بسم الله الرحمن الرحيم
هذه مسألة قد تكون مفيدة في التمييز بين الحكم العقلي والعادي والشرعي.حصل سؤال عند أحد الإخوة الأفاضل من طلاب العلم الشريف المجدِّين فيه عن مسألة وجود نبيٍّ بعد نبيِّنا ومولانا رسول الله محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم تسليماً...
فسأل ثلاثة، فكان لكلِّ واحد منهم جواب مختلف.
فأحدهم قال إنَّه ممتنع عقلاً.
وثانٍ قال إنَّه ممكن عقلاً ممتنع عادة.
وثالث قال إنَّه ممتنع شرعاً!
فحصل تشويش كبير لهذا الأخ.
فبيان ذلك في تفريقين:
الأوَّل: أنَّ كون أيِّ إنسان نبيّاً أمر ممكن في ذاته، كان قبل سيدنا النبي صلى الله عليه وسلَّم تسليماً أو بعده صلَّى الله عليه وسلَّم تسليماً، فهو أمر ممكن عقلاً في نفسه.
لكنَّه أمر ممتنع عقلاً لغيره، أي إنَّ ذلك قد امتنع لثبوت ختم النُّبوَّة بسيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم تسليماً.
وذلك من مثل أن يكون زيد داخل الدَّار أو خارجها، فكون زيد داخل الدَّار ممكن، وكونه خارج الدَّار ممكن، لكنَّ كونه خارج الدار في حال ثبوت كونه داخل الدَّار أمر ممتنع عقلاً، وإلا للزم التناقض.
فكونه خارج الدَّار ممكن لذاته، ممتنع لغيره.
فمن أجاب بأنَّه ممكن عقلاً فقد قصد إمكانه لذاته، وهو مع هذا ممتنع واقعاً وعادة إذ هو لن يكون.
ومن أجاب أنَّه ممتنع عقلاً فقد قصد أنَّه ممتنع بالنَّظر إلى غيره، أي إلى ثبوت ختم النُّبوَّة بسيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم تسليماً.
الثاني: في ما نُطلق عليه إنَّه حكم شرعيٌّ.
فإنَّ الحكم الشرعيَّ يُطلق إطلاقين:
- الأوَّل: ما كان مستنده النَّقل الشريف.
ومنه علمنا بوجوب الصلاة وأنَّه سيكون هناك يوم قيامة يُبعث فيه النَّاس وأنَّ الله تعالى قد أرسل نبيّاً رسولاً هو سيدنا نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
لكنَّ وجود يوم القيامة هو أمر عاديٌّ واقعيٌّ، وليس أمراً وضعيّاً، أي إنَّ نسبة الوجود إلى يوم يُبعث فيه الناس هي ثابتة واقعة في المستقبل وإن كانت أمراً ممكناً في نفسه. فهناك ثبوت وجوديٌّ بين يوم القيامة والوجود، بخلاف الحكم الوضعيِّ.
- الثاني: ما كان حكماً وضعيّاً جعليّاً من الله تعالى.
وهو الحكم الذي تكون النسبة فيه بين شيئين راجعة إلى اختيار المختار، فهذا الحكم هو إنشاء باختيار من الله تعالى، وليس إخباراً عن نسبة ثابتة بين شيئين، بل هو إنشاء دلالة فإذا ما حصل الأوَل كان دالّاً على الثاني.
ومثال الحكم الوضعيِّ دلالة لفظ "قلم" على ما يُكتب به، فهذا اللفظ المعيَّن "ق ل م" ليس له أيُّ صلة عقليَّة ولا عاديَّة مع ذلك الجسم الذي يُكتب به، بل إنَّا يمكن أن نستعمل بدل هذا اللفظ أيَّ لفظ نريد، ولو اخترعنا هذا اللفظ الآن واتفقنا عليه فيمكن أن ندلَّ به على هذا الجسم الذي يُكتب به.
فإذا ما فُهم هذا عُرِفَ أنَّ هناك فرقاً ظاهراً بين الإطلاقين، فالإطلاق الأوَّل أعمُّ من الثَّاني.
فمن قال إنَّ امتناع وجود نبيٍّ بعد سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم تسليماً شرعيٌّ فقد قصد الإطلاق الأوَّل بأنَّه قد ورد في النَّقل الشريف، وليس مقصوده هو الثَّاني.
والسلام عليكم...