو إما بيّن وهو الذي يكون تصوّر ملزومه كافياً في جزم الذهن باللزوم بينهما كالانقسام بمتساويين للأربعة، وإما غير بيّنٍ وهو الذي يفتقر جزم الذهن باللزوم بينهما إلى وسط كتساوي الزوايا الثلاث لقائمتين للمثلث، وقد يقال البيّنُ على اللازم الذي يلزم من تصوّر ملزومه تصوّرُه، والأوّل أعمّ. والعرض المفارق إما سريع الزوال كحمرة الخجل وصفرة الوجل، وإما بطيئة الزوال كالشيب والشباب.
وكلّ من اللازم والمفارق إن اختصّ بأفراد حقيقة واحدة فهو الخاصّة كالضاحك، وإلا فهو العرض العامّ كالماشي. وترسم الخاصّة بأنها كليّة مقولة على ما تحت حقيقة واحدة فقط قولاً عرضياً. والعرض العامّ بأنه كليّ مقول على أفراد حقيقة واحدة وغيرها قولاً عرضيّاً. فالكليّات إذن خمس: نوع، وجنس، وفصل، وخاصّة، وعرض عامّ.
[الفصل الثالث] في مباحث الكلّيّ والجزئيّ
وهي خمسة:
[الأول] الكلّيّ قد يكون ممتنع الوجود في الخارج لا لنفس مفهوم اللفظ كشريك الباري عزّ اسمه، وقد يكون ممكن الوجود لكن لا يوجد كالعنقاء، وقد يكون الموجود منه واحداً فقط مع امتناع غيره كالباري عزّ اسمه، أو مع إمكانه كالشمس، وقد يكون الموجود منه كثيراً: إما متناهياً كالكواكب السبعة السيارة، أو غير متناهٍ كالنفوس الناطقة عند بعضهم.
[الثاني] إذا قلنا للحيوان مثلاً بأنه كلّيّ، فهنالك أمور ثلاثة: الحيوان من حيث هو هو، وكونه كلّيّاً، والمركّب منهما، والأوّل يسمّى كليّاً طبيعيّاً، والثاني يسمى كليّاً منطقياً، والثالث يسمى كليّاً عقليّاً. والكليّ الطبيعيّ موجود في الخارج لأنه جزء من هذا الحيوان الموجود في الخارج، وجز الموجود موجود في الخارج، وأمّا الكليّان الآخران ففي وجودهما خلاف، والنظر فيه خارج المنطق.
[الثالث] الكليّان: متساويان: إن صدق كلّ واحد منهما على كلّ ما صدق عليه الآخر كالإنسان والناطق. وبينهما عموم وخصوص مطلق: إن صدق أحدهما على كلّ ما صدق عليه الآخر من غير عكس كالحيوان والإنسان. وبينهما عموم وخصوص من وجه: إن صدق كلّ منهما على بعض ما صدق عليه الآخر فقط كالحيوان والأبيض. ومتباينان: إن لم يصدق شيء منهما على شيء مما يصدق عليه الآخر كالإنسان والفرس.
ونقيضا المتساويين متساويان، وإلا لصدق أحدهما على ما كذب عليه الآخر، فيصدق أحد المتساويين على ما كذب عليه الآخر وهو محال، ونقيض الأعمّ من شيء مطلقاً أخصّ من نقيض الأخصّ مطلقاً، لصدق نقيض الأخص على كل يصدق عليه نقيض الأعمّ من غير عكس. أما الأول فلأنه لولا ذلك لصدق عين الأخصّ على بعض ما صدق عليه نقيض الأعمّ، وذلك مستلزم لصدق الأخصّ بدون الأعمّ وإنه محال. وأما الثاني فلأنه لولا ذلك لصدق نقيض الأعمّ على كلّ ما يصدق عليه نقيض الأخصّ، وذلك مستلزم لصدق الأخصّ على كلّ الأعمّ وهو محال، والأعمّ من شيء من وجه ليس بين نقيضيهما عموم أصلاً لتحقق مثل هذا بين الأعمّ مطلقاً ونقيض الأخصّ مع التباين الكليّ بين نقيض الأعمّ مطلقاًَ وعين الأخصّ.
ونقيضا المتباينين متباينان تبايناً جزئياً، لأنهما إن لم يصدقا معاً أصلاً على شيء كاللاوجود واللاعدم كان بينهما تباين كليّ، وإن صدقا معاً كاللاإنسان واللافرس كان بينهما تباين جزئيّ، ضرورة صدق أحد المتباينين مع نقيض الآخر فقط، فالتباين الجزئيّ لازم جزماً.
[الرابع] الجزئيّ كما يقال على المعنى المذكور المسمّى بالحقيقّي، فكذلك يقال على كلّ أخصّ تحت الأعمّ ويسمى الجزئيّ الإضافيّ، وهو أعمّ من الأوّل، لأنّ كلّ جزئيّ حقيقيّ فهو جزئيّ إضافيّ دون العكس. أمّا الأوّل: فلاندراج كلّ شخص تحت الماهيّات المعرّاة عن المشخّصات. وأمّا الثاني: فلجواز كون الجزئيّ الإضافيّ كليّاً، وامتناع كون الجزئيّ الحقيقيّ كذلك.
[الخامس] النوع كما يقال على ما ذكرناه، ويقال له النوع الحقيقيّ، فكذلك يقال على كلّ ماهيّة يقال عليها وعلى غيرها الجنس في جواب ما هو قولاً أوّليّاً. ويسمّى النوع الإضافيّ.
ومراتبه أربع، لأنّه إمّا أعمّ الأنواع: وهو النوع العالي كالجسم، أو أخصّها: وهو النوع السافل كالإنسان ويسمى نوع الأنواع، أو أعمّ من السافل وأخصّ من العالي: وهو النّوع المتوسّط كالحيوان والجسم النامي، أو مباين للكلّ: وهو النوع المفرد كالعقل إن قلنا إن الجوهر جنس له.
ومراتب الأجناس أيضاً هذه الأربع، لكن العالي كالجوهر في مراتب الأجناس يسمى جنس الأجناس، لا السافل كالحيوان، ومثال المتوسّط فيها الجسم النامي، ومثال المفرد العقل إن قلنا الجوهر ليس بجنس له.
والنوع الحقيقيّ موجود بدون الإضافيّ كالأنواع المتوسّطة، والحقيقيّ موجود بدون الإضافيّ كالحقائق البسيطة، فليس بينهما عموم وخصوص مطلق، بل كلّ منهما أعمّ من الآخر من وجه لصدقهما على النوع السافل.
وجز المقول في جواب ما هو إن كان مذكوراً بالمطابقة يسمّى واقعاً في طريق ما هو، كالحيوان والناطق بالنسبة إلى الحيوان الناطق المقول في جواب السؤال بما هو عن الإنسان، وإن كان مذكوراً بالتضمّن يسمّى داخلاً في جواب ما هو: كالجسم والنامي والحساس والمتحرّك بالإرادة الدالّ عليها الحيوان بالتضمّن.
والجنس العالي جاز أن يكون له فصل يقوّمه لجواز تركّبه من أمرين متسوايين، أو أمور متساوية، ويجب أن يكون له فصل يقسمه. والنوع السافل يجب أن يكون له فصل يقوّمه، ويمتنع أن يكون له فصل يقسمه. والمتوسّطات يجب أن يكون لها فصول تقسمها وفصول تقوّمها. وكلّ فصل يقوّم العالي فهو يقوّم السافل من غير عكسّ كليّ. وكلّ فصل يقسّم السافل فهو يقسّم العالي من غير عكس.
[الفصل الرابع] في التعريفات
المعرّف للشيء، وهو الذي يستلزم تصوّره تصوّر ذلك الشيء وامتيازه عن كلّ ما عداه، وهو لا يجوز أن يكون نفس الماهيّة لأنّ المعرِّف معلوم قبل المعرَّف، والشيء لا يعلم قبل نفسه؛ ولا أعمّ لقصوره عن إفادة التعريف؛ ولا أخصّ لكونه أخفى؛ فهو مساوٍ لها في العموم والخصوص.
ويسمّى حدّاً تامّاً إن كان بالجنس والفصل القريبين، وحدّاً ناقصاً إن كان بالفصل القريب وحده أو به وبالجنس البعيد، ورسماً تامّاً إن كان بالجنس القريب والخاصّة، ورسماً ناقصاً إن كان بالخاصّة وحدها أو بها وبالجنس البعيد.
ويجب الاحتراز عن تعريف الشيء بما يساويه في المعرفة والجهالة كتعريف الحركة بما ليس بسكون، والزوج بما ليس بفرد، وعن تعريف الشيء بما لا يعرف إلا به سواء كان بمرتبة واحدة، كما يقال: الكيفيّة ما بها يقع المشابهة، ثمّ يقال المشابهة اتفاق في الكيفيّة، أو بمراتب، كما يقال: الاثنان زوج أوّل، ثمّ يقال الزوج الأوّل هو المنقسم بمتساويين، ثمّ يقال: المتساويان هما الشيئان اللذان لا يفضل أحدهما على الآخر. ثم يقال: الشيئان هما الاثنان. ويجب أن يحترز عن استعمال ألفاظ غريبة وحشيّة غير ظاهرة الدلالة بالقياس إلى السامع لكونه مفوّتاً للغرض.
نهاية المقالة الأولى في المفردات. ويليها المقالة الثانية في القضايا وأحكامها إن شاء الله تعالى
تعليق