بسم الله الرحمن الرحيم , وبعد :
أحببت أن أضع ردّي على حوار دار بين الأخوة على رابط آخر يتعلق بأفعال العباد وإراداتهم في رابط مستقل, وذلك حتى يأتيني التصحيح والتصويب , أو الثناء والدعاء من علمائنا الأفاضل - فلربما مروا على ذلك الرابط دون أن يلحظوه .
قال الله تعالى:
"تعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون"
الفعل من حيث وجوده أو عدمه يحتاج إلى مرجح, والإرادة من حيث وجودها أو عدمها تحتاج إلى مرجح.
فالذي يرجح وجود الفعل على عدم وجوده على حكم العادة هو إرادة الإنسان فهو الذي أراد على سبيل المثال أن يحرّك القلم ليكتب , وهو الذي لو أراد ترك فعل التحريك يسكن القلم وينعدم فعله وهو الذي لو أراد القيام قام ولو أراد القعود لقعد ....
وهكذا بما يجد الإنسان من نفسه ضرورة أنه يفعل , دون أن يستطيع أحد أن ينكر هذه الضرورة , أو ينازع فيها .
فالإنسان بإرادته ينفي عن فعله أحد النقيضين, العدم أو الوجود بترجيح أحدهما.
ولكن هذه الإرادة من حيث الوجود تحتاج إلى من يرجح وجودها على عدمها , فما الذي رجح وجودها في قلب الإنسان ؟
أهي إرادة أخرى في داخله ؟ لو قلنا بها لقلنا بالتسلسل المحال, لأن الإرادة الداخلية التي رجحت الإرادة والتي رجحت وجود الفعل تحتاج هي الأخرى إلى إرادة ترجح وجودها وهكذا إلى ما لا بداية, وهو محال.
إذن , هذه الإرادة التي اكتسب الإنسان بها فعله هي مفتقرة إلى موجد ومنشئ وصانع, وهو الله تعالى مبدئ الأمر ومعيده . فهل يستلزم من قولنا هذا القول بالجبر؟
لننظر إلى الأمر من ناحية أخرى :
نقول أن الله تعالى خلق في الإنسان إرادته , والتي بها اكتسب الإنسان فعله بخلق من الله تعالى له . فحدوث الفعل الذي يكتسبه الإنسان يتم عند نقطة حاسمة لثوران الإرادة الداخلية والتي هي أصالة قد خلقها الله تعالى في داخل الإنسان , فالصورة التي أمامنا هي صورة علائقيّة بين سبب ومسبب والذين بمجموعهما وجدا بخلق
من الله تعالى الذي أوجد الكون وأوجد كل ما يقع بين دفتيه.
ولعلمنا أن كل شيء في هذا الكون قائم على السببية دون أن نعتقد بتأثير الأسباب في نتائجها إلا بإذن من الله سبحانه والتي انتظم من خلالها ما نشاهده في الكون إيجادا وإعداما بل إن هذه الأسباب وجدت بإيجاد من الله تعالى وخلقه ابتدءا .
ولعلمنا أن إرادة الإنسان المتكونة داخله هي جزء من هذا الكون ذو العلائق السببية, فإنها ولابد سيجري عليها ما جرى على ما بين دفتي هذا الكون من موجودات.
أي إن وجودها من حيث هي وعلى ما هي عليه فغنها ترجع إلى سبب سبقها وعلّة لها , فكانت هي بمثابة المسبَّب لذاك السبب والمعلول لتلك العلة ,وكانت واجبة عند تعلقها بذلك السبب .
فإذن , فإن بحثنا ههنا يتوقف عند دراسة ما يسبق نشوء تلك الإرادة والتوجه والقصد داخل الإنسان , مع الالتزام بالقاعدة الأصلية وهي الاعتراف بالخالقية المطلقة لله تعالى .
فنقول :
إن الإنسان هو ذلك المخلوق والذي اشترك من حيث الوجود مع سائر الموجودات , ومن حيث الإمكان مع باقي الممكنات , ومن حيث القوى والطبائع مع سائر الموجودات .
فاشترك بميله إلى المآكل والمشارب والمناكح مع الحيوانات الأخرى من سباع ووحوش وطيور وحشرات . ولم يتميز عنها من هذه الناحية بله يتفوق , وربما نجدها قد تميزت هي عنه وتفوقت بما نجده من حرصها على مثل هذه الأمور , وبما نجده من قوة احتمال لديها لها , وصراع يقوم بينها من أجل الاستكثار منها , ومع ذلك لم تتميز هي عن الإنسان من ناحية الأفضلية .
فالاشتراك بالحس مع سائر الموجودات الطبائعية هو أصل وجود الإنسان وابتداؤه .
و الذي لم يبذل أدنى جهد في اكتسابه بل كان مفطورا عليه عند نشأته وتكونه.
ولذلك نجد من الطفل طلبا غرائزيا لثدي أمه وتمييزا له بطبعه من سائر أعضائها وبفمه دون سائر أعضائه وذلك طلبا للغذاء الذي يبقي على حياته وعلى جسمه ونمائه, دون أن يكون للإرادة في تلك اللحظات أدنى وجود وهذا مما لا ينكره عاقل.
فلو لم يكن للطفل دافع مركوز في داخله لطلب الغذاء والشراب مع غياب الإرادة والتمييز في سنه تلك لما وجدناه حيا إلا لفترة قصيرة بعد أن يستفد ما اكتسبه من رحم أمه من مواد غذائية أعطيت له قسرا دون غريزة أو فطرة أو ماشابه، بل تلقاه من رحم أمه لأنه كان كعضو داخل جسدها يغتذي من دمها كما تغتذي سائر أعضاء جسدها.
ويبدأ الطفل بالانتقال إلى مرحلة أخرى هي أرقى من مرحلة الطلب الغريزي لما يقوّم حياته، فيبدأ بمرحلة فهم الرسائل التي تنقل إليه من خلال حواسه وتحديد نوعية كل رسالة وتصنيفها بأبواب وفصول وإدخالها في داخليته الخاصة لتصبح مركوزة فيها وتصل إلى حد الغرائزية الفطرية.
ومن ذلك ما يعرفه من طعوم تشده، وطعوم رديئة تنفر، وما يعرفه من برودة وسخونه، وحلاوة ومرارة وألم ولذة، وغلظة صوت وعذوبته.
وهذه كلها ومثلها معها تبدأ بالاكتناز داخل نفس الطفل لتصبح فطرية طبائعية، ويشترك فيها إلى حد بعيد مع سائر الحيوانات، فإننا نرى من الحيوانات الشئ العجيب من التمييز بين هذه الأمور ليدلنا على نوع من الإدراك عندها فطري غرائزي. فهي تميز بين الألم واللذة وبين الحلو والمر بعد تجربته وهكذا...
وبهذا يكون الإنسان قد تحققت لديه واكتملت إحدى القوى في نفسه وهي القوة التي تكون بها الشهوة وطلب الغذاء وتمييز الألم واللذة والشوق إلى الملاذ التي في المآكل والمشارب وضروب اللذات الحسية كما ذكره ابن مسكويه في كتابه تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق.
ومن هنا نستطيع القول بأن الإنسان في الأصل خال من الإرادة بله منزوعها منذ لحظة تخلّقه في رحم أمه وحتى لحظة امتلاكه للقوة الثانية ، وأعني القوة التي يميز ويدرك بها حقائق الأشياء.
فيصبح مميزاً بأن الجزء أقل من الكل، وباستحالة اجتماع الضدين ،وأن ذو النهاية محصور محدود، وأنه يستحيل وجود جسم في مكانين في وقت واحد وهكذا وإن لم يكن يعلم من أين جاءته مثل هذه الأمور، إلا أنها تصبح من ضمن المخزون الطبائعي الذي في داخله ولكن هنا تبدأ إرادته بالتشكل بسبب هذا المخزون الفكري التمييزي لحقائق بعض الأمور فيبدأ الطفل كما قال ابن حزم رحمه الله في كتابه الفصل:"بالبكاء إذا ما وقفته قسرا لعلمه بأنه لا يكون قائما قاعدا معا، وبالتذمر إذا ما أراد أن يذهب وأمسكته قسرا لعلمه بأنه لا يكون جسما واحد في مكانين وهكذا..."
اه.بتصرف.
وقال أيضا رحمه الله تعالى:" فهذه أوائل العقل التي لا يختلف فيها ذو عقل وهاهنا أيضا أشياء غير ما ذكرنا إذا فتشت وجدت وميزها كل عاقل من نفسه ومن غيره وليس يدري احد كيف وقع له العلم بهذه الأشياء كلها بوجه من الوجوه". اه.
فتبدأ الإرادات والاختيارات بالتشكل عند الإنسان بعد تشكل وحدوث هذه العلوم البسيطة المودعة فيه والتي نشأت فيه من الخبرة التي تحصّل عليها من مداومة النظر العادي في مثل هذه الأحكام. فأصبح يختار الابتعاد عن الألم لعلمه أن الألم أمر تستقذره نفسه بحكم ما حصل عليه من خبرات فيه ويختار اللذة والركون إلى الدعة والراحة لعلمه أنها أمور تستجلب من خلالها منفعة عاجلة أو آجلة. فسبب اختياره الابتعاد عن الألم والركون إلى الراحة هو ما ركز في نفسه من علوم كانت بمثابة السبب الذي نشأ عنه هذا الاختيار.
فعلة اختياره لأمر على أمر هو العلم الذي اكتسبه من خلال تجاربه المتلاحقة، إذن فالعلاقة هنا بين منشأ الإرادة والاختيار وبين ما سبقها من علم هي علاقة سببيه ولا ينكر عاقل ما يشاهده من اصطدام الإرادة بالعلم المركوز في النفوس فنشاهد مثلا من يتوجه للألم باختياره وإرادته على الرغم من انه يعلم إن الألم أمر مستقبح عنده. ونراه يهرب من اللذة على الرغم من أنه يعلم أنها تطلبه النفس. فهذا حكمه يجري على غير ما جرت به العادة، فحكم العادة في الشاهد أن البشر يختارون ما يجلب لهم المصلحة وما يدفع عنهم الضرر فان وقع مثل هذا كان جريانه على غير حكم العادة بل على حكم استثنائي خارج عن مسألة السببية التي قدمنا لها، ونحن نعلم أن من ارتكب فعلا يؤديه إلى ضررا أو عذاب فإنه يكون ظالما لنفسه وضارا لها من حيث يقدر انه ينفعها وذلك لسوء اختياره وعدم جريانه على العادة.
ولنرجع إلى الوراء قليلا فنقول إذا كان جريان الإرادة ونشوئها عند تحصيل علم من العلوم بعلاقة سبب بمسبب فهذا ما عرفناه بالمشاهد، وإذا عرفنا إن السبب لهذه الإرادة هو بخلق من الله تعالى، حيث قال تعالى:"يخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا" نخلص إلى القول أن الإرادة الناتجة هي بخلق من الله تعالى أيضا ولكن عند التقائها بسببها.
فالعلم السابق للإرادة هو بخلق من الله والإرادة اللاحقة هي بخلق من الله عند تحقق الشرط وانتفاء المانع. وذلك يشبه بإحراق النار، ففعل الإحراق هو بخلق من الله عز وجل عند تحقق شرطه وانتفاء مانع من تحقيقه، فالنار هي السبب لفعل الإحراق، وهي بمثابة العلم في نفس الإنسان، والإحراق هو نتيجة النار وهو بمثابة الإرادة في الإنسان. (وطبعا هذه الإرادة بعد إن تنشأ تصبح بمثابة النار والفعل الذي يصدر عند تحققها يصبح بمثابة الإحراق).
والكل والمجموع مرده إلى بارئه وخالقه ومبدعه سبحانه.
فالنتيجة، أن كسبنا لما ظهر منا وما بطن وكل طبعنا وجميع أعمالنا وأفعالنا وحركاتنا وسكناتنا وإراداتنا واختياراتنا وكل ما علمنا منا وما جهلنا هو بخلق الله تعالى خلقه فينا (إنا كل شيء خلقناه بقدر).
فالذي انشأ الإرادة على ما هي عليه عند تحقق العلم السابق لها هو الله تعالى، وليس للإنسان من حيث هو أي تأثير في إيجادها ولا لسبب تلك الإرادة أي تأثير في إيجادها وإنما هي علاقة سبب بمسبب عند تحققه يخلق الله تعالى ما ينتج عنه.
وهذا ما يسمى بالداعية أو (الداعي). ومسألة الإيمان والكفر لا تخرج عن نطاق هذا البحث أيضا. فالعلم السابق لكلا الإرادتين ضروري لتحقيقهما. فلا يسمى الإنسان كافرا فيحكم عليه إلى النار جزاءا بما اقترفت يداه إن لم يتحقق لديه العلم الضروري لإنشاء إرادة الإيمان داخله. وهذه المسألة يقررها القران أحسن تقرير إذ يقول تعالى:"وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" فإن لم يصل الهدي الإلهي لذاك الإنسان عن طريق الرسول، فانه يدخل فيمن أطلق عليهم العلماء بأهل الفترة، والأحكام التي تجري عليهم معروفة في كتب الأصول.
فإن تحقق لدى الإنسان العلم بضرورة التوجه القلبيّ إلى الله تعالى إيمانا به وتعلقا أصبح بالإمكان نشوء إرادة الإيمان.
فالداعي كما ذكر الإمام الفخر الرازي رحمه الله تعالى في كتابه المحصول:"هو موجب للفعل، لان القادر لما صح منه فعل الشئ وفعل ضده، لم تترجح فاعليته للشيء على فاعليته لضده إلا إذا علم إن له فيه مصلحة، فذلك العلم هو الذي لأجله صار القادر فاعلا لهذا الضد بدلا عن كونه فاعلا لذلك الضد، لكن العلم موجب لتلك الفاعلية ومؤثر فيها فمن قال أكلت للشبع، كان معناه ذلك" وقال أيضا رحمه الله تعالى:"فعل الشئ مشروط بالعلم به، إذ لو لم يكن كذلك لما أمكننا الاستدلال بالأحكام على كون الله تعالى عالما. وإذا ثبت هذا، فلو حصل الأمر بالفعل حال عدم العلم به لكان ذلك تكليف مالا يطاق"
وعند تحقق هذا العلم عن طريق الرسول الذي ابتعثه الله للإنسان، تبدأ إرادة الطاعة وإرادة المعصية- وقد عرفت بأنها طاعة ومعصية عن طريق العلم الشرعي الذي جاء به الرسول، إذ أنها كانت قبله ليس بطاعة ولا معصية بل إن المعصية تطلب لغاية يحقق من خلالها الإنسان لذة داخلية تدفعه إليها نفسه- بالنزاع في الداخل، إذ قد تحقق لكل منهما شرطها وعلتها في الإنسان وتساويا في هذه اللحظة عنده. وهذا تحقيقا لقوله تعالى:"ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها".
فالفجور والتقوى قد استويا في الإنسان عند تحقق شرطهما. فإذا عرف الإنسان ذلك حق المعرفة، فعليه ساعتئذ أن ينمي علمه الضروري الذي يدفعه إلى الإيمان ويبعده عن الكفر. ويرجح توجهه إلى الإيمان على توجهه إلى الكفر.
فإن قال قائل: فإن توجه الإنسان إلى الاستزادة من العلوم لتقوية الداعية الإيمانية عنده والتي يبنى عليها نشوء الإرادة الإيمانية تحتاج إلى داعية أخرى، فما هي تلك الداعية؟
قلنا: الداعية موجودة عنده أصلا بما حصل عنده من علم بضرورة ترجيح جانب التقوى على جاني الفجور أو بالعكس.
فإنه يعلم أنه إن لم يقوّي العلوم التي بها تنشأ إرادة الإيمان فإنه سيقوّي ويعزّز العلوم الأخرى، ولا تصرف ثالث.
إذن الداعية الناشئة داخله هي التي تدفعه إلى إرادة التوجه إلى الاستزادة من العوام التي بها تنشأ إرادة التوجه إلى الإيمان دون الكفر. فعند هذه الداعية تشأ الإرادة الأولى بعلاقة سببيه وبخلق من الله تعالى ثم تتوجه إلى ناحية ترجيح ما يرجح التقوى على الفجور في داخل الإنسان بعلاقة سببية أيضا وبخلق من الله تعالى أيضا.
وعند تحقق زيادة العلم الذي هو سبب للتوجه إلى التقوى تنشأ الإرادة إلى هذا التوجه وهذا معلوم بالضرورة. فالذي نشأ في مجتمع مسلم مؤمن فإن احتمال نكوصه على عقبيه وترجيح الفجور على التقوى هو احتمال ضعيف، لان العلم المتكون داخله بضرورة التوجه إلى الله تعالى أرجح واكبر من العلم بضرورة النكوص والفجور والكفر. هذا في الشاهد وفي العلاقة السببية بين العلم والإرادة.
هنا تبقى مسألة:
هل الإنسان مكره على إراداته وأفعاله ؟
المشهور كما قال الإمام الفخر في كتابه المحصول " أن الإكراه إما أن ينتهي إلى حدّ الإلجاء أو لا ينتهي إليه:
فإن انتهى إلى حد الإلجاء امتنع التكليف, لأن المكره عليه يعتبر واجب الوقوع, والتكليف بالواجب والممتنع غير جائز." اه
وبما أن التكليف قد وقع من الله تعالى على عباده عرفنا أن خلق الله تعالى لإرادة العبد لم يصل بالعبد إلى حد الإلجاء, وهذا يكفينا لاستكمال إيماننا.
فالمكره الملجأ هو الذي حمل على أمر لا يرضاه ولم تتعلق به قدرته ولا إرادته كما عند السادة الشافعية وهذا لا يجده في نفسه الفاعل القادر المختار , بل الصورة عنده واضحة جلية بأنه قد فعل فعله بكامل اختياره وقدرته وهذا حال كونه عالما بأن قدرة الله تعالى قد تعلقت بفعله وإرادته أو حال كونه غير عالم .
ونختم بقوله تعالى:" وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون."
أحببت أن أضع ردّي على حوار دار بين الأخوة على رابط آخر يتعلق بأفعال العباد وإراداتهم في رابط مستقل, وذلك حتى يأتيني التصحيح والتصويب , أو الثناء والدعاء من علمائنا الأفاضل - فلربما مروا على ذلك الرابط دون أن يلحظوه .
قال الله تعالى:
"تعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون"
الفعل من حيث وجوده أو عدمه يحتاج إلى مرجح, والإرادة من حيث وجودها أو عدمها تحتاج إلى مرجح.
فالذي يرجح وجود الفعل على عدم وجوده على حكم العادة هو إرادة الإنسان فهو الذي أراد على سبيل المثال أن يحرّك القلم ليكتب , وهو الذي لو أراد ترك فعل التحريك يسكن القلم وينعدم فعله وهو الذي لو أراد القيام قام ولو أراد القعود لقعد ....
وهكذا بما يجد الإنسان من نفسه ضرورة أنه يفعل , دون أن يستطيع أحد أن ينكر هذه الضرورة , أو ينازع فيها .
فالإنسان بإرادته ينفي عن فعله أحد النقيضين, العدم أو الوجود بترجيح أحدهما.
ولكن هذه الإرادة من حيث الوجود تحتاج إلى من يرجح وجودها على عدمها , فما الذي رجح وجودها في قلب الإنسان ؟
أهي إرادة أخرى في داخله ؟ لو قلنا بها لقلنا بالتسلسل المحال, لأن الإرادة الداخلية التي رجحت الإرادة والتي رجحت وجود الفعل تحتاج هي الأخرى إلى إرادة ترجح وجودها وهكذا إلى ما لا بداية, وهو محال.
إذن , هذه الإرادة التي اكتسب الإنسان بها فعله هي مفتقرة إلى موجد ومنشئ وصانع, وهو الله تعالى مبدئ الأمر ومعيده . فهل يستلزم من قولنا هذا القول بالجبر؟
لننظر إلى الأمر من ناحية أخرى :
نقول أن الله تعالى خلق في الإنسان إرادته , والتي بها اكتسب الإنسان فعله بخلق من الله تعالى له . فحدوث الفعل الذي يكتسبه الإنسان يتم عند نقطة حاسمة لثوران الإرادة الداخلية والتي هي أصالة قد خلقها الله تعالى في داخل الإنسان , فالصورة التي أمامنا هي صورة علائقيّة بين سبب ومسبب والذين بمجموعهما وجدا بخلق
من الله تعالى الذي أوجد الكون وأوجد كل ما يقع بين دفتيه.
ولعلمنا أن كل شيء في هذا الكون قائم على السببية دون أن نعتقد بتأثير الأسباب في نتائجها إلا بإذن من الله سبحانه والتي انتظم من خلالها ما نشاهده في الكون إيجادا وإعداما بل إن هذه الأسباب وجدت بإيجاد من الله تعالى وخلقه ابتدءا .
ولعلمنا أن إرادة الإنسان المتكونة داخله هي جزء من هذا الكون ذو العلائق السببية, فإنها ولابد سيجري عليها ما جرى على ما بين دفتي هذا الكون من موجودات.
أي إن وجودها من حيث هي وعلى ما هي عليه فغنها ترجع إلى سبب سبقها وعلّة لها , فكانت هي بمثابة المسبَّب لذاك السبب والمعلول لتلك العلة ,وكانت واجبة عند تعلقها بذلك السبب .
فإذن , فإن بحثنا ههنا يتوقف عند دراسة ما يسبق نشوء تلك الإرادة والتوجه والقصد داخل الإنسان , مع الالتزام بالقاعدة الأصلية وهي الاعتراف بالخالقية المطلقة لله تعالى .
فنقول :
إن الإنسان هو ذلك المخلوق والذي اشترك من حيث الوجود مع سائر الموجودات , ومن حيث الإمكان مع باقي الممكنات , ومن حيث القوى والطبائع مع سائر الموجودات .
فاشترك بميله إلى المآكل والمشارب والمناكح مع الحيوانات الأخرى من سباع ووحوش وطيور وحشرات . ولم يتميز عنها من هذه الناحية بله يتفوق , وربما نجدها قد تميزت هي عنه وتفوقت بما نجده من حرصها على مثل هذه الأمور , وبما نجده من قوة احتمال لديها لها , وصراع يقوم بينها من أجل الاستكثار منها , ومع ذلك لم تتميز هي عن الإنسان من ناحية الأفضلية .
فالاشتراك بالحس مع سائر الموجودات الطبائعية هو أصل وجود الإنسان وابتداؤه .
و الذي لم يبذل أدنى جهد في اكتسابه بل كان مفطورا عليه عند نشأته وتكونه.
ولذلك نجد من الطفل طلبا غرائزيا لثدي أمه وتمييزا له بطبعه من سائر أعضائها وبفمه دون سائر أعضائه وذلك طلبا للغذاء الذي يبقي على حياته وعلى جسمه ونمائه, دون أن يكون للإرادة في تلك اللحظات أدنى وجود وهذا مما لا ينكره عاقل.
فلو لم يكن للطفل دافع مركوز في داخله لطلب الغذاء والشراب مع غياب الإرادة والتمييز في سنه تلك لما وجدناه حيا إلا لفترة قصيرة بعد أن يستفد ما اكتسبه من رحم أمه من مواد غذائية أعطيت له قسرا دون غريزة أو فطرة أو ماشابه، بل تلقاه من رحم أمه لأنه كان كعضو داخل جسدها يغتذي من دمها كما تغتذي سائر أعضاء جسدها.
ويبدأ الطفل بالانتقال إلى مرحلة أخرى هي أرقى من مرحلة الطلب الغريزي لما يقوّم حياته، فيبدأ بمرحلة فهم الرسائل التي تنقل إليه من خلال حواسه وتحديد نوعية كل رسالة وتصنيفها بأبواب وفصول وإدخالها في داخليته الخاصة لتصبح مركوزة فيها وتصل إلى حد الغرائزية الفطرية.
ومن ذلك ما يعرفه من طعوم تشده، وطعوم رديئة تنفر، وما يعرفه من برودة وسخونه، وحلاوة ومرارة وألم ولذة، وغلظة صوت وعذوبته.
وهذه كلها ومثلها معها تبدأ بالاكتناز داخل نفس الطفل لتصبح فطرية طبائعية، ويشترك فيها إلى حد بعيد مع سائر الحيوانات، فإننا نرى من الحيوانات الشئ العجيب من التمييز بين هذه الأمور ليدلنا على نوع من الإدراك عندها فطري غرائزي. فهي تميز بين الألم واللذة وبين الحلو والمر بعد تجربته وهكذا...
وبهذا يكون الإنسان قد تحققت لديه واكتملت إحدى القوى في نفسه وهي القوة التي تكون بها الشهوة وطلب الغذاء وتمييز الألم واللذة والشوق إلى الملاذ التي في المآكل والمشارب وضروب اللذات الحسية كما ذكره ابن مسكويه في كتابه تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق.
ومن هنا نستطيع القول بأن الإنسان في الأصل خال من الإرادة بله منزوعها منذ لحظة تخلّقه في رحم أمه وحتى لحظة امتلاكه للقوة الثانية ، وأعني القوة التي يميز ويدرك بها حقائق الأشياء.
فيصبح مميزاً بأن الجزء أقل من الكل، وباستحالة اجتماع الضدين ،وأن ذو النهاية محصور محدود، وأنه يستحيل وجود جسم في مكانين في وقت واحد وهكذا وإن لم يكن يعلم من أين جاءته مثل هذه الأمور، إلا أنها تصبح من ضمن المخزون الطبائعي الذي في داخله ولكن هنا تبدأ إرادته بالتشكل بسبب هذا المخزون الفكري التمييزي لحقائق بعض الأمور فيبدأ الطفل كما قال ابن حزم رحمه الله في كتابه الفصل:"بالبكاء إذا ما وقفته قسرا لعلمه بأنه لا يكون قائما قاعدا معا، وبالتذمر إذا ما أراد أن يذهب وأمسكته قسرا لعلمه بأنه لا يكون جسما واحد في مكانين وهكذا..."
اه.بتصرف.
وقال أيضا رحمه الله تعالى:" فهذه أوائل العقل التي لا يختلف فيها ذو عقل وهاهنا أيضا أشياء غير ما ذكرنا إذا فتشت وجدت وميزها كل عاقل من نفسه ومن غيره وليس يدري احد كيف وقع له العلم بهذه الأشياء كلها بوجه من الوجوه". اه.
فتبدأ الإرادات والاختيارات بالتشكل عند الإنسان بعد تشكل وحدوث هذه العلوم البسيطة المودعة فيه والتي نشأت فيه من الخبرة التي تحصّل عليها من مداومة النظر العادي في مثل هذه الأحكام. فأصبح يختار الابتعاد عن الألم لعلمه أن الألم أمر تستقذره نفسه بحكم ما حصل عليه من خبرات فيه ويختار اللذة والركون إلى الدعة والراحة لعلمه أنها أمور تستجلب من خلالها منفعة عاجلة أو آجلة. فسبب اختياره الابتعاد عن الألم والركون إلى الراحة هو ما ركز في نفسه من علوم كانت بمثابة السبب الذي نشأ عنه هذا الاختيار.
فعلة اختياره لأمر على أمر هو العلم الذي اكتسبه من خلال تجاربه المتلاحقة، إذن فالعلاقة هنا بين منشأ الإرادة والاختيار وبين ما سبقها من علم هي علاقة سببيه ولا ينكر عاقل ما يشاهده من اصطدام الإرادة بالعلم المركوز في النفوس فنشاهد مثلا من يتوجه للألم باختياره وإرادته على الرغم من انه يعلم إن الألم أمر مستقبح عنده. ونراه يهرب من اللذة على الرغم من أنه يعلم أنها تطلبه النفس. فهذا حكمه يجري على غير ما جرت به العادة، فحكم العادة في الشاهد أن البشر يختارون ما يجلب لهم المصلحة وما يدفع عنهم الضرر فان وقع مثل هذا كان جريانه على غير حكم العادة بل على حكم استثنائي خارج عن مسألة السببية التي قدمنا لها، ونحن نعلم أن من ارتكب فعلا يؤديه إلى ضررا أو عذاب فإنه يكون ظالما لنفسه وضارا لها من حيث يقدر انه ينفعها وذلك لسوء اختياره وعدم جريانه على العادة.
ولنرجع إلى الوراء قليلا فنقول إذا كان جريان الإرادة ونشوئها عند تحصيل علم من العلوم بعلاقة سبب بمسبب فهذا ما عرفناه بالمشاهد، وإذا عرفنا إن السبب لهذه الإرادة هو بخلق من الله تعالى، حيث قال تعالى:"يخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا" نخلص إلى القول أن الإرادة الناتجة هي بخلق من الله تعالى أيضا ولكن عند التقائها بسببها.
فالعلم السابق للإرادة هو بخلق من الله والإرادة اللاحقة هي بخلق من الله عند تحقق الشرط وانتفاء المانع. وذلك يشبه بإحراق النار، ففعل الإحراق هو بخلق من الله عز وجل عند تحقق شرطه وانتفاء مانع من تحقيقه، فالنار هي السبب لفعل الإحراق، وهي بمثابة العلم في نفس الإنسان، والإحراق هو نتيجة النار وهو بمثابة الإرادة في الإنسان. (وطبعا هذه الإرادة بعد إن تنشأ تصبح بمثابة النار والفعل الذي يصدر عند تحققها يصبح بمثابة الإحراق).
والكل والمجموع مرده إلى بارئه وخالقه ومبدعه سبحانه.
فالنتيجة، أن كسبنا لما ظهر منا وما بطن وكل طبعنا وجميع أعمالنا وأفعالنا وحركاتنا وسكناتنا وإراداتنا واختياراتنا وكل ما علمنا منا وما جهلنا هو بخلق الله تعالى خلقه فينا (إنا كل شيء خلقناه بقدر).
فالذي انشأ الإرادة على ما هي عليه عند تحقق العلم السابق لها هو الله تعالى، وليس للإنسان من حيث هو أي تأثير في إيجادها ولا لسبب تلك الإرادة أي تأثير في إيجادها وإنما هي علاقة سبب بمسبب عند تحققه يخلق الله تعالى ما ينتج عنه.
وهذا ما يسمى بالداعية أو (الداعي). ومسألة الإيمان والكفر لا تخرج عن نطاق هذا البحث أيضا. فالعلم السابق لكلا الإرادتين ضروري لتحقيقهما. فلا يسمى الإنسان كافرا فيحكم عليه إلى النار جزاءا بما اقترفت يداه إن لم يتحقق لديه العلم الضروري لإنشاء إرادة الإيمان داخله. وهذه المسألة يقررها القران أحسن تقرير إذ يقول تعالى:"وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" فإن لم يصل الهدي الإلهي لذاك الإنسان عن طريق الرسول، فانه يدخل فيمن أطلق عليهم العلماء بأهل الفترة، والأحكام التي تجري عليهم معروفة في كتب الأصول.
فإن تحقق لدى الإنسان العلم بضرورة التوجه القلبيّ إلى الله تعالى إيمانا به وتعلقا أصبح بالإمكان نشوء إرادة الإيمان.
فالداعي كما ذكر الإمام الفخر الرازي رحمه الله تعالى في كتابه المحصول:"هو موجب للفعل، لان القادر لما صح منه فعل الشئ وفعل ضده، لم تترجح فاعليته للشيء على فاعليته لضده إلا إذا علم إن له فيه مصلحة، فذلك العلم هو الذي لأجله صار القادر فاعلا لهذا الضد بدلا عن كونه فاعلا لذلك الضد، لكن العلم موجب لتلك الفاعلية ومؤثر فيها فمن قال أكلت للشبع، كان معناه ذلك" وقال أيضا رحمه الله تعالى:"فعل الشئ مشروط بالعلم به، إذ لو لم يكن كذلك لما أمكننا الاستدلال بالأحكام على كون الله تعالى عالما. وإذا ثبت هذا، فلو حصل الأمر بالفعل حال عدم العلم به لكان ذلك تكليف مالا يطاق"
وعند تحقق هذا العلم عن طريق الرسول الذي ابتعثه الله للإنسان، تبدأ إرادة الطاعة وإرادة المعصية- وقد عرفت بأنها طاعة ومعصية عن طريق العلم الشرعي الذي جاء به الرسول، إذ أنها كانت قبله ليس بطاعة ولا معصية بل إن المعصية تطلب لغاية يحقق من خلالها الإنسان لذة داخلية تدفعه إليها نفسه- بالنزاع في الداخل، إذ قد تحقق لكل منهما شرطها وعلتها في الإنسان وتساويا في هذه اللحظة عنده. وهذا تحقيقا لقوله تعالى:"ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها".
فالفجور والتقوى قد استويا في الإنسان عند تحقق شرطهما. فإذا عرف الإنسان ذلك حق المعرفة، فعليه ساعتئذ أن ينمي علمه الضروري الذي يدفعه إلى الإيمان ويبعده عن الكفر. ويرجح توجهه إلى الإيمان على توجهه إلى الكفر.
فإن قال قائل: فإن توجه الإنسان إلى الاستزادة من العلوم لتقوية الداعية الإيمانية عنده والتي يبنى عليها نشوء الإرادة الإيمانية تحتاج إلى داعية أخرى، فما هي تلك الداعية؟
قلنا: الداعية موجودة عنده أصلا بما حصل عنده من علم بضرورة ترجيح جانب التقوى على جاني الفجور أو بالعكس.
فإنه يعلم أنه إن لم يقوّي العلوم التي بها تنشأ إرادة الإيمان فإنه سيقوّي ويعزّز العلوم الأخرى، ولا تصرف ثالث.
إذن الداعية الناشئة داخله هي التي تدفعه إلى إرادة التوجه إلى الاستزادة من العوام التي بها تنشأ إرادة التوجه إلى الإيمان دون الكفر. فعند هذه الداعية تشأ الإرادة الأولى بعلاقة سببيه وبخلق من الله تعالى ثم تتوجه إلى ناحية ترجيح ما يرجح التقوى على الفجور في داخل الإنسان بعلاقة سببية أيضا وبخلق من الله تعالى أيضا.
وعند تحقق زيادة العلم الذي هو سبب للتوجه إلى التقوى تنشأ الإرادة إلى هذا التوجه وهذا معلوم بالضرورة. فالذي نشأ في مجتمع مسلم مؤمن فإن احتمال نكوصه على عقبيه وترجيح الفجور على التقوى هو احتمال ضعيف، لان العلم المتكون داخله بضرورة التوجه إلى الله تعالى أرجح واكبر من العلم بضرورة النكوص والفجور والكفر. هذا في الشاهد وفي العلاقة السببية بين العلم والإرادة.
هنا تبقى مسألة:
هل الإنسان مكره على إراداته وأفعاله ؟
المشهور كما قال الإمام الفخر في كتابه المحصول " أن الإكراه إما أن ينتهي إلى حدّ الإلجاء أو لا ينتهي إليه:
فإن انتهى إلى حد الإلجاء امتنع التكليف, لأن المكره عليه يعتبر واجب الوقوع, والتكليف بالواجب والممتنع غير جائز." اه
وبما أن التكليف قد وقع من الله تعالى على عباده عرفنا أن خلق الله تعالى لإرادة العبد لم يصل بالعبد إلى حد الإلجاء, وهذا يكفينا لاستكمال إيماننا.
فالمكره الملجأ هو الذي حمل على أمر لا يرضاه ولم تتعلق به قدرته ولا إرادته كما عند السادة الشافعية وهذا لا يجده في نفسه الفاعل القادر المختار , بل الصورة عنده واضحة جلية بأنه قد فعل فعله بكامل اختياره وقدرته وهذا حال كونه عالما بأن قدرة الله تعالى قد تعلقت بفعله وإرادته أو حال كونه غير عالم .
ونختم بقوله تعالى:" وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون."
تعليق