تاريخ العقيدة الأشعرية بالغرب الإسلامي
لم يكن الغرب الإسلامي بمعزل عن التحولات الفكرية التي تعرفها بلدان المشرق. كما أن علماء المشرق أنفسهم كانوا حريصين على أن تصل آراؤهم ومذاهبهم إلى مختلف ربوع العالم الإسلامي. وكانت بوابة الغرب الإسلامي ومعبر الآراء والمذاهب إليه تونس أو إفريقية بتعبير القدماء- وخاصة حاضرة القيروان.
ومن أوائل الذين نشروا الأشعرية بالقيروان أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الزبيدي المعروف بالقلانسي (ت 359هـ)(8) . وقد كان ابن أبي زيد القيرواني على صلة علمية بأبي عبد الله بن مجاهد البصري (ت 370هـ) أحد تلامذة الإمام أبي الحسن الأشعري، حتى إن بعض المصادر جزمت بتحول ابن أبي زيد إلى المذهب الأشعري بعد كتابته لرسالته الشهيرة التي جاءت مقدمتها العقدية على مذهب السلف في تفويض معاني الصفات الإلهية وتجنب التشبيه والتأويل معا.
( قال الفقير بل الرجل كان مفوضا و بقي مفوضا كما كان و دفاعه عن الأشعرية لا شك فيه فالرجل كان سنيا و مات سنيا فلا تحول في عقيدته كما قرره مؤخرا الشيخ أحمد محمد نور سيف مدير عام دار البحوث بالامارات في تحقيقاته الرائعة على شرح عقيدة ابن ابي زيد القيرواني للقاضي عبد الوهاب البغدادي الأشعري المالكي ).وكان لتلاميذ الإمام أبي بكر الباقلاني (ت 403هـ) -وهو من أعلام المالكية والأشعرية في الآن نفسه- دور بالغ الأهمية في نشر الأشعرية بتونس. ومنهم أبو الحسن القابسي (ت 403هـ)؛ وأبو عمران الفاسي (ت 430هـ) الذي استقر بالقيروان بعد عودته من المشرق.
وفي الفترة نفسها تقريبا كان العلماء الذين عادوا من الرحلة إلى المشرق ينشرون الأشعرية في أقصى الغرب الإسلامي؛ أي في الأندلس. ومنهم الإمام أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي (ت 392هـ)، والمحدث أبو عمر الطلمنكي (ت 429هـ)،
(قال الفقير في ما يخص الطلمنكي فيه نظر فالرجل يقول بالجهة كما أثر ذلك على تلميذه الحافظ ابن عبد البر فقال بما قاله شيخه فلم ابصر اشعرية للطلمنكي أبدا)
وأبو عمرو الداني المقرئ (ت 444هـ)، والقاضي أبو الوليد الباجي (ت 474هـ).
أما في المغرب الأقصى فقد احتاج انتشار الأشعرية إلى مدة أطول نسبيا لأسباب كثيرة؛ منها أن المغرب لم يعرف المذاهب العقدية غير السنية كالاعتزال والتشيع إلا في حدود ضيقة وفي مناطق محصورة؛ ولذلك لم تمس الحاجة عند العلماء إلى تبني الأشعرية في بيئة يقل فيها الخلاف العقدي، وكان يكفيهم موقف كبار العلماء من سلف الأمة انتشار الأشعرية بالمغرب إلى القرن السادس الهجري.
ومن أبرز العلماء الذين نشروا الأشعرية في المغرب أبو بكر محمد بن الحسن المرادي الحضرمي القيرواني (ت 489هـ) صاحب "التجريد في علم الكلام"، وتلميذه أبو الحجاج يوسف بن موسى الضرير (ت 520هـ) شيخ القاضي عياض وصاحب أرجوزة وافية في العقيدة. ومنهم أبو عبد الله محمد بن خلف الإلبيري (ت 537هـ) صاحب "الأصول إلى معرفة الله والرسول" و"الرد على أبي الوليد بن رشد في مسألة الاستواء".
وظلت الأشعرية في عهد المرابطين حبيسة الأوساط العلمية؛ لأنهم كانوا شديدي التحفظ مما يمكن أن يزعزع الوحدة الدينية والمذهبية للمجتمع. وكانت نزعة المحافظة عند طائفة من العلماء المقربين من أمراء المرابطين وحرص طائفة أخرى على إرضائهم من أسباب هذا الوضع.
ومع الموحدين الذين وظفوا قضايا العقيدة في نزع المشروعية من المرابطين واتهموهم بالتشبيه والتجسيم- ستعرف الأشعرية بالمغرب مرحلة مد عام وكاسح لتكامل الأدوار ما بين سلطة العلماء والسلطة السياسية. وبالإضافة إلى ما لقيته "مرشدة" ابن تومرت وكتاباته في الاعتقاد -( قال الفقير و أهم كتبه كتابه المسمى أعز ما يطلب و هو خميرة العقيدة الاشعرية كتبه بالبربرية و ترجم الى العربية رأيت نسخة منه في المكتبة الوطنية بالجزائر)- من احتفاء اتجه العلماء إلى دراسة وتدريس المصادر الحقيقية للمذهب الأشعري ككتاب "الإرشاد" لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني. ومن أبرز علماء هذه الفترة أبو عمرو عثمان بن عبد الله السلالجي (ت 574هـ) الذي نبغ في علم العقيدة وكثر تلامذته الذين أخذوا عنه العقيدة الأشعرية حتى لقب بـــ"منقذ أهل فاس من التجسيم. وقد عرفت رسالته المختصرة "العقيدة البرهانية" انتشارا واسعا في المغرب، وأقبل عليها العلماء يشرحونها ويدرّّّسونها. وإذا كانت الأشعرية قد التحمت بالتدريج بالفقه المالكي منذ العصر الموحدي؛ فإن معظم أهل التصوف أيضا كانوا يميلون إلى المذهب الأشعري. وهذا الالتحام بين المكونات الثلاثة للتدين في المغرب هو الذي سيلخصه لاحقا الفقيه عبد الواحد بن عاشر وهو يوضح عمدة منظومته التعليمية "المرشد المعين على الضروري من علوم الدين"- قائلا:
في عقد الأشعري وفقه مالك وفي طريقة الجنيد السالك
وبقيت "البرهانية" و"مرشدة" ابن تومرت مهيمنتان على مجالس العلم بالمغرب إلى أن ألف العلامة محمد بن يوسف السنوسي (ت 895هـ) ضمن ما ألف في العقيدة رسالته "أم البراهين" أو "العقيدة الصغرى". فكتب لها الانتشار لصغر حجمها، وبعدها عن التعقيد. ظلت "أم البراهين" وشروح العلماء عليها مرجعا في علم العقيدة بالمغرب في حلقات الدرس إلى عهد قريب. ولم يكن يزاحمها على هذه المكانة إلا بعض المنظومات العقدية باللغة الأمازيغية التي كان بعض الفقهاء يؤلفونها لتكون مرجعا لطلبة منطقة سوس في بعض الزوايا.
(قال الفقير و قد كان للمنظومة المسماة بالجزائرية دورا مهما كذلك في تثبيت عقائد الأشعري في الجزائر و هي زبدة العقيدة الأشعرية عدد أبياتها 355 بيت و صاحبها البحر العلامة أحمد بن عبد الله الزواوي الجزائري المتوفى سنة 884 ه و هو تلميذ الولي الصالح المفسر عبد الرحمن الثعالبي شيخ الجزائر قبره يزار الى اليوم من العلماء و العوام في اعالي العاصمة و بالذات بحي القصبة العريق. و قد شرح الجزائرية الامام السنوسي شرحا مفصلا في كتاب سماه المنهج السديد في شرح كفاية المريد و بعدما اطلع الزواوي على شرح السنوسي لجزائريته أثنى عليه ثناء كبيرا و على شرحه بأبيات زيدت في بعض المخطوطات مع مقدمة الجزائرية للفائدة).
وقد أسهمت الأشعرية رفقة المذهب المالكي والتصوف السني في خلق انسجام مذهبي وعقدي في المغرب جنبه كثيرا من القلاقل والفتن التي كانت تقع في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي بسبب الخلافات العقدية. وبرغم بروز اتجاهات عقدية غير أشعرية عند بعض علماء المغرب بعد القرن السادس الهجري ( قال الفقير و كان هذا نادرا جدا فالمغرب الاسلامي لم يعرف الا المذهب المالكي فقها و الأشعرية عقيدة و التصوف سلوكا و ورش قراءة ) فإن التعبير عن الخلاف كان محصورا في السجال العلمي. ولم تتحول الأشعرية إلى موضوع نقاش وأخذ ورد في المجتمع المغربي بل في الغرب الإسلامي عموما إلا بعد أن تعرضت لهجوم ممنهج في العقود الأخيرة...( قال الفقير و القصد من هذا الكلام الاخير دخول الوهابية الى أراضينا التي باتت و ستظل غريبة عن ديارنا و ما هذا المسح التاريخي لعقيدة المغاربة الا شاهد على ذلك.)
منقول من وزارة الأوقاف المغربية بتصرف و تعليق الفقير عبد الرحمن عبد المجيد اليعلاوي. المعروف بميثاق.
لم يكن الغرب الإسلامي بمعزل عن التحولات الفكرية التي تعرفها بلدان المشرق. كما أن علماء المشرق أنفسهم كانوا حريصين على أن تصل آراؤهم ومذاهبهم إلى مختلف ربوع العالم الإسلامي. وكانت بوابة الغرب الإسلامي ومعبر الآراء والمذاهب إليه تونس أو إفريقية بتعبير القدماء- وخاصة حاضرة القيروان.
ومن أوائل الذين نشروا الأشعرية بالقيروان أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الزبيدي المعروف بالقلانسي (ت 359هـ)(8) . وقد كان ابن أبي زيد القيرواني على صلة علمية بأبي عبد الله بن مجاهد البصري (ت 370هـ) أحد تلامذة الإمام أبي الحسن الأشعري، حتى إن بعض المصادر جزمت بتحول ابن أبي زيد إلى المذهب الأشعري بعد كتابته لرسالته الشهيرة التي جاءت مقدمتها العقدية على مذهب السلف في تفويض معاني الصفات الإلهية وتجنب التشبيه والتأويل معا.
( قال الفقير بل الرجل كان مفوضا و بقي مفوضا كما كان و دفاعه عن الأشعرية لا شك فيه فالرجل كان سنيا و مات سنيا فلا تحول في عقيدته كما قرره مؤخرا الشيخ أحمد محمد نور سيف مدير عام دار البحوث بالامارات في تحقيقاته الرائعة على شرح عقيدة ابن ابي زيد القيرواني للقاضي عبد الوهاب البغدادي الأشعري المالكي ).وكان لتلاميذ الإمام أبي بكر الباقلاني (ت 403هـ) -وهو من أعلام المالكية والأشعرية في الآن نفسه- دور بالغ الأهمية في نشر الأشعرية بتونس. ومنهم أبو الحسن القابسي (ت 403هـ)؛ وأبو عمران الفاسي (ت 430هـ) الذي استقر بالقيروان بعد عودته من المشرق.
وفي الفترة نفسها تقريبا كان العلماء الذين عادوا من الرحلة إلى المشرق ينشرون الأشعرية في أقصى الغرب الإسلامي؛ أي في الأندلس. ومنهم الإمام أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي (ت 392هـ)، والمحدث أبو عمر الطلمنكي (ت 429هـ)،
(قال الفقير في ما يخص الطلمنكي فيه نظر فالرجل يقول بالجهة كما أثر ذلك على تلميذه الحافظ ابن عبد البر فقال بما قاله شيخه فلم ابصر اشعرية للطلمنكي أبدا)
وأبو عمرو الداني المقرئ (ت 444هـ)، والقاضي أبو الوليد الباجي (ت 474هـ).
أما في المغرب الأقصى فقد احتاج انتشار الأشعرية إلى مدة أطول نسبيا لأسباب كثيرة؛ منها أن المغرب لم يعرف المذاهب العقدية غير السنية كالاعتزال والتشيع إلا في حدود ضيقة وفي مناطق محصورة؛ ولذلك لم تمس الحاجة عند العلماء إلى تبني الأشعرية في بيئة يقل فيها الخلاف العقدي، وكان يكفيهم موقف كبار العلماء من سلف الأمة انتشار الأشعرية بالمغرب إلى القرن السادس الهجري.
ومن أبرز العلماء الذين نشروا الأشعرية في المغرب أبو بكر محمد بن الحسن المرادي الحضرمي القيرواني (ت 489هـ) صاحب "التجريد في علم الكلام"، وتلميذه أبو الحجاج يوسف بن موسى الضرير (ت 520هـ) شيخ القاضي عياض وصاحب أرجوزة وافية في العقيدة. ومنهم أبو عبد الله محمد بن خلف الإلبيري (ت 537هـ) صاحب "الأصول إلى معرفة الله والرسول" و"الرد على أبي الوليد بن رشد في مسألة الاستواء".
وظلت الأشعرية في عهد المرابطين حبيسة الأوساط العلمية؛ لأنهم كانوا شديدي التحفظ مما يمكن أن يزعزع الوحدة الدينية والمذهبية للمجتمع. وكانت نزعة المحافظة عند طائفة من العلماء المقربين من أمراء المرابطين وحرص طائفة أخرى على إرضائهم من أسباب هذا الوضع.
ومع الموحدين الذين وظفوا قضايا العقيدة في نزع المشروعية من المرابطين واتهموهم بالتشبيه والتجسيم- ستعرف الأشعرية بالمغرب مرحلة مد عام وكاسح لتكامل الأدوار ما بين سلطة العلماء والسلطة السياسية. وبالإضافة إلى ما لقيته "مرشدة" ابن تومرت وكتاباته في الاعتقاد -( قال الفقير و أهم كتبه كتابه المسمى أعز ما يطلب و هو خميرة العقيدة الاشعرية كتبه بالبربرية و ترجم الى العربية رأيت نسخة منه في المكتبة الوطنية بالجزائر)- من احتفاء اتجه العلماء إلى دراسة وتدريس المصادر الحقيقية للمذهب الأشعري ككتاب "الإرشاد" لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني. ومن أبرز علماء هذه الفترة أبو عمرو عثمان بن عبد الله السلالجي (ت 574هـ) الذي نبغ في علم العقيدة وكثر تلامذته الذين أخذوا عنه العقيدة الأشعرية حتى لقب بـــ"منقذ أهل فاس من التجسيم. وقد عرفت رسالته المختصرة "العقيدة البرهانية" انتشارا واسعا في المغرب، وأقبل عليها العلماء يشرحونها ويدرّّّسونها. وإذا كانت الأشعرية قد التحمت بالتدريج بالفقه المالكي منذ العصر الموحدي؛ فإن معظم أهل التصوف أيضا كانوا يميلون إلى المذهب الأشعري. وهذا الالتحام بين المكونات الثلاثة للتدين في المغرب هو الذي سيلخصه لاحقا الفقيه عبد الواحد بن عاشر وهو يوضح عمدة منظومته التعليمية "المرشد المعين على الضروري من علوم الدين"- قائلا:
في عقد الأشعري وفقه مالك وفي طريقة الجنيد السالك
وبقيت "البرهانية" و"مرشدة" ابن تومرت مهيمنتان على مجالس العلم بالمغرب إلى أن ألف العلامة محمد بن يوسف السنوسي (ت 895هـ) ضمن ما ألف في العقيدة رسالته "أم البراهين" أو "العقيدة الصغرى". فكتب لها الانتشار لصغر حجمها، وبعدها عن التعقيد. ظلت "أم البراهين" وشروح العلماء عليها مرجعا في علم العقيدة بالمغرب في حلقات الدرس إلى عهد قريب. ولم يكن يزاحمها على هذه المكانة إلا بعض المنظومات العقدية باللغة الأمازيغية التي كان بعض الفقهاء يؤلفونها لتكون مرجعا لطلبة منطقة سوس في بعض الزوايا.
(قال الفقير و قد كان للمنظومة المسماة بالجزائرية دورا مهما كذلك في تثبيت عقائد الأشعري في الجزائر و هي زبدة العقيدة الأشعرية عدد أبياتها 355 بيت و صاحبها البحر العلامة أحمد بن عبد الله الزواوي الجزائري المتوفى سنة 884 ه و هو تلميذ الولي الصالح المفسر عبد الرحمن الثعالبي شيخ الجزائر قبره يزار الى اليوم من العلماء و العوام في اعالي العاصمة و بالذات بحي القصبة العريق. و قد شرح الجزائرية الامام السنوسي شرحا مفصلا في كتاب سماه المنهج السديد في شرح كفاية المريد و بعدما اطلع الزواوي على شرح السنوسي لجزائريته أثنى عليه ثناء كبيرا و على شرحه بأبيات زيدت في بعض المخطوطات مع مقدمة الجزائرية للفائدة).
وقد أسهمت الأشعرية رفقة المذهب المالكي والتصوف السني في خلق انسجام مذهبي وعقدي في المغرب جنبه كثيرا من القلاقل والفتن التي كانت تقع في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي بسبب الخلافات العقدية. وبرغم بروز اتجاهات عقدية غير أشعرية عند بعض علماء المغرب بعد القرن السادس الهجري ( قال الفقير و كان هذا نادرا جدا فالمغرب الاسلامي لم يعرف الا المذهب المالكي فقها و الأشعرية عقيدة و التصوف سلوكا و ورش قراءة ) فإن التعبير عن الخلاف كان محصورا في السجال العلمي. ولم تتحول الأشعرية إلى موضوع نقاش وأخذ ورد في المجتمع المغربي بل في الغرب الإسلامي عموما إلا بعد أن تعرضت لهجوم ممنهج في العقود الأخيرة...( قال الفقير و القصد من هذا الكلام الاخير دخول الوهابية الى أراضينا التي باتت و ستظل غريبة عن ديارنا و ما هذا المسح التاريخي لعقيدة المغاربة الا شاهد على ذلك.)
منقول من وزارة الأوقاف المغربية بتصرف و تعليق الفقير عبد الرحمن عبد المجيد اليعلاوي. المعروف بميثاق.
تعليق