حكم المقامات والمحاريب الأربعة في الحرم المكي
( دراسة فقهية مقارنة)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وأتباعه وبعد :
فإن المقامات والمحاريب الأربعة في المسجد الحرام أحدثت في القرن السادس الهجري وأثارت ضجة كبيرة بين الفقهاء وقتئذ فمن مانع ومن مجيز, وكان كثير من الفقهاء منكرين لذلك وناهين عنه لأن ذلك مما يخالف الأصول العامة للشريعة , وقد كان في - أول الأمر الأربعة الأئمة يصلون في وقت واحد ثم لما أُنكر هذا الأمر ممن أنكره صاروا يصلون الواحد تلو الآخر, وقد جعلت الموضوع في مباحث:
المبحث الأول: في الخلفية الفقهية لهذا الأمر
والمبحث الثاني: في أقوال المانعين من ذلك
والمبحث الثالث: في أقوال المجيزين لذلك
المبحث الأول
الخلفية الفقهية لهذا الأمر:
الخلفية الفقهية لهذا الأمر هي : مسألة حكم اقتداء المأموم بمخالف له في المذهب ولذلك حالتان :
- الأولى : أن يعلم المأموم أن إمامه مرتكب لمبطل على مذهب المأموم
- والثانية : ألا يعلم المأموم أن إمامه مرتكب لمبطل على مذهب المأموم
قال ابن تيمية كما الفتاوي الكبرى 2/317 : ( هذه المسائل لها صورتان :
إحداهما : أن لا يعرف المأموم أن إمامه فعل ما يبطل الصلاة ، فهنا يصلي المأموم خلفه باتفاق السلف ، والأئمة الأربعة ، وغيرهم .
وليس في هذا خلاف متقدم ، وإنما خالف بعض المتعصبين من المتأخرين : فزعم أن الصلاة خلف الحنفي لا تصح ، وإن أتى بالواجبات ، لأنه أداها وهو لا يعتقد وجوبها ...
الصورة الثانية : أن يتيقن المأموم أن الإمام فعل ما لا يسوغ عنده : مثل أن يمس ذكره ، أو النساء لشهوة ، أو يحتجم ، أو يفتصد ، أو يتقيأ ثم يصلي بلا وضوء , فهذه الصورة فيها نزاع مشهور :
- فأحد القولين لا تصح صلاة المأموم ، لأنه يعتقد بطلان صلاة إمامه . كما قال ذلك من قاله من أصحاب أبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد .
- والقول الثاني : تصح صلاة المأموم ، وهو قول جمهور السلف ، وهو مذهب مالك ، وهو القول الآخر في مذهب الشافعي ، وأحمد ، بل وأبي حنيفة وأكثر نصوص أحمد على هذا )اه
وفي موسوعة الفقه الكويتية :6/37 : ( الاقتداء بمن يخالفه في الفروع :
- لا خلاف بين الفقهاء في صحة الاقتداء بإمام يخالف المقتدي في الفروع , إذا كان الإمام يتحامى مواضع الخلاف , بأن يتوضأ من الخارج النجس من غير السبيلين كالفصد مثلا , ولا ينحرف عن القبلة انحرافا فاحشا , ويراعي الدلك والموالاة في الوضوء , والطمأنينة في الصلاة .
- وكذلك يصح الاقتداء بإمام مخالف في المذهب إذا كان لا يعلم منه الإتيان بما يفسد الصلاة عند المقتدي بيقين , لأن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المسلمين لم يزل بعضهم يقتدي ببعض مع اختلافهم في الفروع , ولما فيه من وحدة الصف وقوة المسلمين
- أما إذا علم المقتدي أن الإمام أتى بمانع لصحة الصلاة في مذهب المأموم , وليس مانعا في مذهبه, كترك الدلك والموالاة في الوضوء , أو ترك شرطا في الصلاة عند المأموم :
- فقد صرح المالكية والحنابلة - وهو رواية عند الشافعية - بصحة الاقتداء , لأن المعتبر في شروط الصلاة مذهب الإمام لا المأموم , ما لم يكن المتروك ركنا داخلا في الصلاة عند المالكية , كترك الرفع من الركوع .
- وفي الأصح عند الشافعية لا يصح الاقتداء اعتبارا بنية المقتدي , لأنه يعتقد فساد صلاة إمامه , فلا يمكن البناء عليه .
- وقال الحنفية : إن تيقن المقتدي ترك الإمام مراعاة الفروض عند المقتدي لم يصح الاقتداء , وإن علم تركه للواجبات فقط يكره , أما إن علم منه ترك السنن فينبغي أن يقتدي به , لأن الجماعة واجبة , فتقدم على ترك كراهة التنزيه , وهذا بناء على أن العبرة لرأي المقتدي - وهو الأصح - وقيل : لرأي الإمام , وعليه جماعة . قال في النهاية : وهو الأقيس , وعليه فيصح الاقتداء , وإن كان الإمام لا يحتاط ) اه
المبحث الثاني:
من أقوال المانعين:
رحمة الله السندي وخير الدين الرملي الحنفيان:
قال ابن عابدين حاشيته على الحصكفي 1/377 : ( وقد ألف جماعة من العلماء رسائل في كراهة ما يفعل في الحرمين الشريفين وغيرهما من تعداد الأئمة والجماعات وصرحوا بأن الصلاة مع أول إمام أفضل
ومنهم صاحب المنسك المشهور العلامة الشيخ رحمة الله السندي تلميذ المحقق ابن الهمام, فقد نقل عن العلامة الخير الرملي في باب الإمامة: أن بعض مشايخنا سنة إحدى وخمسين وخمسمائة أنكر ذلك منهم الشريف الغزنوي وأن بعض المالكية في سنة خمسين وخمسمائة أفتى بمنع ذلك على المذاهب الأربعة ونقل عن جماعة من علماء المذاهب إنكار ذلك أيضا).اهـ
ابن فرحون المالكي:
قال الحطاب في مواهب الجليل 2/110 : (ثم قال ابن فرحون : ووقفت بثغر الإسكندرية على تأليف يخالف ما أفتى به الجماعة وأن الإمام الراتب هو إمام المقام ولا أثر لأمر الخليفة في رفع الكراهة الحاصلة في جمع جماعة بعد جماعة واستدل على ذلك بأدلة كثيرة وألف في ذلك تأليفا ولم يحضرني الآن اسم مؤلفه رحم الله الجميع انتهى
قلت : وقد وقفت على تأليفين في هذه المسألة : أحدهما : للشيخ الإمام أبي القاسم عبد الرحمن بن الحسين بن عبد الله بن الحباب السعدي المالكي, والثاني منهما : للشيخ الإمام أبي إبراهيم الغساني المالكي)اه
ابن الحباب السعدي المالكي :
قال الحطاب في مواهب الجليل 2/111 : (ثم رد بن الحباب على المجيزين من أهل الاسكندرية وبالغ في الرد عليهم وذكر أن بعضهم رجع عما أفتى به لما وقف على كلامه, وقال في الرد عليهم : قولهم هذه الصلاة جائزة لا كراهة فيها خلاف الإجماع فإن الأمة مجمعة على أن هذه الصلاة لا تجوز وإن أقل أحوالها أن تكون مكروهة لأن الذي اختلف العلماء فيه إنما هو في مسجد ليس له إمام راتب أوله إمام راتب وأقيمت الصلاة فيه جماعة ثم جاء آخرون فأرادوا إقامة تلك الصلاة جماعة
فهذا موضع الخلاف فأما حضور جماعتين أو أكثر في مسجد واحد ثم تقام الصلاة فيتقدم الإمام الراتب فيصلي وأولئك عكوف من غير ضرورة تدعوهم إلى ذلك تاركون لإقامة الصلاة مع الإمام الراتب متشاغلون بالنوافل والحديث حتى تنقضي صلاة الأول ثم يقوم الذي يليه وتبقى الجماعة الأخرى على نحو ما ذكرنا ثم يصلون أو تحضر الصلاة الواحدة كالمغرب فيقيم كل إمام الصلاة جهرا يسمعها الكافة ووجوههم مترائية والمقتدون بهم مختلطون في الصفوف ويسمع كل واحد من الأئمة قراءة الآخرين ويركعون ويسجدون فيكون أحدهم في الركوع والآخر في الرفع منه والآخر في السجود فالأمة مجمعة على أن هذه الصلاة لا تجوز وأقل أحوالها أن تكون مكروهة, فقول القائل إنها جائزة لا كراهة فيها خرق لإجماع الصحابة والقرن الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس إلى حين ظهور هذه البدعة
ثم قال في موضع آخر بعد أن تكلم على المسألة وإنها ممنوعة على مذهب مالك وغيره ورد على من أفتى بخلافه : فأما أحمد فكفانا في المسألة مهمة فإنه منع من إقامة صلاة واحدة بجماعتين في المسجد الحرام الذي الكلام فيه ومسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم , وقد حُكى لك أن مذهب مالك والشافعي وأصحاب الرأي الذين منهم أبو حنيفة أنهم لا يرون إقامة صلاة بإمامين في مسجد واحد
فأما إقامة صلاة واحدة بإمامين راتبين يحضر كل واحد من الإمامين فيتقدم أحدهما وهو الذي رتب ليصلي أولا وتجلس الجماعة الأخرى وإمامهم عكوفا حتى يفرغ الأول ثم يقيمون صلاتهم فهذا مما لم يقل به أحد ولا يمكن أحدا أن يحكي مثل هذا القول عن أحد من الفقهاء لا فعلا ولا قولا فكيف بإمامين يقيمان الصلاة في وقت واحد يقول كل واحدا منهما حي على الصلاة ويكبر كل واحد منهما وأهل القدوة مختلطون ويسمع كل واحد قراءة الآخر فهؤلاء زادوا على الخلاف الذي لسلف الأمة وخلفها مخالفة قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن والله لم يرض هذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المتنفلين تنفلا في المسجد بل لم يرضه لمقتد اقتدى به فصلى خلفه فكيف يرضى ذلك لإمامين منفردين هذا مما لا نعلم له نظيرا في قديم ولا حديث
ثم قال في موضع آخر : فأما إقامة صلاة المغرب وصلاة العشاء في شهر رمضان في وقت واحد فلم يستحسنها أحد من العلماء بل استقبحها كل من سئل عنها ومنهم من بادر بالإنكار من غير سؤال )اه
أبو بكر الطرطوشي ويحيى الزناتي المالكيان
قال الحطاب في مواهب الجليل 2/113 : (قال ابن الحباب المالكي : وأما إذن الإمام في ذلك فلا يصيره جائزا كما لو أذن الإمام للمالكي في بيع النبيذ أو التوضي به أو في أن يؤم قوما ولا يقرأ الحمد لله رب العالمين أو في النكاح بغير ولي اهـ وأطال في ذلك وذكر أن الشيخ أبا بكر الطرطوشي والشيخ يحيى الزناتي أنكرا هذه الصلاة وأنهما لم يصليا خلف إمام المالكية في الحرم الشريف ركعة واحدة, قال: وكان إمام المالكية في ذلك الوقت غير مغموص عليه بوجه من وجوه الفساد وهو رزين في أيام الزناتي والقابسي في أيام الطرطوشي, ثم قال: وحال هذين الرجلين مشهور عن أقراننا ومن قبلنا بيسير )اه
جماعة من علماء المالكية والحنفية
قال الحطاب في مواهب الجليل 2/113 : (ذكر ابن الحباب المالكي عن جماعة من علماء المالكية والحنفية وردوا إلى مكة في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة وأنهم أنكروا صلاة الأئمة الأربعة مترتبين على الصفة المعهودة وأنه عرض ما أملاه في عدم جواز هذه الصلاة وأنكر إقامتها على جماعة من العلماء وأنهم وافقوه على أن المنع من ذلك هو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة انتهى مختصرا غالبه بالمعنى)اه
أبو إبراهيم الغساني المالكي :
قال الحطاب في مواهب الجليل 2/113 : (وقال الشيخ أبو إبراهيم الغساني : إن افتراق الجماعة عند الإقامة على أئمة متعددة إمام ساجد وإمام راكع وإمام يقول سمع الله لمن حمده لم يوجد من ذكره من الأئمة ولا أذن به أحد بعد الرسول عليه الصلاة والسلام لا من صحت عقيدته ولا من فسدت لا في سفر ولا في حضر ولا عند تلاحم السيوف وتضام الصفوف في سبيل الله ولا يوجد في ذلك أثر لمن تقدم فيكون له به أسوة انتهى)اه
قول ابن عرفة المالكي:
قال الحطاب في مواهب الجليل 2/113: (قال ابن ظهيرة: وقد أخبرني بعض أهل العلم أنه اجتمع بالشيخ الإمام العلامة عالم المغرب في وقته المجمع على علمه ودينه وفضيلته أبي عبد الله بن عرفة في حجته سنة اثنين وتسعين وسبعمائة بالمسجد الحرم فإنه لما رأى اجتماع الأئمة الأربعة في صلاة المغرب أنكر ذلك وقال إن ذلك لا يجوز بإجماع المسلمين لا أعلم بينهم في ذلك اختلافا انتهى, ثم قال : وهذا صحيح لا شك فيه وبشاعة ذلك وشناعته ظاهرة لا أعلم بينهم في ذلك اختلافا انتهى)اه
القاضي جمال الدين بن ظهيرة الشافعي :
قال الحطاب في مواهب الجليل 2/113: (وسئل القاضي جمال الدين بن ظهيرة عن إقامة الأئمة الأربعة لصلاة المغرب في وقت واحد وقال القائل في السؤال : إن ذلك لم يكن في زمن النبوة ولا الخلفاء الراشدين ولا في زمن الأئمة الأربعة, وعن قول بعض فقهاء الإسكندرية : أن المسجد الحرام كأربعة مساجد وأن ذلك مخالف لقول الله تعالى : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى , ولقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ولم يقل المساجد الحرام
( فأجاب ) : بأن صلاة الأئمة الأربعة المغرب دفعة واحدة من البدع الفظيعة والأمور الشنيعة التي لم تزل العلماء ينكرونها في الحديث والقديم ويردونها على مخترعها القادم منهم والمقيم ثم ذكر بعض كلام ابن الحباب الذي ذكرناه وكلام الغساني , ثم قال : وقد كفانا هذان الرجلان في هذه المسألة وفيما نقله الأول منهما من إجماع الأئمة وكلام الأئمة كفاية
ثم قال : وهذا صحيح لا شك فيه وبشاعة ذلك وشناعته ظاهرة لمن ألهم رشده ولم تمل به عصبية ودلائل المنع من ذلك من السنة الشريفة أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر وقد يحصل من ذلك من الضرر في الموسم على المصلين ما لا مزيد عليه وتبطل صلاة كثير منهم للاشتباه وجميع البلاد التي تقام فيه هذه الجماعات يجتمعون في صلاة المغرب على إمام واحد وهو الشافعي الراتب الأول كبيت المقدس ودمشق وغيرهما
وعلى الجملة فذلك من البدع التي يجب إنكارها والسعي لله تعالى في خفض منارها وإزالة شعارها واجتماع الناس على أمام واحد وهو الإمام الراتب, ويثاب ولي الأمر على إزالة هذا المنكر وينال به عند الله الدرجات العالية ويؤجر وكل من قام في ذلك فله الأجر الوافر والخير العظيم المتكاثر, ولا يجوز لمن علم هذه البدعة السكوت عليها بل ولا على أقل منها لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ومن امتنع من طاعة ولي الأمر في ذلك فهو عاص لله ولرسوله وذلك جرح في شهادته وقادح في إمامته
وأما قول من قال من فقهاء الإسكندرية : بأن المسجد الحرام كأربعة مساجد فهو قول باطل سخيف وهو أقل من أن يتعرض له برد لمخالفته المحسوس والأدلة الظاهرة المتكاثرة من الكتاب والسنة انتهى)اه
الحطاب المالكي:
قال الحطاب في مواهب الجليل 2/114 : (قلت : وما قاله هؤلاء الأئمة ظاهر لا شك فيه إذ لا يشك عاقل في أن هذا الفعل المذكور مناقض لمقصود الشارع من مشروعية صلاة الجماعة وهو اجتماع المسلمين وأن تعود بركة بعضهم على بعض وأن لا يؤدي ذلك إلى تفرقة الكلمة ولم يسمح الشارع بتفريق الجماعة بإمامين عند الضرورة الشديدة وهي حضور القتال مع عدو الدين بل أمر بقسم الجماعة وصلاتهم بإمام واحد وقد أمر الله سبحانه وتعالى رسوله بهدم مسجد الضرار لما اتخذ لتفريق الجماعة)اه
والد الحطاب المالكي:
قال الحطاب في مواهب الجليل 2/114: (ولقد أخبرني والدي رحمه الله تعالى عن بعض شيوخه : أنه كان يقول فعل هؤلاء الأئمة في تفريق الجماعة يشبه فعل مسجد أهل الضرار, وهذا كله في غير المغرب وأما ما كان يفعل في المغرب فلا يشك عاقل في حرمته مع أنه لم نر في الزمن الذي أدركناه اجتماع الأئمة الأربعة فيها وإنما كان يصليها الشافعي والحنفي
وكان سيدي الوالد رحمه الله تعالى ينكر ذلك غاية الإنكار وأجاب لما سئل عن ذلك في سنة اثنين وثلاثين وتسعمائة بما صورته : أما اجتماع إمامين بجماعتين في صلاة واحدة في وقت واحد في مسجد واحد فهذا لا يجوز وقد نقل الإجماع على عدم جواز ذلك الشيخ أبو القاسم بن الحباب والشيخ أبو إبراهيم الغساني والقاضي جمال الدين ظهيرة الشافعي في جواب سؤاله سأله عنه الشيخ موسى المناوي وقال إن ذلك من البدع الفظيعة والأمور الشنيعة التي لم يزل العلماء ينكرونها في الحديث والقديم ويردونها على مخترعها القادم منهم والمقيم ونقل عن ابن عرفة أنه لما حج في سنة اثنين وتسعين وسبعمائة ورأى اجتماع الأئمة في صلاة المغرب أنكر ذلك وقال إن ذلك لا يجوز باجتماع المسلمين لا أعلم بينهم في ذلك اختلافا)اه
ابن الأمير الصنعاني
قال في تطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد (ص 41): (هذا حرم الله الذي هو أفضل بقاع الدنيا، بالاتفاق وإجماع العلماء، أحدث فيه بعض ملوك الشراكسة الجهلة الضلال هذه المقامات الأربعة التي فرقت عبادة العباد واشتملت على ما لا يحصيه إلا الله عز وجل من الفساد، وفرقت عبادات المسلمين وصيرتهم كالملل المختلفة في الدين بدعة قرت بها عين إبليس اللعين، وصيرت المسلمين ضحكة للشياطين، وقد سكت الناس عليها ووفد علماء الآفاق والأبدال والأقطاب إليها وشاهدها كل ذي عينين، وسمع بها كل ذي أذنين، أفهذا السكوت دليل على جوازها؟ هذا لا يقوله من له إلمام بشيء من المعارف)اه
المبحث الثالث:
من أقوال المجيزين
إبراهيم البيري والملا علي قاري الحنفيان:
قال ابن عابدين حاشيته على الحصكفي 1/377 في معرض الحديث عن المقامات الأربعة: (لكن ألف العلامة الشيخ إبراهيم البيري شارح الأشباه رسالة سماها ( الأقوال المرضية ) أثبت فيها الجواز وكراهة الاقتداء بالمخالف لأنه وإن راعى مواضع الخلاف لا يترك ما يلزم من تركه مكروه مذهب كالجهر بالبسملة والتأمين ورفع اليدين وجلسة الاستراحة والصلاة على النبي [ صلى الله عليه وآله وسلم ] في القعدة الأولى ورؤيته السلام الثاني سنة وغير ذلك مما تجب فيه الإعادة عندنا أو تستحب
وكذا ألف العلامة الشيخ علي القاري رسالة سماها ( الاهتداء في الاقتداء ) أثبت فيها الجواز لكن نفى فيها كراهة الاقتداء بالمخالف إذا راعى في الشروط والأركان فقط ) اه
طائفة من علماء المالكية تأتي أسماؤهم :
قال الحطاب في مواهب الجليل 2/109 : ( فرع مهم : اختلف في جمع الأئمة الأربعة بالمسجد الحرام في مقاماتهم المعهودة : هل هو من باب إعادة الجماعة بعد الإمام الراتب فيكون الإمام الراتب هو الذي يصلي في مقام إبراهيم وهو الأول ومن بعده حكمه حكم إعادة الجماعة بعد الإمام الراتب أو أشد من ذلك في الكراهة ؟ بل ربما انتهى إلى المنع لما سيأتي, أو صلاتهم جائزة لا كراهة فيها ومقاماتهم كمساجد متعددة ؟
ذكر ابن فرحون في منسكه عن جماعة من شيوخ المذهب أنهم أفتوا بأن صلاتهم على الوجه المذكور جائزة لا كراهة فيها إذ مقاماتهم كمساجد متعددة لأمر الإمام بذلك وإذا أمر الإمام بذلك فقد زالت العلة التي لأجلها كره أن تصلي جماعة وذكر أجوبتهم بلفظها وهم :
1- العلامة عبد الكريم بن عطاء الله شارح المدونة
2- والإمام أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي صاحب المفهم في شرح مسلم
3- والإمام العلامة أبو عبيد الله سعيد الريغي أحد قضاة الإسكندرية
4- وقاضي قضاة الإسكندرية محمد بن الحسن بن رشيق قال وكان ممن جمع بين العلم والعمل والورع والتقوى
5- والشيخ أحمد بن سليمان المرجاني
6- والشيخ حسن بن عثمان بن علي
7- والشيخ عبد الرحمن بن يوسف بن المخيلي, وكان الاستفتاء المذكور في المائة السابعة)اه
طائفة من علماء الاسكندرية تأتي أسماؤهم:
قال الحطاب في مواهب الجليل 2/110 : (ذكر ابن الحباب المالكي أن بعض علماء الإسكندرية أفتى بخلاف أفتى هو به وهم :
1- شداد بن المقدم
2- وعبد السلام بن عتيق
3- وأبو الطاهر بن عوف)اه
حكاية الخادمي ذلك عن بضعهم:
في بريقة محمودية للخادمي 1/98: ( قيل : ومن قبيل ما أذن من قبل الشرع ما استحدث من المقامات الأربعة للأئمة الأربعة ; لأنها لم يحدث منها ضرر فبدعة حسنة مسماة بالسنة بإشارة قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم { من سن في الإسلام سنة حسنة...} فيدخل في السنة كل بدعة حسنة)اه
قضاة المذاهب الأربعة بالحجاز
وأئمة الشافعية والحنفية بالحرم
قال الحطاب في مواهب الجليل 2/115: (فلما أجاب سيدي الوالد رحمه الله تعالى بهذا الجواب في سنة اثنين وثلاثين وتسعمائة اجتمع القضاة الأربعة ونائب جدة وملك النجار وأئمة الشافعية والحنفية في الحطيم واتفق أمرهم على أن الحنفي يشرع في الصلاة قبل الشافعي وإذا قام الحنفي لركعته الثالثة من صلاة المغرب شرع الشافعية في إقالة الصلاة وإلاحرام ويطيل الشافعي القراءة حتى لا يركع في الأولى إلا بعد سلام الحنفي
واستمر الأمر على ذلك إلى سنة خمس وأربعين وتسعمائة فيما أظن أو سنة ست ثم أمر بعض نواب جدة الشافعية أن لا يقيموا الصلاة ولا يشرعوا في الإقامة حتى يسلم الحنفي من صلاة المغرب ولم يمكن مخالفته فخفت البدعة بسبب ذلك ولله الحمد على ذلك واستمر على ذلك إلى وقتنا هذا في سنة خمسين وتسعمائة)انتهى
هذا آخر المطاف والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وأتباعه
عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي
اليمن - صنعاء
( دراسة فقهية مقارنة)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وأتباعه وبعد :
فإن المقامات والمحاريب الأربعة في المسجد الحرام أحدثت في القرن السادس الهجري وأثارت ضجة كبيرة بين الفقهاء وقتئذ فمن مانع ومن مجيز, وكان كثير من الفقهاء منكرين لذلك وناهين عنه لأن ذلك مما يخالف الأصول العامة للشريعة , وقد كان في - أول الأمر الأربعة الأئمة يصلون في وقت واحد ثم لما أُنكر هذا الأمر ممن أنكره صاروا يصلون الواحد تلو الآخر, وقد جعلت الموضوع في مباحث:
المبحث الأول: في الخلفية الفقهية لهذا الأمر
والمبحث الثاني: في أقوال المانعين من ذلك
والمبحث الثالث: في أقوال المجيزين لذلك
المبحث الأول
الخلفية الفقهية لهذا الأمر:
الخلفية الفقهية لهذا الأمر هي : مسألة حكم اقتداء المأموم بمخالف له في المذهب ولذلك حالتان :
- الأولى : أن يعلم المأموم أن إمامه مرتكب لمبطل على مذهب المأموم
- والثانية : ألا يعلم المأموم أن إمامه مرتكب لمبطل على مذهب المأموم
قال ابن تيمية كما الفتاوي الكبرى 2/317 : ( هذه المسائل لها صورتان :
إحداهما : أن لا يعرف المأموم أن إمامه فعل ما يبطل الصلاة ، فهنا يصلي المأموم خلفه باتفاق السلف ، والأئمة الأربعة ، وغيرهم .
وليس في هذا خلاف متقدم ، وإنما خالف بعض المتعصبين من المتأخرين : فزعم أن الصلاة خلف الحنفي لا تصح ، وإن أتى بالواجبات ، لأنه أداها وهو لا يعتقد وجوبها ...
الصورة الثانية : أن يتيقن المأموم أن الإمام فعل ما لا يسوغ عنده : مثل أن يمس ذكره ، أو النساء لشهوة ، أو يحتجم ، أو يفتصد ، أو يتقيأ ثم يصلي بلا وضوء , فهذه الصورة فيها نزاع مشهور :
- فأحد القولين لا تصح صلاة المأموم ، لأنه يعتقد بطلان صلاة إمامه . كما قال ذلك من قاله من أصحاب أبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد .
- والقول الثاني : تصح صلاة المأموم ، وهو قول جمهور السلف ، وهو مذهب مالك ، وهو القول الآخر في مذهب الشافعي ، وأحمد ، بل وأبي حنيفة وأكثر نصوص أحمد على هذا )اه
وفي موسوعة الفقه الكويتية :6/37 : ( الاقتداء بمن يخالفه في الفروع :
- لا خلاف بين الفقهاء في صحة الاقتداء بإمام يخالف المقتدي في الفروع , إذا كان الإمام يتحامى مواضع الخلاف , بأن يتوضأ من الخارج النجس من غير السبيلين كالفصد مثلا , ولا ينحرف عن القبلة انحرافا فاحشا , ويراعي الدلك والموالاة في الوضوء , والطمأنينة في الصلاة .
- وكذلك يصح الاقتداء بإمام مخالف في المذهب إذا كان لا يعلم منه الإتيان بما يفسد الصلاة عند المقتدي بيقين , لأن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المسلمين لم يزل بعضهم يقتدي ببعض مع اختلافهم في الفروع , ولما فيه من وحدة الصف وقوة المسلمين
- أما إذا علم المقتدي أن الإمام أتى بمانع لصحة الصلاة في مذهب المأموم , وليس مانعا في مذهبه, كترك الدلك والموالاة في الوضوء , أو ترك شرطا في الصلاة عند المأموم :
- فقد صرح المالكية والحنابلة - وهو رواية عند الشافعية - بصحة الاقتداء , لأن المعتبر في شروط الصلاة مذهب الإمام لا المأموم , ما لم يكن المتروك ركنا داخلا في الصلاة عند المالكية , كترك الرفع من الركوع .
- وفي الأصح عند الشافعية لا يصح الاقتداء اعتبارا بنية المقتدي , لأنه يعتقد فساد صلاة إمامه , فلا يمكن البناء عليه .
- وقال الحنفية : إن تيقن المقتدي ترك الإمام مراعاة الفروض عند المقتدي لم يصح الاقتداء , وإن علم تركه للواجبات فقط يكره , أما إن علم منه ترك السنن فينبغي أن يقتدي به , لأن الجماعة واجبة , فتقدم على ترك كراهة التنزيه , وهذا بناء على أن العبرة لرأي المقتدي - وهو الأصح - وقيل : لرأي الإمام , وعليه جماعة . قال في النهاية : وهو الأقيس , وعليه فيصح الاقتداء , وإن كان الإمام لا يحتاط ) اه
المبحث الثاني:
من أقوال المانعين:
رحمة الله السندي وخير الدين الرملي الحنفيان:
قال ابن عابدين حاشيته على الحصكفي 1/377 : ( وقد ألف جماعة من العلماء رسائل في كراهة ما يفعل في الحرمين الشريفين وغيرهما من تعداد الأئمة والجماعات وصرحوا بأن الصلاة مع أول إمام أفضل
ومنهم صاحب المنسك المشهور العلامة الشيخ رحمة الله السندي تلميذ المحقق ابن الهمام, فقد نقل عن العلامة الخير الرملي في باب الإمامة: أن بعض مشايخنا سنة إحدى وخمسين وخمسمائة أنكر ذلك منهم الشريف الغزنوي وأن بعض المالكية في سنة خمسين وخمسمائة أفتى بمنع ذلك على المذاهب الأربعة ونقل عن جماعة من علماء المذاهب إنكار ذلك أيضا).اهـ
ابن فرحون المالكي:
قال الحطاب في مواهب الجليل 2/110 : (ثم قال ابن فرحون : ووقفت بثغر الإسكندرية على تأليف يخالف ما أفتى به الجماعة وأن الإمام الراتب هو إمام المقام ولا أثر لأمر الخليفة في رفع الكراهة الحاصلة في جمع جماعة بعد جماعة واستدل على ذلك بأدلة كثيرة وألف في ذلك تأليفا ولم يحضرني الآن اسم مؤلفه رحم الله الجميع انتهى
قلت : وقد وقفت على تأليفين في هذه المسألة : أحدهما : للشيخ الإمام أبي القاسم عبد الرحمن بن الحسين بن عبد الله بن الحباب السعدي المالكي, والثاني منهما : للشيخ الإمام أبي إبراهيم الغساني المالكي)اه
ابن الحباب السعدي المالكي :
قال الحطاب في مواهب الجليل 2/111 : (ثم رد بن الحباب على المجيزين من أهل الاسكندرية وبالغ في الرد عليهم وذكر أن بعضهم رجع عما أفتى به لما وقف على كلامه, وقال في الرد عليهم : قولهم هذه الصلاة جائزة لا كراهة فيها خلاف الإجماع فإن الأمة مجمعة على أن هذه الصلاة لا تجوز وإن أقل أحوالها أن تكون مكروهة لأن الذي اختلف العلماء فيه إنما هو في مسجد ليس له إمام راتب أوله إمام راتب وأقيمت الصلاة فيه جماعة ثم جاء آخرون فأرادوا إقامة تلك الصلاة جماعة
فهذا موضع الخلاف فأما حضور جماعتين أو أكثر في مسجد واحد ثم تقام الصلاة فيتقدم الإمام الراتب فيصلي وأولئك عكوف من غير ضرورة تدعوهم إلى ذلك تاركون لإقامة الصلاة مع الإمام الراتب متشاغلون بالنوافل والحديث حتى تنقضي صلاة الأول ثم يقوم الذي يليه وتبقى الجماعة الأخرى على نحو ما ذكرنا ثم يصلون أو تحضر الصلاة الواحدة كالمغرب فيقيم كل إمام الصلاة جهرا يسمعها الكافة ووجوههم مترائية والمقتدون بهم مختلطون في الصفوف ويسمع كل واحد من الأئمة قراءة الآخرين ويركعون ويسجدون فيكون أحدهم في الركوع والآخر في الرفع منه والآخر في السجود فالأمة مجمعة على أن هذه الصلاة لا تجوز وأقل أحوالها أن تكون مكروهة, فقول القائل إنها جائزة لا كراهة فيها خرق لإجماع الصحابة والقرن الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس إلى حين ظهور هذه البدعة
ثم قال في موضع آخر بعد أن تكلم على المسألة وإنها ممنوعة على مذهب مالك وغيره ورد على من أفتى بخلافه : فأما أحمد فكفانا في المسألة مهمة فإنه منع من إقامة صلاة واحدة بجماعتين في المسجد الحرام الذي الكلام فيه ومسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم , وقد حُكى لك أن مذهب مالك والشافعي وأصحاب الرأي الذين منهم أبو حنيفة أنهم لا يرون إقامة صلاة بإمامين في مسجد واحد
فأما إقامة صلاة واحدة بإمامين راتبين يحضر كل واحد من الإمامين فيتقدم أحدهما وهو الذي رتب ليصلي أولا وتجلس الجماعة الأخرى وإمامهم عكوفا حتى يفرغ الأول ثم يقيمون صلاتهم فهذا مما لم يقل به أحد ولا يمكن أحدا أن يحكي مثل هذا القول عن أحد من الفقهاء لا فعلا ولا قولا فكيف بإمامين يقيمان الصلاة في وقت واحد يقول كل واحدا منهما حي على الصلاة ويكبر كل واحد منهما وأهل القدوة مختلطون ويسمع كل واحد قراءة الآخر فهؤلاء زادوا على الخلاف الذي لسلف الأمة وخلفها مخالفة قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن والله لم يرض هذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المتنفلين تنفلا في المسجد بل لم يرضه لمقتد اقتدى به فصلى خلفه فكيف يرضى ذلك لإمامين منفردين هذا مما لا نعلم له نظيرا في قديم ولا حديث
ثم قال في موضع آخر : فأما إقامة صلاة المغرب وصلاة العشاء في شهر رمضان في وقت واحد فلم يستحسنها أحد من العلماء بل استقبحها كل من سئل عنها ومنهم من بادر بالإنكار من غير سؤال )اه
أبو بكر الطرطوشي ويحيى الزناتي المالكيان
قال الحطاب في مواهب الجليل 2/113 : (قال ابن الحباب المالكي : وأما إذن الإمام في ذلك فلا يصيره جائزا كما لو أذن الإمام للمالكي في بيع النبيذ أو التوضي به أو في أن يؤم قوما ولا يقرأ الحمد لله رب العالمين أو في النكاح بغير ولي اهـ وأطال في ذلك وذكر أن الشيخ أبا بكر الطرطوشي والشيخ يحيى الزناتي أنكرا هذه الصلاة وأنهما لم يصليا خلف إمام المالكية في الحرم الشريف ركعة واحدة, قال: وكان إمام المالكية في ذلك الوقت غير مغموص عليه بوجه من وجوه الفساد وهو رزين في أيام الزناتي والقابسي في أيام الطرطوشي, ثم قال: وحال هذين الرجلين مشهور عن أقراننا ومن قبلنا بيسير )اه
جماعة من علماء المالكية والحنفية
قال الحطاب في مواهب الجليل 2/113 : (ذكر ابن الحباب المالكي عن جماعة من علماء المالكية والحنفية وردوا إلى مكة في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة وأنهم أنكروا صلاة الأئمة الأربعة مترتبين على الصفة المعهودة وأنه عرض ما أملاه في عدم جواز هذه الصلاة وأنكر إقامتها على جماعة من العلماء وأنهم وافقوه على أن المنع من ذلك هو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة انتهى مختصرا غالبه بالمعنى)اه
أبو إبراهيم الغساني المالكي :
قال الحطاب في مواهب الجليل 2/113 : (وقال الشيخ أبو إبراهيم الغساني : إن افتراق الجماعة عند الإقامة على أئمة متعددة إمام ساجد وإمام راكع وإمام يقول سمع الله لمن حمده لم يوجد من ذكره من الأئمة ولا أذن به أحد بعد الرسول عليه الصلاة والسلام لا من صحت عقيدته ولا من فسدت لا في سفر ولا في حضر ولا عند تلاحم السيوف وتضام الصفوف في سبيل الله ولا يوجد في ذلك أثر لمن تقدم فيكون له به أسوة انتهى)اه
قول ابن عرفة المالكي:
قال الحطاب في مواهب الجليل 2/113: (قال ابن ظهيرة: وقد أخبرني بعض أهل العلم أنه اجتمع بالشيخ الإمام العلامة عالم المغرب في وقته المجمع على علمه ودينه وفضيلته أبي عبد الله بن عرفة في حجته سنة اثنين وتسعين وسبعمائة بالمسجد الحرم فإنه لما رأى اجتماع الأئمة الأربعة في صلاة المغرب أنكر ذلك وقال إن ذلك لا يجوز بإجماع المسلمين لا أعلم بينهم في ذلك اختلافا انتهى, ثم قال : وهذا صحيح لا شك فيه وبشاعة ذلك وشناعته ظاهرة لا أعلم بينهم في ذلك اختلافا انتهى)اه
القاضي جمال الدين بن ظهيرة الشافعي :
قال الحطاب في مواهب الجليل 2/113: (وسئل القاضي جمال الدين بن ظهيرة عن إقامة الأئمة الأربعة لصلاة المغرب في وقت واحد وقال القائل في السؤال : إن ذلك لم يكن في زمن النبوة ولا الخلفاء الراشدين ولا في زمن الأئمة الأربعة, وعن قول بعض فقهاء الإسكندرية : أن المسجد الحرام كأربعة مساجد وأن ذلك مخالف لقول الله تعالى : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى , ولقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ولم يقل المساجد الحرام
( فأجاب ) : بأن صلاة الأئمة الأربعة المغرب دفعة واحدة من البدع الفظيعة والأمور الشنيعة التي لم تزل العلماء ينكرونها في الحديث والقديم ويردونها على مخترعها القادم منهم والمقيم ثم ذكر بعض كلام ابن الحباب الذي ذكرناه وكلام الغساني , ثم قال : وقد كفانا هذان الرجلان في هذه المسألة وفيما نقله الأول منهما من إجماع الأئمة وكلام الأئمة كفاية
ثم قال : وهذا صحيح لا شك فيه وبشاعة ذلك وشناعته ظاهرة لمن ألهم رشده ولم تمل به عصبية ودلائل المنع من ذلك من السنة الشريفة أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر وقد يحصل من ذلك من الضرر في الموسم على المصلين ما لا مزيد عليه وتبطل صلاة كثير منهم للاشتباه وجميع البلاد التي تقام فيه هذه الجماعات يجتمعون في صلاة المغرب على إمام واحد وهو الشافعي الراتب الأول كبيت المقدس ودمشق وغيرهما
وعلى الجملة فذلك من البدع التي يجب إنكارها والسعي لله تعالى في خفض منارها وإزالة شعارها واجتماع الناس على أمام واحد وهو الإمام الراتب, ويثاب ولي الأمر على إزالة هذا المنكر وينال به عند الله الدرجات العالية ويؤجر وكل من قام في ذلك فله الأجر الوافر والخير العظيم المتكاثر, ولا يجوز لمن علم هذه البدعة السكوت عليها بل ولا على أقل منها لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ومن امتنع من طاعة ولي الأمر في ذلك فهو عاص لله ولرسوله وذلك جرح في شهادته وقادح في إمامته
وأما قول من قال من فقهاء الإسكندرية : بأن المسجد الحرام كأربعة مساجد فهو قول باطل سخيف وهو أقل من أن يتعرض له برد لمخالفته المحسوس والأدلة الظاهرة المتكاثرة من الكتاب والسنة انتهى)اه
الحطاب المالكي:
قال الحطاب في مواهب الجليل 2/114 : (قلت : وما قاله هؤلاء الأئمة ظاهر لا شك فيه إذ لا يشك عاقل في أن هذا الفعل المذكور مناقض لمقصود الشارع من مشروعية صلاة الجماعة وهو اجتماع المسلمين وأن تعود بركة بعضهم على بعض وأن لا يؤدي ذلك إلى تفرقة الكلمة ولم يسمح الشارع بتفريق الجماعة بإمامين عند الضرورة الشديدة وهي حضور القتال مع عدو الدين بل أمر بقسم الجماعة وصلاتهم بإمام واحد وقد أمر الله سبحانه وتعالى رسوله بهدم مسجد الضرار لما اتخذ لتفريق الجماعة)اه
والد الحطاب المالكي:
قال الحطاب في مواهب الجليل 2/114: (ولقد أخبرني والدي رحمه الله تعالى عن بعض شيوخه : أنه كان يقول فعل هؤلاء الأئمة في تفريق الجماعة يشبه فعل مسجد أهل الضرار, وهذا كله في غير المغرب وأما ما كان يفعل في المغرب فلا يشك عاقل في حرمته مع أنه لم نر في الزمن الذي أدركناه اجتماع الأئمة الأربعة فيها وإنما كان يصليها الشافعي والحنفي
وكان سيدي الوالد رحمه الله تعالى ينكر ذلك غاية الإنكار وأجاب لما سئل عن ذلك في سنة اثنين وثلاثين وتسعمائة بما صورته : أما اجتماع إمامين بجماعتين في صلاة واحدة في وقت واحد في مسجد واحد فهذا لا يجوز وقد نقل الإجماع على عدم جواز ذلك الشيخ أبو القاسم بن الحباب والشيخ أبو إبراهيم الغساني والقاضي جمال الدين ظهيرة الشافعي في جواب سؤاله سأله عنه الشيخ موسى المناوي وقال إن ذلك من البدع الفظيعة والأمور الشنيعة التي لم يزل العلماء ينكرونها في الحديث والقديم ويردونها على مخترعها القادم منهم والمقيم ونقل عن ابن عرفة أنه لما حج في سنة اثنين وتسعين وسبعمائة ورأى اجتماع الأئمة في صلاة المغرب أنكر ذلك وقال إن ذلك لا يجوز باجتماع المسلمين لا أعلم بينهم في ذلك اختلافا)اه
ابن الأمير الصنعاني
قال في تطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد (ص 41): (هذا حرم الله الذي هو أفضل بقاع الدنيا، بالاتفاق وإجماع العلماء، أحدث فيه بعض ملوك الشراكسة الجهلة الضلال هذه المقامات الأربعة التي فرقت عبادة العباد واشتملت على ما لا يحصيه إلا الله عز وجل من الفساد، وفرقت عبادات المسلمين وصيرتهم كالملل المختلفة في الدين بدعة قرت بها عين إبليس اللعين، وصيرت المسلمين ضحكة للشياطين، وقد سكت الناس عليها ووفد علماء الآفاق والأبدال والأقطاب إليها وشاهدها كل ذي عينين، وسمع بها كل ذي أذنين، أفهذا السكوت دليل على جوازها؟ هذا لا يقوله من له إلمام بشيء من المعارف)اه
المبحث الثالث:
من أقوال المجيزين
إبراهيم البيري والملا علي قاري الحنفيان:
قال ابن عابدين حاشيته على الحصكفي 1/377 في معرض الحديث عن المقامات الأربعة: (لكن ألف العلامة الشيخ إبراهيم البيري شارح الأشباه رسالة سماها ( الأقوال المرضية ) أثبت فيها الجواز وكراهة الاقتداء بالمخالف لأنه وإن راعى مواضع الخلاف لا يترك ما يلزم من تركه مكروه مذهب كالجهر بالبسملة والتأمين ورفع اليدين وجلسة الاستراحة والصلاة على النبي [ صلى الله عليه وآله وسلم ] في القعدة الأولى ورؤيته السلام الثاني سنة وغير ذلك مما تجب فيه الإعادة عندنا أو تستحب
وكذا ألف العلامة الشيخ علي القاري رسالة سماها ( الاهتداء في الاقتداء ) أثبت فيها الجواز لكن نفى فيها كراهة الاقتداء بالمخالف إذا راعى في الشروط والأركان فقط ) اه
طائفة من علماء المالكية تأتي أسماؤهم :
قال الحطاب في مواهب الجليل 2/109 : ( فرع مهم : اختلف في جمع الأئمة الأربعة بالمسجد الحرام في مقاماتهم المعهودة : هل هو من باب إعادة الجماعة بعد الإمام الراتب فيكون الإمام الراتب هو الذي يصلي في مقام إبراهيم وهو الأول ومن بعده حكمه حكم إعادة الجماعة بعد الإمام الراتب أو أشد من ذلك في الكراهة ؟ بل ربما انتهى إلى المنع لما سيأتي, أو صلاتهم جائزة لا كراهة فيها ومقاماتهم كمساجد متعددة ؟
ذكر ابن فرحون في منسكه عن جماعة من شيوخ المذهب أنهم أفتوا بأن صلاتهم على الوجه المذكور جائزة لا كراهة فيها إذ مقاماتهم كمساجد متعددة لأمر الإمام بذلك وإذا أمر الإمام بذلك فقد زالت العلة التي لأجلها كره أن تصلي جماعة وذكر أجوبتهم بلفظها وهم :
1- العلامة عبد الكريم بن عطاء الله شارح المدونة
2- والإمام أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي صاحب المفهم في شرح مسلم
3- والإمام العلامة أبو عبيد الله سعيد الريغي أحد قضاة الإسكندرية
4- وقاضي قضاة الإسكندرية محمد بن الحسن بن رشيق قال وكان ممن جمع بين العلم والعمل والورع والتقوى
5- والشيخ أحمد بن سليمان المرجاني
6- والشيخ حسن بن عثمان بن علي
7- والشيخ عبد الرحمن بن يوسف بن المخيلي, وكان الاستفتاء المذكور في المائة السابعة)اه
طائفة من علماء الاسكندرية تأتي أسماؤهم:
قال الحطاب في مواهب الجليل 2/110 : (ذكر ابن الحباب المالكي أن بعض علماء الإسكندرية أفتى بخلاف أفتى هو به وهم :
1- شداد بن المقدم
2- وعبد السلام بن عتيق
3- وأبو الطاهر بن عوف)اه
حكاية الخادمي ذلك عن بضعهم:
في بريقة محمودية للخادمي 1/98: ( قيل : ومن قبيل ما أذن من قبل الشرع ما استحدث من المقامات الأربعة للأئمة الأربعة ; لأنها لم يحدث منها ضرر فبدعة حسنة مسماة بالسنة بإشارة قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم { من سن في الإسلام سنة حسنة...} فيدخل في السنة كل بدعة حسنة)اه
قضاة المذاهب الأربعة بالحجاز
وأئمة الشافعية والحنفية بالحرم
قال الحطاب في مواهب الجليل 2/115: (فلما أجاب سيدي الوالد رحمه الله تعالى بهذا الجواب في سنة اثنين وثلاثين وتسعمائة اجتمع القضاة الأربعة ونائب جدة وملك النجار وأئمة الشافعية والحنفية في الحطيم واتفق أمرهم على أن الحنفي يشرع في الصلاة قبل الشافعي وإذا قام الحنفي لركعته الثالثة من صلاة المغرب شرع الشافعية في إقالة الصلاة وإلاحرام ويطيل الشافعي القراءة حتى لا يركع في الأولى إلا بعد سلام الحنفي
واستمر الأمر على ذلك إلى سنة خمس وأربعين وتسعمائة فيما أظن أو سنة ست ثم أمر بعض نواب جدة الشافعية أن لا يقيموا الصلاة ولا يشرعوا في الإقامة حتى يسلم الحنفي من صلاة المغرب ولم يمكن مخالفته فخفت البدعة بسبب ذلك ولله الحمد على ذلك واستمر على ذلك إلى وقتنا هذا في سنة خمسين وتسعمائة)انتهى
هذا آخر المطاف والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وأتباعه
عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي
اليمن - صنعاء
تعليق