قال العلامة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطى فى كتابه " السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامى " بعد الكلام عن بعض المسائل التى تخص التصوف
(بقى أن ننظر فى قول أحدهم . اللهم ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا فى جنتك ولكنى وجدتك ربا تستحق العبادة فعبدتك , وفى انتقاد بعض الناس له وإدخاله فى الشطحات الممنوعة فى الدين.
وأقول لقد تأملت فى هذا الكلام طويلا وقلبته على وجوهه فما رأيت فيه إلا ما يدخل فى خالص معنى العبودية والتوحيد . وليس عجبى ممن يقول هذا الكلام تعبيرا عن دينونته الخالصة لله بالعبودية ولكن عجبى ممن ينكر هذا الكلام وينسب صاحبه إلى الشطح أو الابتداع
إن كان هذا الكلام غير موافق للشرع إذن فلابد أن يكون نقيضه هو الموافق له . ونقيضه أن يقال : اللهم إنى ما عبدتك لأنك رب تستحق العبادة ، ولكنى عبدتك طمعا فى جنتك وخوفا من نارك. فهل من مسلم وعى معنى عبودية الإنسان لله عز وجل ، يقول: أن هذا الكلام الثانى هو الموافق للشرع ؟ وهل يقال عن الطاعة التى يساق الإنسان إليها سوقا خوفا من عقاب ينتظره أو طمعا فى مطمع تعلق قلبه به ، بحيث لو اطمأن إلى أنه سينجو من العقاب إن لم يطعه ، أو قد ينال الاجر الذى تعلق قلبه به وأن أطاعه لترك الطاعة وأعرض عن الأوامر وانحط فى المنهيات ، أقول : هل تسمى هذه الطاعة المشروطة بهذا القيد عبودية لإلهه المطاع ؟
لقد تلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم النباء الصادق من ربه ، بأنه عز وجل قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ،وبأن الله سيعطيه ما يرضيه ، وسيبعثه المقام المحمود والحوض المورد . ومع ذلك فقد كان صلى الله عليه وسلم يحمل نفسه كل يوم مزيدا من مشقة الطاعات والقربات والعبادات . وقد روى الشيخان عن المغيرة بن شعبة وعائشة وأبى هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال لمن سأله وقد رأى قدميه متورمتين من كثرة الصلاة
ألم يغفر لك الله ما تقدم من ذتبك وما تأخر ؟ قال له "أفلا أكون عبدا شكورا " وهذا دليل قاطع على أن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم لربه عز وجل لم تكن استحصالا لجنة ولا توقيا من نار ،
بل كان يحمل عليها يقينه بأنه عبد لله مغمور من قبله بالنعم والآلاء المختلفة ، وضريبة العبودية هى شكر المنعم وتعظيم الرب عز وجل
وقد روى مسلم من حديث معاذ بن جبل أن النبى صلى الله عليه وسلم قال له " يامعاذ أتدرى ما حق الله على العباد ؟ قال الله ورسوله أعلم . قال أن يعبد الله ولا يشرك به شىء . قال أتدرى ما حقهم عليه إذا فعلوا ذلك ، فقال الله ورسول أعلم قال إلا يعذبهم .
فقد أوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا يدع مجالا لشبهة أن ما ينهض به العبد من طاعات وقربات ، هو حق الله عليه بوصف كونه عبدا مملوكا له ، لا من حيث أن الله عز وجل تعاقد معه على أن يقوم له بتلك الطاعات مقابل أجر محدد يعطيه إياه .
فواجب العبد إذن أن يعبد ربه إداء لحق ربوبية الله ومالكيته له لا رغبة فى العوض، كما هو شأن الأجراء من الناس . ولا تستشكل قوله صلى الله عليه وسلم فى الشق الثانى من الحديث " وحق العباد على الله إذا عبدوه ولم يشركوا به شيئا أن لا يعذبهم " فإن هذا الحق لم يوجبه أحد على الله تعالى ، وإنما كتب الله على نفسه ذلك تفضلا منه وإحسانا ، فسماه على سبيل المشاكلة حقا مترتبا عليه .
ومرمى هذا الحديث النبوى الجليل ، أن يعلم العبد أن عليه أن لا يخلط بين هذين الحقين ، ويجعل منه حقا واحدا يتخيله فى ذهنه ، بحيث يتوهم أنه يصبح إن أطاع الله ولم يعصه ذا حق فى أن ينجز الله له ما وعده به . بل عليه أن يعلم أن حق الله مترتبا فى عنقه بوصف كونه عبدا له ، بقطع النظر عن أى منحة قد ينالها أو لا . فهذا شىء ... والشىء الثانى أن الله ألزم ذاته العلية بأن يكرم عباده الذين لم يقصروا فى القيام بحق ألوهيته وربوبيته لهم ، بعظيم المثوبة وواسع الكرم وإلا حسان .
وهذه الحقيقة ماثلة بوضوح فى كتاب الله عز وجل ، فما أكثر الأيات التى ينبه الله العبد من خلالها ، إلى أن مناط العبادة التى يجب أن ينهض بها العبد ، إنما هو ربوبية الله له بقطع النظر عن أى شىء وراء ذلك . فهو عز وجل يقول "وأنا ربكم فاعبدون (الأنبياء 92) ويقول خطابا لموسى عليه الصلاة والسلام
" إننى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدنى ,افم الصلاة لذكرى "(
طه14) فإذا أدركت هذه الحقيقة , وعدت إلى قول القائل (. اللهم إنى ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا فى جنتك ولكنى وجدتك ربا تستحق العبادة فعبدتك ) رأيت أن هذا القول منه ليس أكثر من تلبية لدعوة الرب عز وجل وانصياع للحق المثبت فى عنقه لمولاه وخالقه عز وجل . أفليس غريبا كل الغرابة إذن , أن يقف المسلم العاقل من هذا القول موقف الجاهل لمضمونه , فضلا عن أن يقف موقف المنكر له ؟!
ولكن لعلك تظن , أن هذا الكلام من قائله , تعبير عن زهده فى الجنة , وعن عدم خوفه من النار , وعدم اهتمامه فى التوقى منها , فاعلم أن ذلك خطأ فى فهمك أنت , وشتان بين هذا الكلام والمعنى الذى تفهمه منه
هما أمران مستقلان , كل منهما منفك عن الآخر . الأول : وجوب القيام بحق الربوبية , بقطع النظر عن أى جزاء . وهو المطلوب , والمعنى بإلاخلاص فى قوله تعالى " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ...." [البينة5], والثانى : وجوب الطمع فى الفضل الذى أطمعنا الله فيه , والخوف من العقاب الذى خوفنا الله منه . بل لا يتحقق إلاتسان بمعانى عبوديته لله عز وجل إلا بإن يمد يد الطلب والإستجداء إليه سبحانه , فيسأله من كرمه وجوده , ويستعيذ به من سخطه وعذابه . وقد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم " اللهم إنى أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل , وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أوعمل"
ومن أعلن عن زهده فى الجنة أو عن عدم خوفه من النار يوم القيامة فقد أعلن بذلك عن إستغنائه عن كرم الله عز وجل , وعن عدم خوفه منه ومما يخوف عباده به . ولا يفعل ذلك إلا مغرور بنفسه مدل على الله بطاعته , ذاهل عن واقع عجزه وعبوديته لله عز وجل . ونسأله عز وجل أن يعيذنا من مثل هذا المنزلق .
ولكن العبد إذ يبسط كفه إلى الرحمن يسأله جنته ويستعيذ به من عذابه , يجب أن يفعل ذلك طمعا بفضله وغفرانه وأملا فى أن يتجاوز الرب عن سيئاته , فيعامله بما هو شأنه جل جلاله من الصفح والغفران , ولا يعامله بما هو أهل له من المؤاخذة والعقاب . ومهما كان العبد فى استقامته وعلو شأنه وقربه من الله عز وجل , فما ينبغى أن يكون دعاؤه وطلبه إلا على هذا الوجه . وقد صرح بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم فى الحديث المتفق عليه عن أبى هريرة : " لن يدخل أحدكم عمله الجنة , ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله برحمته ")
انتهى
(بقى أن ننظر فى قول أحدهم . اللهم ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا فى جنتك ولكنى وجدتك ربا تستحق العبادة فعبدتك , وفى انتقاد بعض الناس له وإدخاله فى الشطحات الممنوعة فى الدين.
وأقول لقد تأملت فى هذا الكلام طويلا وقلبته على وجوهه فما رأيت فيه إلا ما يدخل فى خالص معنى العبودية والتوحيد . وليس عجبى ممن يقول هذا الكلام تعبيرا عن دينونته الخالصة لله بالعبودية ولكن عجبى ممن ينكر هذا الكلام وينسب صاحبه إلى الشطح أو الابتداع
إن كان هذا الكلام غير موافق للشرع إذن فلابد أن يكون نقيضه هو الموافق له . ونقيضه أن يقال : اللهم إنى ما عبدتك لأنك رب تستحق العبادة ، ولكنى عبدتك طمعا فى جنتك وخوفا من نارك. فهل من مسلم وعى معنى عبودية الإنسان لله عز وجل ، يقول: أن هذا الكلام الثانى هو الموافق للشرع ؟ وهل يقال عن الطاعة التى يساق الإنسان إليها سوقا خوفا من عقاب ينتظره أو طمعا فى مطمع تعلق قلبه به ، بحيث لو اطمأن إلى أنه سينجو من العقاب إن لم يطعه ، أو قد ينال الاجر الذى تعلق قلبه به وأن أطاعه لترك الطاعة وأعرض عن الأوامر وانحط فى المنهيات ، أقول : هل تسمى هذه الطاعة المشروطة بهذا القيد عبودية لإلهه المطاع ؟
لقد تلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم النباء الصادق من ربه ، بأنه عز وجل قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ،وبأن الله سيعطيه ما يرضيه ، وسيبعثه المقام المحمود والحوض المورد . ومع ذلك فقد كان صلى الله عليه وسلم يحمل نفسه كل يوم مزيدا من مشقة الطاعات والقربات والعبادات . وقد روى الشيخان عن المغيرة بن شعبة وعائشة وأبى هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال لمن سأله وقد رأى قدميه متورمتين من كثرة الصلاة
ألم يغفر لك الله ما تقدم من ذتبك وما تأخر ؟ قال له "أفلا أكون عبدا شكورا " وهذا دليل قاطع على أن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم لربه عز وجل لم تكن استحصالا لجنة ولا توقيا من نار ،
بل كان يحمل عليها يقينه بأنه عبد لله مغمور من قبله بالنعم والآلاء المختلفة ، وضريبة العبودية هى شكر المنعم وتعظيم الرب عز وجل
وقد روى مسلم من حديث معاذ بن جبل أن النبى صلى الله عليه وسلم قال له " يامعاذ أتدرى ما حق الله على العباد ؟ قال الله ورسوله أعلم . قال أن يعبد الله ولا يشرك به شىء . قال أتدرى ما حقهم عليه إذا فعلوا ذلك ، فقال الله ورسول أعلم قال إلا يعذبهم .
فقد أوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا يدع مجالا لشبهة أن ما ينهض به العبد من طاعات وقربات ، هو حق الله عليه بوصف كونه عبدا مملوكا له ، لا من حيث أن الله عز وجل تعاقد معه على أن يقوم له بتلك الطاعات مقابل أجر محدد يعطيه إياه .
فواجب العبد إذن أن يعبد ربه إداء لحق ربوبية الله ومالكيته له لا رغبة فى العوض، كما هو شأن الأجراء من الناس . ولا تستشكل قوله صلى الله عليه وسلم فى الشق الثانى من الحديث " وحق العباد على الله إذا عبدوه ولم يشركوا به شيئا أن لا يعذبهم " فإن هذا الحق لم يوجبه أحد على الله تعالى ، وإنما كتب الله على نفسه ذلك تفضلا منه وإحسانا ، فسماه على سبيل المشاكلة حقا مترتبا عليه .
ومرمى هذا الحديث النبوى الجليل ، أن يعلم العبد أن عليه أن لا يخلط بين هذين الحقين ، ويجعل منه حقا واحدا يتخيله فى ذهنه ، بحيث يتوهم أنه يصبح إن أطاع الله ولم يعصه ذا حق فى أن ينجز الله له ما وعده به . بل عليه أن يعلم أن حق الله مترتبا فى عنقه بوصف كونه عبدا له ، بقطع النظر عن أى منحة قد ينالها أو لا . فهذا شىء ... والشىء الثانى أن الله ألزم ذاته العلية بأن يكرم عباده الذين لم يقصروا فى القيام بحق ألوهيته وربوبيته لهم ، بعظيم المثوبة وواسع الكرم وإلا حسان .
وهذه الحقيقة ماثلة بوضوح فى كتاب الله عز وجل ، فما أكثر الأيات التى ينبه الله العبد من خلالها ، إلى أن مناط العبادة التى يجب أن ينهض بها العبد ، إنما هو ربوبية الله له بقطع النظر عن أى شىء وراء ذلك . فهو عز وجل يقول "وأنا ربكم فاعبدون (الأنبياء 92) ويقول خطابا لموسى عليه الصلاة والسلام
" إننى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدنى ,افم الصلاة لذكرى "(
طه14) فإذا أدركت هذه الحقيقة , وعدت إلى قول القائل (. اللهم إنى ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا فى جنتك ولكنى وجدتك ربا تستحق العبادة فعبدتك ) رأيت أن هذا القول منه ليس أكثر من تلبية لدعوة الرب عز وجل وانصياع للحق المثبت فى عنقه لمولاه وخالقه عز وجل . أفليس غريبا كل الغرابة إذن , أن يقف المسلم العاقل من هذا القول موقف الجاهل لمضمونه , فضلا عن أن يقف موقف المنكر له ؟!
ولكن لعلك تظن , أن هذا الكلام من قائله , تعبير عن زهده فى الجنة , وعن عدم خوفه من النار , وعدم اهتمامه فى التوقى منها , فاعلم أن ذلك خطأ فى فهمك أنت , وشتان بين هذا الكلام والمعنى الذى تفهمه منه
هما أمران مستقلان , كل منهما منفك عن الآخر . الأول : وجوب القيام بحق الربوبية , بقطع النظر عن أى جزاء . وهو المطلوب , والمعنى بإلاخلاص فى قوله تعالى " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ...." [البينة5], والثانى : وجوب الطمع فى الفضل الذى أطمعنا الله فيه , والخوف من العقاب الذى خوفنا الله منه . بل لا يتحقق إلاتسان بمعانى عبوديته لله عز وجل إلا بإن يمد يد الطلب والإستجداء إليه سبحانه , فيسأله من كرمه وجوده , ويستعيذ به من سخطه وعذابه . وقد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم " اللهم إنى أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل , وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أوعمل"
ومن أعلن عن زهده فى الجنة أو عن عدم خوفه من النار يوم القيامة فقد أعلن بذلك عن إستغنائه عن كرم الله عز وجل , وعن عدم خوفه منه ومما يخوف عباده به . ولا يفعل ذلك إلا مغرور بنفسه مدل على الله بطاعته , ذاهل عن واقع عجزه وعبوديته لله عز وجل . ونسأله عز وجل أن يعيذنا من مثل هذا المنزلق .
ولكن العبد إذ يبسط كفه إلى الرحمن يسأله جنته ويستعيذ به من عذابه , يجب أن يفعل ذلك طمعا بفضله وغفرانه وأملا فى أن يتجاوز الرب عن سيئاته , فيعامله بما هو شأنه جل جلاله من الصفح والغفران , ولا يعامله بما هو أهل له من المؤاخذة والعقاب . ومهما كان العبد فى استقامته وعلو شأنه وقربه من الله عز وجل , فما ينبغى أن يكون دعاؤه وطلبه إلا على هذا الوجه . وقد صرح بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم فى الحديث المتفق عليه عن أبى هريرة : " لن يدخل أحدكم عمله الجنة , ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله برحمته ")
انتهى