قصة هذا الكتاب
عرفتُ اسم الدكتور طه جابر العلواني من خلال كتابيه: (أصول الفقه منهج بحث ومعرفة) و (أدب الاختلاف في الإسلام)، ونظرًا لعدم وجود ما يميز الكتابين من حيث العنوان أو الموضوع، فقد كانت صورته كصورة الكثيرين من العلماء والدعاة خاصة في حقبة التسعينات، وهي الفترة التي شهدت ما سمي بالصحوة الإسلامية وكتّابها؛ إذ كان غالب الموضوعات التي يجري الحديث عنها تدور حول أسس إسلامية عامة مثل: الإسلام هو الحل، والحاكمية، وتميز الأمة المسلمة، ومقاومة التغريب الفكري والسلوكي، أو حول بعض أحكام لها رمزية تتعلق بالهوية كحجاب المرأة المسلمة؛ ومن ثم كنت أعده عالما يكتب في الشأن العام للمسلمين وهمومهم، وهي أمور تحتاج إلى جيش من الكاتبين حتى يقوموا بهذا الواجب الكفائي.
غير أن الفتاوى التي أصدرها بعد ذلك جعلتني أقتنع أن الشيخ قد أصابه داء دعاة مدرسة التجديد، المتمثل في الهجوم على الأحكام المستقرة وإبطالها، سواء بعض أحكام العقائد، أو بعض الأحكام العملية!
وإنكار هذه الأمور يقود - عادة - إلى إنكار الأصول التي بنيت عليها كالإجماع، والطعن في ثبوت الأحاديث التي وردت فيها، أما الحكم الذي يرون تغييره لعدم مناسبته - في نظرهم - لظروف زماننا وكان دليل السابقين عليه نصا من القرآن فإن إنكار التجديديين لا يتجه إلى ثبوت اللفظ القرآني الذي دل على الحكم؛ لأن القرآن قطعي الثبوت، وهم لا يستطيعون الاقتراب من هذا الجانب، وإنما يتجه إلى المعنى الذي أجمع عليه السابقون، ويأتون بتفسير جديد ولو كانت تأباه اللغة؟ ومن أمثلة ذلك تفسير بعضهم لقصة آدم وحواء بالمراحل التي مرت بها البشرية! ووادي النمل الذي مر به سليمان عليه السلام بواد كثير الناس؟!
وزادت قناعتي بتمكن هذا الداء من الشيخ بعدما حدثني أستاذ في الشريعة: أن الدكتور العلواني عرض عليه العمل في الجامعة التي يرأسها بواشنطن، فسافر صاحبنا لمقابلته، وأثناء المقابلة قال له العلواني في جملة ما قال: إن بعض الطلبة الذين يدرِّسهم اكتشفوا في جامع البخاري نحو مئتي حديث غير صحيح!1 يقول محدثي: فلما سمعت كلامه هذا أخذت حقيبتي وعدت أدراجي، رغم حاجتي الملحة للعمل في تلك الفترة.
مرَّت الأيام ونسيت هذا الحديث، كما نسيت ما سمعته من جدل حول بعض فتاوى الدكتور العلواني، وكنت أظن أن الأمر لم يتعد ما سمعت أو قرأت. بيد أنني بعد فراغي من دراستي (الكتابات المعاصرة عن المقاصد) عثرت قدرا على كتاب له بعنوان (مقاصد الشريعة)، وبما أنني كنت مهتما بهذا الموضوع حينها فقد وجدت في نفسي رغبة قوية للاطلاع عليه؛ ومعرفة رأيه في هذه القضية.
في البداية ظننتُ أن الكتاب ألف تحت هذا العنوان ابتداء، ولكن بعد مطالعتي له تبين أنه عبارة عن مجموعة من المقالات كتبها الدكتور طه في مناسبات مختلفة، وتم جمعها بعد ذلك في كتاب واحد كما يقول كاتب المقدمة، وتبين لي فيما بعد أن الدكتور العلواني قد أعاد نشر جل مباحث الكتاب تحت عنوان (نحو التجديد والاجتهاد)، ولا أدري وجه الحكمة في إعادة طبع كتاب تحت عنوان آخر؟!
الحاصل أنني ما إن شرعت في القراءة حتى بدأت الأفكار الغريبة، والآراء الشاذة تطل برأسها من بين السطور، وكلما قرأت ظهر لي غيرها، وهذا دفعني إلى مطالعة كتبه ومقالاته الأخرى التي لها صلة مباشرة بموضوع المقاصد ككتاب (التوحيد والتزكية والعمران- محاولات في الكشف عن القيم والمقاصد القرآنية الحاكمة)، أو غير مباشرة ككتاب (الجمع بين القراءتين).
وكان في النية تخصيص فصل في دراستي (الكتابات المعاصرة عن المقاصد) أناقش فيه ما سماه (المقاصد الحاكمة)، إلا أن كثرة الأفكار التي طرحها احتاجت إلى مناقشة طويلة لا يمكن استيعابها في فصل، كما لا يكفي إفرادها بباب؛ لما سينتج عن ذلك من خلل في ترتيب وحجم الأبواب من الناحية الموضوعية؛ وبالتالي صرفت النظر عن تضمين ما كتبه الأستاذ العلواني عن المقاصد في دراستي تلك.
بيد أن قراءتي لمؤلفاته الأخرى مثل كتاب (إشكالية التعامل مع السنة النبوية)، وكتاب (نحو إعادة بناء علوم الأمة الاجتماعية والشرعية)، وكتاب (نحو موقف قرآني من إشكالية المحكم والمتشابه)، ومقالة (نحو تأسيس علم المراجعات في تراثنا الإسلامي)، ومقالة (العلوم الإسلامية: أزمة منهج أم أزمة تنـزيل؟) أقنعتني أنه يعاني من اضطراب فكري، و وسوسة تقارب (الشك) في كل علوم الإسلام؟
وقد لمست ذلك من تفكك المواضيع التي تطرق إليها في كتبه ومقالاته سالفة الذكر؛ إذ يقفز أحيانا من فكرة إلى أخرى، دون وجود صلة موضوعية بين الاثنين، كما لاحظت أنه يصدر الأحكام، ويعلن النتائج، ويستشهد عليها إما بدليل لا وجود له في الواقع، أو أن الدليل يثبت عكس ما يريد إثباته!
كل ذلك سنراه عند تحليل دعاواه - وما أكثرها - ونقده لعلوم الإسلام، ورميه لعلمائه بالغفلة والنسيان، وعدم الانتباه لأسرار القرآن ومنهج القرآن، ومركز القرآن ومحوريته، وأن ذلك أدى إلى أزمات وإصابات خطيرة في العقل المسلم والنفسية المسلمة! هكذا بإطلاق في جميع الأدوار، وإن كان أحيانا يستثني بعضهم؟ لحاجته إلى الاستشهاد بأقوالهم كمالك ابن أنس، وعمر بن عبد العزيز، والإمام الشافعي! وإلا فإن قارئ مراجعاته النقدية يشعر أنه يكاد يشمل الصحابة رضوان الله عليهم بعدم فهم المنهج القرآني - الذي اكتشفه - والهدي النبوي في تطبيقه.. لولا حرمتهم وعلمه بسقوط من ينال من جنابهم!
ومن علامات الوسوسة الفكرية عند العلواني التكرار في تلك الكتابات؟ فكأنه يدفعها بذلك؛ فهو يردد الكلمات في الفقرة الواحدة بصورة تجعلها تبدو حشوا في الكلام، وكذلك تعديده لبنود العناصر التي يقسم الحديث إليها، دون أن يضيف ذلك التعديد أي معنى جديد يختلف عن سابقه أو لاحقه من البنود، وهذا من علامات ضعف الحجة فيلجأ صاحبها إلى تكرارها جبرا لذلك الضعف! وهو ما سنبينه بالأمثلة.
ولا يقف التكرار عند جانب الكلمات، أو الجمل، والفقرات؟ بل نجده أيضا يكرر أفكار تلك الكتابات، وإن كان فيها شيء من الاختلاف أو الإضافة فهو يسير، ومن أمثلة ذلك دراسته التي عنوانها (العلوم الإسلامية: أزمة منهج أم أزمة تنزيل؟).. فقد تكلم فيها عن مداخل مراجعة التراث، وجعل أحدها ما أسماه (النسق القرآني).. وهذا النسق نفسه عبر عنه في كتابات أخرى بمصطلح (المقاصد القرآنية العليا الحاكمة)، بل نجده ينقل المقاطع بحروفها كما فعل في كتابه (الجمع بين القراءتين)!
وفي الدراسة ذاتها تكلم طويلا عن (الفكر الفقهي وتأثير الإسرائيليات)، وأعاد الكلام ذاته في مقاله (نحو تأسيس علم المراجعات في تراثنا الإسلامي)! وكرره في كتابه (لا إكراه في الدين)!
وقد تبين لي فيما بعد أن كلا من مقال (العلوم الإسلامية: أزمة منهج أم أزمة تنزيل؟) ومقال (نحو تأسيس علم المراجعات) ما هما إلا فصلان من كتابه (نحو التجديد والاجتهاد) الذي طبع عام 2008م، وقام بنشرهما سنة 2010م بمجلة الإحياء التي تصدرها الرابطة المحمدية المغربية، بالإضافة إلى مقاطع من كتابة (نحو منهجية معرفية قرآنية).
أما بالنسبة لكتبه فبعضها أقرب إلى الرسائل لصغرها، ولا تختلف إلا في إسهاب1 ما تناوله باقتضاب في تلك المقالات؟
الدكتور العلواني ومدرسة التجديد:
إن الدكتور طه جابر العلواني يمثل امتدادا لمدرسة التجديد الديني التي وضع بذرتها في مصر منذ أكثر من مائة عام الشيخ جمال الدين الأفغاني (ت 1315هـ)، وسعى في نشرها تلميذه الشيخ محمد عبده (ت 1323هـ)، وما من فكرة دينية شاذة تتعلق بأصول الإسلام العقدية والعملية برزت منذ ذلك التاريخ إلا ونجد لها ارتباطا - كبر أو صغر - بتلك المدرسة؟
وعلاقة الشيخ بها يمكن معرفتها من خلال مدحه شيوخها وعده لهم في صفوف المجددين، إضافة لترديده أفكارهم التي عرفوا بها، وهي في جملتها تدور حول رميهم للسابقين من علماء السنة بالجمود الفكري، والتقليد، والتعصب، وأن الأمة تحتاج كي تنهض إلى فتح باب الاجتهاد الذي أغلقه أولئك الجامدون المتزمتون! كما أنه يردد نتائج اجتهادات أولئك المجددون، سواء في العقائد، كإنكار بعض الأحكام التي اتفق عليها علماء العقيدة مثل رفع عيسى حيا ونزوله آخر الزمان كعلامة من علامات الساعة، وكقول - بعضهم - بفناء النار، وأن آيات البعث والجنة والنار من متشابهات القرآن!
وانظر إلى قول الدكتور العلواني متحسرا: "كان الأستاذ محمد عبده یلقي دروس التفسیر في الأزھر، ویكتب رسالة التوحید؛ لتكون بدیلاً عما كان یُدرس في الأزھر من شروح النسفیة وحواشیھا للتفتازاني وغیره، فیثور علیه علماء الأزھر، وتنشب معركة ضاریة بینه وبین الشیخ علیش[ت1299هـ]، الذي استطاع أن یكسب المعركة ضد الشیخ عبده بشكل أو بآخر، ویدفع الشیخ بعیدًا عن الأزھر والتأثیر فیه، فیكون انتصار الشیخ علیش انتصارًا لاتجاه العالم التقلیدي على العالم المفكر الذي یجتھد أو یحاول الاجتھاد "1.
والحقيقة أن الذي انتصر هو الشيخ محمد عبده الذي حرص من يملكون دفة التوجيه الثقافي بمصر على تصدير اسمه بلقب (الإمام)، كما حرصوا أيضا على إطلاق اسمه على إحدى قاعات التدريس بالأزهر؛ كي يبقى رمزا للتجديد والتنوير في عقول الناشئة، في مقابل الشيخ عليش رمز الجمود والتقليد رحمه الله؟
ومن علامات انتصار الأول أن تلاميذه واصلوا من بعده مسيرة تلك التفسيرات الشاذة لنصوص القرآن حتى ذهبوا في تأويلاتهم إلى أبعد مما فعل المعتزلة؟
فعندما رفضت جامعة فؤاد رسالة الطالب محمد خلف الله (الفن القصصي في القرآن) لقوله: إن قصص القرآن تمثيل!2 علق أمين الخولي المشرف على الرسالة قائلا: "أنها ترفض اليوم ما كان يقرره الشيخ محمد عبده بين جدران الأزهر منذ اثنين وأربعين سنة "1؟ يقصد بذلك ما كان الشيخ محمد عبده قرره في دروسه من أن قصة آدم تمثيل للأطوار التي مرت بها البشرية2.
فهذا التفسير وأمثاله الشبيه بتفسيرات الباطنية يعتبره الدكتور العلواني تفسير المجتهدين التنويريين المجددين، لا تفسير الشيخ عليش التقليدي الجامد الذي يؤمن أن قصة آدم حقيقة وقعت بتفاصيلها التي رواها القرآن؟!
أما بالنسبة للأحكام الفقهية فيكاد شيوخ هذه المدرسة أن يجمعوا على عدم ثبوت حد الردة، ويرى بعضهم أن حد السرقة يمثل العقوبة القصوى، لكنها ليست العقوبة الوحيدة وللقاضي الخيار! وآخرون منهم قالوا بمنع تعدد الزوجات!
لكن الأستاذ العلواني لم يتجه بنقده وتجديده إلى الأحكام الشرعية فقط، بل رأى أن النقد والتجديد ينبغي أن يتجه إلى المناهج نفسها التي قامت عليها تلك العلوم الإسلامية؛ لأنها لم تنبثق من القرآن كما يجب!
وقبل إلقاء الضوء على مقالات وكتب الدكتور ونقدها لابد من التنبيه إلى أنها لا تحتاج إلى مناقيش لاستخراج ما فيها من شبه ومغالطات - يراها فضيلته أدلة - فهذا شأن الأمور الخفية التي لا تبدوا للعيان! ولكنها بلغت من الكبر ما يجعلها خطايا منهجية، لا تخطئها عين كل من درس أصول الأحكام، إلا أن غبارها يثير غشاوة على رؤية أصحاب الثقافة الإسلامية المحدودة؛ فقد وجدتُ لما كَتَبَ صدىً عند كثير من كتّاب المقالات، الذين سرعان ما يكتشف المرء هشاشة علاقتهم بالعلوم الشرعية عند قراءة ما كتبوا، ودافِعُ هؤلاء خدمة دينهم، ومحاولة نصرته، وإخراج المسلمين مما هم فيه بكل الوسائل، والتي من بينها - في ظنهم - الهجوم النقدي على التراث، لتنقيته مما ليس منه!
وتأتي كتابات أمثال الأستاذ الدكتور داعمة لما يحتاجونه من أدوات يفتقرون إليها في إتمام مهمتهم التي كرسوا أنفسهم لها، خاصة أنه يقدم في المحافل العلمية بوصفه حاصلا على الدكتوراة من الأزهر الشريف، وأنه حقق كتاب المحصول في أصول الفقه للإمام الرازي، وأنه تتلمذ على يد علامة العراق الشيخ أمجد الزهاوي رحمه الله، فكل هذه المعطيات منحته تصريحا يتجول به في عقول الشريحة التي ذكرناها؛ إذ لا يملكون من أدوات النقد ما يميزون به بين صحيح الأفكار وسقيمها!
ولا أبالغ إن قلتُ: أن كتابات الدكتور طه جابر العلواني تؤدي إلى مزيد من البلبلة الفكرية لدى كثير من المسلمين، وتساهم في إبعادهم عن دينهم بدل تقريبهم منه، فما كتبه بوصفه نقدا هو أقرب إلى التشكيك فيما يعتقدون.. فضلا عن تعزيزها - غير المقصود - لكتّاب تيار الحداثة واللبرالية1، فهم وإن اختلفوا في المنطلق مع الدكتور إلا أنهم يتقاربون في النتائج؟ أضف إلى ذلك أن قناعتهم بما هم عليه ستزداد! ومن كان منهم يتشكك فيما يكتب أو يقول ستحدثه نفسه أنه على طريق الحق والصواب؟ فها هنا رجل من علماء الشريعة، وحبر من أحبارها ينادي بما ينادون به من أن عصرنا غير العصر الذي نزل فيه القرآن؛ ومن ثم نحتاج إلى مراجعة الأحكام الشرعية، وتكييفها مع الواقع الجديد. ومن أراد الوقوف على هذه الحقيقة فليعقد مقارنة بين كتابات الدكتور طه جابر العلواني وكتابات الدكتور محمد عابد الجابري داعية الحداثة من داخل التراث الإسلامي، ولينظر هل من فرق كبير في نتائج بحوث الرجلين؟
صحة القصد وحدها لا تكفي؟
وحيث إن النية الحسنة وحدها لا تكفي، ولا تبرر الأخطاء المنهجية وما ينتج عنها من أحكام غير صحيحة، وتصورات مشوهة، كانت هذه الرسالة التي حاولت أن أبين فيها حيدة الدكتور طه جابر العلواني عن جادة الصواب في المنهج والنتائج، وأن ما يردده في كتبه ومقالاته يعتبر قرة عين للحداثيين والمستشرقين، ولا أدل على ذلك من كتابه (إشكالية التعامل مع السنة النبوية) الذي هو آخر مؤلفاته، فقارئه يشعر أنه يقرأ كتابا لمستشرق لا عالم أزهري حقق كتاب المحصول كما يقول!
وبعيدا عن اتهام النوايا، واستنادا إلى ما هو مسطور أقول: أن الإشكالات الكثيرة التي أوردها العلواني على السنّة هي أقرب في حقيقتها إلى الشبهات، ولا يستطيع مستشرق الإتيان بمثلها! فهذا الذي يسميه (أزمات خطيرة) أصابت العقل المسلم حسب تعبيره، تبين لي بعد قراءتي لكتاباته أنها إصابات في عقله هو، ومؤشر على اضطراب فكري، ووسوسة يعاني منها، وإلا كيف نفسر إثباته لفكرة ما في مكان ثم نقضها بعد سطور؟ واستشهاده بحديث في موضع، والقول بوضعه في موضع آخر! وكيف يعقل ويقبل أن يشكك في مناهج العلماء في حفظ السنة النبوية ويعتبرها قاصرة عن تمييز المقبول منها والمردود طيلة القرون الماضية، وفي الوقت ذاته يستشهد على صحة ما يذهب إليه من آراء بما رواه وأخرجه أولئك العلماء من أحاديث في مصنفاتهم وفق مناهجهم التي ينتقدها، ويرى أنها في أغلبها باطلة!
الدكتور طه جابر العلواني لا يتردد في تخطئة - كل - العلماء السابقين؟
نعم كل العلماء!.. وليته اكتفى بالتخطئة بل جاوز ذلك إلى اتهامهم بالابتداع والتزيد في دين الله واختراع قوائم الحلال والحرام والفرائض والسنن وابتعدوا بالناس عن هدي القرآن؟! وتجده يقرر بكل ثقة: أنهم قد فاتهم كذا وكذا.. وأنهم نسوا وتناسوا.. وأن لو عملوا بكذا من القواعد أو انتبهوا إلى كذا لما حدث كذا من الإصابات الفكرية التي يصر على تسميتها بالأزمات الفكرية الخطيرة.. وفي ماذا؟.. في قضايا أساسية تمثل أصول وقواعد العلوم الشرعية؟
وإذا كان شيوخ ودعاة مدرسة التجديد الديني قد انتقدوا - بعض - أصول الإسلام وأحكامه، فإن الأستاذ الشيخ العلواني أبعد النجعة؛ فاعتبر كل علوم الإسلام لم تنبثق من القرآن الكريم كما ينبغي! استمع إليه وهو يقول:
" هذه العلوم التي تسمى (بالإسلامية) لم تنبثق من القرآن الكريم بالشكل المطلوب، وكان ينبغي أن يتم هذا الانبثاق عن منهجية القرآن المعرفية وكليات القرآن المجيد وسُننه ومقاصده العليا، وهذا هو الأساس والمنطلق في بناء هذه العلوم والتأسيس لها موضوعات ومقاصد ومسائل وأبعاد "1!
لقد كان على الأمة الإسلامية أن تنتظر أربعة عشر قرنا حتى يأتي فضيلته ويبين لها المنهج القرآني الصحيح لمعرفة مقاصده، وكلياته، وسننه؛ ولكن الأمة ضيعت كل تلك القرون ولم ينتبه آلاف العلماء فيها لما ينبغي أن يعرفوه عن المنهج القرآني؛ فكانت النتيجة أن انبثقت تلك العلوم بغير الشكل المطلوب!؟
وإذا كان الأستاذ الدكتور العلواني قبل أن يقرر هذه النتيجة لم يسأل نفسه: كيف جاز في أمة لا تجتمع على ضلالة أن يُعمَّى عليها أمر بهذا الوضوح؟ وكيف غابت هذه القضية الخطيرة - على أهميتها - عن علماء الأمة أجمعين، وقد تكفل الله بحفظ دينه الذي منه حفظ أصول فهمه وهو المنهج؟
إن لم يسأل هو.. فمن حق الآخرين أن يسألوا هذا السؤال؟
والتقرير السابق للأستاذ العلواني بخصوص العلوم الإسلامية كان بداية تطوافه في عالم المراجعات الذي انتهى به إلى أقوال في غاية الخطورة، تهدم أصول الإسلام قبل فروعه ومن ذلك قوله:
- أن المحدثين اخترعوا القراءات القرآنية!.. وأن القرآن ثابت بنفسه، ولا يحتاج ثبوته إلى نقله بالتواتر2!
- وأن الأصوليين توهموا أن النصوص متناهية والحوادث غير متناهية؛ فابتدعوا القياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة، والاستصحاب وغير ذلك من الأدلة لسد الفراغ التشريعي2!
- وأن الرزية الأولى كانت حين تم إسقاط أحكام اللسان العربي البشري المتداول على القرآن3!
- وأن الإجماع سيف اختُرِعَ لإسكات المخالفين4.. إلى غير ذلك من النتائج!
أصداء وردود..
لا ريب أن من كانت هذه دعاواه فحسابه - علميا - لن يكون يسيرا، وينقلب إلى أهله مسرورا، بل سيجد في الناس من يناقشه ويحاسبه حسابا عسيرا؛ طالما نصب نفسه حكما على علوم الشريعة وعلمائها السابقين واللاحقين، ورماهم بما رماهم به من الدعاوى العظيمة.
فما نشره الأستاذ العلواني من آراء أثار العديد من الباحثين؛ فكتبوا ردودا بينت وجوه الخلل التي رأوها فيها!
غير أن معظم تلك الردود جاءت في صورة مقالات اختلفت في طولها وطريقة معالجتها للأمور، فأكثرها تناول مسألة أو بعض المسائل، دون التعرض لمنهج الدكتور الذي أنتجها.
من ذلك المقال الذي كتبه الشيخ بسام جرّار بعنوان (د. طه جابر العلواني خلل في منهجية التفكير والاستدلال)؛ فرغم أن العنوان يوحي أن المقال يتكلم عن خلل المنهج عند الدكتور العلواني؛ إلا أن قارئه لا يجد فيه سوى مناقشة إنكاره رفع عيسى عليه الصلاة والسلام، ولا شيء غير ذلك!
ومن الردود كتاب (الردة بين الحد والحرية) للباحث صالح العميريني، وهو دراسة جيده، بين فيها جوانب من الخلل المنهجي التي وقع فيها الدكتور طه، ومن إيجابياته تجنب التجريح وشخصنة النقاش، كما أنه أشار إلى مسألة قل من ينتبه إليها ألا وهي: بيانه للبواعث التي جعلت العلواني يذهب ذلك المذهب؟ بيد أن الباحث لم يتجاوز في نقاشه المسألة التي جعلها عنوانا لكتابه ألا وهي حد الردة.
وهناك دراسة للدكتور عارف عز الدين عنوانها (المآخذ الأصولية على كتاب إشكالية التعامل مع السنة النبوية للدكتور طه جابر العلواني)، وواضح من عنوان الدراسة أنها ركزت في نقدها على الجانب الأصولي، ولم تتعرض إلى المسائل الأخرى المتعلقة بالسنة التي أثارها الدكتور العلواني في كتابه المذكور، فضلا عن المسائل التي أثارها في كتبه الأخرى؟
وقد قرأت بعض المقالات الأخرى التي رد فيها أصحابها على آخر كتاب للعلواني وهو (إشكالية التعامل مع السنة) فوجدتها قد ملئت تقريعا وتبديعا، أكثر من نصبها للأدلة التي تبين خطأ الشيخ في المنهج والنتائج، وهذا الأسلوب الخطابي في الردود لا يرد شاردا، ولا يهدي ضالا.
لأجل ذلك جاء هذا الكتاب شرحا وبيانا لمجمل القضايا التي أثارها الدكتور العلواني في كتاباته المختلفة وأولها: دعوته إلى مراجعة التراث الإسلامي، وأسباب تلك الدعوة، ومداخلها، والنتائج التي توصل إليها بعد قيامه بها، خاصة نظريته التي سماها (المقاصد القرآنية الحاكمة) وما بني عليها من نتائج وأحكام.
وسيلاحظ القارئ تطرق هذا النقد إلى مواضيع عِدِّة قد تبدو مقطوعة الصلة بنظرية الشيخ.. كالقراءات القرآنية، ومفهوم السنة، وشرع من قبلنا، والحكم التكليفي، والاختراق اليهودي للتراث الإسلامي!
ولكن بشيء من التأمل سيجد أن الداعي لتناول هذه المسائل هو أن الدكتور العلواني أرخى سدول نظريته المقاصدية على كل المواضيع السالفة الذكر؛ وجعلها معيارا لبيان الصحيح المقبول والسقيم المردود من العلوم الإسلامية الموروثة.
لأجل ذلك تطلب الأمر الحديث عن كل المسائل المذكورة؛ لبيان أن الخلل ليس في المنهج المعروف المستقر بأصوله العلمية وقواعده المرعية.. أعني أصول الفقه؟.. وإنما في فكر الدكتور العلواني ومنهجه الجديد في معايرة التراث.
ملحوظة أخيرة؟
من يقرأ كتابات الأستاذ طه جابر فياض العلواني المتعلقة بنقد التراث الإسلامي وتجديده سيقف على سمتين لتلك الكتابات؟
الأولى: الإعادة والتكرار، ليس فقط لمواضيع الكتب والمقالات، بل للكلمات، والجمل، والفقرات؛ مما يربك القارئ ويفقده الرغبة في مواصلة القراءة؛ لأجل ذلك اضطررت في بعض المواضع إلى تكرار نقد ما سبق نقده، ولكن بصورة مختصرة حسبما يقتضي الحال، مع الحرص على الإحاطة بجل المواضيع التي أثارها، وعدم الإخلال بالمعاني التي قررها قدر الإمكان، كما قمت بتقسيمها إلى فقرات وأبديت الملاحظات والتعليقات على ما يستحق منها ذلك مباشرة؛ كي لا يفقد القاري الترابط الفكري بين الفقرة المنقولة وما يوجه لها من نقد بعد سرد النظرية وآثارها بالكامل.
الثانية: ضبابية الأفكار أو انعدامها في بعض الأحيان؟ إذ يضع الأستاذ الدكتور عنوانا فإذا قرأت ما تحته لا تجد موضوعا أو شيئا يمكن فهمه، أو أنه لا صلة بين العنوان والموضوع؟ وهذا مؤشر على أن الكاتب يعاني من خلل فكري!
لهذا وكي لا تعتبر ملاحظاتي هذه ملاحظات من يلقي الكلام على عواهنه خصصت فصلا كاملا ضمنته فقرات مختارة من كتب ومقالات الأستاذ الدكتور تتحدى قدرة القارئ على الفهم؟!
أخيرا فقد قسمت الكتاب إلى أربعة فصول، الأول منها: تناول بالشرح والتعليق نظرية الدكتور العلواني (المقاصد القرآنية العليا الحاكمة) باعتبارها الحلقة التي كانت مفقودة في تراثنا، وقام فضيلته بكشفها، وبناء سائر تحليلاته واستنتاجاته عليها؟
والفصل الثاني: جاء بيانا للنتائج التي رتبها فضيلته على نظريته المذكورة.
أما الفصل الثالث: ففيه مناقشة لأهم القضايا التي طرحها في كتابه (إشكالية التعامل مع السنة النبوية).
وفي الفصل الرابع والأخير: ناقشت بعض الأحكام الفقهية والعقدية التي يراها تطبيقا لمراجعاته وفق نظريته المقاصدية، يلي ذلك خاتمة الكتاب وتحوي خلاصة ما انتهت إليه هذه القراءة.
أسأل الله العظيم أن يلهمنا السداد والرشاد في القول والعمل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
مصطفى بشير الطرابلسي
طرابلس الغرب
عرفتُ اسم الدكتور طه جابر العلواني من خلال كتابيه: (أصول الفقه منهج بحث ومعرفة) و (أدب الاختلاف في الإسلام)، ونظرًا لعدم وجود ما يميز الكتابين من حيث العنوان أو الموضوع، فقد كانت صورته كصورة الكثيرين من العلماء والدعاة خاصة في حقبة التسعينات، وهي الفترة التي شهدت ما سمي بالصحوة الإسلامية وكتّابها؛ إذ كان غالب الموضوعات التي يجري الحديث عنها تدور حول أسس إسلامية عامة مثل: الإسلام هو الحل، والحاكمية، وتميز الأمة المسلمة، ومقاومة التغريب الفكري والسلوكي، أو حول بعض أحكام لها رمزية تتعلق بالهوية كحجاب المرأة المسلمة؛ ومن ثم كنت أعده عالما يكتب في الشأن العام للمسلمين وهمومهم، وهي أمور تحتاج إلى جيش من الكاتبين حتى يقوموا بهذا الواجب الكفائي.
غير أن الفتاوى التي أصدرها بعد ذلك جعلتني أقتنع أن الشيخ قد أصابه داء دعاة مدرسة التجديد، المتمثل في الهجوم على الأحكام المستقرة وإبطالها، سواء بعض أحكام العقائد، أو بعض الأحكام العملية!
وإنكار هذه الأمور يقود - عادة - إلى إنكار الأصول التي بنيت عليها كالإجماع، والطعن في ثبوت الأحاديث التي وردت فيها، أما الحكم الذي يرون تغييره لعدم مناسبته - في نظرهم - لظروف زماننا وكان دليل السابقين عليه نصا من القرآن فإن إنكار التجديديين لا يتجه إلى ثبوت اللفظ القرآني الذي دل على الحكم؛ لأن القرآن قطعي الثبوت، وهم لا يستطيعون الاقتراب من هذا الجانب، وإنما يتجه إلى المعنى الذي أجمع عليه السابقون، ويأتون بتفسير جديد ولو كانت تأباه اللغة؟ ومن أمثلة ذلك تفسير بعضهم لقصة آدم وحواء بالمراحل التي مرت بها البشرية! ووادي النمل الذي مر به سليمان عليه السلام بواد كثير الناس؟!
وزادت قناعتي بتمكن هذا الداء من الشيخ بعدما حدثني أستاذ في الشريعة: أن الدكتور العلواني عرض عليه العمل في الجامعة التي يرأسها بواشنطن، فسافر صاحبنا لمقابلته، وأثناء المقابلة قال له العلواني في جملة ما قال: إن بعض الطلبة الذين يدرِّسهم اكتشفوا في جامع البخاري نحو مئتي حديث غير صحيح!1 يقول محدثي: فلما سمعت كلامه هذا أخذت حقيبتي وعدت أدراجي، رغم حاجتي الملحة للعمل في تلك الفترة.
مرَّت الأيام ونسيت هذا الحديث، كما نسيت ما سمعته من جدل حول بعض فتاوى الدكتور العلواني، وكنت أظن أن الأمر لم يتعد ما سمعت أو قرأت. بيد أنني بعد فراغي من دراستي (الكتابات المعاصرة عن المقاصد) عثرت قدرا على كتاب له بعنوان (مقاصد الشريعة)، وبما أنني كنت مهتما بهذا الموضوع حينها فقد وجدت في نفسي رغبة قوية للاطلاع عليه؛ ومعرفة رأيه في هذه القضية.
في البداية ظننتُ أن الكتاب ألف تحت هذا العنوان ابتداء، ولكن بعد مطالعتي له تبين أنه عبارة عن مجموعة من المقالات كتبها الدكتور طه في مناسبات مختلفة، وتم جمعها بعد ذلك في كتاب واحد كما يقول كاتب المقدمة، وتبين لي فيما بعد أن الدكتور العلواني قد أعاد نشر جل مباحث الكتاب تحت عنوان (نحو التجديد والاجتهاد)، ولا أدري وجه الحكمة في إعادة طبع كتاب تحت عنوان آخر؟!
الحاصل أنني ما إن شرعت في القراءة حتى بدأت الأفكار الغريبة، والآراء الشاذة تطل برأسها من بين السطور، وكلما قرأت ظهر لي غيرها، وهذا دفعني إلى مطالعة كتبه ومقالاته الأخرى التي لها صلة مباشرة بموضوع المقاصد ككتاب (التوحيد والتزكية والعمران- محاولات في الكشف عن القيم والمقاصد القرآنية الحاكمة)، أو غير مباشرة ككتاب (الجمع بين القراءتين).
وكان في النية تخصيص فصل في دراستي (الكتابات المعاصرة عن المقاصد) أناقش فيه ما سماه (المقاصد الحاكمة)، إلا أن كثرة الأفكار التي طرحها احتاجت إلى مناقشة طويلة لا يمكن استيعابها في فصل، كما لا يكفي إفرادها بباب؛ لما سينتج عن ذلك من خلل في ترتيب وحجم الأبواب من الناحية الموضوعية؛ وبالتالي صرفت النظر عن تضمين ما كتبه الأستاذ العلواني عن المقاصد في دراستي تلك.
بيد أن قراءتي لمؤلفاته الأخرى مثل كتاب (إشكالية التعامل مع السنة النبوية)، وكتاب (نحو إعادة بناء علوم الأمة الاجتماعية والشرعية)، وكتاب (نحو موقف قرآني من إشكالية المحكم والمتشابه)، ومقالة (نحو تأسيس علم المراجعات في تراثنا الإسلامي)، ومقالة (العلوم الإسلامية: أزمة منهج أم أزمة تنـزيل؟) أقنعتني أنه يعاني من اضطراب فكري، و وسوسة تقارب (الشك) في كل علوم الإسلام؟
وقد لمست ذلك من تفكك المواضيع التي تطرق إليها في كتبه ومقالاته سالفة الذكر؛ إذ يقفز أحيانا من فكرة إلى أخرى، دون وجود صلة موضوعية بين الاثنين، كما لاحظت أنه يصدر الأحكام، ويعلن النتائج، ويستشهد عليها إما بدليل لا وجود له في الواقع، أو أن الدليل يثبت عكس ما يريد إثباته!
كل ذلك سنراه عند تحليل دعاواه - وما أكثرها - ونقده لعلوم الإسلام، ورميه لعلمائه بالغفلة والنسيان، وعدم الانتباه لأسرار القرآن ومنهج القرآن، ومركز القرآن ومحوريته، وأن ذلك أدى إلى أزمات وإصابات خطيرة في العقل المسلم والنفسية المسلمة! هكذا بإطلاق في جميع الأدوار، وإن كان أحيانا يستثني بعضهم؟ لحاجته إلى الاستشهاد بأقوالهم كمالك ابن أنس، وعمر بن عبد العزيز، والإمام الشافعي! وإلا فإن قارئ مراجعاته النقدية يشعر أنه يكاد يشمل الصحابة رضوان الله عليهم بعدم فهم المنهج القرآني - الذي اكتشفه - والهدي النبوي في تطبيقه.. لولا حرمتهم وعلمه بسقوط من ينال من جنابهم!
ومن علامات الوسوسة الفكرية عند العلواني التكرار في تلك الكتابات؟ فكأنه يدفعها بذلك؛ فهو يردد الكلمات في الفقرة الواحدة بصورة تجعلها تبدو حشوا في الكلام، وكذلك تعديده لبنود العناصر التي يقسم الحديث إليها، دون أن يضيف ذلك التعديد أي معنى جديد يختلف عن سابقه أو لاحقه من البنود، وهذا من علامات ضعف الحجة فيلجأ صاحبها إلى تكرارها جبرا لذلك الضعف! وهو ما سنبينه بالأمثلة.
ولا يقف التكرار عند جانب الكلمات، أو الجمل، والفقرات؟ بل نجده أيضا يكرر أفكار تلك الكتابات، وإن كان فيها شيء من الاختلاف أو الإضافة فهو يسير، ومن أمثلة ذلك دراسته التي عنوانها (العلوم الإسلامية: أزمة منهج أم أزمة تنزيل؟).. فقد تكلم فيها عن مداخل مراجعة التراث، وجعل أحدها ما أسماه (النسق القرآني).. وهذا النسق نفسه عبر عنه في كتابات أخرى بمصطلح (المقاصد القرآنية العليا الحاكمة)، بل نجده ينقل المقاطع بحروفها كما فعل في كتابه (الجمع بين القراءتين)!
وفي الدراسة ذاتها تكلم طويلا عن (الفكر الفقهي وتأثير الإسرائيليات)، وأعاد الكلام ذاته في مقاله (نحو تأسيس علم المراجعات في تراثنا الإسلامي)! وكرره في كتابه (لا إكراه في الدين)!
وقد تبين لي فيما بعد أن كلا من مقال (العلوم الإسلامية: أزمة منهج أم أزمة تنزيل؟) ومقال (نحو تأسيس علم المراجعات) ما هما إلا فصلان من كتابه (نحو التجديد والاجتهاد) الذي طبع عام 2008م، وقام بنشرهما سنة 2010م بمجلة الإحياء التي تصدرها الرابطة المحمدية المغربية، بالإضافة إلى مقاطع من كتابة (نحو منهجية معرفية قرآنية).
أما بالنسبة لكتبه فبعضها أقرب إلى الرسائل لصغرها، ولا تختلف إلا في إسهاب1 ما تناوله باقتضاب في تلك المقالات؟
الدكتور العلواني ومدرسة التجديد:
إن الدكتور طه جابر العلواني يمثل امتدادا لمدرسة التجديد الديني التي وضع بذرتها في مصر منذ أكثر من مائة عام الشيخ جمال الدين الأفغاني (ت 1315هـ)، وسعى في نشرها تلميذه الشيخ محمد عبده (ت 1323هـ)، وما من فكرة دينية شاذة تتعلق بأصول الإسلام العقدية والعملية برزت منذ ذلك التاريخ إلا ونجد لها ارتباطا - كبر أو صغر - بتلك المدرسة؟
وعلاقة الشيخ بها يمكن معرفتها من خلال مدحه شيوخها وعده لهم في صفوف المجددين، إضافة لترديده أفكارهم التي عرفوا بها، وهي في جملتها تدور حول رميهم للسابقين من علماء السنة بالجمود الفكري، والتقليد، والتعصب، وأن الأمة تحتاج كي تنهض إلى فتح باب الاجتهاد الذي أغلقه أولئك الجامدون المتزمتون! كما أنه يردد نتائج اجتهادات أولئك المجددون، سواء في العقائد، كإنكار بعض الأحكام التي اتفق عليها علماء العقيدة مثل رفع عيسى حيا ونزوله آخر الزمان كعلامة من علامات الساعة، وكقول - بعضهم - بفناء النار، وأن آيات البعث والجنة والنار من متشابهات القرآن!
وانظر إلى قول الدكتور العلواني متحسرا: "كان الأستاذ محمد عبده یلقي دروس التفسیر في الأزھر، ویكتب رسالة التوحید؛ لتكون بدیلاً عما كان یُدرس في الأزھر من شروح النسفیة وحواشیھا للتفتازاني وغیره، فیثور علیه علماء الأزھر، وتنشب معركة ضاریة بینه وبین الشیخ علیش[ت1299هـ]، الذي استطاع أن یكسب المعركة ضد الشیخ عبده بشكل أو بآخر، ویدفع الشیخ بعیدًا عن الأزھر والتأثیر فیه، فیكون انتصار الشیخ علیش انتصارًا لاتجاه العالم التقلیدي على العالم المفكر الذي یجتھد أو یحاول الاجتھاد "1.
والحقيقة أن الذي انتصر هو الشيخ محمد عبده الذي حرص من يملكون دفة التوجيه الثقافي بمصر على تصدير اسمه بلقب (الإمام)، كما حرصوا أيضا على إطلاق اسمه على إحدى قاعات التدريس بالأزهر؛ كي يبقى رمزا للتجديد والتنوير في عقول الناشئة، في مقابل الشيخ عليش رمز الجمود والتقليد رحمه الله؟
ومن علامات انتصار الأول أن تلاميذه واصلوا من بعده مسيرة تلك التفسيرات الشاذة لنصوص القرآن حتى ذهبوا في تأويلاتهم إلى أبعد مما فعل المعتزلة؟
فعندما رفضت جامعة فؤاد رسالة الطالب محمد خلف الله (الفن القصصي في القرآن) لقوله: إن قصص القرآن تمثيل!2 علق أمين الخولي المشرف على الرسالة قائلا: "أنها ترفض اليوم ما كان يقرره الشيخ محمد عبده بين جدران الأزهر منذ اثنين وأربعين سنة "1؟ يقصد بذلك ما كان الشيخ محمد عبده قرره في دروسه من أن قصة آدم تمثيل للأطوار التي مرت بها البشرية2.
فهذا التفسير وأمثاله الشبيه بتفسيرات الباطنية يعتبره الدكتور العلواني تفسير المجتهدين التنويريين المجددين، لا تفسير الشيخ عليش التقليدي الجامد الذي يؤمن أن قصة آدم حقيقة وقعت بتفاصيلها التي رواها القرآن؟!
أما بالنسبة للأحكام الفقهية فيكاد شيوخ هذه المدرسة أن يجمعوا على عدم ثبوت حد الردة، ويرى بعضهم أن حد السرقة يمثل العقوبة القصوى، لكنها ليست العقوبة الوحيدة وللقاضي الخيار! وآخرون منهم قالوا بمنع تعدد الزوجات!
لكن الأستاذ العلواني لم يتجه بنقده وتجديده إلى الأحكام الشرعية فقط، بل رأى أن النقد والتجديد ينبغي أن يتجه إلى المناهج نفسها التي قامت عليها تلك العلوم الإسلامية؛ لأنها لم تنبثق من القرآن كما يجب!
وقبل إلقاء الضوء على مقالات وكتب الدكتور ونقدها لابد من التنبيه إلى أنها لا تحتاج إلى مناقيش لاستخراج ما فيها من شبه ومغالطات - يراها فضيلته أدلة - فهذا شأن الأمور الخفية التي لا تبدوا للعيان! ولكنها بلغت من الكبر ما يجعلها خطايا منهجية، لا تخطئها عين كل من درس أصول الأحكام، إلا أن غبارها يثير غشاوة على رؤية أصحاب الثقافة الإسلامية المحدودة؛ فقد وجدتُ لما كَتَبَ صدىً عند كثير من كتّاب المقالات، الذين سرعان ما يكتشف المرء هشاشة علاقتهم بالعلوم الشرعية عند قراءة ما كتبوا، ودافِعُ هؤلاء خدمة دينهم، ومحاولة نصرته، وإخراج المسلمين مما هم فيه بكل الوسائل، والتي من بينها - في ظنهم - الهجوم النقدي على التراث، لتنقيته مما ليس منه!
وتأتي كتابات أمثال الأستاذ الدكتور داعمة لما يحتاجونه من أدوات يفتقرون إليها في إتمام مهمتهم التي كرسوا أنفسهم لها، خاصة أنه يقدم في المحافل العلمية بوصفه حاصلا على الدكتوراة من الأزهر الشريف، وأنه حقق كتاب المحصول في أصول الفقه للإمام الرازي، وأنه تتلمذ على يد علامة العراق الشيخ أمجد الزهاوي رحمه الله، فكل هذه المعطيات منحته تصريحا يتجول به في عقول الشريحة التي ذكرناها؛ إذ لا يملكون من أدوات النقد ما يميزون به بين صحيح الأفكار وسقيمها!
ولا أبالغ إن قلتُ: أن كتابات الدكتور طه جابر العلواني تؤدي إلى مزيد من البلبلة الفكرية لدى كثير من المسلمين، وتساهم في إبعادهم عن دينهم بدل تقريبهم منه، فما كتبه بوصفه نقدا هو أقرب إلى التشكيك فيما يعتقدون.. فضلا عن تعزيزها - غير المقصود - لكتّاب تيار الحداثة واللبرالية1، فهم وإن اختلفوا في المنطلق مع الدكتور إلا أنهم يتقاربون في النتائج؟ أضف إلى ذلك أن قناعتهم بما هم عليه ستزداد! ومن كان منهم يتشكك فيما يكتب أو يقول ستحدثه نفسه أنه على طريق الحق والصواب؟ فها هنا رجل من علماء الشريعة، وحبر من أحبارها ينادي بما ينادون به من أن عصرنا غير العصر الذي نزل فيه القرآن؛ ومن ثم نحتاج إلى مراجعة الأحكام الشرعية، وتكييفها مع الواقع الجديد. ومن أراد الوقوف على هذه الحقيقة فليعقد مقارنة بين كتابات الدكتور طه جابر العلواني وكتابات الدكتور محمد عابد الجابري داعية الحداثة من داخل التراث الإسلامي، ولينظر هل من فرق كبير في نتائج بحوث الرجلين؟
صحة القصد وحدها لا تكفي؟
وحيث إن النية الحسنة وحدها لا تكفي، ولا تبرر الأخطاء المنهجية وما ينتج عنها من أحكام غير صحيحة، وتصورات مشوهة، كانت هذه الرسالة التي حاولت أن أبين فيها حيدة الدكتور طه جابر العلواني عن جادة الصواب في المنهج والنتائج، وأن ما يردده في كتبه ومقالاته يعتبر قرة عين للحداثيين والمستشرقين، ولا أدل على ذلك من كتابه (إشكالية التعامل مع السنة النبوية) الذي هو آخر مؤلفاته، فقارئه يشعر أنه يقرأ كتابا لمستشرق لا عالم أزهري حقق كتاب المحصول كما يقول!
وبعيدا عن اتهام النوايا، واستنادا إلى ما هو مسطور أقول: أن الإشكالات الكثيرة التي أوردها العلواني على السنّة هي أقرب في حقيقتها إلى الشبهات، ولا يستطيع مستشرق الإتيان بمثلها! فهذا الذي يسميه (أزمات خطيرة) أصابت العقل المسلم حسب تعبيره، تبين لي بعد قراءتي لكتاباته أنها إصابات في عقله هو، ومؤشر على اضطراب فكري، ووسوسة يعاني منها، وإلا كيف نفسر إثباته لفكرة ما في مكان ثم نقضها بعد سطور؟ واستشهاده بحديث في موضع، والقول بوضعه في موضع آخر! وكيف يعقل ويقبل أن يشكك في مناهج العلماء في حفظ السنة النبوية ويعتبرها قاصرة عن تمييز المقبول منها والمردود طيلة القرون الماضية، وفي الوقت ذاته يستشهد على صحة ما يذهب إليه من آراء بما رواه وأخرجه أولئك العلماء من أحاديث في مصنفاتهم وفق مناهجهم التي ينتقدها، ويرى أنها في أغلبها باطلة!
الدكتور طه جابر العلواني لا يتردد في تخطئة - كل - العلماء السابقين؟
نعم كل العلماء!.. وليته اكتفى بالتخطئة بل جاوز ذلك إلى اتهامهم بالابتداع والتزيد في دين الله واختراع قوائم الحلال والحرام والفرائض والسنن وابتعدوا بالناس عن هدي القرآن؟! وتجده يقرر بكل ثقة: أنهم قد فاتهم كذا وكذا.. وأنهم نسوا وتناسوا.. وأن لو عملوا بكذا من القواعد أو انتبهوا إلى كذا لما حدث كذا من الإصابات الفكرية التي يصر على تسميتها بالأزمات الفكرية الخطيرة.. وفي ماذا؟.. في قضايا أساسية تمثل أصول وقواعد العلوم الشرعية؟
وإذا كان شيوخ ودعاة مدرسة التجديد الديني قد انتقدوا - بعض - أصول الإسلام وأحكامه، فإن الأستاذ الشيخ العلواني أبعد النجعة؛ فاعتبر كل علوم الإسلام لم تنبثق من القرآن الكريم كما ينبغي! استمع إليه وهو يقول:
" هذه العلوم التي تسمى (بالإسلامية) لم تنبثق من القرآن الكريم بالشكل المطلوب، وكان ينبغي أن يتم هذا الانبثاق عن منهجية القرآن المعرفية وكليات القرآن المجيد وسُننه ومقاصده العليا، وهذا هو الأساس والمنطلق في بناء هذه العلوم والتأسيس لها موضوعات ومقاصد ومسائل وأبعاد "1!
لقد كان على الأمة الإسلامية أن تنتظر أربعة عشر قرنا حتى يأتي فضيلته ويبين لها المنهج القرآني الصحيح لمعرفة مقاصده، وكلياته، وسننه؛ ولكن الأمة ضيعت كل تلك القرون ولم ينتبه آلاف العلماء فيها لما ينبغي أن يعرفوه عن المنهج القرآني؛ فكانت النتيجة أن انبثقت تلك العلوم بغير الشكل المطلوب!؟
وإذا كان الأستاذ الدكتور العلواني قبل أن يقرر هذه النتيجة لم يسأل نفسه: كيف جاز في أمة لا تجتمع على ضلالة أن يُعمَّى عليها أمر بهذا الوضوح؟ وكيف غابت هذه القضية الخطيرة - على أهميتها - عن علماء الأمة أجمعين، وقد تكفل الله بحفظ دينه الذي منه حفظ أصول فهمه وهو المنهج؟
إن لم يسأل هو.. فمن حق الآخرين أن يسألوا هذا السؤال؟
والتقرير السابق للأستاذ العلواني بخصوص العلوم الإسلامية كان بداية تطوافه في عالم المراجعات الذي انتهى به إلى أقوال في غاية الخطورة، تهدم أصول الإسلام قبل فروعه ومن ذلك قوله:
- أن المحدثين اخترعوا القراءات القرآنية!.. وأن القرآن ثابت بنفسه، ولا يحتاج ثبوته إلى نقله بالتواتر2!
- وأن الأصوليين توهموا أن النصوص متناهية والحوادث غير متناهية؛ فابتدعوا القياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة، والاستصحاب وغير ذلك من الأدلة لسد الفراغ التشريعي2!
- وأن الرزية الأولى كانت حين تم إسقاط أحكام اللسان العربي البشري المتداول على القرآن3!
- وأن الإجماع سيف اختُرِعَ لإسكات المخالفين4.. إلى غير ذلك من النتائج!
أصداء وردود..
لا ريب أن من كانت هذه دعاواه فحسابه - علميا - لن يكون يسيرا، وينقلب إلى أهله مسرورا، بل سيجد في الناس من يناقشه ويحاسبه حسابا عسيرا؛ طالما نصب نفسه حكما على علوم الشريعة وعلمائها السابقين واللاحقين، ورماهم بما رماهم به من الدعاوى العظيمة.
فما نشره الأستاذ العلواني من آراء أثار العديد من الباحثين؛ فكتبوا ردودا بينت وجوه الخلل التي رأوها فيها!
غير أن معظم تلك الردود جاءت في صورة مقالات اختلفت في طولها وطريقة معالجتها للأمور، فأكثرها تناول مسألة أو بعض المسائل، دون التعرض لمنهج الدكتور الذي أنتجها.
من ذلك المقال الذي كتبه الشيخ بسام جرّار بعنوان (د. طه جابر العلواني خلل في منهجية التفكير والاستدلال)؛ فرغم أن العنوان يوحي أن المقال يتكلم عن خلل المنهج عند الدكتور العلواني؛ إلا أن قارئه لا يجد فيه سوى مناقشة إنكاره رفع عيسى عليه الصلاة والسلام، ولا شيء غير ذلك!
ومن الردود كتاب (الردة بين الحد والحرية) للباحث صالح العميريني، وهو دراسة جيده، بين فيها جوانب من الخلل المنهجي التي وقع فيها الدكتور طه، ومن إيجابياته تجنب التجريح وشخصنة النقاش، كما أنه أشار إلى مسألة قل من ينتبه إليها ألا وهي: بيانه للبواعث التي جعلت العلواني يذهب ذلك المذهب؟ بيد أن الباحث لم يتجاوز في نقاشه المسألة التي جعلها عنوانا لكتابه ألا وهي حد الردة.
وهناك دراسة للدكتور عارف عز الدين عنوانها (المآخذ الأصولية على كتاب إشكالية التعامل مع السنة النبوية للدكتور طه جابر العلواني)، وواضح من عنوان الدراسة أنها ركزت في نقدها على الجانب الأصولي، ولم تتعرض إلى المسائل الأخرى المتعلقة بالسنة التي أثارها الدكتور العلواني في كتابه المذكور، فضلا عن المسائل التي أثارها في كتبه الأخرى؟
وقد قرأت بعض المقالات الأخرى التي رد فيها أصحابها على آخر كتاب للعلواني وهو (إشكالية التعامل مع السنة) فوجدتها قد ملئت تقريعا وتبديعا، أكثر من نصبها للأدلة التي تبين خطأ الشيخ في المنهج والنتائج، وهذا الأسلوب الخطابي في الردود لا يرد شاردا، ولا يهدي ضالا.
لأجل ذلك جاء هذا الكتاب شرحا وبيانا لمجمل القضايا التي أثارها الدكتور العلواني في كتاباته المختلفة وأولها: دعوته إلى مراجعة التراث الإسلامي، وأسباب تلك الدعوة، ومداخلها، والنتائج التي توصل إليها بعد قيامه بها، خاصة نظريته التي سماها (المقاصد القرآنية الحاكمة) وما بني عليها من نتائج وأحكام.
وسيلاحظ القارئ تطرق هذا النقد إلى مواضيع عِدِّة قد تبدو مقطوعة الصلة بنظرية الشيخ.. كالقراءات القرآنية، ومفهوم السنة، وشرع من قبلنا، والحكم التكليفي، والاختراق اليهودي للتراث الإسلامي!
ولكن بشيء من التأمل سيجد أن الداعي لتناول هذه المسائل هو أن الدكتور العلواني أرخى سدول نظريته المقاصدية على كل المواضيع السالفة الذكر؛ وجعلها معيارا لبيان الصحيح المقبول والسقيم المردود من العلوم الإسلامية الموروثة.
لأجل ذلك تطلب الأمر الحديث عن كل المسائل المذكورة؛ لبيان أن الخلل ليس في المنهج المعروف المستقر بأصوله العلمية وقواعده المرعية.. أعني أصول الفقه؟.. وإنما في فكر الدكتور العلواني ومنهجه الجديد في معايرة التراث.
ملحوظة أخيرة؟
من يقرأ كتابات الأستاذ طه جابر فياض العلواني المتعلقة بنقد التراث الإسلامي وتجديده سيقف على سمتين لتلك الكتابات؟
الأولى: الإعادة والتكرار، ليس فقط لمواضيع الكتب والمقالات، بل للكلمات، والجمل، والفقرات؛ مما يربك القارئ ويفقده الرغبة في مواصلة القراءة؛ لأجل ذلك اضطررت في بعض المواضع إلى تكرار نقد ما سبق نقده، ولكن بصورة مختصرة حسبما يقتضي الحال، مع الحرص على الإحاطة بجل المواضيع التي أثارها، وعدم الإخلال بالمعاني التي قررها قدر الإمكان، كما قمت بتقسيمها إلى فقرات وأبديت الملاحظات والتعليقات على ما يستحق منها ذلك مباشرة؛ كي لا يفقد القاري الترابط الفكري بين الفقرة المنقولة وما يوجه لها من نقد بعد سرد النظرية وآثارها بالكامل.
الثانية: ضبابية الأفكار أو انعدامها في بعض الأحيان؟ إذ يضع الأستاذ الدكتور عنوانا فإذا قرأت ما تحته لا تجد موضوعا أو شيئا يمكن فهمه، أو أنه لا صلة بين العنوان والموضوع؟ وهذا مؤشر على أن الكاتب يعاني من خلل فكري!
لهذا وكي لا تعتبر ملاحظاتي هذه ملاحظات من يلقي الكلام على عواهنه خصصت فصلا كاملا ضمنته فقرات مختارة من كتب ومقالات الأستاذ الدكتور تتحدى قدرة القارئ على الفهم؟!
أخيرا فقد قسمت الكتاب إلى أربعة فصول، الأول منها: تناول بالشرح والتعليق نظرية الدكتور العلواني (المقاصد القرآنية العليا الحاكمة) باعتبارها الحلقة التي كانت مفقودة في تراثنا، وقام فضيلته بكشفها، وبناء سائر تحليلاته واستنتاجاته عليها؟
والفصل الثاني: جاء بيانا للنتائج التي رتبها فضيلته على نظريته المذكورة.
أما الفصل الثالث: ففيه مناقشة لأهم القضايا التي طرحها في كتابه (إشكالية التعامل مع السنة النبوية).
وفي الفصل الرابع والأخير: ناقشت بعض الأحكام الفقهية والعقدية التي يراها تطبيقا لمراجعاته وفق نظريته المقاصدية، يلي ذلك خاتمة الكتاب وتحوي خلاصة ما انتهت إليه هذه القراءة.
أسأل الله العظيم أن يلهمنا السداد والرشاد في القول والعمل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
مصطفى بشير الطرابلسي
طرابلس الغرب
تعليق