قال الإمام الغزالي في كتابه الأربعين ، في محاولته تفسير حقيقة الجاه و الباعث عليه :
[... و فيه سرٌّ آخر : هو أن الجاه معناه العلو و الكبرياء و العزُّ ، و هي من الصفات الإلهية ، و الصفاتُ الإلهية محبوبة للإنسان بالطبع ، بل هو ألذُّ الأشياء عنده ، و ذلك لسرٍّ خفي في مناسبة الروح للأمور الإلهية ، و عنه العبارة بقوله تعالى : {قل الروح من أمر ربي} .
فهو أمرٌ ربَّاني ، شغفه من حيث الطبعُ الاستبداد و الانفراد بالوجود ، و هو حقيقة الإلهية ، إذ ليس مع الله موجود ، بل الموجودات كلها كالظل من نور القدرة ، فلها رتبة التبعية ، لا رتبة المعية ، فليس في الوجود مع الله غيره ، وكأن الإنسان يشتهي ذلك ، بل في كل شيء أن يقول "أنا ربكم الأعلى" ، لكن أظهره فرعون ، و أخفاه غيره ! و لكن إن فاته الانفراد في الوجود ، فيشتهي ألا يفوته الاستعلاء و الاستيلاء على الموجودات كلها ، ليتصرف فيها على حسب مراده ، و هو الإلهية .
لكن تعذر على الإنسان ذلك في السماوات و الكواكب و الملائكة ، و البحار و الجبال ، فاشتهى الاستيلاء على جميعها بالعلم ، لأن العلم نوع استيلاء أيضًا ، كما أن من عجز عن وضع الأشياء العجيبة ، فيشتهي أن يعرف كيفية الوضع ، و كذلك يشتهي أن يعرف عجائب البحر ، و ما تحت الجبال .
و يُتصوَّر أن يتسخر له الأعيان على وجه الأرض ، من الحيوان و المعادن و النبات ، فيحب أن يتملكها و يتمولها .
و يُتصوَّر أن يتسخَّر له الإنسان ، فيحب أن يستسخره بواسطة قلبه ، و يملك قلبه بإلقاء التعظيم فيه ، و يحصل اتلعظيم بأن يعتقد فيه كمال الخصال ، فإن الإجلال يتبع اعتقاد الكمال ، فلهذا يحب الإنسان أن يتسع جاهه ، و ينتشر صيتُه ، حتى إلى البلاد التي يعلم قطعًا أنه لا يطؤها ، و لا يرى أهلها ، لأن كل ذلك يناسب صفات الربوبية ، و كلما صار أعقل ، كانت هذه الصفات عليه أغلب ، و شهواته البهيمية فيه أضعف]
[... و فيه سرٌّ آخر : هو أن الجاه معناه العلو و الكبرياء و العزُّ ، و هي من الصفات الإلهية ، و الصفاتُ الإلهية محبوبة للإنسان بالطبع ، بل هو ألذُّ الأشياء عنده ، و ذلك لسرٍّ خفي في مناسبة الروح للأمور الإلهية ، و عنه العبارة بقوله تعالى : {قل الروح من أمر ربي} .
فهو أمرٌ ربَّاني ، شغفه من حيث الطبعُ الاستبداد و الانفراد بالوجود ، و هو حقيقة الإلهية ، إذ ليس مع الله موجود ، بل الموجودات كلها كالظل من نور القدرة ، فلها رتبة التبعية ، لا رتبة المعية ، فليس في الوجود مع الله غيره ، وكأن الإنسان يشتهي ذلك ، بل في كل شيء أن يقول "أنا ربكم الأعلى" ، لكن أظهره فرعون ، و أخفاه غيره ! و لكن إن فاته الانفراد في الوجود ، فيشتهي ألا يفوته الاستعلاء و الاستيلاء على الموجودات كلها ، ليتصرف فيها على حسب مراده ، و هو الإلهية .
لكن تعذر على الإنسان ذلك في السماوات و الكواكب و الملائكة ، و البحار و الجبال ، فاشتهى الاستيلاء على جميعها بالعلم ، لأن العلم نوع استيلاء أيضًا ، كما أن من عجز عن وضع الأشياء العجيبة ، فيشتهي أن يعرف كيفية الوضع ، و كذلك يشتهي أن يعرف عجائب البحر ، و ما تحت الجبال .
و يُتصوَّر أن يتسخر له الأعيان على وجه الأرض ، من الحيوان و المعادن و النبات ، فيحب أن يتملكها و يتمولها .
و يُتصوَّر أن يتسخَّر له الإنسان ، فيحب أن يستسخره بواسطة قلبه ، و يملك قلبه بإلقاء التعظيم فيه ، و يحصل اتلعظيم بأن يعتقد فيه كمال الخصال ، فإن الإجلال يتبع اعتقاد الكمال ، فلهذا يحب الإنسان أن يتسع جاهه ، و ينتشر صيتُه ، حتى إلى البلاد التي يعلم قطعًا أنه لا يطؤها ، و لا يرى أهلها ، لأن كل ذلك يناسب صفات الربوبية ، و كلما صار أعقل ، كانت هذه الصفات عليه أغلب ، و شهواته البهيمية فيه أضعف]