مقدمة كتاب (الإسلام في ثوب الحداثة ) للشيخ مصطفى بشير الطرابلسي

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • جلال علي الجهاني
    خادم أهل العلم
    • Jun 2003
    • 4022

    #1

    مقدمة كتاب (الإسلام في ثوب الحداثة ) للشيخ مصطفى بشير الطرابلسي

    قصة هذا الكتاب
    عرفتُ اسم الدكتور طه جابر العلواني من خلال كتابيه: (أصول الفقه منهج بحث ومعرفة) و (أدب ‏الاختلاف في الإسلام)، ونظرًا لعدم وجود ما يميز الكتابين من حيث العنوان أو الموضوع، فقد كانت صورته كصورة ‏الكثيرين من العلماء والدعاة خاصة في حقبة التسعينات، وهي الفترة التي شهدت ما سمي بالصحوة الإسلامية ‏وكتّابها؛ إذ كان غالب الموضوعات التي يجري الحديث عنها تدور حول أسس إسلامية عامة مثل: الإسلام هو الحل، ‏والحاكمية، وتميز الأمة المسلمة، ومقاومة التغريب الفكري والسلوكي، أو حول بعض أحكام لها رمزية تتعلق ‏بالهوية كحجاب المرأة المسلمة؛ ومن ثم كنت أعده عالما يكتب في الشأن العام للمسلمين وهمومهم، وهي أمور ‏تحتاج إلى جيش من الكاتبين حتى يقوموا بهذا الواجب الكفائي.‏
    غير أن الفتاوى التي أصدرها بعد ذلك جعلتني أقتنع أن الشيخ قد أصابه داء دعاة مدرسة التجديد، ‏المتمثل في الهجوم على الأحكام المستقرة وإبطالها، سواء بعض أحكام العقائد، أو بعض الأحكام العملية! ‏
    وإنكار هذه الأمور يقود - عادة - إلى إنكار الأصول التي بنيت عليها كالإجماع، والطعن في ثبوت الأحاديث التي ‏وردت فيها، أما الحكم الذي يرون تغييره لعدم مناسبته - في نظرهم - لظروف زماننا وكان دليل السابقين عليه نصا ‏من القرآن فإن إنكار التجديديين لا يتجه إلى ثبوت اللفظ القرآني الذي دل على الحكم؛ لأن القرآن قطعي الثبوت، ‏وهم لا يستطيعون الاقتراب من هذا الجانب، وإنما يتجه إلى المعنى الذي أجمع عليه السابقون، ويأتون بتفسير ‏جديد ولو كانت تأباه اللغة؟ ومن أمثلة ذلك تفسير بعضهم لقصة آدم وحواء بالمراحل التي مرت بها البشرية! ‏ووادي النمل الذي مر به سليمان عليه السلام بواد كثير الناس؟!‏
    وزادت قناعتي بتمكن هذا الداء من الشيخ بعدما حدثني أستاذ في الشريعة: أن الدكتور العلواني عرض ‏عليه العمل في الجامعة التي يرأسها بواشنطن، فسافر صاحبنا لمقابلته، وأثناء المقابلة قال له العلواني في جملة ما ‏قال: إن بعض الطلبة الذين يدرِّسهم اكتشفوا في جامع البخاري نحو مئتي حديث غير صحيح!‏‏1‏‏ يقول محدثي: ‏فلما سمعت كلامه هذا أخذت حقيبتي وعدت أدراجي، رغم حاجتي الملحة للعمل في تلك الفترة.‏
    مرَّت الأيام ونسيت هذا الحديث، كما نسيت ما سمعته من جدل حول بعض فتاوى الدكتور العلواني، ‏وكنت أظن أن الأمر لم يتعد ما سمعت أو قرأت. بيد أنني بعد فراغي من دراستي (الكتابات المعاصرة عن المقاصد) ‏عثرت قدرا على كتاب له بعنوان (مقاصد الشريعة)، وبما أنني كنت مهتما بهذا الموضوع حينها فقد وجدت في نفسي ‏رغبة قوية للاطلاع عليه؛ ومعرفة رأيه في هذه القضية.‏
    في البداية ظننتُ أن الكتاب ألف تحت هذا العنوان ابتداء، ولكن بعد مطالعتي له تبين أنه عبارة عن ‏مجموعة من المقالات كتبها الدكتور طه في مناسبات مختلفة، وتم جمعها بعد ذلك في كتاب واحد كما يقول كاتب ‏المقدمة، وتبين لي فيما بعد أن الدكتور العلواني قد أعاد نشر جل مباحث الكتاب تحت عنوان (نحو التجديد ‏والاجتهاد)، ولا أدري وجه الحكمة في إعادة طبع كتاب تحت عنوان آخر؟!‏
    الحاصل أنني ما إن شرعت في القراءة حتى بدأت الأفكار الغريبة، والآراء الشاذة تطل برأسها من بين ‏السطور، وكلما قرأت ظهر لي غيرها، وهذا دفعني إلى مطالعة كتبه ومقالاته الأخرى التي لها صلة مباشرة بموضوع ‏المقاصد ككتاب (التوحيد والتزكية والعمران- محاولات في الكشف عن القيم والمقاصد القرآنية الحاكمة)، أو غير ‏مباشرة ككتاب (الجمع بين القراءتين).‏
    وكان في النية تخصيص فصل في دراستي (الكتابات المعاصرة عن المقاصد) أناقش فيه ما سماه (المقاصد ‏الحاكمة)، إلا أن كثرة الأفكار التي طرحها احتاجت إلى مناقشة طويلة لا يمكن استيعابها في فصل، كما لا يكفي ‏إفرادها بباب؛ لما سينتج عن ذلك من خلل في ترتيب وحجم الأبواب من الناحية الموضوعية؛ وبالتالي صرفت النظر ‏عن تضمين ما كتبه الأستاذ العلواني عن المقاصد في دراستي تلك.‏
    بيد أن قراءتي لمؤلفاته الأخرى مثل كتاب (إشكالية التعامل مع السنة النبوية)، وكتاب (نحو إعادة بناء ‏علوم الأمة الاجتماعية والشرعية)، وكتاب (نحو موقف قرآني من إشكالية المحكم والمتشابه)، ومقالة (نحو ‏تأسيس علم المراجعات في تراثنا الإسلامي)، ومقالة (العلوم الإسلامية: أزمة منهج أم أزمة تنـزيل؟) أقنعتني أنه يعاني ‏من اضطراب فكري، و وسوسة تقارب (الشك) في كل علوم الإسلام؟ ‏
    وقد لمست ذلك من تفكك المواضيع التي تطرق إليها في كتبه ومقالاته سالفة الذكر؛ إذ يقفز أحيانا من ‏فكرة إلى أخرى، دون وجود صلة موضوعية بين الاثنين، كما لاحظت أنه يصدر الأحكام، ويعلن النتائج، ويستشهد ‏عليها إما بدليل لا وجود له في الواقع، أو أن الدليل يثبت عكس ما يريد إثباته! ‏
    كل ذلك سنراه عند تحليل دعاواه - وما أكثرها - ونقده لعلوم الإسلام، ورميه لعلمائه بالغفلة والنسيان، ‏وعدم الانتباه لأسرار القرآن ومنهج القرآن، ومركز القرآن ومحوريته، وأن ذلك أدى إلى أزمات وإصابات خطيرة في ‏العقل المسلم والنفسية المسلمة! هكذا بإطلاق في جميع الأدوار، وإن كان أحيانا يستثني بعضهم؟ لحاجته إلى ‏الاستشهاد بأقوالهم كمالك ابن أنس، وعمر بن عبد العزيز، والإمام الشافعي! وإلا فإن قارئ مراجعاته النقدية ‏يشعر أنه يكاد يشمل الصحابة رضوان الله عليهم بعدم فهم المنهج القرآني - الذي اكتشفه - والهدي النبوي في ‏تطبيقه.. لولا حرمتهم وعلمه بسقوط من ينال من جنابهم! ‏
    ومن علامات الوسوسة الفكرية عند العلواني التكرار في تلك الكتابات؟ فكأنه يدفعها بذلك؛ فهو يردد ‏الكلمات في الفقرة الواحدة بصورة تجعلها تبدو حشوا في الكلام، وكذلك تعديده لبنود العناصر التي يقسم ‏الحديث إليها، دون أن يضيف ذلك التعديد أي معنى جديد يختلف عن سابقه أو لاحقه من البنود، وهذا من ‏علامات ضعف الحجة فيلجأ صاحبها إلى تكرارها جبرا لذلك الضعف! وهو ما سنبينه بالأمثلة. ‏
    ولا يقف التكرار عند جانب الكلمات، أو الجمل، والفقرات؟ بل نجده أيضا يكرر أفكار تلك الكتابات، ‏وإن كان فيها شيء من الاختلاف أو الإضافة فهو يسير، ومن أمثلة ذلك دراسته التي عنوانها (العلوم الإسلامية: أزمة ‏منهج أم أزمة تنزيل؟).. فقد تكلم فيها عن مداخل مراجعة التراث، وجعل أحدها ما أسماه (النسق القرآني).. وهذا ‏النسق نفسه عبر عنه في كتابات أخرى بمصطلح (المقاصد القرآنية العليا الحاكمة)، بل نجده ينقل المقاطع ‏بحروفها كما فعل في كتابه (الجمع بين القراءتين)!‏
    وفي الدراسة ذاتها تكلم طويلا عن (الفكر الفقهي وتأثير الإسرائيليات)، وأعاد الكلام ذاته في مقاله (نحو ‏تأسيس علم المراجعات في تراثنا الإسلامي)! وكرره في كتابه (لا إكراه في الدين)! ‏
    وقد تبين لي فيما بعد أن كلا من مقال (العلوم الإسلامية: أزمة منهج أم أزمة تنزيل؟) ومقال (نحو تأسيس ‏علم المراجعات) ما هما إلا فصلان من كتابه (نحو التجديد والاجتهاد) الذي طبع عام 2008م، وقام بنشرهما سنة ‏‏2010م بمجلة الإحياء التي تصدرها الرابطة المحمدية المغربية، بالإضافة إلى مقاطع من كتابة (نحو منهجية ‏معرفية قرآنية). ‏
    أما بالنسبة لكتبه فبعضها أقرب إلى الرسائل لصغرها، ولا تختلف إلا في إسهاب‏1‏‏ ما تناوله باقتضاب في ‏تلك المقالات؟ ‏
    الدكتور العلواني ومدرسة التجديد:‏
    إن الدكتور طه جابر العلواني يمثل امتدادا لمدرسة التجديد الديني التي وضع بذرتها في مصر منذ أكثر من ‏مائة عام الشيخ جمال الدين الأفغاني (ت 1315هـ)، وسعى في نشرها تلميذه الشيخ محمد عبده (ت 1323هـ)، ‏وما من فكرة دينية شاذة تتعلق بأصول الإسلام العقدية والعملية برزت منذ ذلك التاريخ إلا ونجد لها ارتباطا - كبر ‏أو صغر - بتلك المدرسة؟ ‏
    وعلاقة الشيخ بها يمكن معرفتها من خلال مدحه شيوخها وعده لهم في صفوف المجددين، إضافة لترديده ‏أفكارهم التي عرفوا بها، وهي في جملتها تدور حول رميهم للسابقين من علماء السنة بالجمود الفكري، والتقليد، ‏والتعصب، وأن الأمة تحتاج كي تنهض إلى فتح باب الاجتهاد الذي أغلقه أولئك الجامدون المتزمتون! كما أنه يردد ‏نتائج اجتهادات أولئك المجددون، سواء في العقائد، كإنكار بعض الأحكام التي اتفق عليها علماء العقيدة مثل رفع ‏عيسى حيا ونزوله آخر الزمان كعلامة من علامات الساعة، وكقول - بعضهم - بفناء النار، وأن آيات البعث والجنة ‏والنار من متشابهات القرآن! ‏
    وانظر إلى قول الدكتور العلواني متحسرا: "كان الأستاذ محمد عبده یلقي دروس التفسیر في الأزھر، ویكتب ‏رسالة التوحید؛ لتكون بدیلاً عما كان یُدرس في الأزھر من شروح النسفیة وحواشیھا للتفتازاني وغیره، فیثور علیه ‏علماء الأزھر، وتنشب معركة ضاریة بینه وبین الشیخ علیش[ت1299هـ]، الذي استطاع أن یكسب المعركة ضد ‏الشیخ عبده بشكل أو بآخر، ویدفع الشیخ بعیدًا عن الأزھر والتأثیر فیه، فیكون انتصار الشیخ علیش انتصارًا ‏لاتجاه العالم التقلیدي على العالم المفكر الذي یجتھد أو یحاول الاجتھاد "‏‏1‏‏.‏
    والحقيقة أن الذي انتصر هو الشيخ محمد عبده الذي حرص من يملكون دفة التوجيه الثقافي بمصر ‏على تصدير اسمه بلقب (الإمام)، كما حرصوا أيضا على إطلاق اسمه على إحدى قاعات التدريس بالأزهر؛ كي ‏يبقى رمزا للتجديد والتنوير في عقول الناشئة، في مقابل الشيخ عليش رمز الجمود والتقليد رحمه الله؟ ‏
    ومن علامات انتصار الأول أن تلاميذه واصلوا من بعده مسيرة تلك التفسيرات الشاذة لنصوص القرآن ‏حتى ذهبوا في تأويلاتهم إلى أبعد مما فعل المعتزلة؟ ‏
    فعندما رفضت جامعة فؤاد رسالة الطالب محمد خلف الله (الفن القصصي في القرآن) لقوله: إن قصص ‏القرآن تمثيل!‏‏2‏‏ علق أمين الخولي المشرف على الرسالة قائلا: "أنها ترفض اليوم ما كان يقرره الشيخ محمد عبده ‏بين جدران الأزهر منذ اثنين وأربعين سنة "‏‏1‏؟ يقصد بذلك ما كان الشيخ محمد عبده قرره في دروسه من أن قصة ‏آدم تمثيل للأطوار التي مرت بها البشرية‏2‏‏.‏
    فهذا التفسير وأمثاله الشبيه بتفسيرات الباطنية يعتبره الدكتور العلواني تفسير المجتهدين التنويريين ‏المجددين، لا تفسير الشيخ عليش التقليدي الجامد الذي يؤمن أن قصة آدم حقيقة وقعت بتفاصيلها التي رواها ‏القرآن؟! ‏
    أما بالنسبة للأحكام الفقهية فيكاد شيوخ هذه المدرسة أن يجمعوا على عدم ثبوت حد الردة، ويرى ‏بعضهم أن حد السرقة يمثل العقوبة القصوى، لكنها ليست العقوبة الوحيدة وللقاضي الخيار! وآخرون منهم ‏قالوا بمنع تعدد الزوجات! ‏
    لكن الأستاذ العلواني لم يتجه بنقده وتجديده إلى الأحكام الشرعية فقط، بل رأى أن النقد والتجديد ‏ينبغي أن يتجه إلى المناهج نفسها التي قامت عليها تلك العلوم الإسلامية؛ لأنها لم تنبثق من القرآن كما يجب!‏
    وقبل إلقاء الضوء على مقالات وكتب الدكتور ونقدها لابد من التنبيه إلى أنها لا تحتاج إلى مناقيش ‏لاستخراج ما فيها من شبه ومغالطات - يراها فضيلته أدلة - فهذا شأن الأمور الخفية التي لا تبدوا للعيان! ولكنها ‏بلغت من الكبر ما يجعلها خطايا منهجية، لا تخطئها عين كل من درس أصول الأحكام، إلا أن غبارها يثير غشاوة ‏على رؤية أصحاب الثقافة الإسلامية المحدودة؛ فقد وجدتُ لما كَتَبَ صدىً عند كثير من كتّاب المقالات، الذين ‏سرعان ما يكتشف المرء هشاشة علاقتهم بالعلوم الشرعية عند قراءة ما كتبوا، ودافِعُ هؤلاء خدمة دينهم، ‏ومحاولة نصرته، وإخراج المسلمين مما هم فيه بكل الوسائل، والتي من بينها - في ظنهم - الهجوم النقدي على ‏التراث، لتنقيته مما ليس منه! ‏
    وتأتي كتابات أمثال الأستاذ الدكتور داعمة لما يحتاجونه من أدوات يفتقرون إليها في إتمام مهمتهم التي ‏كرسوا أنفسهم لها، خاصة أنه يقدم في المحافل العلمية بوصفه حاصلا على الدكتوراة من الأزهر الشريف، وأنه ‏حقق كتاب المحصول في أصول الفقه للإمام الرازي، وأنه تتلمذ على يد علامة العراق الشيخ أمجد الزهاوي رحمه ‏الله، فكل هذه المعطيات منحته تصريحا يتجول به في عقول الشريحة التي ذكرناها؛ إذ لا يملكون من أدوات النقد ‏ما يميزون به بين صحيح الأفكار وسقيمها! ‏
    ولا أبالغ إن قلتُ: أن كتابات الدكتور طه جابر العلواني تؤدي إلى مزيد من البلبلة الفكرية لدى كثير من ‏المسلمين، وتساهم في إبعادهم عن دينهم بدل تقريبهم منه، فما كتبه بوصفه نقدا هو أقرب إلى التشكيك فيما ‏يعتقدون.. فضلا عن تعزيزها - غير المقصود - لكتّاب تيار الحداثة واللبرالية‏1‏، فهم وإن اختلفوا في المنطلق مع ‏الدكتور إلا أنهم يتقاربون في النتائج؟ أضف إلى ذلك أن قناعتهم بما هم عليه ستزداد! ومن كان منهم يتشكك فيما ‏يكتب أو يقول ستحدثه نفسه أنه على طريق الحق والصواب؟ فها هنا رجل من علماء الشريعة، وحبر من أحبارها ‏ينادي بما ينادون به من أن عصرنا غير العصر الذي نزل فيه القرآن؛ ومن ثم نحتاج إلى مراجعة الأحكام الشرعية، ‏وتكييفها مع الواقع الجديد. ومن أراد الوقوف على هذه الحقيقة فليعقد مقارنة بين كتابات الدكتور طه جابر ‏العلواني وكتابات الدكتور محمد عابد الجابري داعية الحداثة من داخل التراث الإسلامي، ولينظر هل من فرق ‏كبير في نتائج بحوث الرجلين؟
    صحة القصد وحدها لا تكفي؟
    وحيث إن النية الحسنة وحدها لا تكفي، ولا تبرر الأخطاء المنهجية وما ينتج عنها من أحكام غير صحيحة، ‏وتصورات مشوهة، كانت هذه الرسالة التي حاولت أن أبين فيها حيدة الدكتور طه جابر العلواني عن جادة ‏الصواب في المنهج والنتائج، وأن ما يردده في كتبه ومقالاته يعتبر قرة عين للحداثيين والمستشرقين، ولا أدل على ‏ذلك من كتابه (إشكالية التعامل مع السنة النبوية) الذي هو آخر مؤلفاته، فقارئه يشعر أنه يقرأ كتابا لمستشرق ‏لا عالم أزهري حقق كتاب المحصول كما يقول! ‏
    وبعيدا عن اتهام النوايا، واستنادا إلى ما هو مسطور أقول: أن الإشكالات الكثيرة التي أوردها العلواني على ‏السنّة هي أقرب في حقيقتها إلى الشبهات، ولا يستطيع مستشرق الإتيان بمثلها! فهذا الذي يسميه (أزمات خطيرة) ‏أصابت العقل المسلم حسب تعبيره، تبين لي بعد قراءتي لكتاباته أنها إصابات في عقله هو، ومؤشر على اضطراب ‏فكري، ووسوسة يعاني منها، وإلا كيف نفسر إثباته لفكرة ما في مكان ثم نقضها بعد سطور؟ واستشهاده بحديث ‏في موضع، والقول بوضعه في موضع آخر! وكيف يعقل ويقبل أن يشكك في مناهج العلماء في حفظ السنة النبوية ‏ويعتبرها قاصرة عن تمييز المقبول منها والمردود طيلة القرون الماضية، وفي الوقت ذاته يستشهد على صحة ما ‏يذهب إليه من آراء بما رواه وأخرجه أولئك العلماء من أحاديث في مصنفاتهم وفق مناهجهم التي ينتقدها، ويرى ‏أنها في أغلبها باطلة! ‏
    الدكتور طه جابر العلواني لا يتردد في تخطئة - كل - العلماء السابقين؟ ‏
    نعم كل العلماء!.. وليته اكتفى بالتخطئة بل جاوز ذلك إلى اتهامهم بالابتداع والتزيد في دين الله واختراع ‏قوائم الحلال والحرام والفرائض والسنن وابتعدوا بالناس عن هدي القرآن؟! وتجده يقرر بكل ثقة: أنهم قد فاتهم ‏كذا وكذا.. وأنهم نسوا وتناسوا.. وأن لو عملوا بكذا من القواعد أو انتبهوا إلى كذا لما حدث كذا من الإصابات ‏الفكرية التي يصر على تسميتها بالأزمات الفكرية الخطيرة.. وفي ماذا؟.. في قضايا أساسية تمثل أصول وقواعد ‏العلوم الشرعية؟ ‏
    وإذا كان شيوخ ودعاة مدرسة التجديد الديني قد انتقدوا - بعض - أصول الإسلام وأحكامه، فإن الأستاذ ‏الشيخ العلواني أبعد النجعة؛ فاعتبر كل علوم الإسلام لم تنبثق من القرآن الكريم كما ينبغي! استمع إليه وهو ‏يقول:‏
    ‏" هذه العلوم التي تسمى (بالإسلامية) لم تنبثق من القرآن الكريم بالشكل المطلوب، وكان ينبغي أن يتم ‏هذا الانبثاق عن منهجية القرآن المعرفية وكليات القرآن المجيد وسُننه ومقاصده العليا، وهذا هو الأساس ‏والمنطلق في بناء هذه العلوم والتأسيس لها موضوعات ومقاصد ومسائل وأبعاد "‏‏1‏‏!‏
    لقد كان على الأمة الإسلامية أن تنتظر أربعة عشر قرنا حتى يأتي فضيلته ويبين لها المنهج القرآني الصحيح ‏لمعرفة مقاصده، وكلياته، وسننه؛ ولكن الأمة ضيعت كل تلك القرون ولم ينتبه آلاف العلماء فيها لما ينبغي أن ‏يعرفوه عن المنهج القرآني؛ فكانت النتيجة أن انبثقت تلك العلوم بغير الشكل المطلوب!؟
    وإذا كان الأستاذ الدكتور العلواني قبل أن يقرر هذه النتيجة لم يسأل نفسه: كيف جاز في أمة لا تجتمع ‏على ضلالة أن يُعمَّى عليها أمر بهذا الوضوح؟ وكيف غابت هذه القضية الخطيرة - على أهميتها - عن علماء الأمة ‏أجمعين، وقد تكفل الله بحفظ دينه الذي منه حفظ أصول فهمه وهو المنهج؟ ‏
    إن لم يسأل هو.. فمن حق الآخرين أن يسألوا هذا السؤال؟ ‏
    والتقرير السابق للأستاذ العلواني بخصوص العلوم الإسلامية كان بداية تطوافه في عالم المراجعات الذي ‏انتهى به إلى أقوال في غاية الخطورة، تهدم أصول الإسلام قبل فروعه ومن ذلك قوله: ‏
    ‏- أن المحدثين اخترعوا القراءات القرآنية!.. وأن القرآن ثابت بنفسه، ولا يحتاج ثبوته إلى نقله بالتواتر‏2‏‏! ‏
    ‏- وأن الأصوليين توهموا أن النصوص متناهية والحوادث غير متناهية؛ فابتدعوا القياس، والاستحسان، ‏والمصالح المرسلة، والاستصحاب وغير ذلك من الأدلة لسد الفراغ التشريعي‏2‏‏! ‏
    ‏- وأن الرزية الأولى كانت حين تم إسقاط أحكام اللسان العربي البشري المتداول على القرآن‏3‏‏! ‏
    ‏- وأن الإجماع سيف اختُرِعَ لإسكات المخالفين‏4‏‏.. إلى غير ذلك من النتائج! ‏
    أصداء وردود..‏
    لا ريب أن من كانت هذه دعاواه فحسابه - علميا - لن يكون يسيرا، وينقلب إلى أهله مسرورا، بل سيجد في ‏الناس من يناقشه ويحاسبه حسابا عسيرا؛ طالما نصب نفسه حكما على علوم الشريعة وعلمائها السابقين ‏واللاحقين، ورماهم بما رماهم به من الدعاوى العظيمة. ‏
    فما نشره الأستاذ العلواني من آراء أثار العديد من الباحثين؛ فكتبوا ردودا بينت وجوه الخلل التي رأوها ‏فيها! ‏
    غير أن معظم تلك الردود جاءت في صورة مقالات اختلفت في طولها وطريقة معالجتها للأمور، فأكثرها ‏تناول مسألة أو بعض المسائل، دون التعرض لمنهج الدكتور الذي أنتجها.‏
    من ذلك المقال الذي كتبه الشيخ بسام جرّار بعنوان (د. طه جابر العلواني خلل في منهجية التفكير ‏والاستدلال)؛ فرغم أن العنوان يوحي أن المقال يتكلم عن خلل المنهج عند الدكتور العلواني؛ إلا أن قارئه لا يجد ‏فيه سوى مناقشة إنكاره رفع عيسى عليه الصلاة والسلام، ولا شيء غير ذلك!‏
    ومن الردود كتاب (الردة بين الحد والحرية) للباحث صالح العميريني، وهو دراسة جيده، بين فيها جوانب ‏من الخلل المنهجي التي وقع فيها الدكتور طه، ومن إيجابياته تجنب التجريح وشخصنة النقاش، كما أنه أشار إلى ‏مسألة قل من ينتبه إليها ألا وهي: بيانه للبواعث التي جعلت العلواني يذهب ذلك المذهب؟ بيد أن الباحث لم ‏يتجاوز في نقاشه المسألة التي جعلها عنوانا لكتابه ألا وهي حد الردة. ‏
    وهناك دراسة للدكتور عارف عز الدين عنوانها (المآخذ الأصولية على كتاب إشكالية التعامل مع السنة ‏النبوية للدكتور طه جابر العلواني)، وواضح من عنوان الدراسة أنها ركزت في نقدها على الجانب الأصولي، ولم ‏تتعرض إلى المسائل الأخرى المتعلقة بالسنة التي أثارها الدكتور العلواني في كتابه المذكور، فضلا عن المسائل التي ‏أثارها في كتبه الأخرى؟
    وقد قرأت بعض المقالات الأخرى التي رد فيها أصحابها على آخر كتاب للعلواني وهو (إشكالية التعامل مع ‏السنة) فوجدتها قد ملئت تقريعا وتبديعا، أكثر من نصبها للأدلة التي تبين خطأ الشيخ في المنهج والنتائج، وهذا ‏الأسلوب الخطابي في الردود لا يرد شاردا، ولا يهدي ضالا.‏
    لأجل ذلك جاء هذا الكتاب شرحا وبيانا لمجمل القضايا التي أثارها الدكتور العلواني في كتاباته المختلفة ‏وأولها: دعوته إلى مراجعة التراث الإسلامي، وأسباب تلك الدعوة، ومداخلها، والنتائج التي توصل إليها بعد قيامه ‏بها، خاصة نظريته التي سماها (المقاصد القرآنية الحاكمة) وما بني عليها من نتائج وأحكام.‏
    وسيلاحظ القارئ تطرق هذا النقد إلى مواضيع عِدِّة قد تبدو مقطوعة الصلة بنظرية الشيخ.. كالقراءات ‏القرآنية، ومفهوم السنة، وشرع من قبلنا، والحكم التكليفي، والاختراق اليهودي للتراث الإسلامي!‏
    ولكن بشيء من التأمل سيجد أن الداعي لتناول هذه المسائل هو أن الدكتور العلواني أرخى سدول نظريته ‏المقاصدية على كل المواضيع السالفة الذكر؛ وجعلها معيارا لبيان الصحيح المقبول والسقيم المردود من العلوم ‏الإسلامية الموروثة.‏
    لأجل ذلك تطلب الأمر الحديث عن كل المسائل المذكورة؛ لبيان أن الخلل ليس في المنهج المعروف المستقر ‏بأصوله العلمية وقواعده المرعية.. أعني أصول الفقه؟.. وإنما في فكر الدكتور العلواني ومنهجه الجديد في معايرة ‏التراث.‏
    ملحوظة أخيرة؟
    من يقرأ كتابات الأستاذ طه جابر فياض العلواني المتعلقة بنقد التراث الإسلامي وتجديده سيقف على ‏سمتين لتلك الكتابات؟
    الأولى: الإعادة والتكرار، ليس فقط لمواضيع الكتب والمقالات، بل للكلمات، والجمل، والفقرات؛ مما يربك ‏القارئ ويفقده الرغبة في مواصلة القراءة؛ لأجل ذلك اضطررت في بعض المواضع إلى تكرار نقد ما سبق نقده، ‏ولكن بصورة مختصرة حسبما يقتضي الحال، مع الحرص على الإحاطة بجل المواضيع التي أثارها، وعدم الإخلال ‏بالمعاني التي قررها قدر الإمكان، كما قمت بتقسيمها إلى فقرات وأبديت الملاحظات والتعليقات على ما يستحق ‏منها ذلك مباشرة؛ كي لا يفقد القاري الترابط الفكري بين الفقرة المنقولة وما يوجه لها من نقد بعد سرد النظرية ‏وآثارها بالكامل. ‏
    الثانية: ضبابية الأفكار أو انعدامها في بعض الأحيان؟ إذ يضع الأستاذ الدكتور عنوانا فإذا قرأت ما تحته ‏لا تجد موضوعا أو شيئا يمكن فهمه، أو أنه لا صلة بين العنوان والموضوع؟ وهذا مؤشر على أن الكاتب يعاني من ‏خلل فكري! ‏
    لهذا وكي لا تعتبر ملاحظاتي هذه ملاحظات من يلقي الكلام على عواهنه خصصت فصلا كاملا ضمنته ‏فقرات مختارة من كتب ومقالات الأستاذ الدكتور تتحدى قدرة القارئ على الفهم؟!‏
    أخيرا فقد قسمت الكتاب إلى أربعة فصول، الأول منها: تناول بالشرح والتعليق نظرية الدكتور العلواني ‏‏(المقاصد القرآنية العليا الحاكمة) باعتبارها الحلقة التي كانت مفقودة في تراثنا، وقام فضيلته بكشفها، وبناء ‏سائر تحليلاته واستنتاجاته عليها؟
    والفصل الثاني: جاء بيانا للنتائج التي رتبها فضيلته على نظريته المذكورة.‏
    أما الفصل الثالث: ففيه مناقشة لأهم القضايا التي طرحها في كتابه (إشكالية التعامل مع السنة النبوية).‏
    وفي الفصل الرابع والأخير: ناقشت بعض الأحكام الفقهية والعقدية التي يراها تطبيقا لمراجعاته وفق ‏نظريته المقاصدية، يلي ذلك خاتمة الكتاب وتحوي خلاصة ما انتهت إليه هذه القراءة.‏
    أسأل الله العظيم أن يلهمنا السداد والرشاد في القول والعمل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، ‏والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.‏

    مصطفى بشير الطرابلسي
    طرابلس الغرب
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا
  • عمر شمس الدين الجعبري
    Administrator
    • Sep 2016
    • 784

    #2
    بوركتم مولانا .. وعودا حميدا
    {واتقوا الله ويعلمكم الله}

    تعليق

    يعمل...