كثير من العلماء كانوا يستخدمون قواعد الأخلاق الإسلامية في التعامل مع من يشار إليهم بالعلم من المسلمين، لكنهم بعد أن يتحققوا من أقوالهم ومعارفهم يرجعون عن آرائهم ويعلنون ذلك.
وعند حصولي على فتاوى الإمام البرزلي الذي طبع أخيراً بدار الغرب الإسلامي، في 7 مجلدات، ذهبت مباشرة إلى الجزء الأخير، حيث إني قد قرأت في بعض المراجع أنه تكلم عن ابن تيمية في آخر الكتاب، فرأيت فيه هذا النص، أحببت وضعه بين الأخوة الكرام، لعل الله ينفع به:
قال البرزلي في فتاواه (6/204-206) ما نصه:
فكتبت من خط صاحبنا وأخينا الشيخ الفقيه الصالح المفتي قاضي الجماعة بتونس أبي مهدي عيسى الغبريني أكرمه الله- كتاباً نسخته:
كتب الشيخ الصالح العارف الكبير أبو عبد الله محمد بن الشيخ إبراهيم الأرموي إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية سنة خمس وسبعمائة:
من الفقيه محمد بن إبراهيم إلى الشيخ الكبير العالم إمام العصر بزعمه، أما بعد..
فإنا أحببناك زماناً في الله وأعرضنا عما يقول عنك لغرض الغفلة إحساناً، إلى أن ظهر لنا خلاف موجبات المحبة، بحكم ما يقتضيه العقل والحس، وهل يشك في الليل عاقل إذا غربت الشمس.
وإنك أظهرت أنك قائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله أعلم بقصدك ونيتك، فإن الثمرة تشهد بالأصول، والإخلاص مع العمل ينتج ظهور القبول، وما رأينا من أمرك إلا الهبل والإعراض باتباع من لا يوثق بقوله من أهل الأهواء والأغراض، فلم يحصل على غيره سائر زمانه بسبب الأوصاف والذوات، ولم يقع بسب الأحياء، حتى حكم بتكفير الأموات، ولم يكفه التعرض لمن تأخر من صالحي السلف، حتى تعدى إلى الصدر الأول، ومن له أعلى المراتب في الفضل والشرف.
فيا ويح من هؤلاء خصماؤه يوم القيامة، وكيف لا يناله غضب وأنَّى له السلامة.
وكنتُ فيمن سمعه وهو على منبر جامع الجميل بالصالحية وقد ذكر عمر بن الخطاب فقال: إن عمر له غلطات وبليات أي بليات .. وأنه ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه في مجلس آخر فقال: إن علياً أخطأ في أكثر من ثلاثمائة مكان!!
فيا ليت شعري من يحصل له الصواب إذا أخطأ علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب!!
والآن لقد بلغ الحال إلى منتهاه، والأمر إلى مقتضاه، ولا يسعني إلا القيام في أمرك، ودفع شرِّك؛ لأنك قد أفرطت في الغي، ووصل أذاك إلى كل ميت وحي.
ويلزمني الغيرة على شرع الله ورسوله، ويلزم ذلك جميع المؤمنين وسائر عباد المسلمين، ما يقوله العلماء وأهل الشرع وأهل السيف الذين بهم الوصل والقطع، إلى أن يحصل منك الكف عن أعراض الصالحين، رضي الله عنهم أجمعين.
وبعد هذا ما نصه:
المسائل التي خالف فيها ابن تيمية الناس في الفروع والأصول مما ذكره عبد الوهاب السبكي:
فمن ذلك ما خرق به الإجماع، ومنهم من خالف فيه الواضح من المذاهب.
فمن ذلك:
يمين الطلاق، فإنه لا يقع عنده وقوع المحلوف عليه، بل عليه كفارة يمين، ولم يقل قبله بالكفارة أحدٌ من المسلمين.
وأن طلاق الحائض لا يقع.
وكذا الطلاق في طهرٍ جامعها فيه.
وأن الصلاة إذا تركت عمداً لا يشرع قضاؤها.
وأن الحائض يباح لها الطواف بالبيت ولا تطهر.
وأن الطلاق الثلاث يرد إلى واحدة، وكان هو قبل ادعاء ذلك نقل إجماع المسلمين على خلافه.
وأن المكوس حلال لمن أقطعها، وأنها إذا أخذت من التجار أجزأتهم عن الزكاة، وإن لم تكن باسم الزكاة، ولا على رسمها.
وأن المائعات لا تنجس بموت حيوان فيها كالفأرة.
وأن الجنب يصلي تطوعاً بالليل، ولا يؤخره إلا أن يغتسل قبل الفجر وإن كان بالبلد.
وأن شرط الواقف غير معتبر، بل لو وقف على الشافعية صرف إلى الحنفية وبالعكس، وعلى الفقهاء صرفه إلى الصوفية والخيار، وأمثال ذلك.
ومن مسائل الأصول: مسألة الحسن والقبح، التزم كل ما يرد عليهما.
وأن مخالف الإجماع لا يكفر ولا يفسق.
وأنه سبحانه محل الحوادث، تعالى الله عن ذلك وتقدس.
وأنه مركب، تفتقر ذاته افتقاراً لكل الأجزاء، تعالى الله عن ذلك وتقدس.
وأن القرآن محدَثٌ في ذاته، تعالى عن ذلك.
وأن العالم قديم بالنوع ولم يزل مع الله مخلوقاً دائماً، فجعله موجباً بالذات، لا فاعلاً بالاختيار، تعالى الله عن ذلك، وعما يقول ويفتري.
وقوله بالجسمية، والجهة، والانتقال، وأنه بقدر العرش، لا أصغر ولا أكبر!! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
وقال: إن النار تفنى.
وأن الأنبياء غير معصومين.
وأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لا يتوسل به، ولا جاه له.
وأن إنشاء السفر إليه بسبب الزيارة كغيره معصية لا تقصر الصلاة فيه.
فنعوذ بالله من هذه المقالات.
وأن التوراة والإنجيل لم تبدل ألفاظها، وإنما بدلت معانيها، وهذه القولة لم تزده إلا منقصة عند النبي صلى الله عليه وسلم وعند الله وعند الناس.
انتهى النقل المراد من الكتاب المذكور، مع تصحيح بعض الأخطاء المطبعية، وفيه عبرة بالغة.
مع أن الإمام البرزلي نازع في نسبة بعض هذه المسائل إلى ابن تيمية، لكنه أقر بأنه من الحشوية، القائلين بالجهة ..
وعند حصولي على فتاوى الإمام البرزلي الذي طبع أخيراً بدار الغرب الإسلامي، في 7 مجلدات، ذهبت مباشرة إلى الجزء الأخير، حيث إني قد قرأت في بعض المراجع أنه تكلم عن ابن تيمية في آخر الكتاب، فرأيت فيه هذا النص، أحببت وضعه بين الأخوة الكرام، لعل الله ينفع به:
قال البرزلي في فتاواه (6/204-206) ما نصه:
فكتبت من خط صاحبنا وأخينا الشيخ الفقيه الصالح المفتي قاضي الجماعة بتونس أبي مهدي عيسى الغبريني أكرمه الله- كتاباً نسخته:
كتب الشيخ الصالح العارف الكبير أبو عبد الله محمد بن الشيخ إبراهيم الأرموي إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية سنة خمس وسبعمائة:
من الفقيه محمد بن إبراهيم إلى الشيخ الكبير العالم إمام العصر بزعمه، أما بعد..
فإنا أحببناك زماناً في الله وأعرضنا عما يقول عنك لغرض الغفلة إحساناً، إلى أن ظهر لنا خلاف موجبات المحبة، بحكم ما يقتضيه العقل والحس، وهل يشك في الليل عاقل إذا غربت الشمس.
وإنك أظهرت أنك قائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله أعلم بقصدك ونيتك، فإن الثمرة تشهد بالأصول، والإخلاص مع العمل ينتج ظهور القبول، وما رأينا من أمرك إلا الهبل والإعراض باتباع من لا يوثق بقوله من أهل الأهواء والأغراض، فلم يحصل على غيره سائر زمانه بسبب الأوصاف والذوات، ولم يقع بسب الأحياء، حتى حكم بتكفير الأموات، ولم يكفه التعرض لمن تأخر من صالحي السلف، حتى تعدى إلى الصدر الأول، ومن له أعلى المراتب في الفضل والشرف.
فيا ويح من هؤلاء خصماؤه يوم القيامة، وكيف لا يناله غضب وأنَّى له السلامة.
وكنتُ فيمن سمعه وهو على منبر جامع الجميل بالصالحية وقد ذكر عمر بن الخطاب فقال: إن عمر له غلطات وبليات أي بليات .. وأنه ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه في مجلس آخر فقال: إن علياً أخطأ في أكثر من ثلاثمائة مكان!!
فيا ليت شعري من يحصل له الصواب إذا أخطأ علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب!!
والآن لقد بلغ الحال إلى منتهاه، والأمر إلى مقتضاه، ولا يسعني إلا القيام في أمرك، ودفع شرِّك؛ لأنك قد أفرطت في الغي، ووصل أذاك إلى كل ميت وحي.
ويلزمني الغيرة على شرع الله ورسوله، ويلزم ذلك جميع المؤمنين وسائر عباد المسلمين، ما يقوله العلماء وأهل الشرع وأهل السيف الذين بهم الوصل والقطع، إلى أن يحصل منك الكف عن أعراض الصالحين، رضي الله عنهم أجمعين.
وبعد هذا ما نصه:
المسائل التي خالف فيها ابن تيمية الناس في الفروع والأصول مما ذكره عبد الوهاب السبكي:
فمن ذلك ما خرق به الإجماع، ومنهم من خالف فيه الواضح من المذاهب.
فمن ذلك:
يمين الطلاق، فإنه لا يقع عنده وقوع المحلوف عليه، بل عليه كفارة يمين، ولم يقل قبله بالكفارة أحدٌ من المسلمين.
وأن طلاق الحائض لا يقع.
وكذا الطلاق في طهرٍ جامعها فيه.
وأن الصلاة إذا تركت عمداً لا يشرع قضاؤها.
وأن الحائض يباح لها الطواف بالبيت ولا تطهر.
وأن الطلاق الثلاث يرد إلى واحدة، وكان هو قبل ادعاء ذلك نقل إجماع المسلمين على خلافه.
وأن المكوس حلال لمن أقطعها، وأنها إذا أخذت من التجار أجزأتهم عن الزكاة، وإن لم تكن باسم الزكاة، ولا على رسمها.
وأن المائعات لا تنجس بموت حيوان فيها كالفأرة.
وأن الجنب يصلي تطوعاً بالليل، ولا يؤخره إلا أن يغتسل قبل الفجر وإن كان بالبلد.
وأن شرط الواقف غير معتبر، بل لو وقف على الشافعية صرف إلى الحنفية وبالعكس، وعلى الفقهاء صرفه إلى الصوفية والخيار، وأمثال ذلك.
ومن مسائل الأصول: مسألة الحسن والقبح، التزم كل ما يرد عليهما.
وأن مخالف الإجماع لا يكفر ولا يفسق.
وأنه سبحانه محل الحوادث، تعالى الله عن ذلك وتقدس.
وأنه مركب، تفتقر ذاته افتقاراً لكل الأجزاء، تعالى الله عن ذلك وتقدس.
وأن القرآن محدَثٌ في ذاته، تعالى عن ذلك.
وأن العالم قديم بالنوع ولم يزل مع الله مخلوقاً دائماً، فجعله موجباً بالذات، لا فاعلاً بالاختيار، تعالى الله عن ذلك، وعما يقول ويفتري.
وقوله بالجسمية، والجهة، والانتقال، وأنه بقدر العرش، لا أصغر ولا أكبر!! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
وقال: إن النار تفنى.
وأن الأنبياء غير معصومين.
وأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لا يتوسل به، ولا جاه له.
وأن إنشاء السفر إليه بسبب الزيارة كغيره معصية لا تقصر الصلاة فيه.
فنعوذ بالله من هذه المقالات.
وأن التوراة والإنجيل لم تبدل ألفاظها، وإنما بدلت معانيها، وهذه القولة لم تزده إلا منقصة عند النبي صلى الله عليه وسلم وعند الله وعند الناس.
انتهى النقل المراد من الكتاب المذكور، مع تصحيح بعض الأخطاء المطبعية، وفيه عبرة بالغة.
مع أن الإمام البرزلي نازع في نسبة بعض هذه المسائل إلى ابن تيمية، لكنه أقر بأنه من الحشوية، القائلين بالجهة ..
تعليق