مفهوم العقوبة في الفكر القانوني الاسلامى المقارن(1)

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • صبرى محمد خليل خيرى
    طالب علم
    • Jan 2010
    • 416

    #1

    مفهوم العقوبة في الفكر القانوني الاسلامى المقارن(1)

    مفهوم العقوبة في الفكر القانوني الاسلامى المقارن(1)
    د.صبري محمد خليل/ أستاذ الفلسفة(فلسفه القيم الاسلاميه) بجامعه الخرطوم sabri.khalil30@yahoo.com
    تعريف العقوبة:
    لغة:العقوبة لغة هي الجزاء على الذنب، ورد في لسان العرب)العقاب والمعاقبة هي أن تجزى الرجل بما فعل سوءاً والاسم العقوبة، وعاقبه بذنبه معاقبة وعقابا أخذ به) (ابن منظور / لسان العرب / ج 1 ص 619) .
    اصطلاحا: وأما العقوبة اصطلاحا فلها دلالتين:
    دلالة قانونية (تكوينية): وهى الجزاء على مخالفه مجموعه القواعد القانونية التي تشكل النظام القانوني،والمتضمن فيها، والذي تقوم في المجتمع سلطه لها حق إيقاعه على مخالفتها، وضمان نفاذ القانون ولو بالقوة.
    دلاله شرعيه(تكليفيه): وهى الجزاء على خرق النظام القانوني الاسلامى،ولما كان هذا النظام القانوني يتضمن نوعين من أنواع القواعد القانونية : القواعد الأصول، ممثله في القواعد الآمرة أو الناهية،و التي عبر عنها القران بمصطلح " الحدود "، و القواعد -الفروع ،التي محلها الفقه في الإسلام ، فان للجزاء هنا أيضا نمطين: الاول هو الذي ورد في النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ، وهو مثل كل أحكام الإسلام ، قائم على ما يحقق مصالح البشر في كل زمان ومكان ، أو حماية المصالح في كل الظروف الثابتة، ، وذلك بالزجر الكافي والمناسب ً للمحافظة على قوة الإلزام في القواعد الحدود (العقوبات الحدية). والثاني هو اجتهاد في تقدير الجزاء الكافي والمناسب على خرق القواعد -الفروع ، وفيما يؤكد نفاذ هذه القواعد،ويحمي المصالح في كل الظروف المتغيرة (عقوبات التعزير) .يقول الماوردي ( الحدود زواجر وضعها الله تعالى للردع عن ارتكاب ما حظر، وترك ما أمر ،لما في الطبع من مغالبة الشهوات الملهية عن وعيد الآخرة بعاجل اللذة ، فجعل الله تعالى من زواجر الحدود ما يردع به ذا الجهالة حذرا من ألم العقوبة ،وخيفة من نكال الفضيحة، ليكون ما حظر من محارمه ممنوعا، وما أمر به من فروضه متبوعا، فتكون المصلحة أعم والتكليف أتم ) .ويقول ابن تيميه ( العقوبات الشرعية إنما شرعت رحمة من الله تعالى لعباده، فهي صادرة عن رحمة الخلق وإرادة الإحسان إليهم , ولهذا ينبغي لمن يعاقب الناس على ذنوبهم أن يقصد بذلك الإحسان إليهم والرحمة بهم، كما يقصد الوالد تأديب ولده وكما يقصد الطبيب معالجة المريض)(الفتاوى).
    العقوبة والحدود: الحَدُّ لغة الفصل بين الشيئين لئلا يختلط أَحدهما بالآخر أَو لئلا يتعدى أَحدهما على الآخر، وجمعه حُدود.وفصل ما بين كل شيئين: حَدٌّ بينهما (لسان العرب)
    أما اصطلاحا فان لمصطلح دلاله أصليه ودلالات تبعية، أما دلالته الاصليه فهي القواعد الآمرة أو الناهية التي لا يباح مخالفتها.وقد وردت الكلمة بمعني القاعدة الآمرة كما في قولة تعالي﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ﴾ ( البقرة: 229) ، كما وردت بمعني القاعدة الناهية كما في قولة تعالي ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾.(البقرة187) وسميت حدودا لأنها فوارق بين الحلال والحرام وبالتالي لا يباح مخالفتها، ورد في لسان العرب(وحُدُود الله تعالى: الأَشياء التي بيَّن تحريمها وتحليلها، وأَمر أَن لا يُتعدى شيء منها فيتجاوز إِلى غير ما أَمر فيها أَو نهى عنه منها، ومنع من مخالفتها...) وليس النظام القانوني الاسلامى بدعا في النظم القانونية، في القول بالقواعد -الحدود ، إذ لا يمكن ان يوجد مجتمع بدون نظام قانوني، و لا يوجد نظام قانوني بغير حدود، تسمى في علم القانون قواعد النظام العام، لأنها الحل الوحيد للتناقض الدائم بين وحده المجتمع وتعدد الناس فيه ، وهى مجموعه من القواعد لها خصائص قواعد النظام الأخرى(عامه مجرده ملزمه)، إنما تتميز بأنها غير مباح مخالفتها او الاتفاق على مخالفتها، وبالتالي تصلح مميزا للنظام عن غيره ،ويحمل اى نظام اسم مصدره الفكري او العقائدي( نظام ليبرالي او ماركسي او اسلامى...) بمعنى ان تلك المذاهب او العقائد هي مصدر تلك القواعد الحدود، ومثالها الحرية الفردية التي منحها للإنسان" القانون الطبيعي" في الليبرالية، أو "الملكية الجماعية" لوسائل الإنتاج في الماركسية... إذا وجه الخلاف بين النظام القانوني الاسلامى وغيره من النظم القانونية ، ليس في إنكار او إقرار هذه القواعد - الحدود ، بل في مصدرها ، إذ ان مصدرها في النظام القانوني اسلامى هو الإسلام.
    أما دلالته التبعية الأولى فهي العقوبات المقدرة ، اى الجزاء على خرق القواعد الآمرة أو الناهية،و التي عبر عنها القران بمصطلح " الحدود "،و الذي ورد في النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ، يقول ابن تيمية" أما تسميه العقوبة المقدرة حدا فهو عرف حادث( ابن تيميه، الفتاوى، ص41).وورد في لسان العرب (قال الأَزهري: فَحُدود الله، عز وجل، ضربان: ضرب منها حُدود حَدَّها للناس في مطاعمهم ومشاربهم ومناكحهم وغيرها مما أَحل وحرم وأَمر بالانتهاء عما نهى عنه منها ونهى عن تعدّيها، والضرب الثاني عقوبات جعلت لمن ركب ما نهى عنه كحد السارق وهو قطع يمينه في ربع دينارِ فصاعداً... سميت حدوداً لأَنها تَحُدّ أَي تمنع من إِتيان ما جعلت عقوبات فيها، وسميت الأُولى حدوداً لأَنها نهايات نهى الله عن تعدّيها). ومنعا للخلط فإنه من الأفضل ان يطلق على هذه الدلالة التبعية لمصطلح الحدود اسم عقوبات الحدود او العقوبات الحدية.أما الدلالة التبعية الثانية لمصطلح الحدود فهي الجرائم المقدرة ، اى ذات الفعل الذى يخرق القواعد الآمرة أو الناهية،و التي عبر عنها القران بمصطلح " الحدود "، و الذي ورد جزاء محدد عليه في النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ، وقد وردت الاشاره إلى هذه الدلالة في الحديث( إِني أَصبت حدّاً فأَقمه عليّ ). ومنعا للخلط فإنه يفضل ان يطلق على هذه الدلالة التبعية لمصطلح الحدود اسم جرائم الحدود او الجرائم الحدية.
    العقوبة و الشريعة: كما ان لمصطلح الشريعة دلاله أصليه ودلاله تبعية ، أما دلالته الاصليه فهي تشمل العبادات والمعاملات بنوعيها: المعاملات الفردية من أحوال شخصية ومعاملات الفرد من بيع وأجاره ورهن وكفالة... والمعاملات التي تنظم العلاقة بين الأفراد في الجماعة، وتشمل القواعد الكلية التي تستند إليها النظم الاقتصادية السياسية القانونية... ويقول ابن تيميه(والا فالشريعة جامعة لكل ولاية وعمل فيه صلاح الدين والدنيا، والشريعة إنما هي كتاب الله وسنة رسوله، وما كان عليه سلف الأمة في العقائد والأحوال والعبادات والأعمال والسياسات والأحكام والولايات والعطيات‏...)‏ .وطبقا لهذه الدلالة فان مصطلح شريعة اشمل من مصطلح العقوبة، إذ ان العقوبات المقدرة هي جزء من الشريعة .اذ ( أن الشرائع والقواعد والآداب التي جاء بها الإسلام ليست مقصورة على الجرائم والمجرمين بل هي تنظيم لعلاقات الناس وهم يمارسون حياتهم العادية السوية ، فتربط بينهم وتحيلهم إلى مجتمع إسلامي )( د.عصمت سيف الدولة، عن العروبة والإسلام، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1988)..( أما دلالته التبعية فهي تعنى النظام القانوني الاسلامى وما يتضمنه من نوعين من أنواع القواعد القانونية : القواعد الأصول، ممثله في القواعد الآمرة أو الناهية،و التي عبر عنها القران بمصطلح " الحدود ". و القواعد -الفروع، التي محلها الفقه في الإسلام يقول ابن تيميه ( ثم هي مستعملة في كلام الناس على ثلاثة أنحاء‏:‏ شرع مُنَزَّل، وهو‏:‏ ما شرعه الله ورسوله‏.‏ وشرع مُتَأَوَّل، وهو‏:‏ ما ساغ فيه الاجتهاد‏.‏ وشرع مُبَدَّل، وهو‏:‏ ما كان من الكذب والفجور الذي يفعله المبطلون بظاهر من الشرع، أو البدع، أو الضلال الذي يضيفه / الضالون إلى الشرع‏.‏ والله ـ سبحانه وتعالى ـ أعلم). وهنا أيضا فان مصطلح الشريعة اشمل من مصطلح العقوبة الذى يتضمن نمطين من انماط الجزاء على خرق النظام القانوني الاسلامى (اى الدلالة التبعية لمصطلح الشريعة )،اى العقوبات الحدية و عقوبات التعزير كما سبق ذكره.
    أنواع العقوبات في القانون الجنائي الاسلامى: وفقد قسم القانون الجنائي الاسلامى العقوبات إلى ثلاثة أنواع:
    الأول: العقوبات الحدية: وهي عقوبات مقدرة تجب حقا لله تعالى ، لذا عرفها الفقهاء بأنها "محظورات شرعية زجر الله عنها بعقوبة مقدرة تجب حقا لله تعالى"، وما كان حق الله يعني ان وضعه كان لحماية مصلحة الجماعة ،يقول الكاساني (والمقصود بحق لله كل فعل أو امتناع ترجع علة إيجابه أو النهي عنه إلى الجماعة".( بدائع الصنائع، ج7، ص 33،56).
    الثاني: عقوبات القصاص: وهى عقوبات مقدره تجب حقا للعباد، اى ان وضعها كان لحماية مصلحه الفرد ، يعرف الكاسانى القصاص بأنه " ما وجب إتيانه أو الامتناع عنه لحق الفرد"( المرجع السابق، ص 320).و يجوز فيها العفو والشفاعة والتوريث بخلاف العقوبات الحدود.
    أي أن القصاص وضع لحماية حق الفرد، ولذا يجوز العفو في القصاص ولا يجوز في الحد.
    الثالث: عقوبات التعزير: وهى عقوبات غير مقدره ، يقررها الحاكم للجرائم التي لا حد فيها ولا كفارة ولا قصاص.
    خصائص العقوبة في القانون الجنائي الاسلامى والوضعي: وللعقوبة في القانون الجنائي الوضعي مجموعه من الخصائص، تتمثل في مجموعه من المبادئ والقواعد القانونية التي تضبط مفهوم العقوبة،والتي نجد في القانون الجنائي الاسلامى ما يقابلها.
    مبدأ «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص»: او مبدأ «قانونية الجرائم والعقوبات»» أي لا يمكن عَدّ فعل أو تركه جريمة إلا بنص صريح يحرم الفعل أو الترك، فإذا لم يرد نص صريح فلا مسؤولية ولا عقاب على فعل أو ترك، وهذا المبدأ نجد الاشاره إليه في جمله من الآيات كقوله تعالى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِين حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾.كما نجد الاشاره إليه في قاعدتين أصوليتين هما: «لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود النص»، والثانية: «الأصل في الأشياء والأفعال الإباحة»( محمد شلال العاني و عيسى العمري، فقه العقوبات في الشريعة الإسلامية، ص52- 53).
    ويترتب على قاعدة «لا جريمة ولا عقاب إلا بنص» نتائج منها:
    ا/عدم رجعية القانون: والمقصود به أن المشرع لا يتناول بالعقاب أفعالاً ارتكبت قبل صدور التجريم، وقد أشارت عده آيات إلى هذه القاعدة كقوله تعالى ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، لكن الشريعة الإسلامية تتفق مع أغلب القوانين الوضعية على وجود استثناءين لقاعدة عدم رجعية التشريعات الجزائية، أولهما يتعلق بمصلحة المتهم( عبود السراج، التشريع الجزائي المقارن، ص118)، والثاني بتطبيق قواعد الإجراءات الجزائية. ويضيف بعض الفقهاء المسلمين استثناء ثالثاً، في حالة ما إذا كان النص الجزائي متعلق بأمن المجتمع ونظامه (عوده، التشريع الجنائي الإسلامي، ج1 ص429).
    ب/ قصر التجريم وترتيب العقوبات على القانون المكتوب: دون غيره من المصادر القانونية،وفى القانون الجنائي الاسلامى وردت النصوص على العقوبات الحدية والقصاص، أما عقوبات التعزير فكون أنها لم ترد في الشرع، لأنها العقوبة التي يقررها الحاكم للجرائم التي لا حد فيها ولا كفارة ولا قصاص، لا ينفى هذه النتيجة، لأننا نجد الفقه الاسلامى نجد العديد من القواعد التي تفيد حق الدولة في تبنى قواعد قانونيه معينه لتصبح ملزمه للناس ،من هذه القواعد : "للسلطان أن يحدث من الأقضية بقدر ما يحدث من مشكلات" و "أمر الإمام يرفع الخلاف" و "أمر الإمام نافذ " .
    مبدأ المساواة في العقوبة: يقصد به أن نصوص القانون التي تقرر العقوبات تسري على جميع الأفراد دون تفرقة بينهم، وقد أشارت العديد من النصوص إلى هذا المبدأ كقوله صلى الله عليه وسلم «إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، و إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»
    مبدأ قضائية العقوبة: المقصود به هو أن السلطة القضائية هي المسئولة عن توقيع العقوبات الجنائية، «فلا عقوبة إلا بنص ولا عقوبة إلا بحكم قضائي». وقد أشار القانون الجنائي الاسلامى إلى هذا المبدأ، يقول الماوردي في الأحكام السلطانية بأن أحد واجبات الإمام ( تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين، وقطع الخصام بين المتنازعين، حتى تعم النصفة، فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم) ( د. وهبة الزحيلي، العقوبات الشرعية، ص227-229).
    مبدأ شخصية العقوبة: وهذا المبدأ الذي تنبته القوانين الوضعية نتيجة لمبدأي المسؤولية الأخلاقية والحرية الفردية، وهو كذلك من المبادئ العامة الأساسية في القانون الجنائي الاسلامى يقول تعالى ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وفي الحديث عنه (صلى الله عليه وسلم): «لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه» (أ. محمد تهامي دكير، خصائص العقوبة في الشريعة الإسلامية).
    مشروعيه العقوبة:
    أولا: في الفكر القانوني الغربي:أولا: النظرية الجزائية: اعتبرت ان الغاية من العقوبة هي إيقاع الجزاء على خرق القواعد الاخلاقيه والقانونية. فكانط مثلا يرى على ان العقوبة يجب ان تكون متطابقة مع الجريمة المرتكبة ، فالمذنب يجب ان يعاني من ذنبه ، والنظام الأخلاقي والعدالة الجنائية تتطلبان لوناً من ألوان العقوبة(امانويل كانت، فلسفة القانون، إدنبرة،1887).أما اوينك فيرى انه لا يوجد سبب جوهري لإدانة الجناية عن طريق إنزال الأذى بالجناة ، ما لم تكن المنفعة المتحققة من إنزال العقاب بالجناة نافعة، على مستويي الجاني والضحية، إلى درجة تعلن لهم بان خرق القانون على الصعيد الأخلاقي ، يجب ان يواجهه المجتمع بطريقة تمنع حصوله مستقبلاً(إي سي اوينك ،أخلاقية العقوبة، لندن، 1929). أما هيغل فيرى ان العقوبة ضرورية إبطال العمل الجنائي الذي ارتكبه الجاني، وبتعبير آخر، فان العقوبة لا تتحدد بتعويض الضحية، بل تتعدى إلى إنزال العقوبة الجسدية بالجاني (هيغل ،فلسفة الحقوق. أكسفورد،1942( . لان الجاني قد اخل بميزان النظام الأخلاقي في المجتمع؛ ولا يمكن تصحيح ذلك الخلل إلا بجعل الجاني يعاني من الألم جزاء عمله الإجرامي الذي ارتكبه. وبتعبير آخر، لما كانت الجناية إبطالا للحق، فان العقوبة إبطال لذلك الإبطال، ولذلك فإنها ـ حسب المنطق الديالكتيكي ـ وسيلة إلى إرجاع الحق إلى نصابه. ثانيا: النظرية النفعية : اعتبرت ان الغاية من العقوبة هي زجر الناس عن خرق القواعد الاخلاقيه والقانونية. فجيرمي بنثام مثلا يرى انه من الخطأ أخلاقيا إنزال العقوبة بفرد ما حتى لو كان جانياً ، وان العقوبة يمكن تبريرها فقط إذا كانت الآثار الايجابية المتولدة عنها تفوق الآثار السلبية الناجمة عن إنزال المعاناة والأذى بإنسان آخر وهو الجاني ،وهنا يجب ان عدم اللجوء إلى العقوبات الصارمة التي تنـزل الأذى بالجناة(جيرمي بنثام، مقدمة في مبادئ الأخلاق والتشريع ، لندن، 1789)، ويقدم (جيرمي بنثام) اقتراحاً فلسفياً يقضي بإصلاح الجناة عن طريق معين ، وهو إدخالهم السجون او نفيهم من أوطانهم ،على شرط ان لا تتجاوز هذه العقوبة الإصلاحية جوهر الشر الذي أدى إلى إنزال الأذى بالضحية، ولكن إذا كانت العقوبة النازلة بالجاني قد تجاوزت الأذى الذي ألحقه بالضحية أصبحت العقوبة ـ عندئذ ـ قضية ظالمة لا يمكن تبريرها .تقويم: وهكذا فان النظرية الجزائية ركزت على عنصر الجزاء ، بينما النظرية النفعية ركزت على عنصر الردع ، بينما مشروعيه العقوبة تستند إلى العنصرين معا .
    ثانيا: في الفكر القانوني الاسلامى: أما الفكر القانوني الاسلامى فيجمع بين عنصري الجزاء(اى كون العقوبة هي جزاء على خرق مجموعه القواعد القانونية التي تشكل النظام القانوني الاسلامى ) ، والردع(اى ان من غايات العقوبة الزجر الكافي والمناسبً للمحافظة على قوة الإلزام في القواعد القانونية التي تشكل النظام القانوني الاسلامى )، يقول تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله) والنكال المنع، يقول الشيخ محمد أبو زهره في تفسير الايه (هذا العقاب فيه جزاء كفاء للجريمة، وفيه منع لغير المرتكب عن ان يرتكب) (محمد أبو زهره، الجريمة والعقوبة في الفقه الاسلامى، العقوبة ، دار الفكر العربي، ص192).ومن تعريف العقوبة في الفكر القانوني الاسلامى نخلص إلى أن نظرية الجزاء فيه لا تقوم على أساس الانتقام،قال تعالى : ( ولكم في القصاص حياة ) { البقرة : 179 } ( الاحتفاظ للجرم بجزاء شخصي في الآخرة ، واستبدال الدية بالعقوبة والتوبة ، والعفو )، بل هي مثل كل أحكام الإسلام ، قائمة على ما يحقق مصالح البشر ، أو حماية المصالح كما يقال في فقه القانون الجزائي ، وذلك بالزجر الكافي والمناسب ً للمحافظة على قوة الإلزام في القواعد القانونية التي تشكل النظام القانوني الاسلامى كما سبق ذكره.( د.عصمت سيف الدولة، عن العروبة والإسلام، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1988). ان ما سيق من حديث هو عن الأساس العام لمشروعيه العقوبة في القانون الجنانى الاسلامى بصوره عامه لكن لكل عقوبة مقدره أيضا أساس مشروعيه خاص ، فعلى سبيل المثال أساس مشروعيه عقوبة السرقة حماية مصلحة الجماعة في الانتفاع بالمال، باعتبار أنها المستخلفة أصلا عن الله تعالى مالك المال في الانتفاع به ، وأن كان الانتفاع بيد الفرد باعتباره وكيل عنها ، والدليل على ذلك أنها عقوبة حديه ،والحدود تجب حقا لله تعالى، وما كان حق الله يعني ان وضعه لحماية مصلحة الجماعة يقول الكاساني (والمقصود بحق لله كل فعل أو امتناع ترجع علة إيجابه أو النهي عنه إلى الجماعة".(الكاسانى بدائع الصنائع، ج7، ص 33،56)،ولو كان المراد بها حماية مصلحه الفرد لكانت عقوبة السرقة قصاص ،لان القصاص" ما وجب إتيانه أو الامتناع عنه لحق الفرد"( المرجع السابق، ص 320). فهي إذا تهدف إلى التأكيد على الوظيفة الاجتماعية للملكية الفردية(اى حق الفرد فى الانتفاع بالمال على وجه لا يتناقض مع مصلحه الجماعة)، وليس لتكريس الملكية الخاصة(اى حق التصرف المطلق في المال ولو تعارض مع مصلحه الجماعة كما في الليبرالية) .كما أن أساس مشروعيه عقوبة القتل في القانون الجنائي الاسلامى القصاص العادل من الجاني بما ينزع بذور الرغبة في الانتقام في نفوس أولياء المجني عليه بالاضافه إلى التأكيد على ان المجتمع يحد الفرد فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه،وبالتالي فان وجود الفرد محدود بوجود المجتمع ، وبالتالي يجب إلغاء وجود الفرد عندما يصل رفضه للمجتمع إلى حد تحدى وجوده .وهكذا فان اى تطبيق للعقوبات الواردة في القانون الجنائى الاسلامى لا تلتزم بأساس مشروعيه العقوبة العام والخاص يصبح غير شرعى
    شروط إيقاع العقوبة :وقد حدد القانون الجنائى الاسلامى جمله من الشروط العامة اللازمة لإيقاع العقوبة منها:
    التكليف: و يقصد به البلوغ و العقل فلا يجب معاقبة الصغير أو المجنون.
    الاختيار و عدم الإكراه: فلا يعاقب من أجبر بغير إرادته على اقتراف جريمة معينة لأن عنصر الإرادة و الاختيار مفقود. ومثال على ذلك عدم تطبيق عمر بن الخطاب رضي الله عنه عقوبة القطع عام الرماده لان الجوع يسلب الإنسان الاراده والمقدرة على الاختيار ، و هنا نرى انه ليس دقيقاً أن يقال إن عمر بن الخطاب قد عطل حدّ السرقة عام المجاعة . فما كان له أو لغيره أن يبيح ما حرّم الله . ولكنه رأى في ظروف معينّة أن جزاء قطع اليد لم تتوافر له احد شروطه وهو الاراده.
    العلم بالتحريم: فلا يعاقب من يجهل حرمة جريمة معينة ارتكبها لانتفاء القصد إلى ارتكاب الجريمة.
    ثبوت الجريمة: لا عقوبة ما لم تثبت الإدانة بالطرق القطعية، ومن طرق الإثبات الإقرار: ويعتبر في المقر البلوغ وكمال العقل والاختيار. ومنها البينة : وهى شهادة العدول البالغين العاقلين.
    النهى عن اقامه الحد وقت الغزو و الاستقرار الاجتماعي: ومن الشروط العامة لإيقاع العقوبات الحدية توافر الاستقرار الاجتماعي، وهو ما يستنبط من ان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقم الرسول حدا قط في غزو، بدليل ما رواه بسر بن ارطاه من انه وجد رجلا يسرق فجلده ولم يقطع يده وقال: نهانا الرسول عن القطع في الغزو،و روى عن عمر النهى عن اقامه الحد وقت الغزو ،و قرر الأكثرون انه لا يقام الحد على المحارب أثناء الحرب خشيه ان يلحق بالأعداء(محمد أبو زهره ، الجريمة والعقوبة، ص 324 )
    كما حدد القانون الجنائي الاسلامى جمله من الشروط الخاصة بإيقاع العقوبات الحدية منها على سبيل المثال في عقوبة القذف:أن يكون المقذوف محصنا توفرت فيه شروط الإحصان وهي: العقل والحرية والإسلام والعفة من الزنا، وأن لا يأتي القاذف ببينة تؤكد قذفه... وفى عقوبة السرقة: ان يكون السارق مكلفا ، وأن يقصد فعل السرقة ، وألا يكون مضطرا إلى الأخذ ، وأن تنتفي الجزئية بينه وبين المسروق منه ، وألا تكون عنده شبهة في استحقاقه ما أخذ ..
    ويكون المسروق منه :معلوما ، وأن تكون يده صحيحة على المال المسروق ، وأن يكون معصوم المال وان إلا أن يكون المال المسروق متقوما ، وأن يبلغ نصابا ، وأن يكون محرزا . وفى عقوبه قطع الطريق: الالتزام والتكليف ووجود السلاح معهم والبعد عن العمران والذكورة و المجاهرة ... وهكذا فان اى تطبيق للعقوبات الواردة في القانون الجنائى الاسلامى لا يستوفى شروط إيقاع هذه العقوبات العامة والخاصة يصبح غير شرعي.
يعمل...