منظومة للشيخ المختار ولد بون ضمنها أسئلة في علم الكلام، و ألغز بأجوبتها...

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حماد محمد الشنقيطي
    طالب علم
    • Feb 2010
    • 252

    #1

    منظومة للشيخ المختار ولد بون ضمنها أسئلة في علم الكلام، و ألغز بأجوبتها...

    هذه منظومة مفيدة للشيخ الجليل المختار ول بونا ضمنها أسئلة حول مسئلة كلام الله تعالى، و ألغز بالأجوبة تضمينا في النظم؛ و قد قام بشرحها الشيخ محمد فال الديماني شرحا مفيداً؛ و قد رأيت وضع النظم أولاً، ثم أتبعه بالنظم مشروحاً....


    المتن المنظوم:
    1 أُحاجيكَ هذا النورُ، قل ما وجودهُ بقلب النبي، يتلو و يقرأ بالفم
    2 أَيُنمى، لما يُنْمى له، و هو قائمٌ بذات العليّ، العالم، المتكلم
    3 أتجعلُه إذ ذاكَ وصفاً محلُّهُ ذواتُ الورى، أم ذُو الجلال المعظمِ
    4 أيُجعلُ مقسوماً إلى الخبر الذي تَضَمَّنَ، و الإنشاءِ، أم لم يُقَسَّمِ
    5 كسائر أوصافِ العزيزِ، الذي علا علُواًّ كبيراً، جلَّ عن كل موهِمِ
    6 و هل بالوُجودِ الخارجِيِّ اتِّصافهُ، بإعجازِهِ المذكورِ فيه المسَلَّمِ
    7 أم اعْجازُه باعتبارِ وجودِهِ سِوى الخارجِي، فارسبْ لذا، و تفهّم
    8 و لِمْ لا كلامُ الناسِ يُدعَى كلامُه؛ أليسَ هو المُنشِيهِ في المتكلمِ
    9 كما كان هو المنشئ الجُملِ التي بمثلِ سَناها الناسُ لم تتكلَّمِ
    10 و ما خَارجاً، حازَ الوجودَ ثلاثةٌ، وجوداتُه؛ ذو الرسمِ، و الذهنِ، و الفمِ
    11 و ما لم يَحزه فيه، لم يجب انتفا وجوداتِه الأخرى، الثلاثِ، و يلزمِ
    12 و لو لم يكن مثلُ الشريك بجائز، لها، ما عليه بالإحالة يُحكمِ
    13 و صحَّحَ للمعْنَى التَّعَلُّقُ، ما مَتَى إلى الذّاتِ، يُنظَرْ فيهِ بالمنعِ يُحكمِ
    14 و لا غَرْوَ، و أنْ يدرى لمعنىً تعلُّق بمَسموعِ سمعٍ، مبتدا، أو متممِ
    15 على أنَّ ذا المعنى قديمٌ وجودُهُ، طَرَا، و تناهَى في لسانِكَ، فافْهَم
    16 فلمْ تَتْلُ، إِذ ما تتْلُ إلا كلامَهُ، و لم تتَعَقَّلْ في غيرهِ في التفَهُّمِ
    17 و لم يُر في هذي المصَاحفُ غيرُهُ، و لا غيرُه في اللوحِ، أيَّانَ يُرسَمِ
    18 و لا كسبَ في تأليفهِ متعلقٌ، لذا كان إعجازُ الكلامِ مكلمِ
    19 و معجزةُ الهادي، التي قد أتى بها تُحَدُّ بفعلِ المجتَبِيه المُفَهِّمِ
    20 لنا صِدْقَهُ، و الجنس للنفْسِ مُنْتَمٍ؛ و كان اختلافٌ فيه لم يتوهم
    21 و للشيءِ وصفٌ، باعتبارِ وجُودِهِ، لهُ، باعتبارِ الخاطِرِيّ، أو الفـمِ
    22 مُنافِيهِ، و التحقِيقُ مَن دوَّنه يَفُزْ بعلمٍ خليقٍ بالعنايةِ، مُحْكِمِ
    23 أفدتُّكُمُ حُكْم المسَالةِ منكُمُ، و لازِمَها، ديْمان كل مُحَكَّمِ
    24 و هل للإِلهِ، "اللهُ" معنىً مرادفٌ، أمِ الله للمُنشِي العبادِ، المعظّمِ
    25 و إلا يُعينْه، فكُلٍّ وجودُه، حصرْناه في فردٍ، بحُكْمٍ مُسَلَّمِ
    26 فدلَّ على توحيدِه، كِلمةُ التُّقى، و للكثْرة، الجُزْئِيُّ ليس بمُنْتَمِ
    27 و ما وجهُ -يا مولودُ- فَصْلِ "محمدٍ"، أمامَ رسول اللهِ، في قول مُسلمِ
    28 فإن تتأملْ، إن تكنْ متأملاً بذهنٍ صحيحٍ، ثاقب الفهمِ، تفهمِ
    29 علمتَ إذاً، كونَ النصارى قد أفرطوا فيوهِمَ وصلٌ، ما ادّعوا في ابن مريمِ
    30 و ما وجهُه، في "الحمدُ لله"، إن نقل بصدقِ اتفاقِ الجملتين، و نحكم
    31 و لم تجعلِ الأولى، إذا غير آية، كما قاله قومٌ، من أهل التعلمِ
    32 قد استؤنفتْ هذي الأخيرةُ، و اقتضتْ جواباً، بمضمون الكلام المقدم
    33 عنيدي، إن حاجيته، و أجبته؛ و لم يدر لي ماذا يقول و يفهمِ
    34 فماذا عسى يوما يناظرُني به، و يجعل أهلا أن يكون مكلمِ


    لله الأمر من قبل و من بعد
  • حماد محمد الشنقيطي
    طالب علم
    • Feb 2010
    • 252

    #2
    السؤال الأول، و الجواب عليه مشروحا:

    بسم الله الرحمن الرحيم
    [و صلى الله على نبيه الكريم، سيدنا محمد، و على آله، و صحبه، و سلم].
    قال محمد بن محمذ رحمه الله تعالى: أحمد الله تعالى على جزيل نواله، و أصلي، و أسلم على محمد، و بعد؛
    فإن قصيدة الشيخ المختار بن بون، التي حاجى بها الشيخ مولود بن أحمد الجواد، لما كانت بكرة لا تستطاع، و عقيلة لا تتعلق بنيلها الأطماع، استعنت الله تعالى على فتح ما فيها من الإشكال؛ فرُضتها.
    فذلت صعبة أي إذلال
    و من الله أسأل التوفيق و الهداية إلى سواء الطريق، و أول قصيدة الشيخ:
    1 أُحاجيكَ هذا النورُ، قل ما وجودهُ بقلب النبي، يتلو و يقرأ بالفم
    2 أَيُنمى، لما يُنْمى له، و هو قائمٌ بذات العليّ، العالم، المتكلم
    3 أتجعلُه إذ ذاكَ وصفاً محلُّهُ ذواتُ الورى، أم ذُو الجلال المعظمِ
    4 أيُجعلُ مقسوماً إلى الخبر الذي تَضَمَّنَ، و الإنشاءِ، أم لم يُقَسَّمِ
    5 كسائر أوصافِ العزيزِ، الذي علا علُواًّ كبيراً، جلَّ عن كل موهِمِ
    6 و هل بالوُجودِ الخارجِيِّ اتِّصافهُ، بإعجازِهِ المذكورِ فيه المسَلَّمِ
    7 أم اعْجازُه باعتبارِ وجودِهِ سِوى الخارجِي، فارسبْ لذا، و تفهّم
    8 و لِمْ لا كلامُ الناسِ يُدعَى كلامُه؛ أليسَ هو المُنشِيهِ في المتكلمِ
    9 كما كان هو المنشئ الجُملِ التي بمثلِ سَناها الناسُ لم تتكلَّمِ
    حاصل معنى الأبيات، أنه سأل: عن وجود النور الذي هو القرآن العظيم، بقلب القارئ له، و لسانه؛ من أي الوجودات هو؟
    و ذلك أن لكل موجودٍ، أربعُ وجوداتٍ:
    وجودٌ في العيان، و هو الوجود الحقيقيُّ، كذات زيد مثلا، و يقال له أيضا الوجود الخارجي.
    فإذا خطر زيدٌ ببالك، صارَ له وجودٌ أخر في ذهنك، و هو الوجودُ في الأذهان.
    و إذا ذكرت اسم زيدٍ، صار له وجودٌ ثالثٌ في كلامك، و هو الوجود في اللسان.
    فإذا كتبت اسمه، صار له وجودٌ رابعٌ في كتابك، و يقال له الوجودُ في البنان.
    ثم إن الشيخ سأل ببيته الأول عن: وجود القرآن بقلب قارئه، و وجودهُ بكتاب تاليه؛ من أي الوجوداتِ هو؟
    و سأل ثانياً، فقال: "أيُنمى، لما يُنمى له..."، الخ.
    أي ينتسب لما ينسب له من قيامه بقلب القارئ، و لسانه، و هو مع ذلك قائمٌ الله جل جلاله؟
    و ذلك لا يصحُّ عقلاً؛ لأن فيه قيام صفة واحدةٍ بمحلينِ، أحدهما قديمٌ، و الآخر حاديثٌ.
    ثم قال: "أتجعله إذ ذاك وصفاً..."، الخ.
    أي أتتخلص من هذا المستحيل السابق، و هو قيام صفة واحدة بمحلين، بأن تجعله بأحد المحلين، و تجعل الآخر عاريا منه.
    و ذلك أيضاً لا يصحُّ، لأن قيامه بقلْب قارئه، و لسانه، مشاهدٌ حِساًّ؛ و قيامهُ، أي القرآن، الذي هو كلام الله، بذاته تعالى، واجبٌ عقلاً، و نقلاً.
    ثم سأل أيضاً: هل ينقسم هذا النور إلى: خبرٍ، و إنشاء؟ أو لا ينقسم إليها؟
    لأنه -أي القرآن، الذي هو كلام الله- صفةٌ وجوديةٌ، تجبُ له الوحْدة.
    ثم سأل: هل له من مبدءٍ، و مختم؛ ككلام الحادثين؟ أو لا مبدأ له، و لا مختم لقدمه؟
    ثم سأل أيضاً: عن إعجاز القرآن، المسلم عند كل أحد؛ هل حصلَ بوجود القرآن الخارجي الحقيقي؟ أو حصلَ بوجوداته الثلاثةِ الأخرِ، و هي الوجود في الأذهان، و الوجود في اللسان، و الوجود في البنان؟
    و إلى هذا السؤال أشار بقوله: "و هل بالوجودِ الخارجي اتصافه"، البيتين.
    ثم سأل: لمَ سُمي القرآن "كلام الله"؟ و لِم لَم يُسمّ كلامُ الناس بينهم كلامَ الله، مع أن الله تعالى هو المنشئُ لحروف الجميع، و أصواتها؟
    و قد سبقه القرافيُّ في فروقه إلى هذا السؤال، و الجواب عنه؛ كما سيأتي إن شاء الله.
    و إلى هذا السؤال أشار، بقوله: "و لمْ كلام الناس...."، البيتين.

    تعليق

    • حماد محمد الشنقيطي
      طالب علم
      • Feb 2010
      • 252

      #3
      ..... تابع:


      10 و ما خَارجاً، حازَ الوجودَ ثلاثةٌ، وجوداتُه؛ ذو الرسمِ، و الذهنِ، و الفمِ
      11 و ما لم يَحزه فيه، لم يجب انتفا وجوداتِه الأخرى، الثلاثِ، و يلزمِ
      12 و لو لم يكن مثلُ الشريك بجائز، لها، ما عليه بالإحالة يُحكمِ
      و معنى الأبيات: أن ما لهُ وجودٌ خارجيٌّ، لا بُدَّ له مع ذلك من ثلاثةِ وُجوداتٍ: جنَانِيٍّ، و لسانيٍّ، و بنانيٍّ؛ و لا يلزمُ من عدم الوجودُ الخارجيّ، عدمُ تلك الوجُوداتِ الثلاثة.
      ثم استدلّ على ذلك، بأن شريكَ الإلهِ، لا وجودَ له خارِجاً، لاستحالتهِ عقلاً، و نقلاً؛ و الحكمُ عليه بالاستحالةِ، فرعٌ عن تصوُّره، الذي هو وجودُهُ في الذهنِ.
      و قد نصُّوا على أن صُورة المستحيلِ الوَهْمِيَّةِ من أثَر القُدرة.
      و من قواعدِهم المُسَلَّمةِ: أن كُلّ ما لهُ انجِلاءٌ في الخارجِ، له انجلاءٌ في الذهنِ؛ و لا عكسَ.
      و هذه الأبيات الثلاثةُ، أشار بها إلى جواب الأسئِلةِ الأولى، على وجْه التعميةِ.
      فكأنه قال: "كلام الله، الذي هو اللفظُ المعجِزُ، في قلبِ القارئِ، و لسانِه، و رسمهِ، وجودٌ غير الوجودِ الحقيقيّ، الخارجيّ، الذي هو الصّفةُ القديمةُ، المنزّهةُ عن الحروفِ، و الأصواتِ، القائمةُ بالذاتِ العليةِ.
      فوجودُ كلام الله بالمعنى الأول، لسانيٌّ، و جنانيٌّ، و بنانيٌّ؛ و هو قائمٌ بذات القارئ، المحدث.
      و وجودُه بالمعنى الثاني، حقيقيٌّ، خارجيٌّ؛ و هو وصفٌ قديمٌ، قائمٌ بالذات العليةِ؛ منزهٌ عن الحروفِ، و الأصواتِ، و سائر التعبيراتِ.
      فإذا تأملتَ هذا، علمتَ أن هذه الأبيات الثلاثةِ، جوابٌ لقوله: "ما وجودهُ بقلب الذي يتلو.."، الخ.
      فكأنه قال: وجودُه بقلبِ تاليه ذِهنيٌّ، و وجودهُ بلسانِ تاليهِ لسانيٌّ، و أما وجودهُ الحقيقيُّ، فهو المعنويُّ، القائمُ بالذات العليةِ.
      و جوابٌ أيضاً لقوله: "أيُنمى لما يُنمى له.."، الخ؛ بأنه لا مانعَ من ذلك عقْلاً، بأن يُنسَبَ باعتبارِ وجودِهِ الحقيقيّ إلى الله، و باعتباراتِه الأخرِ إلى القارئينَ له، الحادثينَ.
      و جوابٌ أيضاً لقوله: "أتجعَله إذ ذاكَ وصفاً له.."، الخ.
      فقال: نعم، هو وصفٌ وجوديٌّ، محلُّ الذاتُ العلِيَّةُ، و ذواتُ الحوادثِ محلٌّ لوجوداته الأخَرِ.
      قال الخرشي، في شرح الصغرى، ما نصُّه: [الكلامُ الأزليُّ، هو المعنى القائمُ بالذاتِ، المعبَّرُ عنه بالعباراتِ المختلفاتِ...]، الخ.
      ثم قال: [قولنا: "القائم بالذات"، احترزنا به عما يوجَد في اللسان، و في البنانِ، أو في الأذهان؛ لأنه ليس قائماً بذاته، و إن كان يطلق عليه "كلامُ الله"].
      ثم قال أيضاً: [و هذا النظمُ المعجز، يسمى "كلام الله" حقيقةً لغوية، لوجود كلام الله فيه، بالدلالة له، لا بالحلولِ، لاستحالةِ مفارقة الصفةِ للموصوفِ]؛ اهـ منه.
      قول الشيخ: "و ما خارجاً حاز الوجود ثلاثة..."، الخ.
      تقريرهُ: و الذي حاز الوجودَ في الخارجِ، وجوداتُه ثلاثة، و هي: ذو الرسمِ، و ذو الذهنِ، و ذو الفمِ؛ و الذي لم يحُز الوجودَ الخارجي، لا يلزم انتفاء وجوداتِه الأخر الثلاثةِ؛ و ذلك كالشريك، فإنه لا وجودَ له خارجاً، مع أنه متصفٌ بالوجودات الأخر.

      تعليق

      • حماد محمد الشنقيطي
        طالب علم
        • Feb 2010
        • 252

        #4
        ... تابع:

        13 و صحَّحَ للمعْنَى التَّعَلُّقُ، ما مَتَى إلى الذّاتِ، يُنظَرْ فيهِ بالمنعِ يُحكمِ
        14 و لا غَرْوَ، و أنْ يدرى لمعنىً تعلُّق بمَسموعِ سمعٍ، مبتدا، أو متممِ
        15 على أنَّ ذا المعنى قديمٌ وجودُهُ، طَرَا، و تناهَى في لسانِكَ، فافْهَم
        16 فلمْ تَتْلُ، إِذ ما تتْلُ إلا كلامَهُ، و لم تتَعَقَّلْ في غيرهِ في التفَهُّمِ
        17 و لم يُر في هذي المصَاحفُ غيرُهُ، و لا غيرُه في اللوحِ، أيَّانَ يُرسَمِ
        و معنى الأبيات -و الله تعالى أعلم- أن التعلق الذي هو طلبُ الصفةِ، أمراً زائداً على القيام بالذاتِ، قد صحَّح للمعنى شيئاً، متى نظرْنا إلى ذات المعنى، أيْ نفسِه، و حقيقتهِ، يحْكَمْ بمنع اتصافِ المعنى بذلك الشيءِ؛ و متى نظرْنا إلى تعلق المعنى، بما يتعلق به، لم يمنع اتِّصافُه به.
        و بيانُ ذلك، أن الكلامَ، الذي هو الصفةُ القائمةُ بالذاتِ العليةِ معنىً، متى نظرنا إليه، مع قطْعِ النظَرِ عن تعلقهِ، بما يتعلقُ به، حُكِم بمنع تعدده، و انقسامِهِ إلى خبرٍ، و إنشاءٍ، و غيرِهما من الأنواع؛ لأنه تجِبُ له الوحْدةُ كسائرِ صفات المعاني، و يستحيلُ أيضاً أن يكون له ابتداءٌ، و انتهاءٌ، لإشعارِهما بالحدُوثِ.
        و متى نظَرْنا إلى تعَلُّق الكلام بما يتعَلَّقُ به، لم يُمْنَع اتِّصافُه بما ذُكِر، من التعددِ، و الانقسام إلى الخبرِ، و الانشاء؛ و لم يستحل الابتداءُ، و الانتهاءُ.
        قال الهلالي، في الزواهر الأفقية، في شرح الجواهر المنطقية: [كلام الله تعالى صفةٌ واحدةٌ، متعددةٌ متعلقاتهُ؛ و الوصفُ لا يتعددُ بتعدُّدِ متعلَّقاتِه، كالعِلم.
        فالكلامُ، و إن تعلقَ في الأزلِ بالمأمورِ، و المنهي، و الأخبارِ؛ فليسَ بمتعددٍ؛ فهذا قول الأشعري، و الجمهور]؛ اهـ منه.
        و قال شيخنا اليدالي -ناسبا لـ "عج"-: [كلام الله تعالى صفةٌ واحدةٌ، لها تعلقاتٌ؛ و اختلفَ التعبيرُ عنها بحسب ذلك.
        فهيَ باعتبارِ تعلُّقها بالأخبارِ عن إرسالِ نوحٍ، يُعبَّرُ عنها بـ: {إنا أرسلنا نوحاً}؛ و بالأمرِ بإقامة الصلاة، يُعبَّرُ عنها بـ: {أقيموا الصلاةَ}؛ و بالنهي عن الزنا، يُعبَّرُ عنها بـ: {و لا تقربوا الزنا}.
        فهي صفةٌ واحدةٌ، لها تعلقاتٌ؛ و يختلفُ التعبيرُ عنها، باختِلافِ تعلُّقِها]؛ اهـ منه.
        و إذا تأمَّلتَ ما جلبناهُ، علمتَ أن التَّعلُّقَ في كلام الشيخِ، و صَحَّح للمعْنى التعَلُّقُ هو فاعل "صحَّحَ"، و ما بعْده هو المفْعولُ، لا العكْسُ.
        و أن البيتَ جوابٌ لقوله قبلُ: "أيجعلُ مقسوما إلى الخبرِ الذي..."، الخ.
        فكأنه قال: الإنقسامُ الذي ذكرتُ، إنما هو بحسَب متعلقاتِ الكلامِ؛ و أما بالنسبة إلى المعنى القائم بالذاتِ، فلا انقسامَ؛ لأنه تجبُ له الوحدةُ؛ فأمره هوَ غير نهيهِ، و خبرِه، و سائرِ أنواعِه.
        و قد ضربَ العلماءُ لذلك مثلاً، فقالوا: [كضربة الطبلِ، في محلة الملك، تكونُ أمراً لقومٍ، و إعلاماً لقومٍ، و خبراً لقومٍ، و غير ذلك]؛ و لله المثلُ الأعلى.
        و إذا علمتَ وجوبَ وحدة الكلام، و تعددَ متعلقاته، التي هي الإنشاءاتُ، و الإخباراتُ، مقروءةً، محفوظةً، مكتوبةً، مسموعةً؛ و لها ابتداءاتٌ، و انتهاءاتٌ.
        و إلى ذلك أشار الشيخ بقوله: "و لا غروَ، و أن يُدرَى..."، الخ.
        أي لا عجب أن يعلم للمعنى تعلقٌ بإنشاءاتٍ، و إخباراتٍ، تُقرأُ، و تُسمعُ؛ و لها ابتداءٌ، و انتهاءٌ؛ و المعنى قديمٌ، لا ابتداءَ لهُ، و لا انتهاءَ.
        و إنما طرأ وجودُه اللساني في لسانكَ، و أما وجودهُ الحقيقيُّ الخارجيُّ، فيستحيلُ عليه الطروُّ، و سائر التغيرات.
        فإذا تأملت هذا، علمتَ أن قوله: "و لا غرْوَ أن يدرى لمعنىً تعلقٌ.."، البيتين؛ جوابٌ لقوله من قبلُ: "و هل كان من مبداً لديك له إذاً..."، البيت؛ اهـ.
        تنبيه:
        لا يخطُرْ في وهمكَ أن معنى قوله تعالى: {و كلم الله موسى تكليما}، أنه كان ساكتاً، ثم ابتدأ كلام موسى، ثم بعد ما كلمه سكت.
        بل معناه أنه أزال المانعَ عن موسى، و خلقَ له فهماً في قلبهِ، و سمعاً في أذنيهِ، و سائرِ بدنهِ، حتى سمع كلامه، الذي ليس بحرفٍ، و لا صوتٍ؛ ثم رد المانعَ إلى ما كان عليه قبل سماعه؛ و هذا معنى لأهل الجنة.
        ثم أشار بقوله: "و لم تَتلُ، إذ ما تتلُ..."، الخ البيتين؛ إلى ما هو التحقيقُ عند أئمة أصول الدين، من أن كلام الله تعالى، اسمٌ يشترك بين الكلام النفسيّ القديمِ، الذي هو صفةٌ؛ و بين اللفظِ المركب من الآيات، و النورِ المعجزِ الحادث، المحفوظِ في الأذهانِ، المتلُوِّ باللسانِ، المكتوبِ بالبنانِ.
        لكن أجمعوا على منع القول بحدوثهِ، إلا في مقام البيان و التعليم.
        و في حاشية اليوسي، على شرح كبرى السنوسي، ما نصُّه: [اعلم أن كلام الله يُطلقُ تارةً، و يُرادُ به المعنى القديم، و يطلقُ، و يُراد به النظمُ المولفُ؛ كقول عائشةَ: ما بين دفتي المصحف كلام الله".
        و كذا القرآن، يطلق على المعنيينِ، إلا أنه لا خِلافَ أن إطلاقَهُما على المعنى الأولِ حقيقةٌ؛ و هل هما في المعنى الثاني كذلك؟ أم لا؟
        و التحقيقُ أنهما حقيقةٌ في المعنيين معاً.
        قال السعد: لو كان القرآنُ مجازاً في كلام الله، لصحّ نفيه؛ بأن يقالَ: ليس النظم المعجِزُ المفصَّلُ إلى النور و الآيات كلام الله؛ و الإجماعُ على خلافهِ]؛ اهـ.
        و فيه أيضاً: [و قد انعَقد الإجماعُ قبل ظهور البدعِ، على أن القرآن كلام الله غيرُ مخلوقٍ؛ و من هُنا تعلمُ أنه لا ينبغي ...... بذلك التقسيم، الذي ذكر القرافي في كل مجلسٍ، و على رؤوس الخواصّ و العوامّ؛ من كون: "كذا لفظٌ من القرآن قديماً، و كذا منه حادثاً"؛ فإنه ربما أدّى ذلك إلى ازدراءِ العامّة لكتاب الله تعالى.
        و قد منع الإمام أحمد أن يقال: "لفظ القرآن حادثاً"، مع صحة هذا في نفسه]؛ اهـ منه.
        و قول الناظم: "و لم تتل، إذ ما تتل..."، الخ منه، رحمه الله؛ للوجوداتِ الثلاثةِ، الحادثةِ، القائمةِ بذوات القارئينَ، و هي: الجناني، و اللساني، و البناني.

        تعليق

        • حماد محمد الشنقيطي
          طالب علم
          • Feb 2010
          • 252

          #5
          يتبع بمشيئة الله تعالى .....

          لله الأمر من قبل و من بعد ....

          تعليق

          • حماد محمد الشنقيطي
            طالب علم
            • Feb 2010
            • 252

            #6
            ثم قال:
            18 و لا كسبَ في تأليفهِ متعلقٌ، لذا كان إعجازُ الكلامِ مكلمِ
            19 و معجزةُ الهادي، التي قد أتى بها تُحَدُّ بفعلِ المجتَبِيه المُفَهِّمِ
            20 لنا صِدْقَهُ، و الجنس للنفْسِ مُنْتَمٍ؛ و كان اختلافٌ فيه لم يتوهم
            هذه الأبيات، إشارةٌ إلى الجواب عن قوله قبل: "و هل بالوجود الخارجي اتصافه، بإعجازه المذكور فيه..."، الخ؛ و عن قوله أيضاً: "و لم لا كلامُ الناسِ يُدعى كلامَه..."، الخ.
            فكأنه قال: إنما سُمي القرآن كلام الله، و لم يُسمَّ كلامُ الناسِ كلامَ اللهِ؛ مع أن حُروفَ الجميع، و أصواتها مخلوقةٌ لله تعالى؛ بأنّ تأليفَ القرآن ليس من كسب العباد، و لا يدخلُ تحت قُدرتهم؛ فتأليف كلام الناس من مكْتَسباتِهم، و مقدُوراتهم.
            و هذا السؤال و جوابه، سبقه إليهما القرافي.
            فإنه قال في أنوار البروق في أنواء الفروق، ما نصه: [فإذا كان الله تعالى هو المتولي لرصْف جميع كلام الناس في أنفسهم، و هو المتولي لرصْف القرآن في نفس جبريل عليه السلام، بإرادته؛ و هذه الحروفُ و الألفاظُ عندكم مخلوقةٌ، لا فرقَ بينَها في ذلك؛ فلم لا تقولونَ للجميع "كلام الله"؟ و ما المزية للفظ القرآن على غيره؟
            فنقول: الله تعالى هو المتولي لرصْف القرآن في نفس جبريل عليه السلام، على وفقِ إرادةِ الله تعالى، دون إرادة جبريلَ؛ و المتولي لرصْف كلام الخلائقِ على إرادتهم، تبعاً لإرادته تعالى؛ فتفرُّدهُ في هذا الوصفِ بـ "الإرادة"، هو الفرْقُ]؛ اهـ.
            و قال الهلالي: [وجهُ تسمية القرآن كلام الله، دون غيره من الألفاظ، إما لكونه منزلاً من الله تعالى، ليس من تأليف الخلق، و لا داخلاً تحت كسبهم.
            فتكون إضافته لله، من إضافة المخلوقِ للخالقِ تشريفاً، كما يقال للجنةِ: "دار الله"؛ و إن كانت الدور كلها لله، لأن بناءها ليس من عمل المخلوقين، و لا هي من نوع بنائهم المكتسب لهم.
            و على هذا تكون تسميته بكلام الله حقيقةٌ.
            و إما لكونه دالاًّ على بعض مدلولات الصفة القديمة بذاته سبحانه و تعالى، كما يقال للكلام المترجم به عن كلام السلطان، لمن لا يعرف لُغته، و لم يسمع كلامه -و لله المثلُ الأعلى-: هذا كلام السلطان؛ لكونه دالاًّ على المعاني المدلولةِ لكلام السلطان.
            و كما تقول للكلام المحكي به القرآن، عن الأنبياء، و أممهم الأعجميين، أنه كلامه؛ مع أنه ليس هو، و لا مدلوله عن كلامهم.
            و إنما ذلكَ، لأن مدلوله في الجملة مدلول كلامهم، و لأنه جعل ترجمة عن كلامهم.
            و على هذا تكون التسمية المذكورةُ علامته توارُد الدليلين على مدلول واحد.
            و إذا عُلم هذا، فقولهم: "تسمية النظم المعجز، بكلام الله"، من تسمية الدال باسم المدلولِ؛ هو على حذفِ مضافٍ، أي باسم دال المدلول؛ لأن الصفة القديمةَ دالَّةٌ على مدْلولاتِ النظم المعجز، كما دلّت مدلولاتُ غيره، كالتوراة.
            تنبيه:
            ذكر السيوطي في الحاوي، أنه: [اختلف في كيفية تلقي جبريل الوحي من الله تعالى؟
            فقال: ألهمه.
            و قيل: سمعه منه تعالى.
            و قيل: حفظه من اللوح المحفوظِ.
            و قيل: تلقّفه من الله تلقّفاً روحانياًّ.
            قال: و الأظهر، أنه راجعٌ إلى معنى الإلهام؛ فلا يكون قولاً رابعاً.
            و قيل: سمعه من إسرافيل، و إسرافيل من اللوح المحفوظِ.
            ثم اختلفَ: هل نزل جبريلُ على النبي صلى الله عليه و سلم باللفظِ؟ أو بالمعنى، فعبر عنه صلى الله عليه و سلم؟].
            قول الشيخ: "و لا كسبَ في تأليفه.."، الخ؛ جوابٌ على قوله: "و هل بالوُجودِ الخارجي..".
            لأن إعجاز القرآن المذكورِ، إنما كان بوجوده غيرِ الخارجيّ، و ذلك لأن إعجاز القرآن وقع ببلاغته، و طريق نظمه.
            و هُما راجعان إلى وجودهِ اللساني، و الذهني، و البناني؛ لا الخارجيّ، الذي هو الصفة القائمةُ بالذات العلية.
            فإنه -أي وجودُ القرآن الخارجي- لا يصحّ أن يكون به الإعجاز، لقِدَمهِ؛ و الإعجازُ إنما يكون بالفعل الحادثِ.
            لأن حدَّ المعجزةِ: فعلٌ لله تعالى خارقٌ للعادةِ، مقارنٌ لدعوى الرسالة؛ فتَحدّى به قبلَ وقوعه غير مكذب بعجز من يبتغي معارضته عن الإتيان بمثله؛ فاحترز بقوله: "فعلٌ لله"، من القديم.
            كما إذا قال: "و آية صدقي قدرة الله تعالى"؛ فلا يكونُ معجزةً؛ لأنه يستوي فيه الصادقُ و الكاذبُ.
            قال سيدي أبو الحسن اليوسي، في حاشيته على شرح الكبرى: [إعجاز القرآن بوجهينِ، بلاغته، و طريقة نظمه.
            و البلاغةُ: هي التعبيرُ عن معنىً سديد، بلفظٍ شريفٍ، وافٍ بالمقصودِ، من غير مزيدٍ.
            و طريق نظمه، المراد به ترتيب الكلمات، و ضم بعضها إلى بعض.
            و قيل: جمعها مترتبة المعاني، متناسبة الدلالة، على ما يقتضيه العقل]؛ اهـ.
            و قال أيضاً: [ظاهر كلامه: أنّ الكلام معجزةٌ واحدةٌ، و ليس كذلك عند المحققين.
            بل معجزاته لا تعد، و لا تُحصى؛ و ذلك لأن المعجز منه، المُتحدَّى به، أقل السورِ، كالكوثرِ، و آية بمقدارها.
            و في القرآن كما في الشفا سبعة و سبعين ألف كلمة، و نيف، عند بعضهم؛ و عدد كلمات الكوثر عشرٌ، فتكون تجزئةُ القرآن على نسبة الكوثرِ، أزيد من سبعة آلافِ جُزءٍ، كل واحدٍ معجزٌ في نفسه.
            ثم إعجازهُ بوجهين: بلاغته، و طريق نظمه؛ فصار في كل جزءٍ من هذا العدد معجزتان، فيتضاعف العدد من هذا الوجه، إلى ما لا يُعدُّ و لا يُحصى.
            و من وجوهِ إعجازهِ: أنه تلفظ به  مكتسباً؛ فكان له بكل حرف حسنةٌ، بخلاف فلقِ البحر، و قلبِ العصا حيةً، و نحو ذلك، مما ليس للعبد فيه اكتسابٌ، و لا ثوابٌ.
            و منها: أنه عيْن المعجزة، عيْن الحكم، عيْن الحكمةِ.
            إلى غير ذلك من معجزاتِ القرآن، و غرائبه، و عجائبه الكثيرة الحسان].
            و قول الناظم: "و معجزة الهاد، التي قد أتى بها..."، الخ.
            أي أن معجزة الهادي صلى الله عليه و سلم، تُحدُّ بأنها: فعل الله، الذي اجتباه، و فهم لنا صدْقَه، بسبب المعجزة الخارقة للعادةِ؛ فصدقه مفعول المُفَهِّم.
            و قوله: "و الجنسُ للنفسِ مُنتَمٍ"، أشارَ إلى أن جنسَ الحدِّ إنما يكون بالذاتيات، التي هي صفاتُ نفس المحدودِ؛ و مثله في ذلكَ الفصلُ دون الخاصَّة.
            فكما أن الحيوانيةَ صفةُ نفسٍ للمحدودِ بالحيوان الناطقِ، الذي هو الإنسانُ، فكذلك فعل الله، في قوله، في حد المعجزةِ: "فعلٌ لله تعالى، خارقٌ للعادةِ"، جنسٌ لحدّ المعجزةِ، و هو من صفات نفسِها.
            و يلزم من هذا، أنّ وجودَ كلامِ اللهِ الخاريجيّ، الذي هو المعنى القديم، القائم بالذات العلية، لم يقع به الإعجازُ؛ لكونه غير فعلٍ، بل صفةً قديمةً؛ و إنما وقعَ بالوجود غير الخارجي، الذي هو فعلٌ لله تعالى، خارقٌ للعادةِ.
            فمن هنا صار قوله: الجنس للنفس منتمٍ، من تمام جوابِ قوله: "و هل بالوجود الخارجي اتصافه.."، الخ.
            و قوله: "و كان اختلافٌ فيه لم يتوهم"، أي إنما انتمَى، أي انتسبَ للنفس من الصفاتِ، لا يختلف.
            و هو معنى قولِ أهل علم الكلام: "إن صفة الشيء يستيل اختلافها، بأن يكون بعضُها مُمْكنا، و الآخر واجباً"، اهـ.

            تعليق

            • حماد محمد الشنقيطي
              طالب علم
              • Feb 2010
              • 252

              #7
              [ثم قال]:

              21 و للشيءِ وصفٌ، باعتبارِ وجُودِهِ، لهُ، باعتبارِ الخاطِرِيّ، أو الفـمِ
              22 مُنافِيهِ، و التحقِيقُ مَن دوَّنه يَفُزْ بعلمٍ خليقٍ بالعنايةِ، مُحْكِمِ
              أشار بهذين البيتين إلى أن للقرآن، باعتبارِ وجودهِ الخارجيّ وصْفاً مُنافياً له، باعتبارِ وُجوده غيرِ الخارجي، و هو الذهْنيُّ، و اللسانيُّ، و البَنانيُّ.
              فهو باعتبارِ وُجوداتهِ الثلاثة الأخيرةِ، يكونُ وصْفاً قائماً بذواتِ القارئينَ، الحادثينَ؛ و يتعددُ، و ينقسِمُ إلى الخبر و الإنشاء، و غيرهِما، و يوصَفُ بالابتداءِ، و الانتهاء.
              و يوصفُ بالإعجاز، لأنه فعْل، و أما باعتبارِ وجودهِ الخارجيِّ الحقيقي، فيستحيلُ عليه جميعُ هذه الأشياءِ، لأنه صفةٌ قديمةٌ، قائمةٌ بالذات العليةِ، تجب لها الوحدةُ، و القدمُ، و البقاءُ؛ و يستحيلُ عليها الابتداءُ، و الانتهاءُ.
              و لا يوصفُ بالإعجازِ، لقدمِه.
              فهذا البيتُ جوابٌ عن جميع الأسئلةِ المتقدمةِ؛ و لذلك ذيَّل به الكلامَ على المسئلةِ.
              فلله درُّ الشيخ، ما أبدع نظمهُ، و أوجزه.

              تعليق

              • حماد محمد الشنقيطي
                طالب علم
                • Feb 2010
                • 252

                #8
                ثم قال:
                23 أفدتُّكُمُ حُكْم المسَالةِ منكُمُ، و لازِمَها، ديْمان كل مُحَكَّمِ
                يعني: أنه أفاد اليعقوبيين حكم المسألة، أي مسألة الكلام المتقدمة؛ و أفاد بني ديمان، كونه، أي الشيخ يعلم ما يعلمونه من المسألة.
                فالأول: كقولك زيدٌ قائمٌ، لمن لا يعرف أنه قائمٌ، و يُسمَّى فائدة الخبر.
                و الثاني: كقولك لمن حفظ التوْريةَ، حفِظتَ التورية؛ تفيدهُ أنك عالِم بحفظه لها؛ و يسمى لازِم فائدة الخبر.
                و كأنه أراد ببيته تفضيلَ بني ديمانَ على غيرهم، في فهْم المسألة.
                و الضمير في "لازمها"، راجعٌ إلى الفائدةِ المفهومةِ؛ من أفدتكم، على حدِّ {اعدلوا هو أقرب للتقوى}.
                و قوله: "المسالة"، بفتح السين، و إبدال الهمزة؛ ارتكب فيه مذهب أهل الكوفة.
                قال ابن مالك في التسهيل: [و نحو قولهم: في كمأة، كماة؛ و لا يقاس عليه، خلافاً للكوفيين].
                و كل مُحكّم، بدل من الضمير المنصوب في "أفدتكم".
                و إنما قال الشيخ: "المسالة" بالإفراد، و لم يقُل: "المسائل"؛ لأن جميع ما تقدم في حكم مسألة واحدة.
                و ذلك أنا إن اعتبرنا الوجود الخارجي في القرآن، امتنع قيامه بذاوات القارئين، و امتنع انقسامه إلى خبرٍ، و إنشاء؛ و امتنعَ اتصافهُ بالابتداء، و الانتهاء؛ و امتنعَ اتصافهُ بالإعجاز.
                و إن اعتبرنا غير الوجود الخارجي من الوجودات، صح، و جازَ جميعُ ما امتنعَ.
                نعم، سأل أيضاً عنه، أي القرآن، لم يقال له كلام الله، دون غيره من كلام الحوادث؛ و ليس ذلك سؤالاً مستقلاًّ، بل هو من تمام السؤال عن مسألة الكلام.

                تعليق

                • جلال علي الجهاني
                  خادم أهل العلم
                  • Jun 2003
                  • 4022

                  #9
                  بارك الله فيك ..
                  إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
                  آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



                  كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
                  حمله من هنا

                  تعليق

                  • حماد محمد الشنقيطي
                    طالب علم
                    • Feb 2010
                    • 252

                    #10
                    24 و هل للإِلهِ، "اللهُ" معنىً مرادفٌ، أمِ الله للمُنشِي العبادِ، المعظّمِ
                    25 و إلا يُعينْه، فكُلٍّ وجودُه، حصرْناه في فردٍ، بحُكْمٍ مُسَلَّمِ
                    26 فدلَّ على توحيدِه، كِلمةُ التُّقى، و للكثْرة، الجُزْئِيُّ ليس بمُنْتَمِ
                    سأل ببيته الأول: هل "الإله"، و "الله" مترادفان في المعنى؟ أم الله علمٌ لمنشي العباد المعظم؛ و قد عيّن مُسمّاه تعيِيناً مطلقاً، و الإله ليس كذلك؟
                    و أجاب بنفسه، في البيتين الأخيرين، على وجهِ التعْميةِ، كما هو دأبه في هذا القصيدةِ؛ بأن "الإله" غيرُ مرادفٍ له، و أنه لم يعَين مُسَمّاه تعييناً مطلقاً، لكونه غيرَ عَلَم؛ فهوَ كُلِّيٌّ، محصورُ الوجودِ في فرْد واحدٍ.
                    و الدليلُ على أن "الإله" كليٌّ، أنه لم يمنع نفس تصوره، من صدقهِ على متعددٍ، لكن قام الدليلُ القاطعُ على أن ذلك الكليّ، لم يُوجَد منه إلا فردٌ واحدٌ، و هو الله تبارك و تعالى.
                    و أما "الله"، فهو عَلَمٌ جزْئيٌّ، موجودٌ، لا يقبَل العدمَ أوّلاً، و لا آخراً؛ و لا يصحُّ تسلط النفيِ عليه بحالٍ، و لا يقبلُ شِركةً في ذاتهِ، و لا في صفاته، و لا في أفعاله.
                    أما "الإله"، فالمُختارُ أنه اسمٌ من الآلهة، كالعبادة، وزناً، و معنىً؛ و فعلها من باب كتبَ، فهو فعال، بمعنى مفعُول، ككتاب، و بساطٍ، بمعنى مكتوب، و مبسوط.
                    و ليس من "الوَلهِ"، قلبتْ واوه همزةً، لتصدرها، كما قيل لـ "وشاح"، "إشاحٌ"؛ لقولهم: "تأله"، دون "توله"؛ قاله في فتح القدوس.
                    و أما "الله"، فأصله في المصباح من آله، فدخلت عليه الألف و اللام، ثم نقلت حركة الهمزة إلى اللام، و سقطت، فأسكنت اللام الأولى، و أدْغمَت، و فخّم تعظيماً، لكنه يُرَقَّقُ مع كسرِ ما قبلهُ؛ و صار علماً بالقلبية.
                    و أنكر ابن مالك كون أصله "الإله"، قال في شرح التسهيل: [و من الأعلام الذي قارن و ضدها وجود الألف و اللام: الله، و ليس أصله الإله، كما زعم الأكثرونَ، بل هو دالٌّ على الإله الحق، دلالةً جامعةً لمعاني الاسماء الحُسنى كُلِّها، ما عُلِم منها، و ما لم يُعلم؛ و لذلك يقال: كل اسم سوى الله تعالى من الاسماء الكريمة، هو من اسماء الله؛ و لا ينعكس.
                    و لم يَرُدّ على من زعَم أن أصل الله الإله، إلا لكونِه مُدَّعياً ما لا دليلَ عليه، فكان ذلك كافياً؛ لأن "الله"، و "الإله" مُختلفانِ في اللفظِ، و المعنى.
                    أما اللفظُ فلأن أحدهما في الظاهرِ، الذي لا عُدُول عنه، معتل العين؛ و الثاني مهموزُ الفاء، صحيح العين، و اللام؛ فهُما من مادّتَين، و ردُّهما إلى أصل واحدٍ تحكُّمٌ، و زيغٌ عن سبيل التصريف.
                    أما اختلافهما في المعنى، فلأن الله خاصٌّ بربنا تبارك و تعالى في الجاهلية و الإسلام، و ليس الإله كذلك؛ و لهذا انحصَرَ بالمعبودِ]، اهـ.
                    و قال في المطول: [من زعم أن الله كلي، انحصر في فردٍ، فهو غير علَم، فقد سها؛ لأن قولنا: "لا إله إلا الله"، كلمة توحيد بالاتفاق، من غير توقف على اعتبار عهد، فلو لم يكن علماً للفرد الحقّ، لم تُفد التوحيدَ، لأن الكُليّ من حيث هو يحتملُ الكثرة؛ و أيضاً فإله في هذه الكلمة، إما بمعنى المعبود، فيلزم استثناء الشيء من نفسه، أو بمعنى المعبود مطلقاً، فيلزم الكذبُ، لكثرة المعبودات بالباطل؛ فوجب أن يكون إلهٌ بمعنى المعبود بحق، و الله علمٌ للفردِ الموجود منه.
                    و المعنى: لا معبودَ بحق إلا الفرد، الذي هو خالق العوالم]، اهـ.
                    قول الشيخ: "و إلا يُعَيِّنْهُ، فكُلي وجودُه، حصرناه في فرد.."، الخ.
                    أي، و إن لم يَعين الإله مُسماهُ، تَعْيينا مطلقاً، كما غير الله مُسماه، فهو أي الإله كُليٌّ، محصورٌ وجودُه في فرد واحدٍ، دلّتْ على انحصارِه في ذلك الفردِ كلمة التَّقوى التي هي "لا إله إلا الله".
                    و أما الله، فهو جُزءي، و الجُزءي لا ينتمي للكثرة، لأنه يمنعُ نفسُ تصَوُّرهِ من صِدقِهِ على مُتعدّدٍ.
                    و إلى ذلك أشارَ بقوله: "و للكثرةِ الجُزءِيُّ ليس بمنتَم".
                    قوله: "فكُلٍّ"، أصله: "فكليٌّ"، بتنوين الياء المشددة، و لكن سكَّن الياء، إجراء للوصل مجرى الوقف.
                    قال ابن مالك: [و ربما أعطي لفظ الوصل هاء الوقف نثرا، و فشا منتظما؛ و منه: {لم يتسنه}، على أن الهاء للسكت].

                    تعليق

                    • حماد محمد الشنقيطي
                      طالب علم
                      • Feb 2010
                      • 252

                      #11
                      27 و ما وجهُ -يا مولودُ- فَصْلِ "محمدٍ"، أمامَ رسول اللهِ، في قول مُسلمِ
                      28 فإن تتأملْ، إن تكنْ متأملاً بذهنٍ صحيحٍ، ثاقب الفهمِ، تفهمِ
                      29 علمتَ إذاً، كونَ النصارى قد أفرطوا فيوهِمَ وصلٌ، ما ادّعوا في ابن مريمِ
                      سأل الشيخ: عن وجه الفصل، في جملة "محمد رسول الله"، عن جملة "لا إله إلا الله"، أي عدم تعاطفهما؟
                      و أجاب نفسه: بأن وجهه، أن النصارى لعنهم الله، أفرطوا في عيسى عليه السلام، حتى ادعوا ما ادعوا فيه، من الوهمية، و بنوته لله، تعالى الله عما يقولون عُلُواًّ كبيراً؛ فقطعت جملةُ التوحيد الثانية، عن جملتها الأولى، و لم تعطف عليها، لئلاّ يتوهم متوهمٌ، ممن أراد الله خذلانه، اشتراك الله، و الرسول، في الألوهية.
                      و إلى ذلك أشار بقوله: "فيوهمَ وصلٌ، ما ادعوا في ابن مريم".
                      و هذا النوع، من الفصل، هو الفصلُ لرفعِ الإيهامِ، يُدعى عند البيانيين، بـ "شبه كمال الانفصال"، و يُسمُّونه: "القطع".
                      مثاله، قوله:
                      و تظن سلمى أنني ابتغي بها بدلاً أراها في الضلال تهيم
                      فإن بين الجملتين الخبريتين، أعني قوله: "و تظن سلمى"، و قوله: "أراها"، مناسبة ظاهرةٌ؛ لاتحادهما في المسند؛ لأن معنى أراها، أظنها؛ و المسند إليه في الأولى محبوب، و في الثانية محب؛ لكن لم يعطف أراها على "تظن"، لئلا يتوهم السامع أنه عطف على قوله: "ابتغي"، و هو أقرب إليه؛ فيكون من مظنون سلمى]، اهـ.
                      و يحتمل "أراها الاستئناف، كأنه قيل: "كيف تراها في هذا الظن؟"، فقال: "أراها تتحير في أودية الضلال".
                      و على هذا، فلا شاهد فيه.
                      و من شواهد القطع، الذي هو الفصل لرفع الإيهام، قطع قوله تعالى: {الله يستهزئ بهم}، عن الجملة الشرطية، أعني قوله: {إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم}؛ فإنه عطفه عليها يوهم عطفه على جملة: {قالوا}، و جملة: {إنا معكم}، و كلاهما فاسدٌ؛ قاله التفتازاني.
                      تنبيه:
                      اعلم، أن الواو كما تحذف لرفع الإيهام، فإنها تجلب لدفع الإيهام؛ كقول القائل، لرد كلام "لا، و فتح الله عليك"؛ فكأنه قيل: "هل الأمر كذا؟"، فقال: "لا، ليس الأمر كذلك"، فهذه جملة خبرية، و "فتح الله عليك" جملة إنشاية، يدعو بها للمخاطب؛ فلو ترك العطف، فقال: "لا فتح الله عليك"، لتوهم إنه دعاء على المخاطب.
                      و خلع هارون الرشيد على كاتبٍ له، إذ سأله عن شيءٍ، فقال: "لا، و أيد الله الأمير"؛ فقال: "هذه الواو أحسن من واوات الأصداغ في خدود الملاح".
                      قول الشيخ: "و ما وجه يا مولود فصل محمد فيه"، الفصل بين المتضائفين بالنداء، اضطرارا.
                      قال في الخلاصة:
                      و اضطراراً، و جواباً جنبي، أو بنعتٍ، أو ندا

                      تعليق

                      • حماد محمد الشنقيطي
                        طالب علم
                        • Feb 2010
                        • 252

                        #12
                        ثم قال:
                        30 و ما وجهُه، في "الحمدُ لله"، إن نقل بصدقِ اتفاقِ الجملتين، و نحكم
                        31 و لم تجعلِ الأولى، إذا غير آية، كما قاله قومٌ، من أهل التعلمِ
                        32 قد استؤنفتْ هذي الأخيرةُ، و اقتضتْ جواباً، بمضمون الكلام المقدم
                        حاصل البيتين الأولين، أنه سأل عن وجه فصل جملة {الحمد لله رب العالمين}، في الفاتحة، عن البسملة، إن قلنا إن البسملة آية من الفاتحة؛ كما مذهب القراء المكيين، و الكوفيين.
                        و قلنا باتفاق الجملتين، أي جملة البسملة، و الحمد في الإنشاء، أو الخبر؛ إذ لا موجب للوصل، مع اختلاف الجملتين؛ و كذلك لا موجب له أيضاً على قول القراء المدنيين، و الشاميين، أن البسملة ليست من الفاتحة.
                        ثم أجاب بالبيت الثالث، عن سؤاله بأن البسملة لما شاع استعمالها في افتتاح كل أمر.
                        بل نقل الشيخ الطيب، في شرحه توحيد ابن عاشر: إجماع علماء الأمم على أن الله تعالى ابتدأ كل كتاب منزلٍ بها، صارت كأنها متضمنةً معنى السؤال عن الأمر الذي جلبت لافتتاحه، فصارت جملة {الحمد لله} جواباً لذلك السؤال، فوجب فصلها، لأنها صارت استئنافاً لبيانها، و هو لشبه كمال الاتصال.
                        و ما ذهب إليه الشيخ، من كون الجملة الأولى، أي جملة البسملة تضمنت سؤالاً، و الجملة الثانية جوابٌ لذلك السؤال، هو مذهب صاحب التلخيص، و السيوطي، و السكاكي.
                        فإنه يقدر سؤالاً واقعاً بعد الجملة الأولى في الاستئناف البياني، و الجملة الثانية جواب لذلك السؤال المقدر.
                        و تبعه في ذلك ابن هشام، في مغني اللبيب، حيث قال: و يخص البيانيون الاستئناف بما كان جواباً للسؤال، مقدر، نحو قوله تعالى: {قالوا سلاما قال سلام}؛ فإن جملة القول الثانية، جواب لسؤال مقدر، فماذا قال لهم؛ و لهذا فصلت عن الأولى، و لم تعطف عليها؛ اهـ.
                        قال ياسين: [و الذي يظهر لي أن الجملة إن ظهر منها استدعاء لسؤال، فهي مُنزلة منزلة السؤال، كما قال صاحب التلخيص، نحو: {و ما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر}.
                        و إن لم يظهر منها ذلك، و لكنه استعير التشوق من القرآن؛ فالسؤال مقدر، كما قال السكاكي، كقوله تعالى: {و ما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء}]، انتهى.
                        فعلى ما ذهب إليه صاحب التلخيص، فجملة البسملة، متضمنةٌ سؤالاً جوابه جملة: {الحمد لله} بعده؛ و على ما ذهب إليه السكاكي، يقدر سؤالاً بعد البسملة، جوابه جملةُ: {الحمد لله رب العالمين}؛ و الله تعالى أعلم.
                        33 عنيدي، إن حاجيته، و أجبته؛ و لم يدر لي ماذا يقول و يفهمِ
                        34 فماذا عسى يوما يناظرُني به، و يجعل أهلا أن يكون مكلمِ
                        و معنى البيتين واضحٌ، فلا نطيل الكلام به.
                        و هذا آخر ما سمحت به القريحة من شرح هذه القصيدة، و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيد المرسلين، و على آله و صحبه أجمعين، و على تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

                        تعليق

                        • حماد محمد الشنقيطي
                          طالب علم
                          • Feb 2010
                          • 252

                          #13
                          جزاك الله خيرا يا شيخ جلال على المتابعة، و شحذ الهمم...

                          انتهى المخطوط، و أرجوا أن تعفوا عن الأخطاء الواقعة فيما كتبته....

                          لله الأمر من قبل و من بعد

                          تعليق

                          • نزار بن علي
                            طالب علم
                            • Nov 2005
                            • 1729

                            #14
                            بارك الله فيك وجزاك خيرا ويكفيك فخرا عنايتك بهذه النفائس الشنقيطية الأشعرية المباركة
                            هل نشرت هذه الرسالة؟
                            وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

                            تعليق

                            • عثمان محمد النابلسي
                              طالب علم
                              • Apr 2008
                              • 438

                              #15
                              جزاكم الله خيرًا , إلى المزيد من إخراج هذه النفائس الشنقيطية المدفونة
                              فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
                              بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

                              تعليق

                              يعمل...