الرد على كتاب درء تعارض العقل والنقل (7)

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • رمضان ابراهيم ابو احمد
    طالب علم
    • Jan 2009
    • 489

    #1

    الرد على كتاب درء تعارض العقل والنقل (7)

    الرد على كتاب درء تعارض العقل والنقل (7)
    قصة الخليل عليه السلام (1)
    على عادة ابن تيمية , يشتت الموضوع الواحد فى أكثر من موضع فى كتبه كلها , فلا يبحث الموضوع فى كتاب واحد ويوفيه حقه كما يفعل كبار العلماء المتمكنين الراسخين , وهذا دليل على أنه يكتب بطريقة عشوائية ما يخطر بباله أولا بأول , فقد ذكر استدلال العلماء بقصة حوار الخليل عليه السلام مع قومه الوارد فى سورة الأنعام , بإبطال ربوبية والهية الكواكب والقمر والشمس , استدلوا منها على امتناع نسبة الجسم والحركة والتغير الى الله تعالى , فقام ابن تيمية برفض هذا الاستدلال وسفّه العلماء وخاصة الرازى , وسمى استدلال الرازى بهذه القصة أثناء تفسيره لسورة الأنعام , سماه [ بالهذيان ] فإذا كان ينفى قول العلماء بعدم جواز نسبة الجسم والتغير والحركة الى الله تعالى فعلى الفور هو يقول بنسبة ذلك الى الله تعالى مهما نفى ذلك أتباعه ,
    وقد ذكر هذا القول فى أكثر من موضع فى كتاب درء تعارض العقل والنقل وفى كتاب منهاج السنة وفى كتاب شرح حديث النزول , وغيرها
    وسوف أذكر أولا أقوال العلماء باختصار ثم أتبعه بنقض ابن تيمية لهذه الأقوال :
    1-الله سبحانه وتعالى كثيراً ما يحتج على مشركي العرب بأحوال إبراهيم عليه السلام وذلك لأنه يعترف بفضله جميع الطوائف والملل فالمشركون كانوا معترفين بفضله مقرين بأنهم من أولاده واليهود والنصارى والمسلمون كلهم معظمون له معترفون بجلالة قدره . فلا جرم ذكر الله حكاية حاله في معرض الاحتجاج على المشركين .
    2-لا دين أقدم من دين عبادة الأصنام ، والدليل عليه أن أقدم الأنبياء الذين وصل إلينا تواريخهم على سبيل التفصيل هو نوح عليه السلام ، وهو إنما جاء بالرد على عبدة الأصنام كما قال تعالى حكاية عن قومه أنهم قالوا : { لاَ تذرن آلهتكم ولا تَذَرُنَّ وُدّاً ولا سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً } وذلك يدل على أن دين عبادة الأصنام قد كان موجوداً قبل نوح عليه السلام وقد بقي ذلك الدين إلى هذا الزمان فإن أكثر سكان أطراف الأرض مستمرون على هذا الدين
    3-الناس رأوا تغيرات أحوال هذا العالم الأسفل مربوطة بتغيرات أحوال الكواكب ، فإنه بحسب قرب الشمس وبعدها من سمت الرأس تحدث الفصول الأربعة ، وبسبب حدوث الفصول الأربعة تحدث الأحوال المختلفة في هذا العالم ، ثم إن الناس ترصدوا أحوال سائر الكواكب فاعتقدوا ارتباط السعادات والنحوسات بكيفية وقوعها في طوالع الناس على أحوال مختلفة فلما اعتقدوا ذلك غلب على ظنون أكثر الخلق أن مبدأ حدوث الحوادث في هذا العالم هو الاتصالات الفلكية والمناسبات الكوكبية فلما اعتقدوا ذلك بالغوا في تعظيمها ثم منهم من اعتقد أنها واجبة الوجود لذواتها ومنهم من اعتقد حدوثها وكونها مخلوقة للإله الأكبر ، إلا أنهم قالوا إنها وإن كانت مخلوقة للإله الأكبر ، إلا أنها هي المدبرة لأحوال هذا العالم وهؤلاء هم الذين أثبتوا الوسائط بين الإله الأكبر ، وبين أحوال هذا العالم . وعلى كلا التقديرين فالقوم اشتغلوا بعبادتها وتعظيمها ثم إنهم لما رأوا أن هذه الكواكب قد تغيب عن الأبصار في أكثر الأوقات اتخذوا لكل كوكب صنماً من الجوهر المنسوب إليه واتخذوا صنم الشمس من الذهب وزينوه بالأحجار المنسوبة إلى الشمس وهي الياقوت والألماس واتخذوا صنم القمر من الفضة
    4-الأنبياء صلوات الله عليهم لهم ههنا مقامان : أحدهما : إقامة الدلائل على أن هذه الكواكب لا تأثير لها البتة في أحوال هذا العالم كما قال الله تعالى : { أَلاَ لَهُ الخلق والأمر } بعد أن بين في الكواكب أنها مسخرة . والثاني : أنها بتقدير أنها تفعل شيئاً ويصدر عنها تأثيرات في هذا العالم إلا أن دلائل الحدوث حاصلة فيها فوجب كونها مخلوقة والاشتغال بعبادة الأصل أولى من الاشتغال بعبادة الفرع
    5-اشتمل كلام إبراهيم عليه السلام في هذه الآية على ذكر الحجة العقلية على فساد قول عبدة الأصنام من وجهين : الأول : أن قوله : { أتتخذ أصناماً آلهة } يدل على أنهم كانوا يقولون بكثرة الآلهة؛ إلا أن القول بكثرة الآلهة باطل بالدليل العقلي الذي فهم من قوله تعالى : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا } والثاني : أن هذه الأصنام لو حصلت لها قدرة على الخير والشر لكان الصنم الواحد كافياً ، فلما لم يكن الواحد كافياً دل ذلك على أنها وإن كثرت فلا نفع فيها
    6-{ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الليل رأى كوكبا قال هذا ربى } قبل هذه الآية أنكر الخليل على أبيه عبادة الأصنام { أتتخذ أصناما آلهة } وأراه الله تعالى ملكوت السموات ,
    والأرض , وأثبت أنه من الموقنين , حتى لا يظن جاهل أن ابراهيم عليه السلام لا يعرف ربه , فابراهيم عليه السلام لم يقل هذا ربي ، على سبيل الإخبار ، بل الغرض منه أنه كان يناظر عبدة الكواكب وكان مذهبهم أن الكوكب ربهم وإلههم ، فذكر إبراهيم عليه السلام ذلك القول الذي قالوه بلفظهم وعبارتهم حتى يرجع إليه فيبطله,وأيضا , قوله : { هذا رَبّى } معناه هذا ربي في زعمكم واعتقادكم كما قال تعالى للسامرى على لسان موسى عليه السلام { وانظر الى الهك الذى ظلت عليه عاكفا } , وأيضا كان هذا القول منه عليه السلام على سبيل الاستدراج , وذلك بأن ذكر كلاماً يوهم كونه مساعداً لهم على مذهبهم بربوبية الكواكب مع أن قلبه صلوات الله عليه كان مطمئناً بالإيمان ، ومقصوده من ذلك أن يتمكن من ذكر الدليل على إبطاله وإفساده وأن يقبلوا قوله,
    7-قوله تعالى { لا أحب الآفلين } ويجب أن نقف هنا ونتدبر جيدا , وأفضل من يعبر عن هذا المعنى العميق هو الفخر الرازى حيث يقول :
    الأفول عبارة عن غيبوبة الشيء بعد ظهوره .
    {وإذا عرفت هذا فلسائل أن يسأل ، فيقول : الأفول إنما يدل على الحدوث من حيث إنه حركة وعلى هذا التقدير ، فيكون الطلوع أيضاً دليلاً على الحدوث ، فلم ترك إبراهيم عليه السلام الاستدلال على حدوثها بالطلوع وعول في إثبات هذا المطلوب على الأفول؟
    والجواب : لا شك أن الطلوع والغروب يشتركان في الدلالة على الحدوث إلا أن الدليل الذي يحتج به الأنبياء في معرض دعوة الخلق كلهم إلى الله لا بد وأن يكون ظاهراً جلياً بحيث يشترك في فهمه الذكي والغبي والعاقل . ودلالة الحركة على الحدوث وإن كانت يقينية إلا أنها دقيقة لا يعرفها إلا الأفاضل من الخلق . أما دلالة الأفول فإنها دلالة ظاهرة يعرفها كل أحد ، فإن الكوكب يزول سلطانه وقت الأفول فكانت دلالة الأفول على هذا المقصود أتم . وأيضاً قال بعض المحققين : الهوى في خطرة الإمكان أفول ، وأحسن الكلام ما يحصل فيه حصة الخواص وحصة الأوساط وحصة العوام ، فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان ، وكل ممكن محتاج ، والمحتاج : لا يكون مقطوع الحاجة ، فلا بد من الانتهاء إلى من يكون منزهاً عن الإمكان حتى تنقطع الحاجات بسبب وجوده كما قال : { ا وَأَنَّ إلى رَبّكَ المنتهى } [ النجم : 42 ] وأما الأوساط فإنهم يفهمون من الأفول مطلق الحركة ، فكل متحرك محدث ، وكل محدث فهو محتاج إلى القديم القادر . فلا يكون الآفل إلهاً بل الإله هو الذي احتاج إليه ذلك الآفل . وأما العوام فإنهم يفهمون من الأفول الغروب وهم يشاهدون أن كل كوكب يقرب من الأفول والغروب فإنه يزول نوره وينتقص ضوءه ويذهب سلطانه ويصير كالمعزول ومن يكون كذلك لا يصلح للإلهية ، فهذه الكلمة الواحدة أعني قوله : { لا أُحِبُّ الأفلين } كلمة مشتملة على نصيب المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال ، فكانت أكمل الدلائل وأفضل البراهين .}و أنه عليه السلام إنما كان يناظرهم وهم كانوا منجمين . ومذهب أهل النجوم أن الكوكب إذا كان في الربع الشرقي ويكون صاعداً إلى وسط السماء كان قوياً عظيم التأثير . أما إذا كان غريباً وقريباً من الأفول فإنه يكون ضعيف التأثير قليل القوة . فنبه بهذه الدقيقة على أن الإله هو الذي لا تتغير قدرته إلى العجز وكماله إلى النقصان ، ومذهبكم أن الكوكب حال كونه في الربع الغربي ، يكون ضعيف القوة ، ناقص التأثير ، عاجزاً عن التدبير ، وذلك يدل على القدح في إلهيته ، فظهر على قول المنجمين أن للأفول مزيد خاصية في كونه موجباً للقدح في إلهيته ،
    8-دل قوله : { لا أُحِبُّ الأفلين } على أحكام :
    الحكم الأول
    هذه الآية تدل على أنه تعالى ليس بجسم إذ لو كان جسماً لكان غائباً عنا أبداً فكان آفلاً أبداً ، وأيضاً يمتنع أن يكون تعالى ينزل من العرش إلى السماء تارة ويصعد من السماء إلى العرش أخرى ، وإلا لحصل معنى الأفول .
    الحكم الثاني
    هذه الآية تدل على أنه تعالى ليس محلاً للصفات المحدثة كما تقوله الكرامية ، وإلا لكان متغيراً ، وحينئذ يحصل معنى الأفول ، وذلك محال .
    الحكم الثالث
    تدل هذه الآية على أن الدين يجب أن يكون مبنياً على الدليل لا على التقليد ، وإلا لم يكن لهذا الاستدلال فائدة ألبتة .
    الحكم الرابع
    تدل هذه الآية على أن معارف الأنبياء بربهم استدلالية لا ضرورية ، وإلا لما احتاج إبراهيم إلى الاستدلال .
    الحكم الخامس
    تدل هذه الآية على أنه لا طريق إلى تحصيل معرفة الله تعالى إلا بالنظر والاستدلال في أحوال مخلوقاته ، إذ لو أمكن تحصيلها بطريق آخر لما عدل إبراهيم عليه السلام إلى هذه الطريقة
    9-قوله : { فَلَماَّ رَأَى الشمس بَازِغَةً قَالَ هذا رَبّى هذا أَكْبَرُ }
    : إنما قال في الشمس هذا مع أنها مؤنثة ، ولم يقل هذه لوجوه : أحدها : أن الشمس بمعنى الضياء والنور ، فحمل اللفظ على التأويل فذكّر . وثانيها : أن الشمس لم يحصل فيها علامة التأنيث ، فلما أشبه لفظها لفظ المذكر وكان تأويلها تأويل النور صلح التذكير من هاتين الجهتين ، وثالثها : أراد هذا الطالع أو هذا الذي أراه ، ورابعها : المقصود منه رعاية الأدب ، وهو ترك التأنيث عند ذكر اللفظ الدال على الربوبية .
    10-{ إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ }هذا الكلام لا يمكن حمله على ظاهره . بل المراد وجهت عبادتي وطاعتي ، وسبب جواز هذا المجاز أن من كان مطيعاً لغيره منقاداً لأمره ، فإنه يتوجه بوجهه إليه ، فجعل توجيه الوجه إليه كناية عن الطاعة . وأما قوله : { لِلَّذِى فَطَرَ السموات والأرض } ففيه دقيقة : وهي أنه لم يقل وجهت وجهي إلى الذي فطر السموات والأرض . بل ترك هذا اللفظ وذكر قوله : { وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى } والمعنى : أن توجيه وجه القلب ليس إليه ، لأنه متعال عن الحيز والجهة ، بل توجيه وجه القلب إلى خدمته وطاعته لأجل عبوديته ، فترك كلمة «إلى» هنا والاكتفاء بحرف اللام دليل ظاهر على كون المعبود متعالياً عن الحيز والجهة ، ومعنى فطر أخرجهما إلى الوجود ، وأصله من الشق ، يقال : تفطر الشجر بالورق والورد إذا أظهرهما ، وأما الحنيف فهو المائل قال أبو العالية : الحنيف الذي يستقبل البيت في صلاته ، وقيل إنه العادل عن كل معبود دون الله تعالى .
يعمل...