علم الكلام
إفتتاحية
حمداً لله تعالى : ( الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ *الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ * وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ * فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ * وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) (الرحمن:1- 13)
( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي )
(طـه: من الآية25 _ 28)
الحمد كل الحمد لله تعالى ، الذي لا يحويه زمان ، ولا يحيط به مكان ، تقدست ذاته ، ودلت عليه أياته ، وعظمت آلاؤُه ، وتوالت نعمه على الإنسان .
هذه كلمة صارمة جدا ، محدد موضوعها بدقة ، فجعل الموضوع حجراً محجورا على قضية علم الكلام إذ تناوله الكثير بالشبهات ، ليتعذر الخروج ذات اليمين وذات الشمال ، والموضوع محل المعالجة هو علم الكلام دون أية إضافة .
محاور الكلمة
بداية لا بد من تقرير أنها ستعالح الموضوعات التالية دون إسهاب :
1. تعريف علم الكلام من خلال موضوعه ومنهجه والغرض منه .
2. بيان أصالة المنهج الكلامي والتدليل على افتراقه عن منهج الفلسفة اليونانية .
3. علاقة علم الكلام بالعقل
4. نشوء علم الكلام على يد المعتـزلة دون غيرهم ، وكل عالم كلام بعدهم هو عالة على المعتـزلة .
5. علم الكلام والإشراقات المشرقية .
6. علم الكلام والمنطق اليوناني الأرسطي .
7. علم الكلام ومثالية المعرفة
8. علم الكلام والمادية العلمية .
9. انحراف علم الكلام منهجا وقضايا واختلاطه بالأفكار الفلسفية اليونانية بعد منع المعتـزلة من ممارسة انتاج المعرفة .
10. الضرورة الماسة لعلم الكلام اليوم كما هو الأمس .
ومع التحديد الواضح لمحاور المحاضرة إلاَّ أنَّ طبيعة المعرفة تتداخل على بعضها ، بحيث لا يمكن إقامة سدود أو تخوم تفصل المعرفة عن بعضها .
مقدمة ضرورية
لو سأل سائلٌ شخصاً بسيطاً متعلماً ، ليس أقل من التوجيهي ، ما هو علم الكلام ؟ لكانت الإجابة : كثرة الحكي ، أو الثرثرة ، أو السفسطة ، أو الجدل الفارغ ، أو ـ وهذا سيكون جواب دارسي الشريعة ـ كلام أهل الضلال والبدع ، ويكتشف السامع أن علم الكلام قد ضاع معناه ومبناه عند المسلمين ، مع أنه علم خاص بـهم دون غيرهم ، إليهم نسبته ، ولا ينسب إلى غيرهم ، فلماذا كان أهلوه أكثر الناس جهالةً به ؟ ! .
يعود ظهور علم الكلام في بداياته إلى القرآن الكريم إذ حوى مفردات هي : النظر ، التفكير افعال مشتقة من كلمة العقل ، الفهم ، التدبر ، إقرأ ، الجدل ، الحوار ، يستنبطونه ، الحق الباطل ، ما عليه الآباء في موضع التنديد ، وهذه كلها مفردات متعلقة في المنهج .
ومن حيث موضوع هذه المفردات فهو : الكون في مظهره الفيزيائي ، والبيولجي ، والفلكي والآثار للماضين ، والمدونات بالقلم رافضا أساطير الأولين .
ومن حيث الدليل على هذه المواضيع وجدت مفردات المشاهدة ، والحجة ، والبرهان والسلطان وغيرها . وبلغ النبي مألُكته ، وكان عليٌ فاهما لدقائقها ، فقام بأولى محاولات التأصيل ، ولا ينفي ذلك ألاَّ جاحد ، تلقى فهم علي حشد ، ولكن محمد بن علي من 21-81 كان مجلياً فيه ومن أبرز تلاميذ محمد هذا إبناه : عبد الله الملقب بأبي هاشم والحسن ، وبـهما وخاصة عبد الله تقدمت هذه المعرفة ، فالحسن هو شيخ أو أستاذ غيلان الدمشقي ، الذي كان مآله القتل مع تلميذه المدعو صالح في زمن هشام بن عبد الملك ، إذ رآه ينادي على أموال الظلمة ومتاع الخونة بالمزاد العلني ، بعد أنْ أطلق يده في ذلك عمر بن عبد العزيز ، وإذ سمع هشام ذلك قال : إنَّه يشتم أجدادي ! فما أنْ آل الحكم إلى هشام بن عبد الملك حتى اشتد بالطلب عليه فالقي علي القبض مع تلميذه صالح في أرمينيا فجلبا وقام بمناقشتهما حول القدر عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي وكان مواليا لبني أمية وكانت بنو أمية قد أعلنوا الدعوة للجبر لتسويغ تصرفات الظلم والقتل والحبس وقد شايعهم على هذه المقولة أهل الحديث فحكم الأوزاعي بتكفيرهم وقام بقتلهما جلاوزة هشام رحم الله غيلان وصالح .
عبد الله بن محمد بن علي الملقب بأبي هاشم
000-99هـ 000-717م
واضع علم العروض هو الخليل بن أحمد الفراهيدي ت 170هـ .
واضع علم قواعد العربية هو سيبويه عمرو بن عثمان ت 180هـ .
واضع علم أصول الفقه هو الشافعي ت204هـ .
لقد وجد قبل هؤلاء عبد الله بن محمد بن علي وهو بحق واضع علم الكلام ت 98 هـ.
إنَّ هؤلاء المبدعين الأربعة هم عدليون أي معتزلة .
نبذة منقولة من كتاب الأعلام .
هو أحد زعماء العلويين في العصر المرواني ، كان يبث الدعاة سراً بين الناس ، ينفرهم من بني أمية ، عَلمَ سليمان بن عبد الملك بخبره ، فدس له من سقاه السم ، فلما أحس بالسم عدل إلى الحميمة ، وكان يسكنها محمد بن علي بن عبدالله بن عباس وأولاده ، فصرف إليه شيعته وأعطاه كتبا كانت عنده ، وافضى إليه بأسراره وتوفي بالحميمة .
لا بد من الإشارة إلى أن البحث لن يتابع إبي هاشم في حركته ألاَّ بمقدار ما ترتبط بعلم الكلام وهذه جمل منقولة من ترجمته بتهذيب التهذيب ، لوضعها في دائرة الضوء .
× قال ابن سعد : كان صاحب علم ورواية ، وكان ثقة قليل الحديث .
× قال ابن عبد البر : كان ابو هاشم عالما بكثير من المذاهب والمقالات ، وكان عالما بالحدثان وفنون العلم .
× يرد في طبقات المعتـزلة عن سند المعتـزلة قول أبي اسحق إبراهيم بن عياش قال : وسند المعتـزلة لمذهبهم أوضح من الفلق ، إذ يتصل إلى واصل وعمرو بن عبيد إتصالا ظاهرا شاهرا وهما أخذا عن أبي هاشم ، وهو قد أخذ عن أبيه محمد بن علي ، وقد تربى واصل في بيت محمد بن علي ، وفي هذا البيت تعلم وتخرج ، ومحمد بن علي أخذ عن أبيه علي بن أبي طالب ومشهور أخذ علي عن نبي الهدى عليه السلام .
لا بد من تحليل هذه الجمل فما هو معنى { كان عالما بكثير من المذاهب } ؟ كلمة المذاهب تطلق على مدرسة معينة في الفروع ، وأقدم المذاهب هو مذهب إبي حنيفة ت عام 150هـ فهذا يعني أن المراد من كلمة المذاهب هي معرفة مذاهب المعرفة ، وليست مذاهب الفروع والمعلوم أن نتائج المعرفة المقالات وليس الأحكام ولذلك ورد أنه عالم بالمقالات ، وهو فوق هذا عالم بالحدثان ، أي بالمفهوم الحاضر عالم بحركة التغيير في المجتمع أي سنن التغيير ، وكلمة الحدثان يمكن أنْ تطلق على أحداث التاريخ ، ويمكن أن تطلق ويراد بـها أحداث المستقبل أي معرفة أحاديث الفتن والملاحم ، لكن قول الزبير بن بكار : كان صاحب الشيعة فصرف الشيعة لمحمد بن علي بن عباس ، وَقَتْلُ سليمان بن عبد الملك له بمكيدة مدبرة ، وكونه شيخاً أي أستاذاً لواصل بن عطاء وزيد بن علي وهو من تطلق عليه الزيدية الإمام الثائر الشهيد ت عام 122هـ والمعلوم أنَّ زيد والزيدية ترى أنَّ مستحق الإمامة هو العالم التقي الذي يشهر سيفه قي وجه الظالمين ، فهذه كلها تفسر معنى كان عالما بالحدثان ، وإذا أضيف إلى ذلك ما يرد في ترجمته من كونه ثقة قليل الحديث ، فيكون قليل التحمل فلا ينقل أحاديث الفتن والملاحم فالحدثان هي سنن التغيير ، ويضاف إلى كل ذلك إلى أنَّ فرق الشيعة الثلاثة لا تنتحله .
يفهم من تلك الصورة التاريخية ، أنَّ علم الكلام هو منهج معرفي هادف ، يسعى لبناء عقل الأمة بـهدف التغيير ولو بالثورة ، وهذا ما سار عليه واصل من إرسال دعاته في الآفاق ، أي في أقطار العالم الإسلامي ، لبناء الوعي وإحداث التغيير ، فعلم الكلام هو لبناء وعي عام وعمل للتغيير ولو بالثورة ، وتدل القراءة لأحداث الثورة العباسية أنـها ثورة المعتزلة طلباً للعدل والرشد ، ولكن العباسيين ـ وهم قادة ميدان فقط لأسباب تنظيمية ظرفية ـ حرفوا الثورة عن خط سيرها بواسطة الجند الخرساني .
المحور الأول
تعريف علم الكلام
لا يمكن تعريف علم الكلام من خلال قاموسية الكلمتين ، وإنما يمكن تعريفه من خلال موضوعه ، ومن خلال منهجه ، ومن خلال الغرض منه ، أما غايته فقد أبانت عن وجهها القراءة السابقة ، التي تمحورت حول أبي هاشم ، قتيل سم سليمان بن عبد الملك .
علم الكلام من حيث موضوعه : هو المعرفة المتعلقة بإدراك موضوع الإيمانيات أي الإيمان العقلي بالله تعالى بإثبات أصلين عقليين هما التوحيد والعدل وبالنبوة والشريعة على الجملة أي أصل الشريعة وليس مفردات أحكامها وبالجزاء في اليوم الآخر .
علم الكلام من حيث المنهج : هو تأسيس الاستدلال على يقينيات عقلية وهي :
1. المدركات الحسية والمعتزلة لا تقبل فصل العقل عن مدركاته ، إذ العقل في تعريف القاضي عبد الجبار هو : جملة من العلوم مخصوصة متى حصلت في المكلف صح منه النظر والاستدلال لذلك لا يقوم عند المعتـزلة سؤال أشغل العقل الغربي [ أيـهما أسبق المادة أم الفكر ] ، من عدم الفصل هذا يتولد في ذهن المكلف مقدمات يقينية هي أوليات عقلية محضة يحكم على المحسوسات بواسطتها .
2. المجربات وهي المشاهدة المتكررة والتجربة العملية والاختبار .
3. المتواترات وهي المعرفة الضرورية التي تحصل من تواتر الأخبار .
4. القضايا التي عرفت لا بنفسها بل بوسط .
علم الكلام من حيث الغرص : هو إنتاج المعرفة أو إدراكها موضوعيا ، لينتقل الإنسان ويرتقي من حضيض التقليد إلى ذروة اليقين ، عبر النظر والتفكر والحجة والبرهان والسلطان ـ أي قوة الحجة والبرهان ووضوحهما في الذهن ـ والدليل والفهم .
ينقل أهل علم الكلام معرفتهم للناس كافة ، عبر منهج الجدل والحجاج ، ومن هذا الجدل والحجاج تسمى هذا العلم بطريقة نقله للناس أي علم الكلام .
المحور الثاني
الفرق بين منهج الفلسفة ومنهج علم الكلام
العقل حقيقة مشتركة بين الناس ، كما أن كل فرد من الناس هو كائن حي ، فكل فرد من الناس هو ذات عارفة ، وكل مقولات عند الناس ـ بغض النظر عن صدق المقولات أو كذبـها ـ هي مقولات معتمدة على وجود العقل ، فمن لا عقل عنده لا مقولات لديه ، ويمكن أنْ تكون المقولة كاذبة أو مبالغ فيها ، ومع ذلك فهي ذات جدوى ، فمن حيث الأصل ليس هناك مقولة عقلية وأخرى غير عقلية ، وليس هناك مقولة علمية وأخرى غير علمية ، التفريق هو فرق في المنهج الذي سلكه العقل للوصول إلى المعرفة على التعيين ، والدليل على هذا القول هو قول القائل : إنَّ الله اختراع بشري لا وجود له على الحقيقة مثل هذا القول ليس مقولة العلم ، بل مقولة فرد إنساني أو جماعة إنسانية سلكت منهجا غير علمي للوصول إلى هذه المقولة ، إذ العلم لا يعطيها أكثر من قانون الظاهرة ، عليه يجب أنْ ينصب البحث على منهج العقل وليس على مقولات في العقل .
أهل الفلسفة وصلوا إلى مقولات عبر منهج خاص ، وأهل علم الكلام وصلوا إلى مقولات عبر منهج خاص ، الفلسفة هي دراسة المبادئ الأُوَلُ للوجود والفكر دراسة موضوعية تنشد الحق وتـهتدي بمنطق العقل ولهذا تبدأ الفلسفة بلا مقدمات عقلية ولا مسلمات تبدأ منها ، الفلسفة لا تبدأ من الإيمان التسليمي ، ولا تبدأ من الرياضيات ، أو من الطبيعة ، الفلسفة تحلل هذه البدايات نفسها إلى مبادئها الأولى ، ولهذا فالفلسفة ذات تشعبات : شعبة الميتافيزيقا تبحث في مطلق الوجود ، والمنطق يبحث في صور الفكر والمعرفة كنظرية في علاقة الذات العارفة بالشيء المعروف ، والأخلاق في المبدأ الذي يجعل السلوك خيِّرأ ، وعلم الجمال يبحث في المبدأ الذي يجعل الجميل جميلا ، ولهذا تباينت مناهج الفلاسفة ، وتعددت تفسيراتـها ، ونظرأ لتغير اهتمامات الفلسفة صار لها تاريخ عبر العصور ، فمن أين جاءت مقولة القائلين : أنَّ علم الكلام ومسائله ومنهجه بدأ بمؤثرات خارجية أُرجعت للفلسفة اليونانية ؟ !! وعندما تعوزهم الحجة لعدم وجود ما يشبه قضية الفلسفة اليونانية في فكر المعتـزلة في مسألة ، جعلوا المؤثر الفكر النصراني أو اليهودي .
الأصل في الذي يريد أنْ يثبت التأثير إثبات جملة أمور هي :
1. إثبات الاتصال بين المؤثر والمتأثر .
2. عدم وجود أسباب داعية عند من وصفوه بمتأثر لنشأة المسألة أو المسائل
3. إثبات وحدة المسائل بينهما وليس إدعاء وحدة المسائل .
4. وحدة المنهج بينهما .
5. أنْ تكون المسائل ليست مسائل إنسانية بل مسائل خاصة .
6. أنْ تكون مرجعية الطرف المتأثر ليس فيها تلك المسألة أو المسائل .
7. وحدة الغاية بينهما في المسألة أو المسائل .
إنَّ العودة لتاريخ نشأة علم الكلام ، تثبت انقطاع الاتصال بين الفلسفة اليونانية ومنتجي علم الكلام ، في الزمان ، والمكان ، واللسان ، لقد احتدم الجدل بين المسلمين أثناء معركة صفين عام 36 هـ واستمر الجدال محتدما طيلة العهد الأموي أي إلى 132 هـ ، ليسير مسيرته التاريخية بعد ذلك ، في هذه الفترة نضجت جميع مسائل علم الكلام الأساسية ، عبر علي وابنه محمد وحفيده عبد الله لتصل إلى واصل بن عطاء ، الموصوف بأنه رأس المعتزلة ، وهذه الفترة ليست فترة ترجمة ، وهؤلاء الأربعة جميعا من أهل المدينة ، وانتقال علي للكوفة تم في 36 هـ وبقي فيها إلى وفاته عام 40 هـ ، أما محمد بن علي وابنه عبد الله فلم يخرجا من المدينة ، أما واصل فهو من أهل المدينة ومولى للهاشميين ، وبالتحديد لـمحمد بن علي وابنه كما يوصل البحث ، انتقل للبصرة بعد 100هـ ، وكانت معرفته ناضجة تماما ، فما هو مستند تأثير الفلسفة في علم الكلام كما يبين عنها التاريخ ؟ !!! .
ودليل آخر على أنَّ علم الكلام غير الفلسفة ، هو حكم الفلاسفة المعاصرين على علماء الكلام بأنـهم ليسوا فلاسفة ، والتراث الإسلامي فرق بين الفلسفة والفلاسفة وبين علم الكلام والمتكلمين .
كشف تحول الخلافة إلى ملك عضوض وجبري ، واتكاء معاوية والأمويين من بعده على الجبر لتسويغ قهر الأمة ، واتباع سياسة الجور فيها ، على أن دواعي بحث قضية العدل الإلهي وما يتفرع عنه وما يبنى عليه ، هي دواعي من داخل وصميم الأمة الإسلامية لا من خارجها .
مسائل الفلسفة ليست هي مسائل علم الكلام ، غاية مسائل الفلسفة هي أنْ تنشدَ الحق والخير والجمال كأفكار طوبوية ، لكنَّ علم الكلام باختصار شديد حدد غايته بأنـها الإنسان وحياته ، وما قبلها وما بعدها ، وعلاقة حياته بما قبلها وما بعدها [ نظرية التكليف ] ، ومن الغرابة بمكان أنْ يقول قائل : [ إذا استثنينا مسألة مرتكب الكبيرة التي اعتـزل بـها واصل بن عطاء رأس المعتـزلة حلقة الحسن البصري ، فإننا لا نكاد نجد مسألة من مسائل علم الكلام إلاَّ كانت ناشئة عن مسألة سبق للفلاسفة اليونان أنْ بحثوها ] ، ولم يستطع الإتيان بمسألة واحدة إلا الدعوى بأنَّ الفلاسفة اليونان بحثوا مسألة القضاء والقدر بمسمى [ حرية الإرادة ] ! .
الأمور الباقية لا تحتاج لشرح فيكفي ذكرها .
المحور الثالث
علاقة علم الكلام بالعقل
يقول واصل بن عطاء : ( الحقيقة تعرف بحجة عقل )
تُوَحّدُ المعتـزلة بين العقل والعلم ، وهو يتعلق بالأشياء والوقائع والحوادث [ المعلومات ] ومن هنا يعلم اختلاف تعريف المعتـزلة عن تعريف الفلاسفة ، الذي أساسه العقل بالقوة والعقل بالفعل وعن تعريف الصوفية الأشاعرة وهو قولهم جوهر مجرد عن المادة ، وعن تعريف النصيين أهل الحديث أداة فهم للدين ، وعن تعريف الماديين ، فالعقل عند المعتـزلة ليس قوة ، ولا أداة في المعرفة ، ولا عضو من أعضاء الجسم وظيفته المعرفة ، ولا هو عنصر مشتق ثان عن المادة ويرفض المعتـزلة مقولة الفكر قبل المادة وسابق عليها ، أو المادة فبل الفكر والفكر مجرد ناتج عن المادة ، والعقل كما هو في الواحد من الناس هو في الآخرين أيضا ، والفرق بين عقل الصبي المميز والبالغ أن عقل الصبي لم يرتق بعد إلى مستوى الاستدلال ، وللعقل عند المعتزلة رقي آخر ولكنه ليس عقل التكليف ، بل ناتج عن القدرة على النظر ، وهو العقل القادر على توليد المعرفة وإذ وحَّد المعتزلة بين العقل والعلم أي جملة المعلومات وهذه تحتاج إلى اللغة على وجه التلازم كان رجال العربية هم المعنزلة بلا منازع إذ اللغة هي مفتاح العلوم .
المحور الرابع
نشوء علم الكلام على يد المعتـزلة وغيرهم عالة عليهم
من هم علماء الكلام الأوئل ؟ من الأشاعرة علماء كلام ، لكن أمامهم الذي ينسبون إليه هو أيو الحسن علي بن إسماعيل سليل أبي موسى الأشعري من 260-324هـ ، وكل عالم كلام من الأشاعرة جاء بعده في الزمن ، ومن الماتريدية علماء كلام ، والإمام الذي ينسبون إليه هو محمد بن محمد بن محمود الماتريدي ت 333هـ ، وكل عالم كلام من الماتريدية بعده زمناً ، والإمامية المتكونة على يد جعفر الصادق ت 148 هـ لم تشتهر بعلم الكلام بادئ أمرها ، أما الإسماعلية والذين وضح تكوينهم بعد موت جعفر الصادق فهم فلاسفة يونان ، يدل على ذلك رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا ، ووجودهم يرجع إلى زمن الإمام المكتوم الثاني ت 240هـ وهو جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ، أمَّا عبد الله بن سعيد القطان الملقب بابن كلاب والذي يزعم الأشاعرة أنه جذرهم فقد توفي سنة [245 هـ] ، تكشف هذه التواريخ أنَّ المعتـزلة هم منشئو علم الكلام ، وكل من جاء بعدهم هو عالة عليهم ، ورغم محاولة استعمال سلاح المعتـزلة أي علم الكلام ضد المعتـزلة ، إلا إنه لم يُجْدِ الخصوم نفعاً ، فلجئوا إلى التكفير ، وأخيرا التصفية الجسدية بعد صدور الوثيقة القادرية نسبة للخليفة القادر ت 422هـ .
المحور الخامس
علم الكلام والإشراقات المشرقية
جملة واحدة تكفي في هذا المحور ، وهي أن المعتزلة ترى أنَّ المعرفة تحصل منَّا ، وليست فينا ، ما فينا هو مجرد الاستعداد ، وهذا القول رفض للإشراق تماما ، ويظهر أن الإشراق يماثل مثالية المعرفة عند الغرب ويختلف معه .
المحور السادس
علم الكلام والمنطق اليوناني الأرسطي
يطفوا على السطح سؤال هو : هل علم الكلام المعتـزلي استخدم منطق أرسطو أو غيره للتدليل على مسائله وقضاياه ؟ يضع المرحوم الشيخ تقي الدين النبهاني مؤسس حزب التحرير في كتاب الشخصية الجزء الأول بحثين حول هذا الموضوع ، الأول بعنوان نشأة المتكلمين ومنهجهم ص 35 41 ، والثاني بعنوان خطأ منهج المتكلمين ص 41-49 ، وتبدو مشكلة الشيخ في ربطه بين المنهج والمنطق مع المعتـزلة ، وهذا القول لا حقيقة له ، وإنما هو وصف للأشاعرة المتأخرين ، وللفلاسفة وللشيعة الإمامية والإسماعيلية . المعتـزلة أصحاب منهج أصيل ، هم منتجوه وأفكارهم أفكار إسلامية ، المعتـزلة الأوائل والذين نضج الفكر والمنهج على يديهم وجدوا قبل الترجمة ، والمتأخرون منهم من الطبقة السادسة إلى الثانية عشرة ردوا على أفكار الفلسفة ، وعلى المنهج المنطقي ، ومقولاتـهم في رد المنطق مشهورة ، من النظام إلى أبي العباس الناشيء إلى الجبائي أبوعلي فأبو سعيد السيرافي ، وقد حفظ لنا التراث مناظرته القيمة مع منطقي هو يونس بن متى ، إلى الجبائي الإبن [ أبو هاشم ] إلى القاضي عبد الجبار ، لينهار السد الذي بناه المعتـزلة في وجه الفلسفة والمنطق بعد طرد المعتـزلة من مباشرة التفكير والجدل والدعوة .
المحور السابع
علم الكلام ومثالية المعرفة
النظرية المثالية في المعرفة ترى أنَّ حقيقة الكون أنه أفكار وصور عقلية ، لها وجود قَبْلي في العقل وهو مذهب معرفي ساد في الغرب ، من أفلاطون إلى باركلي إلى كانت وأخيرأ وليس آخرا هيجل لكن المطلع على تفسير المعتزلة لآية الذر ، يعلم أنَّ المعتزلة ترفض هذه المعرفة المثالية .
المحور الثامن
علم الكلام والمادية العلمية
رَبَطَ أصحابُ الفكر المادي بين ماديتهم والعلم ، والمقصود بقولهم علم ، هو أبحاث الطبيعة بمعنى القوانين والخواص والظواهر والمتغيرات ، مهملين عمدا الجزء الرياضي الظاهر في هذه القوانين ، والحياة من حيث هي بيولوجيا ، والفلك من حيث هو أجرام سماوية ، واصروا على أن البحث ممنوع من خلال سؤال من خلق ؟ وإلى متى البقاء ؟ وماذا بعد الفناء ؟ هذه أسئلة جديرة بالاهتمام ، لكن المادي العلمي يرفضها ، المعتزلة أجابت على هذه الأسئلة ، من خلال لفت النظر لحدوث الأعراض ، لتصل إلى حدوث المادة أي خَلْقُهَا ، من قبل قادر لا يعجز ، وعالم لا يجهل ، وحي لا يموت ، وذات واجبة الوجود مصدر الوجود فلا تفنى .
المحور التاسع
انحراف علم الكلام بعد منع المعتـزلة من إنتاج المعرفة
الوثيقة القادرية أعلنت منع المعتزلة من الاجتهاد ، ومنع المعتزلة من الجدل لنشر مقالاتـهم ومن لا بنضبط فالسيف ، التفكير أعلى أنواع المعرفة ، ليست الشريعة هي أعلى أنواع المعرفة وليس العلم [ التجريبي ] هو أعلى أنواع المعرفة ، بل أن ارتفاع المعرفتين المعرفة الشرعية والعلم التجريبي يرتبط شرطيا في التفكير ، وبغياب المعتزلة اجتر الأشاعرة مقالات فلسفية مترجمة دون وعي مسائلها ، فكانت الفلسفة المترجمة تفتقد الحياة ، وهي عبارة عن مقولات في غاية التعقيد وهبط العلم الشرعي ، وتحول إلى علم الشروح ثم شرح الشروح وأخيرا الهوامش ، وما حدث للعلم الشرعي حدث للعلم التجريبي ، فدخلت المعرفة الإسلامية عصر الظلام ، ودخلت المعرفة الغربية منتفعة بالمعارف الإسلامية عصر النهضة ، سار الغرب ونام الشرق الإسلامي كيف ننهض ؟ ذلك هو السؤال الذي بقي سؤالا منذ منتصف القرن الثامن عشر ولا زال سؤالاً !!! .
المحور العاشر
الضرورة الماسة لعلم الكلام اليوم كما هو الأمس
ختاما هل الأمة بحاجة للتقدم نقيضا للتخلف ؟ هل الأمة بحاجة للتحرير نقيضا للهيمنة ؟ هل الأمة بحاجة للوحدة نقيضاً للتجزئة ؟ هل الأمة بحاجة للهوية نقيضا للضياع الذي يلفها ؟ هل الأمة بحاجة للسيطرة على أعداء الحياة الفقر والجهل والمرض ومنع هذه الظواهر وهي ألد الأعداء للحياة الإنسانية من أن تستشري في حياة الناس ؟ هل الأمة بحاجة لأن تكون لها مكانة بين الأمم بحيث تحمي نفسها من فرض الإرادات عليها ؟ لتكون كل ذلك لا بد أن تعرف ماضيها وتعمد لبعث الحياة فيه ليكون قادرا على السير نحو الحاضر ، إنَّ أمة تفقد ماضيها ستكون قعيدة الانتظار على الطوار ، أو أسيرة التبعية ، ذلك ما كشفت عنه المحاولات العبثية منذ عبد الرحمن الجبرتي المؤرخ ت 1237هـ = 1822م وحتى الآن ، والمسألة الآن واضحة وهي العودة لبناء عقل الأمة من النقطة التي فقدت فيها ديناميكية حضارتـهـا ، فالضرورة ماسة كما الأمس تماما لعلم الكلام أو بمصطلح جديد علم التفكير .
تلك هي إشارات حول سير الأمة في فكرها ، يسعى المعتزلة الحديثة للتواصل معه ، وهم يدركون عِظَمَ المهمة ، وَتَعَدُّدَ العوائق ، وصعوبةَ الدرب ، ومرارةَ العيش ، وقساوةَ الحياة ، ومكرَ العدو ، وجبَن الجمع عند اللقاء ، ولكنهم يقرأون آية من القرآن الكريم ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (يوسف:108)
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
إفتتاحية
حمداً لله تعالى : ( الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ *الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ * وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ * فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ * وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) (الرحمن:1- 13)
( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي )
(طـه: من الآية25 _ 28)
الحمد كل الحمد لله تعالى ، الذي لا يحويه زمان ، ولا يحيط به مكان ، تقدست ذاته ، ودلت عليه أياته ، وعظمت آلاؤُه ، وتوالت نعمه على الإنسان .
هذه كلمة صارمة جدا ، محدد موضوعها بدقة ، فجعل الموضوع حجراً محجورا على قضية علم الكلام إذ تناوله الكثير بالشبهات ، ليتعذر الخروج ذات اليمين وذات الشمال ، والموضوع محل المعالجة هو علم الكلام دون أية إضافة .
محاور الكلمة
بداية لا بد من تقرير أنها ستعالح الموضوعات التالية دون إسهاب :
1. تعريف علم الكلام من خلال موضوعه ومنهجه والغرض منه .
2. بيان أصالة المنهج الكلامي والتدليل على افتراقه عن منهج الفلسفة اليونانية .
3. علاقة علم الكلام بالعقل
4. نشوء علم الكلام على يد المعتـزلة دون غيرهم ، وكل عالم كلام بعدهم هو عالة على المعتـزلة .
5. علم الكلام والإشراقات المشرقية .
6. علم الكلام والمنطق اليوناني الأرسطي .
7. علم الكلام ومثالية المعرفة
8. علم الكلام والمادية العلمية .
9. انحراف علم الكلام منهجا وقضايا واختلاطه بالأفكار الفلسفية اليونانية بعد منع المعتـزلة من ممارسة انتاج المعرفة .
10. الضرورة الماسة لعلم الكلام اليوم كما هو الأمس .
ومع التحديد الواضح لمحاور المحاضرة إلاَّ أنَّ طبيعة المعرفة تتداخل على بعضها ، بحيث لا يمكن إقامة سدود أو تخوم تفصل المعرفة عن بعضها .
مقدمة ضرورية
لو سأل سائلٌ شخصاً بسيطاً متعلماً ، ليس أقل من التوجيهي ، ما هو علم الكلام ؟ لكانت الإجابة : كثرة الحكي ، أو الثرثرة ، أو السفسطة ، أو الجدل الفارغ ، أو ـ وهذا سيكون جواب دارسي الشريعة ـ كلام أهل الضلال والبدع ، ويكتشف السامع أن علم الكلام قد ضاع معناه ومبناه عند المسلمين ، مع أنه علم خاص بـهم دون غيرهم ، إليهم نسبته ، ولا ينسب إلى غيرهم ، فلماذا كان أهلوه أكثر الناس جهالةً به ؟ ! .
يعود ظهور علم الكلام في بداياته إلى القرآن الكريم إذ حوى مفردات هي : النظر ، التفكير افعال مشتقة من كلمة العقل ، الفهم ، التدبر ، إقرأ ، الجدل ، الحوار ، يستنبطونه ، الحق الباطل ، ما عليه الآباء في موضع التنديد ، وهذه كلها مفردات متعلقة في المنهج .
ومن حيث موضوع هذه المفردات فهو : الكون في مظهره الفيزيائي ، والبيولجي ، والفلكي والآثار للماضين ، والمدونات بالقلم رافضا أساطير الأولين .
ومن حيث الدليل على هذه المواضيع وجدت مفردات المشاهدة ، والحجة ، والبرهان والسلطان وغيرها . وبلغ النبي مألُكته ، وكان عليٌ فاهما لدقائقها ، فقام بأولى محاولات التأصيل ، ولا ينفي ذلك ألاَّ جاحد ، تلقى فهم علي حشد ، ولكن محمد بن علي من 21-81 كان مجلياً فيه ومن أبرز تلاميذ محمد هذا إبناه : عبد الله الملقب بأبي هاشم والحسن ، وبـهما وخاصة عبد الله تقدمت هذه المعرفة ، فالحسن هو شيخ أو أستاذ غيلان الدمشقي ، الذي كان مآله القتل مع تلميذه المدعو صالح في زمن هشام بن عبد الملك ، إذ رآه ينادي على أموال الظلمة ومتاع الخونة بالمزاد العلني ، بعد أنْ أطلق يده في ذلك عمر بن عبد العزيز ، وإذ سمع هشام ذلك قال : إنَّه يشتم أجدادي ! فما أنْ آل الحكم إلى هشام بن عبد الملك حتى اشتد بالطلب عليه فالقي علي القبض مع تلميذه صالح في أرمينيا فجلبا وقام بمناقشتهما حول القدر عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي وكان مواليا لبني أمية وكانت بنو أمية قد أعلنوا الدعوة للجبر لتسويغ تصرفات الظلم والقتل والحبس وقد شايعهم على هذه المقولة أهل الحديث فحكم الأوزاعي بتكفيرهم وقام بقتلهما جلاوزة هشام رحم الله غيلان وصالح .
عبد الله بن محمد بن علي الملقب بأبي هاشم
000-99هـ 000-717م
واضع علم العروض هو الخليل بن أحمد الفراهيدي ت 170هـ .
واضع علم قواعد العربية هو سيبويه عمرو بن عثمان ت 180هـ .
واضع علم أصول الفقه هو الشافعي ت204هـ .
لقد وجد قبل هؤلاء عبد الله بن محمد بن علي وهو بحق واضع علم الكلام ت 98 هـ.
إنَّ هؤلاء المبدعين الأربعة هم عدليون أي معتزلة .
نبذة منقولة من كتاب الأعلام .
هو أحد زعماء العلويين في العصر المرواني ، كان يبث الدعاة سراً بين الناس ، ينفرهم من بني أمية ، عَلمَ سليمان بن عبد الملك بخبره ، فدس له من سقاه السم ، فلما أحس بالسم عدل إلى الحميمة ، وكان يسكنها محمد بن علي بن عبدالله بن عباس وأولاده ، فصرف إليه شيعته وأعطاه كتبا كانت عنده ، وافضى إليه بأسراره وتوفي بالحميمة .
لا بد من الإشارة إلى أن البحث لن يتابع إبي هاشم في حركته ألاَّ بمقدار ما ترتبط بعلم الكلام وهذه جمل منقولة من ترجمته بتهذيب التهذيب ، لوضعها في دائرة الضوء .
× قال ابن سعد : كان صاحب علم ورواية ، وكان ثقة قليل الحديث .
× قال ابن عبد البر : كان ابو هاشم عالما بكثير من المذاهب والمقالات ، وكان عالما بالحدثان وفنون العلم .
× يرد في طبقات المعتـزلة عن سند المعتـزلة قول أبي اسحق إبراهيم بن عياش قال : وسند المعتـزلة لمذهبهم أوضح من الفلق ، إذ يتصل إلى واصل وعمرو بن عبيد إتصالا ظاهرا شاهرا وهما أخذا عن أبي هاشم ، وهو قد أخذ عن أبيه محمد بن علي ، وقد تربى واصل في بيت محمد بن علي ، وفي هذا البيت تعلم وتخرج ، ومحمد بن علي أخذ عن أبيه علي بن أبي طالب ومشهور أخذ علي عن نبي الهدى عليه السلام .
لا بد من تحليل هذه الجمل فما هو معنى { كان عالما بكثير من المذاهب } ؟ كلمة المذاهب تطلق على مدرسة معينة في الفروع ، وأقدم المذاهب هو مذهب إبي حنيفة ت عام 150هـ فهذا يعني أن المراد من كلمة المذاهب هي معرفة مذاهب المعرفة ، وليست مذاهب الفروع والمعلوم أن نتائج المعرفة المقالات وليس الأحكام ولذلك ورد أنه عالم بالمقالات ، وهو فوق هذا عالم بالحدثان ، أي بالمفهوم الحاضر عالم بحركة التغيير في المجتمع أي سنن التغيير ، وكلمة الحدثان يمكن أنْ تطلق على أحداث التاريخ ، ويمكن أن تطلق ويراد بـها أحداث المستقبل أي معرفة أحاديث الفتن والملاحم ، لكن قول الزبير بن بكار : كان صاحب الشيعة فصرف الشيعة لمحمد بن علي بن عباس ، وَقَتْلُ سليمان بن عبد الملك له بمكيدة مدبرة ، وكونه شيخاً أي أستاذاً لواصل بن عطاء وزيد بن علي وهو من تطلق عليه الزيدية الإمام الثائر الشهيد ت عام 122هـ والمعلوم أنَّ زيد والزيدية ترى أنَّ مستحق الإمامة هو العالم التقي الذي يشهر سيفه قي وجه الظالمين ، فهذه كلها تفسر معنى كان عالما بالحدثان ، وإذا أضيف إلى ذلك ما يرد في ترجمته من كونه ثقة قليل الحديث ، فيكون قليل التحمل فلا ينقل أحاديث الفتن والملاحم فالحدثان هي سنن التغيير ، ويضاف إلى كل ذلك إلى أنَّ فرق الشيعة الثلاثة لا تنتحله .
يفهم من تلك الصورة التاريخية ، أنَّ علم الكلام هو منهج معرفي هادف ، يسعى لبناء عقل الأمة بـهدف التغيير ولو بالثورة ، وهذا ما سار عليه واصل من إرسال دعاته في الآفاق ، أي في أقطار العالم الإسلامي ، لبناء الوعي وإحداث التغيير ، فعلم الكلام هو لبناء وعي عام وعمل للتغيير ولو بالثورة ، وتدل القراءة لأحداث الثورة العباسية أنـها ثورة المعتزلة طلباً للعدل والرشد ، ولكن العباسيين ـ وهم قادة ميدان فقط لأسباب تنظيمية ظرفية ـ حرفوا الثورة عن خط سيرها بواسطة الجند الخرساني .
المحور الأول
تعريف علم الكلام
لا يمكن تعريف علم الكلام من خلال قاموسية الكلمتين ، وإنما يمكن تعريفه من خلال موضوعه ، ومن خلال منهجه ، ومن خلال الغرض منه ، أما غايته فقد أبانت عن وجهها القراءة السابقة ، التي تمحورت حول أبي هاشم ، قتيل سم سليمان بن عبد الملك .
علم الكلام من حيث موضوعه : هو المعرفة المتعلقة بإدراك موضوع الإيمانيات أي الإيمان العقلي بالله تعالى بإثبات أصلين عقليين هما التوحيد والعدل وبالنبوة والشريعة على الجملة أي أصل الشريعة وليس مفردات أحكامها وبالجزاء في اليوم الآخر .
علم الكلام من حيث المنهج : هو تأسيس الاستدلال على يقينيات عقلية وهي :
1. المدركات الحسية والمعتزلة لا تقبل فصل العقل عن مدركاته ، إذ العقل في تعريف القاضي عبد الجبار هو : جملة من العلوم مخصوصة متى حصلت في المكلف صح منه النظر والاستدلال لذلك لا يقوم عند المعتـزلة سؤال أشغل العقل الغربي [ أيـهما أسبق المادة أم الفكر ] ، من عدم الفصل هذا يتولد في ذهن المكلف مقدمات يقينية هي أوليات عقلية محضة يحكم على المحسوسات بواسطتها .
2. المجربات وهي المشاهدة المتكررة والتجربة العملية والاختبار .
3. المتواترات وهي المعرفة الضرورية التي تحصل من تواتر الأخبار .
4. القضايا التي عرفت لا بنفسها بل بوسط .
علم الكلام من حيث الغرص : هو إنتاج المعرفة أو إدراكها موضوعيا ، لينتقل الإنسان ويرتقي من حضيض التقليد إلى ذروة اليقين ، عبر النظر والتفكر والحجة والبرهان والسلطان ـ أي قوة الحجة والبرهان ووضوحهما في الذهن ـ والدليل والفهم .
ينقل أهل علم الكلام معرفتهم للناس كافة ، عبر منهج الجدل والحجاج ، ومن هذا الجدل والحجاج تسمى هذا العلم بطريقة نقله للناس أي علم الكلام .
المحور الثاني
الفرق بين منهج الفلسفة ومنهج علم الكلام
العقل حقيقة مشتركة بين الناس ، كما أن كل فرد من الناس هو كائن حي ، فكل فرد من الناس هو ذات عارفة ، وكل مقولات عند الناس ـ بغض النظر عن صدق المقولات أو كذبـها ـ هي مقولات معتمدة على وجود العقل ، فمن لا عقل عنده لا مقولات لديه ، ويمكن أنْ تكون المقولة كاذبة أو مبالغ فيها ، ومع ذلك فهي ذات جدوى ، فمن حيث الأصل ليس هناك مقولة عقلية وأخرى غير عقلية ، وليس هناك مقولة علمية وأخرى غير علمية ، التفريق هو فرق في المنهج الذي سلكه العقل للوصول إلى المعرفة على التعيين ، والدليل على هذا القول هو قول القائل : إنَّ الله اختراع بشري لا وجود له على الحقيقة مثل هذا القول ليس مقولة العلم ، بل مقولة فرد إنساني أو جماعة إنسانية سلكت منهجا غير علمي للوصول إلى هذه المقولة ، إذ العلم لا يعطيها أكثر من قانون الظاهرة ، عليه يجب أنْ ينصب البحث على منهج العقل وليس على مقولات في العقل .
أهل الفلسفة وصلوا إلى مقولات عبر منهج خاص ، وأهل علم الكلام وصلوا إلى مقولات عبر منهج خاص ، الفلسفة هي دراسة المبادئ الأُوَلُ للوجود والفكر دراسة موضوعية تنشد الحق وتـهتدي بمنطق العقل ولهذا تبدأ الفلسفة بلا مقدمات عقلية ولا مسلمات تبدأ منها ، الفلسفة لا تبدأ من الإيمان التسليمي ، ولا تبدأ من الرياضيات ، أو من الطبيعة ، الفلسفة تحلل هذه البدايات نفسها إلى مبادئها الأولى ، ولهذا فالفلسفة ذات تشعبات : شعبة الميتافيزيقا تبحث في مطلق الوجود ، والمنطق يبحث في صور الفكر والمعرفة كنظرية في علاقة الذات العارفة بالشيء المعروف ، والأخلاق في المبدأ الذي يجعل السلوك خيِّرأ ، وعلم الجمال يبحث في المبدأ الذي يجعل الجميل جميلا ، ولهذا تباينت مناهج الفلاسفة ، وتعددت تفسيراتـها ، ونظرأ لتغير اهتمامات الفلسفة صار لها تاريخ عبر العصور ، فمن أين جاءت مقولة القائلين : أنَّ علم الكلام ومسائله ومنهجه بدأ بمؤثرات خارجية أُرجعت للفلسفة اليونانية ؟ !! وعندما تعوزهم الحجة لعدم وجود ما يشبه قضية الفلسفة اليونانية في فكر المعتـزلة في مسألة ، جعلوا المؤثر الفكر النصراني أو اليهودي .
الأصل في الذي يريد أنْ يثبت التأثير إثبات جملة أمور هي :
1. إثبات الاتصال بين المؤثر والمتأثر .
2. عدم وجود أسباب داعية عند من وصفوه بمتأثر لنشأة المسألة أو المسائل
3. إثبات وحدة المسائل بينهما وليس إدعاء وحدة المسائل .
4. وحدة المنهج بينهما .
5. أنْ تكون المسائل ليست مسائل إنسانية بل مسائل خاصة .
6. أنْ تكون مرجعية الطرف المتأثر ليس فيها تلك المسألة أو المسائل .
7. وحدة الغاية بينهما في المسألة أو المسائل .
إنَّ العودة لتاريخ نشأة علم الكلام ، تثبت انقطاع الاتصال بين الفلسفة اليونانية ومنتجي علم الكلام ، في الزمان ، والمكان ، واللسان ، لقد احتدم الجدل بين المسلمين أثناء معركة صفين عام 36 هـ واستمر الجدال محتدما طيلة العهد الأموي أي إلى 132 هـ ، ليسير مسيرته التاريخية بعد ذلك ، في هذه الفترة نضجت جميع مسائل علم الكلام الأساسية ، عبر علي وابنه محمد وحفيده عبد الله لتصل إلى واصل بن عطاء ، الموصوف بأنه رأس المعتزلة ، وهذه الفترة ليست فترة ترجمة ، وهؤلاء الأربعة جميعا من أهل المدينة ، وانتقال علي للكوفة تم في 36 هـ وبقي فيها إلى وفاته عام 40 هـ ، أما محمد بن علي وابنه عبد الله فلم يخرجا من المدينة ، أما واصل فهو من أهل المدينة ومولى للهاشميين ، وبالتحديد لـمحمد بن علي وابنه كما يوصل البحث ، انتقل للبصرة بعد 100هـ ، وكانت معرفته ناضجة تماما ، فما هو مستند تأثير الفلسفة في علم الكلام كما يبين عنها التاريخ ؟ !!! .
ودليل آخر على أنَّ علم الكلام غير الفلسفة ، هو حكم الفلاسفة المعاصرين على علماء الكلام بأنـهم ليسوا فلاسفة ، والتراث الإسلامي فرق بين الفلسفة والفلاسفة وبين علم الكلام والمتكلمين .
كشف تحول الخلافة إلى ملك عضوض وجبري ، واتكاء معاوية والأمويين من بعده على الجبر لتسويغ قهر الأمة ، واتباع سياسة الجور فيها ، على أن دواعي بحث قضية العدل الإلهي وما يتفرع عنه وما يبنى عليه ، هي دواعي من داخل وصميم الأمة الإسلامية لا من خارجها .
مسائل الفلسفة ليست هي مسائل علم الكلام ، غاية مسائل الفلسفة هي أنْ تنشدَ الحق والخير والجمال كأفكار طوبوية ، لكنَّ علم الكلام باختصار شديد حدد غايته بأنـها الإنسان وحياته ، وما قبلها وما بعدها ، وعلاقة حياته بما قبلها وما بعدها [ نظرية التكليف ] ، ومن الغرابة بمكان أنْ يقول قائل : [ إذا استثنينا مسألة مرتكب الكبيرة التي اعتـزل بـها واصل بن عطاء رأس المعتـزلة حلقة الحسن البصري ، فإننا لا نكاد نجد مسألة من مسائل علم الكلام إلاَّ كانت ناشئة عن مسألة سبق للفلاسفة اليونان أنْ بحثوها ] ، ولم يستطع الإتيان بمسألة واحدة إلا الدعوى بأنَّ الفلاسفة اليونان بحثوا مسألة القضاء والقدر بمسمى [ حرية الإرادة ] ! .
الأمور الباقية لا تحتاج لشرح فيكفي ذكرها .
المحور الثالث
علاقة علم الكلام بالعقل
يقول واصل بن عطاء : ( الحقيقة تعرف بحجة عقل )
تُوَحّدُ المعتـزلة بين العقل والعلم ، وهو يتعلق بالأشياء والوقائع والحوادث [ المعلومات ] ومن هنا يعلم اختلاف تعريف المعتـزلة عن تعريف الفلاسفة ، الذي أساسه العقل بالقوة والعقل بالفعل وعن تعريف الصوفية الأشاعرة وهو قولهم جوهر مجرد عن المادة ، وعن تعريف النصيين أهل الحديث أداة فهم للدين ، وعن تعريف الماديين ، فالعقل عند المعتـزلة ليس قوة ، ولا أداة في المعرفة ، ولا عضو من أعضاء الجسم وظيفته المعرفة ، ولا هو عنصر مشتق ثان عن المادة ويرفض المعتـزلة مقولة الفكر قبل المادة وسابق عليها ، أو المادة فبل الفكر والفكر مجرد ناتج عن المادة ، والعقل كما هو في الواحد من الناس هو في الآخرين أيضا ، والفرق بين عقل الصبي المميز والبالغ أن عقل الصبي لم يرتق بعد إلى مستوى الاستدلال ، وللعقل عند المعتزلة رقي آخر ولكنه ليس عقل التكليف ، بل ناتج عن القدرة على النظر ، وهو العقل القادر على توليد المعرفة وإذ وحَّد المعتزلة بين العقل والعلم أي جملة المعلومات وهذه تحتاج إلى اللغة على وجه التلازم كان رجال العربية هم المعنزلة بلا منازع إذ اللغة هي مفتاح العلوم .
المحور الرابع
نشوء علم الكلام على يد المعتـزلة وغيرهم عالة عليهم
من هم علماء الكلام الأوئل ؟ من الأشاعرة علماء كلام ، لكن أمامهم الذي ينسبون إليه هو أيو الحسن علي بن إسماعيل سليل أبي موسى الأشعري من 260-324هـ ، وكل عالم كلام من الأشاعرة جاء بعده في الزمن ، ومن الماتريدية علماء كلام ، والإمام الذي ينسبون إليه هو محمد بن محمد بن محمود الماتريدي ت 333هـ ، وكل عالم كلام من الماتريدية بعده زمناً ، والإمامية المتكونة على يد جعفر الصادق ت 148 هـ لم تشتهر بعلم الكلام بادئ أمرها ، أما الإسماعلية والذين وضح تكوينهم بعد موت جعفر الصادق فهم فلاسفة يونان ، يدل على ذلك رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا ، ووجودهم يرجع إلى زمن الإمام المكتوم الثاني ت 240هـ وهو جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ، أمَّا عبد الله بن سعيد القطان الملقب بابن كلاب والذي يزعم الأشاعرة أنه جذرهم فقد توفي سنة [245 هـ] ، تكشف هذه التواريخ أنَّ المعتـزلة هم منشئو علم الكلام ، وكل من جاء بعدهم هو عالة عليهم ، ورغم محاولة استعمال سلاح المعتـزلة أي علم الكلام ضد المعتـزلة ، إلا إنه لم يُجْدِ الخصوم نفعاً ، فلجئوا إلى التكفير ، وأخيرا التصفية الجسدية بعد صدور الوثيقة القادرية نسبة للخليفة القادر ت 422هـ .
المحور الخامس
علم الكلام والإشراقات المشرقية
جملة واحدة تكفي في هذا المحور ، وهي أن المعتزلة ترى أنَّ المعرفة تحصل منَّا ، وليست فينا ، ما فينا هو مجرد الاستعداد ، وهذا القول رفض للإشراق تماما ، ويظهر أن الإشراق يماثل مثالية المعرفة عند الغرب ويختلف معه .
المحور السادس
علم الكلام والمنطق اليوناني الأرسطي
يطفوا على السطح سؤال هو : هل علم الكلام المعتـزلي استخدم منطق أرسطو أو غيره للتدليل على مسائله وقضاياه ؟ يضع المرحوم الشيخ تقي الدين النبهاني مؤسس حزب التحرير في كتاب الشخصية الجزء الأول بحثين حول هذا الموضوع ، الأول بعنوان نشأة المتكلمين ومنهجهم ص 35 41 ، والثاني بعنوان خطأ منهج المتكلمين ص 41-49 ، وتبدو مشكلة الشيخ في ربطه بين المنهج والمنطق مع المعتـزلة ، وهذا القول لا حقيقة له ، وإنما هو وصف للأشاعرة المتأخرين ، وللفلاسفة وللشيعة الإمامية والإسماعيلية . المعتـزلة أصحاب منهج أصيل ، هم منتجوه وأفكارهم أفكار إسلامية ، المعتـزلة الأوائل والذين نضج الفكر والمنهج على يديهم وجدوا قبل الترجمة ، والمتأخرون منهم من الطبقة السادسة إلى الثانية عشرة ردوا على أفكار الفلسفة ، وعلى المنهج المنطقي ، ومقولاتـهم في رد المنطق مشهورة ، من النظام إلى أبي العباس الناشيء إلى الجبائي أبوعلي فأبو سعيد السيرافي ، وقد حفظ لنا التراث مناظرته القيمة مع منطقي هو يونس بن متى ، إلى الجبائي الإبن [ أبو هاشم ] إلى القاضي عبد الجبار ، لينهار السد الذي بناه المعتـزلة في وجه الفلسفة والمنطق بعد طرد المعتـزلة من مباشرة التفكير والجدل والدعوة .
المحور السابع
علم الكلام ومثالية المعرفة
النظرية المثالية في المعرفة ترى أنَّ حقيقة الكون أنه أفكار وصور عقلية ، لها وجود قَبْلي في العقل وهو مذهب معرفي ساد في الغرب ، من أفلاطون إلى باركلي إلى كانت وأخيرأ وليس آخرا هيجل لكن المطلع على تفسير المعتزلة لآية الذر ، يعلم أنَّ المعتزلة ترفض هذه المعرفة المثالية .
المحور الثامن
علم الكلام والمادية العلمية
رَبَطَ أصحابُ الفكر المادي بين ماديتهم والعلم ، والمقصود بقولهم علم ، هو أبحاث الطبيعة بمعنى القوانين والخواص والظواهر والمتغيرات ، مهملين عمدا الجزء الرياضي الظاهر في هذه القوانين ، والحياة من حيث هي بيولوجيا ، والفلك من حيث هو أجرام سماوية ، واصروا على أن البحث ممنوع من خلال سؤال من خلق ؟ وإلى متى البقاء ؟ وماذا بعد الفناء ؟ هذه أسئلة جديرة بالاهتمام ، لكن المادي العلمي يرفضها ، المعتزلة أجابت على هذه الأسئلة ، من خلال لفت النظر لحدوث الأعراض ، لتصل إلى حدوث المادة أي خَلْقُهَا ، من قبل قادر لا يعجز ، وعالم لا يجهل ، وحي لا يموت ، وذات واجبة الوجود مصدر الوجود فلا تفنى .
المحور التاسع
انحراف علم الكلام بعد منع المعتـزلة من إنتاج المعرفة
الوثيقة القادرية أعلنت منع المعتزلة من الاجتهاد ، ومنع المعتزلة من الجدل لنشر مقالاتـهم ومن لا بنضبط فالسيف ، التفكير أعلى أنواع المعرفة ، ليست الشريعة هي أعلى أنواع المعرفة وليس العلم [ التجريبي ] هو أعلى أنواع المعرفة ، بل أن ارتفاع المعرفتين المعرفة الشرعية والعلم التجريبي يرتبط شرطيا في التفكير ، وبغياب المعتزلة اجتر الأشاعرة مقالات فلسفية مترجمة دون وعي مسائلها ، فكانت الفلسفة المترجمة تفتقد الحياة ، وهي عبارة عن مقولات في غاية التعقيد وهبط العلم الشرعي ، وتحول إلى علم الشروح ثم شرح الشروح وأخيرا الهوامش ، وما حدث للعلم الشرعي حدث للعلم التجريبي ، فدخلت المعرفة الإسلامية عصر الظلام ، ودخلت المعرفة الغربية منتفعة بالمعارف الإسلامية عصر النهضة ، سار الغرب ونام الشرق الإسلامي كيف ننهض ؟ ذلك هو السؤال الذي بقي سؤالا منذ منتصف القرن الثامن عشر ولا زال سؤالاً !!! .
المحور العاشر
الضرورة الماسة لعلم الكلام اليوم كما هو الأمس
ختاما هل الأمة بحاجة للتقدم نقيضا للتخلف ؟ هل الأمة بحاجة للتحرير نقيضا للهيمنة ؟ هل الأمة بحاجة للوحدة نقيضاً للتجزئة ؟ هل الأمة بحاجة للهوية نقيضا للضياع الذي يلفها ؟ هل الأمة بحاجة للسيطرة على أعداء الحياة الفقر والجهل والمرض ومنع هذه الظواهر وهي ألد الأعداء للحياة الإنسانية من أن تستشري في حياة الناس ؟ هل الأمة بحاجة لأن تكون لها مكانة بين الأمم بحيث تحمي نفسها من فرض الإرادات عليها ؟ لتكون كل ذلك لا بد أن تعرف ماضيها وتعمد لبعث الحياة فيه ليكون قادرا على السير نحو الحاضر ، إنَّ أمة تفقد ماضيها ستكون قعيدة الانتظار على الطوار ، أو أسيرة التبعية ، ذلك ما كشفت عنه المحاولات العبثية منذ عبد الرحمن الجبرتي المؤرخ ت 1237هـ = 1822م وحتى الآن ، والمسألة الآن واضحة وهي العودة لبناء عقل الأمة من النقطة التي فقدت فيها ديناميكية حضارتـهـا ، فالضرورة ماسة كما الأمس تماما لعلم الكلام أو بمصطلح جديد علم التفكير .
تلك هي إشارات حول سير الأمة في فكرها ، يسعى المعتزلة الحديثة للتواصل معه ، وهم يدركون عِظَمَ المهمة ، وَتَعَدُّدَ العوائق ، وصعوبةَ الدرب ، ومرارةَ العيش ، وقساوةَ الحياة ، ومكرَ العدو ، وجبَن الجمع عند اللقاء ، ولكنهم يقرأون آية من القرآن الكريم ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (يوسف:108)
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
تعليق