بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله المتكلم بكلام أزلي قائم بذاته، مقدس أن يتطرق إلى ذروة حماه أو يدنو من قلعة شاهق علاه ما هو من الحوادث كشأن سائر كمالاته، والصلاة والسلام على من أنزِل عليه القرآن إعجازًا، متظاهر المعاني متناسق المباني صدورا وأعجازًا، إطنابا ومساواة وإيجازًا، وعلى آله وأصحابه المصطفين لتعزيزه ونصره، والممدوحين بضروب من الثناء في محكم ذكره.
فهذه جوهرة من جواهر إمام من أئمة أهل السنة الأشعرية، وهو الشهاب القرافي الغني عن التعريف، فقد قال في شرح الأربعين:
فائدة يعلم بها ما هو قديم من كلام الله تعالى وما ليس بقديم منه، فإنه أكثر الناس من علماء الأصول في زماننا يعتقدون أن ألفاظ القرآن محدثة، وأن مدلولها قديم، وليس كذلك، بل الحق أن في ذلك تفصيلا كثيرا سيظهر لك الحق منه إن شاء الله تعالى، وهو أن نقول:
القرآن قسمان:
ـ أدلة.
ـ ومدلولات.
فالأدلة: هي الألفاظ، وهي كلها محدثة.
والمدلولات قسمان:
ـ مفردات.
ـ ومسندات.
فالمفردات قسمان:
ـ ما يرجع منها إلى ذات الله وصفاته العلية فهي قديمة.
ـ وما عدى ذلك فهو محدَث؛
فإن مدلولات ألفاظ القرآن المفردات: فرعون، وهامان، والسموات والأرض وغير ذلك، وهي بأسرها محدَثة. وأما مدلول قولنا: الله، العظيم، السميع البصير ونحوه فهو قديم.
والمسندات قسمان:
ـ حكايات.
ـ وإنشاءات.
فالإسنادات التي هي إنشاءات كلها قديمة، كانت مدلول لفظ الخبر أو الأمر أو النهي أو النداء أو الإذن؛ فإن الألفاظ دالة على هذه المعاني، وهي حقائق قائمة بذات الله تعالى، وهي في نفسها واحدة ترجع إلى الكلام، وقد تقدم بيان تعددها بحسب تعلقها، مع اتحادها في أصلها.
والمدلولات المسندات التي هي الحكايات هي أيضا قسمان:
ـ حكاية عن الله تعالى.
ـ وحكاية عن غيره.
فالحكاية عن غيره تعالى نحو قوله تعالى: (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ) [نوح:26]الآية ، وقوله تعالى: (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ) [الأعراف:12] الآية ونحو ذلك. فالحكايات قديمة لأنها خبر الله تعالى عن المحكي، والمحكي محدث؛ فإنه إسناد محدَثٍ، وإسناد المحدَث محدَث.
وأما الحكاية عن الله تعالى، فنحو قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) [الإسراء:61] فالحكاية والمحكي قديمان؛ لأن الحكاية إسناد الله تعالى وخبره، والمحكي إسناد الله وخبره، وخبر الله تعالى قائم بذاته.
فتحصل من التفصيل المتقدم أن في القرآن ثلاثة أقسام محدثة:
ـ ألفاظ دالة.
ـ ومفردات مدلولة. وهي غير الله وصفاته.
ـ ومسندات مركبات محكيات عن الغير.
وفيه ثلاثة أقسام قديمة:
ـ مدلولات مفردة: وهي ذات الله تعالى وكل صفة من صفاته.
ـ ومدلولات مسندة: وهي إنشاءات.
ـ ومدلولات مسندة: وهي حكايات وتراجم عن إسناد الله تعالى، وهي أخبار وأوامر ونواهي ونحو ذلك صادرة عنه تعالى.
وإذا أحطت علما بهذه الأقسام الست علمت ما هو قديم من القرآن وما هو محدَث. وهو تلخيص جليل قل من يحيط به فاضبطه بتأمل وفكر. انتهى.
سؤال لأذكياء المنتدى:
هل في إطلاق أهل السنة أن القرآن دال على كلام الله تعالى النفسي الأزلي القائم بذاته إطلاق فيه تسامح؟؟
ما هو وجهه؟؟
وما هي العبارة السديدة في ذلك؟؟
فلم حصرت تعلقات علم الحق تعالى بما في أذهان البشر حتى جعلتها محدودة..؟؟)فذا ينقض قولك الأول في المقالة الأخرى...
تعليق