التجسيم في فكر الحنابلة

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • علاء حسام داود
    طالب علم
    • Mar 2009
    • 406

    #1

    التجسيم في فكر الحنابلة

    المبحث الرابع: التجسيم في فكر الحنابلة
    نعوذ بالله أن يكون غرضنا في عقد هذا المبحث هو الطعن بمذهب من مذاهب أهل السنة، بل الأمر على عكسه لأن الذي دعا إلى تخصيص البحث في مسألة التجسيم في فكر الحنابلة خاصة دون غيره من المذاهب الفقهية هو ميل بعض الحنابلة إلى الغلو في الإثبات ورغبة بعض مخالفيهم في عدِّ قول هؤلاء الغلاة قولاً لعامة الحنابلة. والحق أن علماء الحنابلة منزهون عن هذا الغلو وقد لهجوا بالبراءة منه ومن تبرئة إمامهم منه أيضاً.
    وفي ذلك يقول ابن الجوزي رحمه الله كلاماً ينبغي أن يكتب بماء الذهب: (اعلم وفقك الله تعالى أني لما تتبعت مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى رأيته رجلا كبير القدر في العلوم، قد بالغ رحمة الله عليه في النظر في علوم الفقه ومذاهب القدماء، حتى لا تأتي مسألة إلا وله فيها نص أو تنبيه إلا أنه على طريق السلف، فلم يصنف إلا المنقول، فرأيت مذهبه خالياً من التصانيف التي كثر جنسها عند الخصوم ورأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح، وانتدب للتصنيف ثلاثة: أبو عبد الله بن حامد وصاحبه القاضي( ) وابن الزاغوني فصنفوا كتباً شانوا بها المذهب ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات على مقتضى الحس. فسمعوا أن الله تعالى خلق آدم على صورته، فأثبتوا له صورة ووجهاً زائداً على الذات، وعينين وفماً ولهواتٍ وأضراساً..ويدين وأصابعَ وكفاً وخنصراً وإبهاماً وصدراً وفخذاً وساقين ورجلين. وقالوا: ما سمعنا بذكر الرأس. وقالوا: يجوز أن يُمس وَيمس، ويدني العبد من ذاته. وقال بعضهم: ويتنفس. ثم يرضون العوام بقولهم: لا كما يعقلثم يتحرجون من التشبيه ويأنفون من إضافته إليهم ويقولون: نحن أهل السنة، وكلامهم صريح في التشبيه. وقد تبعهم خلق من العوام. فقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم: يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل وإمامكم الاكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط:" كيف أقول ما لم يقل". فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس منه... فلو أنكم قلتم: نقرأ الأحاديث ونسكت ما أنكر عليكم أحد، إنما حمْلكم إياها على الظاهر قبيح، فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس منه. ولقد كسيتم هذا المذهب شيناً قبيحاً حتى صار لا يقال حنبلي إلا مجسم..)( )
    ولهج شيوخ الحنابلة من قبل ابن الجوزي في الإنكار الشديد على أبي يعلى حتى قالوا فيه كلمة فظيعة لا نقصد بنقلها إلا بيان غيرة أكابر هذا المذهب على مذهبهم، كما فعل شيخ الحنابلة رزق الله التميمي( ) فقال في حق القاضي أبي يعلى وكتابه إبطال التأويلات: (لقد خري أبو يعلى الفراء على الحنابلة خرية لا يغسلها الماء)( )
    وأنت إذا تأملت منزلة هذا القائل المشهود له بالرئاسة والتقدم في الفقه والأصول والتفسير والعربية والحشمة والهيبة وعلو الكعب في الوعظ احتجت مع ذلك إلى الإطلاع على كتاب أبي يعلى لتعرف أن هذه الكلمة لم تصدر منه إلا لغيرته الشديدة على مذهب الحنابلة من أمر فظيع نسب إليهم بسبب أبي يعلى. فإذا وقفت على ما في إبطال التأويلات من إثبات الأضراس واللهوات والفخذ والساعد والساق والأبعاض ورؤيته على صورة شاب أمرد ونحو ذلك مما هو مبسوط في موضعه علمت أن التميمي رحمه الله لم يغادر وقاره إلا لأمر لو سكت عنه لما بقي معه شيء من وقار ولا حشمة. وكان الغرض من هذه اللفظة لفت الأنظار إلى براءة المذهب مما نسب إليه بسبب الغالين فيه.
    ولكن بعض المعاصرين وقع في ما خاف منه أكابر الحنابلة على مذهبهم. من ذلك أن السقاف إذا حكى قولاً من الأقوال المنكرة ينسبه إلى مذهب الحنابلة والمجسمة( ) بل يتطاول على الإمام أحمد فيقول تعليقاً على قول وقف هو نفسه على عدم صحته إلى أبي ثور: (وكل هذه الخرافات أتى بها أبو ثور من أحمد بن حنبل، على أنه بعد هذا الولاء لأحمد رجع أحمد فقال إنه جهمي..)( ). بل انساقت نفسه إلى التطاول على الأشاعرة أيضاً إذا ذكروا مع الحنابلة فيتحدث عن الإمام الباقلاني الذي لفت نظرَه في ترجمته أنه كان موالفاً لكبار الحنابلة فقال: (ذكر الذهبي في ترجمته " أمَر شيخ الحنابلة أبو الفضل التميمي منادياً يقول بين يدي جنازته هذا ناصر السنة والدين والذاب عن الشريعة " فهذا أمر عجب عجاب مع ما عُرف به الحنابلة من معاداتهم للأشعرية وشدة بغضهم له، وقال الذهبي في ترجمة شيخ الحنابلة التميمي في السير أيضا " كان صديقاً للقاضي أبي بكر الباقلاني ومواداً له ". وفي كتاب تبين كذب المفتري لابن عساكر بيان أكثر من هذا عن الصداقة)( ) وذكر الباقلاني في غير هذا الموضع فرماه بالتجسيم صراحة( ) ولم يوفر حتى الإمام الأشعري فيقول تعليقاً على اختلاف ذكره في سنة وفاته: (فلو كان الأشعري حقاً وصدقاً كما يقولون له مذهب وأتباع معروفون لضبط يوم موته بالساعة فضلاً عن اليوم والشهر والسنة فلا أدري لم وقع كل هذا؟ وكل هذا يضع علامات استفهام على الأشعري ومصنفاته وحقيقته. والله أعلم بحقيقة الحال)( )
    والذي دعانا إلى ذكر هذا الكلام هو بيان ما آل إليه الوهم في خلط مذهب الحنابلة وإمامهم بمذهب بعض الغلاة منهم. ولا يخفى أن المتقدمين والمقدمين من أصحاب أحمد كلهم على مذهبه في التنزيه لا خلاف بينهم وبين الحنابلة في ذلك، يقول ابن الجوزي في الكتاب الذي يحققه السقاف: (وكان الإمام أحمد يقول: أمِرُّوا الأحاديث كما جاءت، وعلى هذا كبار أصحابه كإبراهيم الحربي، ومن كبار أصحابنا أبو الحسن التميمي، وأبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب وأبو الوفاء ابن عقيل)( ) وهذا مما لا ينكره أحد من أهل التنزيه. وحكى أبو الفضل التميمي اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل فقال: (وأنكر على من يقول بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة بالشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على كل ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجىء في الشريعة ذلك فبطل)( )
    ومثل هذه النصوص كثيرة مذكورة في مواضعها فنبرأ إلى الله عز وجل من نسبة التجسيم إلى الحنابلة كما برأهم من ذلك الأشعرية فقال الشهرستاني: (..فأما أحمد بن حنبل..وجماعة من أئمة السلف فجروا على منهاج السلف المتقدمين عليهم من أصحاب الحديث..وسلكوا طريق السلامة فقالوا نؤمن بما ورد به الكتاب والسنة ولانتعرض للتأويل بعد أن نعلم قطعاً أن الله عز وجل لايشبه شيئاً من المخلوقات وأن كل ما تمثل في الوهم فإنه خالقه ومقدره وكانوا يحترزون عن التشبيه إلى غاية أن قالوا من حرك يده عند قراءة قوله تعالى: " لما خلقت بيدي"( ) وجب قطع يده )( ) فهذا التوالف بين الحنابلة والأشعرية يدل على اتفاق المذهبين على تنزيه الله عز وجل فأي سبب يدعو إلى الخلاف والنزاع؟ وأي ضير وجده السقاف من الوفاق بين أهل السنة. وإنما حصل النزاع والافتراق بين غلاة الحنابلة والأشاعرة، وكان مع الأشاعرة في هذا النزاع المقدمون في مذهب الإمام أحمد. وإنما علا زبد هؤلاء الغلاة في فترة عصيبة مرت بها الدولة الإسلامية فاستغلوا غفلة السلطان وخدعوا العوام بما هم عليه من التزهد وبما رفعوه من شعار السنة ونبذ البدعة والتجهم، وهذا مما شهد به المؤرخون، من ذلك قول ابن خلدون وهو يصف بغداد: (واضطربت آخر الدولة العباسية بالفتن وكثر فيها المفسدون والدعار.. وأعيا على الحكام أمرهم وربما حدثت الفتن..بين الحنابلة والشافعية وغيرهم من تصريح الحنابلة بالتشبية في الذات والصفات ونسبتهم ذلك إلى الإمام أحمد وحاشاه منه فيقع الجدال والنكير ثم يفضى إلى الفتنة بين العوام..ولم يحصل من ملوكهم اهتمام لحسم ذلك لاشتغالهم بما هو أعظم منه في الدولة والنواحى)( )
    فإن قيل ما السبب في اختيار الغلاة مذهب الإمام أحمد بن حنبل؟
    فالجواب لسببين: الأول: أن الإمام أحمد اشتهر موقفه في محنة خلق القرآن وطال فيها صبره وثباته حتى صار له من القبول ما دفع إلى ادعاء الغلاة الانتساب إلى مذهبه متظاهرين بالتمسك بالأثر والسنة كما فعل الإمام أحمد. ولا يخفى أن الإمام لم يتمسك بالاسرائيليات والأخبار الضعيفة والمتون المنكرة كما فعل هؤلاء، واستغلوا ما كتبه الله للإمام من القبول عند العوام فزخرفوا مذهبهم بالانتساب إليه واستثاروهم بالغيرة على مذهبه.
    الثاني: أن الإمام لورعه لم يصنف إلا في المنقول المأثور(.. وكان الإمام لا يرى وضع الكتب وينهي عن كتابة كلامه ومسائله)( ) ولهذا طمع هؤلاء في نسبة بعض أفكارهم إليه فتجد الاختلاف في الرواية عن الإمام أحمد كثيراً، حتى أن القاضي أبا يعلى صنف في الاختلاف عن الإمام أحمد كتابا خاصا وهو "الروايتان والوجهان " وجعل آخره خاصاً في المسائل المتعلقة بالعقيدة.( ) وتجد بعض الرسائل المنسوبة إلى الإمام اعتمد عليها الكثيرون مع أن فيها رواة مجهولين مثل رسالة مسدد بن مسرهد ورسالة الاصطخري وغيرها( ) بل تجد مصنفاً معتمداً ومنسوباً إلى الإمام وفي سنده إليه رجل مجهول وهو "الرد على الزنادقة والجهمية " فهل انقطعت الرواية عند أهل الرواية وعن إمام الرواية حتى لم يبق لها إلا المجاهيل ؟ ونختم الكلام في هذه المسألة بأبيات صادقة ختم بها ابن الجوزي دفعه عن مذهب الحنابلة فقال:
    وجاءك قوم يدعون تمذهبا بمذهبه ما كل زرع له أكل
    فلا في فروع يثبتون لنصرة وعندهم من فهم ما قاله شغل
    إذا ناظروا قاموا مقام مقاتل فواعجباً والقوم كلهم عزل
    قياسهم طردا إذا ما تصدروا وهم من علوم النقل أجمعها عطل
    إذا لم يكن في النقل صاحب فطنة تشابهت الحياة وانقطع الحبل
    ومالوا إلى التشبيه أخذاً بصورة لما نقلوه في الصفات وهم غفل
    وقالوا الذي قلناه مذهب أحمد فمال إلى تصديقهم من به جهل
    وصار الأعادي قائلين لكلنا مشبهة قد ضرنا الصحب والخل
    فقد فضحوا ذاك الإمام بجهلهم ومذهبه التنزيه لكن هم اختلوا
    لعمري لقد أدركت منهم مشايخاً وأكثر من أدركتهم ما له عقل
    وما زلت أجلو عندهم كل خصلة من الاعتقاد الرذل كي يجمع الشمل
    تسموا بألقاب ولا علمَ عندهم موائدهم لا حرم فيها ولا حل)( )
يعمل...