{والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة}

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • رمضان ابراهيم ابو احمد
    طالب علم
    • Jan 2009
    • 489

    #1

    {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة}

    {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة}
    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
    [ يقبض الله الأرض ويطوي السماوات بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض]البخارى
    هناك نظرتان الى هذا الموضوع
    النظرة الأولى صاحبها مجسم يبحث عن التجسيم والآلات والأدوات فينصرف نظره مباشرة الى أى كلمة فيها آلة أو أداة مجسمة , فينزعها من سياقها ويعزلها عن أسباب نزولها , ويركب منها مذهبا ويدعو الناس اليه , بل يعتبره الحق الذى لا حق غيره , فأول ما ينظر يتجه نظره مباشرة الى القبضة واليمين , فيقول أنظروا أيها الناس : القبضة لاتكون الا بأصابع , واليمين لا تكون الا يد حقيقية , ثم يحاول أن يخفف من هول الصدمة على الناس فيقول [ فى اطار ليس كمثله شيء ] يد لا كالأيدى ,وأصابع لا كالأصابع , وينسى تماما الهدف الأساسى من الآية والحديث ,وأن الكلام جاء لبيان عظمة الله وقدرته , وليس لاثبات يد ولا أصابع ,
    -النظرة الثانية صاحبها منزه يعرف تماما الفرق بين الله تعالى وخلقه ,ويعرف تماما أنه ممنوع من التفكر فى ذات الله تعالى , ويعلم تماما أنه لم ير الله بعينه حتى يشهد عليه بالأعضاء , ويعرف تماما أن النبى صلى الله عليه وسلم قرأ هذا الكلام على مسامع الصحابة فما تكلم واحد منهم ولا قال قبضة بأصابع ولا قال يمين بمعنى آلة ويد , ولا سأل ولا فتش , وانما آمن وفهم المعنى البشرى من هذه الألفاظ وساقها على محاملها من اللغة العربية , التى كانوا هم أهلها وفرسانها وأنها جاءت لبيان القدرة والقهر والسلطان والتمكن , , فيأتى من لايعرف الفرق بين الجر والخفض , ولا المنصوب والمفتوح , فيتكلم ويبنى عقيدة وينسبها للسلف, بمنتهى البجاحة ,
    -فهل يستطيع صاحب النظرة الأولى أن يذكر الفرق بين [ قدَروا] بفتح الدال و[ قدّروا] بتشديد الدال ؟ ولماذا قال تعالى [ والأرض جميعا قبضته ] ولم يقل فى قبضته ؟
    1-جاء فى التحرير والتنوير-[ جرى الكلام على أن الله تعالى خلق كل شيء وأن له مقاليد السماوات والأرض وهو مُلك عوالم الدنيا ، وذيل ذلك بأن الذين كفروا بدليل الوحدانية هم الخاسرون ، وانتقلَ الكلام هنا إلى عظمة مُلك الله تعالى في العالم الأخروي الأبدي ، وأن الذين كفروا بآيات الله الدالة على ملكوت الدنيا قد خسروا بترك النظر ، فلو اطلعوا على عظيم ملك الله في الآخرة لقدّروه حقّ قدره فتكون الواو عاطفة جملة [ والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة ] على جملة [ له مقاليد السموات والأرض ] ويكون قوله : [ وما قدروا الله ] الخ معترضاً بين الجملتين ، اقتضاها التناسب مع جملة [ والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون ]
    ويجوز أن تكون معطوفة على جملة [الله خالق كل شيء] فتكون جملة [وما قدروا الله حق قدره ] وجملة [ والأرض جميعاً قبضته ] كلتاهما معطوفتين على جملة [ الله خالق كل شيء ]. والمعنى : هو هو ، إلا أن الحال أوضح إفصاحاً عنه .
    ويجوز أن تكون جملة [ والأرض جميعاً قبضته ] عطفَ غرض على غرض انتُقل به إلى وصف يوم القيامة وأحوال الفريقين فيه ، وجملة [ وما قدروا الله حق قدره ] اعتراضاً ، وهو تمثيل لحال الجاهل بعظمة شيء بحال من لم يحقق مقدار صُبرة[ أى صرة طعام] فنقصها عن مقدارها ، فصار معنى [ ما قدروا الله ]: ما عرفوا عظمته حيث لم ينزهوه عما لا يليق بجلاله من الشريك في إلاهيته .
    و [ حقَّ قدره ] من إضافة الصفة إلى الموصوف ، أي ما قدروا الله قدرَه الحقَّ ، فانتصب [ حَقَّ ] على النيابة عن المفعول المطلق المبيّن للنوع ، وتقدم نظير هذا في سورة الأنعام .
    وجميع : أصله اسم مفعول مثل قتيل ،
    وبذلك استعمل توكيداً مثلَ ( كلّ ) و ( أَجمَع ) قال تعالى : ( يوم يبعثهم اللَّه جميعاً ) في سورة المجادلة . وقد وقع ( جميعاً ) هنا حالاً من (الأرض ) واسم ( الأرض ) مؤنث فكان تجريد ( جميع ) من علامة التأنيث جرياً على الوجه الغالب في جريان فعيل بمعنى مفعول على موصوفه، وانتصب [ جميعاً ]هنا على الحال من [ الأرض ] وتقدم نظيره آنفاً في قوله : [ قل لله الشفاعة جميعاً ].
    والقبضة: بفتح القاف المرّة من القَبْض ، وتقدم في قوله : ( فقبضت قبضة من أثر الرسول )في سورة طه .
    والإِخبار عن الأرض بهذا المصدر[قبضة] الذي هو بمعنى المفعول كالخَلق بمعنى المخلوق للمبالغة في الاتصاف بالمعنى المصدري وإنما صيغ لها وزن المرة تحقيراً لها في جانب عظمة ملك الله تعالى ، وإنما لم يُجَأْ بها مضمومة القاف بمعنى الشيء المقبوض لئلا تفوت المبالغة في الاتصاف ولا الدلالة على التحقير فالقَبضة مستعارة للتناول استعارة تصريحية ، والقبضة تدل على تمام التمكن من المقبوض وأن المقبوض لا تصرّف له ولا تحرّك .
    وهذا إيماء إلى تعطيل حركة الأرض وانقماع مظاهرها إذ تصبح في عالم الآخرة شيئاً موجوداً لا عمل له وذلك بزوال نظام الجاذبية وانقراض أسباب الحياة التي كانت تمد الموجودات الحية على سطح الأرض من حيوان ونبات .
    وطَيُّ السماوات : استعارة مكنية لتشويش تنسيقها واختلال أَبعاد أجرامها ، فإن الطي ردّ ولفّ بعض شُقق الثوب أو الوَرق على بعض بعد أن كانت مبسوطة منتشرة على نسق مناسب للمقصود من نشره فإذا انتهى المقصود طوي المنشور ، قال تعالى : ( يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب كما بدأنا أول خلق نعيده ). وإثبات الطي تخييل
    والباء في [ بِيَمِينِه ] للآلة والسببية . واليمين : وصف لليد ولا يدَ هنا وإنما هي كناية عن القدرة لأن العمل يكون باليد اليمين ,
    والمقصود من هاتين الجملتين تمثيل عظمة الله تعالى بحال من أخذ الأرض في قَبضته ومن كانت السماوات مطويةً أفلاكها وآفاقها بيده تشبيه المعقول بالمتخيَّل وهي تمثيلية تنحل أجزاؤها إلى استعارتين ، وفيها دلالة على أن الأرض والسماوات باقية غير مضمحلة ولكن نظامهما المعهود اعتراه تعطيل ، وفي ( الصحيح ) عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : ( يقبض الله الأرض ويطوي السماوات بيمينه ثم يقول أَنَا المَلِك أَين ملوك الأرض ) . وعن عبد الله بن مسعود قال : جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : يا محمد إنّا نجد أن الله يجعل السماوات على إِصبَع ، والأرضينَ على إصبع ، والشجَر على إصبع ، والماءَ والثَّرى على إصبع ، وسائر الخلق على اصبَع . فيقول أنا الملك ، فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر ثم قرأ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ).
    ومعنى قوله : ثم قرأ هذه الآية ، نزلت قبل ذلك لأنها مما نزل بمكة . والحَبر من أحبار يهود المدينة ، وقول الراوي : تصديقاً لقول الحَبر ، مُدرَج في الحديث من فهم الراوي كما جزم به أبو العباس القرطبي في كتابه : ( المفهم على صحيح مسلم ) ، وقال الخطّابي رَوى هذا الحديث غيرُ واحد عن عبد الله بن مسعود من طريق عَبِيدة فلم يذكروا قوله تصديقاً لقول الحَبر ، ولعله من الراوي ظَنٌّ وحسبان . ا هـ ، أي فهو من إدراج إبراهيم النخعي رواية عن عَبِيدَة . وإنما كان ضحك النبي ( صلى الله عليه وسلم ) استهزاء بالحَبر في ظنه أن الله يفعل ذلك حقيقة وأن له يداً وأصابع حسب اعتقاد اليهود التجسيم ولذلك أعقبه بقراءة ) وما قدروا الله حق قدره ( لأن افتتاحها يشتمل على إبطال ما توهمه الحَبر ونظراؤه من الجسمية ، وذلك معروف من اعتقادهم وقد ردّه القرآن عليهم غيرَ مرة مما هو معلوم فلم يحتج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إلى التصريح بإبطاله واكتفى بالإِشارة التي يفهمها المؤمنون ، ثم أشار إلى أن ما توهمه اليهودي توزيعاً على الأصابع إنما هو مجاز عن الأخذ والتصرف .]
    -وقال فى تفسير سورة .ق. [على أن إرادة الله إبطال أوهام اليهود لا تقتضي أن يؤخر إبطالها إلى سماعها بل قد يجيء ما يبطلها قبل فشوّها في الناس كما في قوله تعالى : ( وما قدروا الله حَقّ قدره والأرضُ جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه ) فإنها نزلت بمكة . وورد أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أتاه بعض أحبار اليهود فقال : إن الله يضع السماوات على أصبع والأرضين على إصبع والبحار على أصبع والجبال على إصبع ثم يقول ( أنا الملك أينَ ملوك الأرض ) فتلا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) الآية . والمقصود من تلاوتها هو قوله : ( وما قدروا الله حقّ قدره ). والإيماء إلى سوء فهم اليهود صفات الله ].
    2-جاء فى تفسير القرطبى [قوله تعالى : { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } قال المبرد : ما عظموه حق عظمته من قولك فلان عظيم القدر. قال النحاس : والمعنى على هذا وما عظموه حق عظمته إذا عبدوا معه غيره وهو خالق الأشياء ومالكها. ثم أخبر عن قدرته وعظمته فقال : { وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ } . ثم نزه نفسه عن أن يكون ذلك بجارحة فقال : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }]
    -ركز هنا جيدا ياأخى القرينة التى أوجبت صرف القبضة واليمين عن التجسيم أو أنهما آلة , هى قوله تعالى [ سبحانه وتعالى عما يشركون ] والتسبيح هو التنزيه والبعد عن كل نقص أو مشابهة للبشر , وعلوه عن أن يحتاج الى آلة يباشر بها العمل ,
    3-جاء فى الكشاف للزمخشرى [لما كان العظيم من الأشياء إذا عرفه الإنسان حق معرفته وقدره في نفسه حقّ تقديره وعظمه حق تعظيمه قيل { وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ } وقرىء بالتشديد على معنى : وما عظموه كنه تعظيمه ، ثم نبههم على عظمته وجلالة شأنه على طريقة التخييل فقال : { والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مطويات بِيَمِينِهِ } والغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته ومجموعه تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله لا غير ، من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو جهة مجاز ،
    -ثم قال عن ضحكه صلى الله عليه وسلم من كلام الحبر [وإنما ضحك : أفصح العرب صلى الله عليه وسلم وتعجب لأنه لم يفهم منه إلاّ ما يفهمه علماء البيان من غير تصوّر إمساك ولا أصبع ولا هزّ ولا شيء من ذلك ، ولكن فهمه وقع أوّل شيء وآخره على الزبدة والخلاصة التي هي الدلالة على القدرة الباهرة ، وأن الأفعال العظام التي تتحير فيها الأفهام والأذهان ولا تكتنهها الأوهام هينة عليه هواناً لا يوصل السامع إلى الوقوف عليه ، إلا إجراء العبارة في مثل هذه الطريقة من التخييل ، ولا ترى باباً في علم البيان أدقّ ولا أرقّ ولا ألطف من هذا الباب ، ولا أنفع وأعون على تعاطي تأويل المشتبهات من كلام الله تعالى في القرآن وسائر الكتب السماوية وكلام الأنبياء ، فإنّ أكثره وعليته تخييلات قد زلت فيها الأقدام قديماً ، وما أوتي الزالون إلاّ من قلة عنايتهم بالبحث والتنقير ، حتى يعلموا أن في عداد العلوم الدقيقة علماً لو قدروه حق قدره ، لما خفي عليهم أنّ العلوم كلها مفتقرة إليه وعيال عليه ، إذ لا يحل عقدها الموربة ولا يفك قيودها المكربة إلا هو ، وكم آية من آيات التنزيل وحديث من أحاديث الرسول ، وقد ضيم وسيم الخسف بالتأويلات الغثة ، والوجوه الرثة ، لأنّ من تأول ليس من هذا العلم في عير ولا نفير ، ولا يعرف قبيلاً منه من دبير]
    4-واستمتع بهذا الكلام للفخر الرازى يرد مباشرة على الكلام السابق لصاحب الكشاف [يقال له[ أى للزمخشرى] هل تسلم أن الأصل في الكلام حمله على الحقيقة ، وأنه إنما يعدل عن الحقيقة إلى المجاز عند قيام الدلالة على أن حمله على حقيقته ممتنع ، فحينئذ يجب حمله على المجاز ؟، فإن أنكر هذا الأصل فحينئذ يخرج القرآن بالكلية عن أن يكون حجة ، فإن لكل أحد أن يقول المقصود من الآية الفلانية كذا وكذا فأنا أحمل الآية على ذلك المقصود ، ولا ألتفت إلى الظواهر ، مثاله من تمسك بالآيات الواردة في ثواب أهل الجنة وعقاب أهل النار ، قال المقصود بيان سعادات المطيعين وشقاوة المذنبين ، وأنا أحمل هذه الآيات على هذا المقصود ولا أثبت الأكل والشرب ولا سائر الأحوال الجسمانية ، ومن تمسك بالآيات الواردة في إثبات وجوب الصلاة فقال المقصود منه إيجاب تنوير القلب بذكر الله ، فأنا أكتفي بهذا القدر ولا أوجب هذه الأعمال المخصوصة ، وإذا عرفت الكلام في هذين المثالين فقس عليه سائر المسائل الأصولية والفروعية ، وحينئذ يخرج القرآن عن أن يكون حجة في المسائل الأصولية والفروعية ، وذلك باطل قطعاً ، وأما إن سلم أن الأصل في علم القرآن أن يعتقد أن الأصل في الكلام حمله على حقيقته ، فإن قام دليل منفصل على أنه يتعذر حمله على حقيقته ، فحينئذ يتعين صرفه إلى مجازه ، فإن حصلت هناك مجازات لم يتعين صرفه إلى مجاز معين إلا إذا كان الدليل يوجب ذلك التعيين ، فنقول ههنا لفظ اليمين حقيقة في الجارحة المخصوصة ، ولا يمكنك أن تصرف ظاهر الكلام عن هذا المعنى إلا إذا أقمت الدلالة على أن حمل هذه الألفاظ على ظواهرها ممتنع فحينئذ يجب حملها على المجازات ، ثم تبين بالدليل أن المعنى الفلاني يصح جعله مجازاً عن تلك الحقيقة ، ثم تبين بالدليل أن هذا المجاز أولى من غيره ، وإذا ثبتت هذه المقدمات وترتيبها على هذا الوجه فهذا هو الطريق الصحيح الذي عليه تعويل أهل التحقيق فأنت ما أتيت في هذا الباب بطريقة جديدة وكلام غريب ، بل هو عين ما ذكره أهل التحقيق ، فثبت أن الفرح الذي أظهره من أنه اهتدى إلى الطريق الذي لم يعرفه غيره طريق فاسد ، دال على قلة وقوفه على المعاني ، ولنرجع إلى الطريق الحقيقي فنقول لا شك أن لفظ القبضة واليمين مشعر بهذه الأعضاء والجوارح ، إلا أن الدلائل العقلية قامت على امتناع ثبوت الأعضاء والجوارح لله تعالى ، فوجب حمل هذه الأعضاء على وجوه المجاز ، فنقول إنه يقال فلان في قبضة فلان إذا كان تحت تدبيره وتسخيره . قال تعالى : { إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم } والمراد منه كونه مملوكاً له ، ويقال هذه الدار في يد فلان ، وفلان صاحب اليد ، والمراد من الكل القدرة ، والفقهاء يقولون في الشروط وقبض فلان كذا وصار في قبضته ، ولا يريدون إلا خلوص ملكه ، وإذا ثبت تعذر حمل هذه الألفاظ على حقائقها وجب حملها على مجازاتها صوناً لهذه النصوص عن التعطيل ، فهذا هو الكلام الحقيقي في هذا الباب ، ولنا كتاب مفرد في إثبات تنزيه الله تعالى عن الجسمية والمكان ، سميناه بتأسيس التقديس ، من أراد الإطناب في هذا الباب فليرجع إليه .]

    -ثم قال له الفخر الرازى مبينا الفرق بين المعتزلة والأشاعرة [ثم قال صاحب الكشاف : وقيل قبضته ملكه ويمينه قدرته ، وقيل مطويات بيمينه أي مفنيات بقسمه لأنه أقسم أن يقبضها ، ولما ذكر هذه الوجوه عاد إلى القول الأول بأنها وجوه ركيكة ، وأن حمل هذا الكلام على محض التمثيل أولى ، وبالغ في تقرير هذا الكلام فأطنب ، وأقول إن حال هذا الرجل في إقدامه على تحسين طريقته ، وتقبيح طريقة القدماء عجيب جداً ، فإنه إن كان مذهبه أنه يجوز ترك ظاهر اللفظ ، والمصير إلى المجاز من غير دليل فهذا طعن في القرآن وإخراج له عن أن يكون حجة في شيء ، وإن كان مذهبه أن الأصل في الكلام الحقيقة ، وأنه لا يجوز العدول عنه إلا لدليل منفصل ، فهذه هى الطريقة التي أطبق عليها جمهور المتقدمين ، فأين الكلام الذي يزعم أنه علمه؟ وأين العلم الذي لم يعرفه غيره؟ مع أنه وقع في التأويلات العسيرة والكلمات الركيكة ، فإن قالوا المراد أنه لما دل الدليل على أنه ليس المراد من لفظ القبضة واليمين هذه الأعضاء ، وجب علينا أن نكتفي بهذا القدر ولا نشتغل بتعيين المراد ، بل نفوض علمه إلى الله تعالى ، فنقول هذا هو طريق الموحدين الذين يقولون إنا نعلم ليس مراد الله من هذه الألفاظ هذه الأعضاء ، فأما تعيين المراد ، فإنا نفوض ذلك العلم إلى الله تعالى ، وهذا هو طريقة السلف المعرضين عن التأويلات ، فثبت أن هذه التأويلات التي أتى بها هذا الرجل ليس تحتها شيء من الفائدة أصلاً ، والله أعلم .]ليس هذا انكارا من الرازى للتأويل ولكنه انكار منه أن نذهب الى التأويل مباشرة بدون دليل , لأن الأصل فى الكلام الحقيقة كما قال الا اذا وجد دليل منفصل يمنع من ارادة المعنى الأصلى , وهذا رد قاطع على من يقول [ أثبت اليد والنزول والساق والعين على الحقيقة ومع ذلك أنا منزه لله ] فهذا عبث ولعب بالدين , فلا حقيقة الا الجوارح ,. وأمامك طريقان لاثالث لهما :
    1-طريق السلف وهو التفويض أى تفويض المعنى والكيفية , وهذا ما عبر عنه الفخر الرازى أنه طريق الموحدين , وهو الأصل والأساس , وهذا رد على من يقول بأن الفخر الرازى رجع فى آخر حياته الى الإثبات , أى اثبات يقصد ؟ وهذا كلامه التفويض الكامل , أى اثبات الآيات والإيمان بها كما جاءت وتفويض معناها الى قائلها سبحانه وتعالى ,
    2- طريق التأويل , ولا يصار اليه الا اذا تعذر حمل الآيات على الحقيقة , وكان هناك دليل منفصل يوجب الصرف عن الظاهر الى معنى آخر يليق بالله تعالى , وأيضا اذا وجدنا أن الحمل على الحقيقة يؤدى الى التجسيم ,
    -وأختم بهذه الدرر :
    1- أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والدرامي وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والبيهقي في الدلائل من طرق عن عائشة قالت " تلا رسول الله صلى الله عليه و سلم
    هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ إلى قوله أولو الألباب فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم
    ولفظ البخاري : فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم
    وفي لفظ لابن جرير : إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه سمى الله فاحذروهم
    وفي لفظ لابن جرير : إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه والذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فلا تجالسوهم "
    وأخرج الطبراني عن أبي مالك الاشعري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : " لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال
    أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب وأن يزداد علمهم فيضيعوه ولا يبالوا به "]
    2- أخرج أبو يعلى عن حذيفة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
    قال : " إن في أمتي قوما يقرؤون القرآن ينثرونه نثر الدقل يتأولونه على غير تأويله "
    وأخرج ابن سعد وابن الضريس في فضائله وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن رسول الله صلى الله عليه و سلم
    خرج على قوم يتراجعون في القرآن وهو مغضب فقال : بهذا ضلت الأمم قبلكم باختلافهم على أنبيائهم وضرب الكتاب بعضه ببعض قال : وإن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا ولكن نزل أن يصدق بعضه بعضا فما عرفتم منه فاعملوا به وما تشابه عليكم فآمنوا به "
    3- أخرج أبو يعلى عن حذيفة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
    قال : " إن في أمتي قوما يقرؤون القرآن ينثرونه نثر الدقل يتأولونه على غير تأويله "
    وأخرج ابن سعد وابن الضريس في فضائله وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن رسول الله صلى الله عليه و سلم
    خرج على قوم يتراجعون في القرآن وهو مغضب فقال : بهذا ضلت الأمم قبلكم باختلافهم على أنبيائهم وضرب الكتاب بعضه ببعض قال : وإن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا ولكن نزل أن يصدق بعضه بعضا فما عرفتم منه فاعملوا به وما تشابه عليكم فآمنوا به "
    وأخرج أحمد من وجه آخر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم
    قوما يتدارأون فقال : انما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا فلا تكذبوا بعضه ببعض فما علمتم منه فقولوا وما جهلتم فكلوه إلى عالمه "
    وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه وأبو نصر السجزي في الإبانة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم
    قال " كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف
    زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال فأحلوا حلاله وحرموا حرامه وافعلوا بما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه واعتبروا بأمثاله واعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه وقولوا آمنا به كل من عند ربنا ]وأخرجه ابن أبي حاتم عن ابن مسعود موقوفا "
    و اخرج الطبراني عن عمر بن أبي سلمة أن النبي صلى الله عليه و سلم
    قال لعبد الله بن مسعود " إن الكتب كانت تنزل من السماء من باب واحد وإن القرآن نزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف حلال وحرام ومحكم ومتشابه وضرب أمثال وآمر وزاجر فأحل حلاله وحرم حرامه واعمل بمحكمه وقف عند متشابهه واعتبر أمثاله فإن كلا من عند الله و ما يذكر إلا أولو الألباب " ]

    -فأين نذهب بعد كل هذا ؟؟؟؟
يعمل...