قال الشيخ ابن عربي فى الفتوحات:
فمن الناس من وفقهم الله لوجود أفراح العباد على أيديهم أول درجة من ذلك من يضحك الناس بما يرضى الله أو بما لا رضاء فيه ولا سخط وهو المباح فإن ذلك نعت إلهي لا يشعر به بل الجاهل يهزأ به ولا يقوم عنده هذا الذي يضحك الناس وزن وهو المسمى في العرف مسخرة وأين هو هذا الجاهل بقدر هذا الشخص من قوله تعالى وإنه هو أضحك وأبكي ولا سيما وقد قيدناه بما يرضى الله أو بما لا رضاء فيه ولا سخط فعبد الله المراقب أحواله وآثار الحق في الوجود يعظم في عينه هذا المسمى مسخرة وكان لرسول الله ص نعيمان يضحكه ليشاهد هذا الوصف الإلهي في مادة فكان أعلم بما يرى ولم يكن رسول الله ص ممن يسخر به ولا يعتقد فيه السخرية وحاشاه من ذلك ص بل كان يشهده مجلي إلهيا يعلم ذلك منه العلماء بالله ومن هذه الحضرة كان رسول الله ص يمازح العجوز والصغير يباسطهم بذلك ويفرحهم ألا ترى إلى أكابر الملوك كيف يضاحكون أولادهم بما ينزلون إليهم في حركاتهم حتى يضحك الصغير ولم أر من الملوك من تحقق بهذا المقام في دسته بحضور أمرائه والرسل عنده مثل الملك العادل أبي بكر بن أيوب مع صغار أولاده وأنا حاضر عنده بميافارقين بحضور هذه الجماعة فلقد رأيت ملوكا كثير ولم أر منهم مثل ما رأيته من الملك العادل في هذا الباب وكنت أرى ذلك من جملة فضائله ويعظم به في عيني وشكرته على ذلك ورأيت من رفقه بالحريم وتفقد أحوالهن وسؤاله إياهن ما لم أر لغيره من الملوك وأرجو أن الله ينفعه بذلك
ملحوظة
قال الذهبي فى سير اعلام النبلاء:
الكامل
الملك الكامل الشهيد ناصر الدين محمد بن الملك المظفر شهاب الدين غازي بن السلطان الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب .
تملك ميافارقين وغيرها بعد أبيه سنة خمس وأربعين ، وكان شابا ، عاقلا ، شجاعا ، مهيبا ، محسنا إلى رعيته ، مجاهدا ، غازيا ، دينا ، تقيا ، حميد الطريقة ، حاصره عسكر هولاكو نحوا من عشرين شهرا حتى فني الناس جوعا ووباء ، حتى لم يبق بالبلد سوى سبعين رجلا فيما قيل ; فحدثني الشيخ محمود بن عبد الكريم الفارقي قال :
سار الكامل إلى قلاع بنواحي آمد فأخذها ، ثم نقل إليها أهله ، وكان أبي في خدمته ، فرحل بنا إلى قلعة منها ، فعبرت التتار علينا ، فاستنزلوا أهل الملك الكامل بالأمان من قلعة أخرى ، وردوا بهم علينا ، وأنا صبي مميز ، وحاصروا ميافارقين أشهرا ، فنزل عليهم الثلج ، وهلك بعضهم ، وكان الكامل يبرز إليهم ويقاتلهم ، وينكي فيهم فهابوه ، ثم بنوا عليهم سورا بإزاء البلد ، بأبرجة ، ونفدت الأقوات ، حتى كان الرجل يموت فيؤكل ، ووقع فيهم الموت ، وفتر عنهم التتار وصابروهم ، فخرج إليهم غلام أو أكثر وجلوا للتتار أمر البلد ، فما صدقوا ، ثم قربوا من السور وبقوا أياما لا يجسرون على الهجوم ، فدلى إليهم مملوك للكامل حبالا فطلعوا إلى السور فبقوا أسبوعا لا يجسرون ، وبقي بالبلد نحو التسعين بعد ألوف من الناس ، فدخلت التتار دار الكامل وأمنوه ، وأتوا به هولاكو بالرها فإذا هو يشرب الخمر ، فناول الكامل كأسا فأبى ، وقال : هذا حرام ، فقال لامرأته : ناوليه أنت ، فناولته فأبى ، وشتم وبصق - فيما قيل - في وجه هولاكو . وكان الكامل ممن سار قبل ذلك ورأى القان الكبير ، وفي اصطلاحهم من رأى وجه القان لا يقتل ، فلما واجه هولاكو بهذا استشاط غضبا وقتله .
ثم قال : وكان الكامل شديد البأس ، قوي النفس ، لم ينقهر للتتار بحيث إنهم أخذوا أولاده من حصنهم ، وأتوه بهم إلى تحت سور ميافارقين ، وكلموه أن يسلم البلد بالأمان فقال : ما لكم عندي إلا السيف .
قلت : طيف برأسه بدمشق بالطبول ، وعلق على باب الفراديس ، فلما انقلعوا ، وجاء المظفر دفن الرأس . وكان في سنة ست وخمسين قدم دمشق مستنجدا بالناصر فبالغ في إكرامه واحترامه ، ووعده بالإنجاد ، ورجع إلى ميافارقين وقتل في سنة ثمان وخمسين رحمه الله .
فمن الناس من وفقهم الله لوجود أفراح العباد على أيديهم أول درجة من ذلك من يضحك الناس بما يرضى الله أو بما لا رضاء فيه ولا سخط وهو المباح فإن ذلك نعت إلهي لا يشعر به بل الجاهل يهزأ به ولا يقوم عنده هذا الذي يضحك الناس وزن وهو المسمى في العرف مسخرة وأين هو هذا الجاهل بقدر هذا الشخص من قوله تعالى وإنه هو أضحك وأبكي ولا سيما وقد قيدناه بما يرضى الله أو بما لا رضاء فيه ولا سخط فعبد الله المراقب أحواله وآثار الحق في الوجود يعظم في عينه هذا المسمى مسخرة وكان لرسول الله ص نعيمان يضحكه ليشاهد هذا الوصف الإلهي في مادة فكان أعلم بما يرى ولم يكن رسول الله ص ممن يسخر به ولا يعتقد فيه السخرية وحاشاه من ذلك ص بل كان يشهده مجلي إلهيا يعلم ذلك منه العلماء بالله ومن هذه الحضرة كان رسول الله ص يمازح العجوز والصغير يباسطهم بذلك ويفرحهم ألا ترى إلى أكابر الملوك كيف يضاحكون أولادهم بما ينزلون إليهم في حركاتهم حتى يضحك الصغير ولم أر من الملوك من تحقق بهذا المقام في دسته بحضور أمرائه والرسل عنده مثل الملك العادل أبي بكر بن أيوب مع صغار أولاده وأنا حاضر عنده بميافارقين بحضور هذه الجماعة فلقد رأيت ملوكا كثير ولم أر منهم مثل ما رأيته من الملك العادل في هذا الباب وكنت أرى ذلك من جملة فضائله ويعظم به في عيني وشكرته على ذلك ورأيت من رفقه بالحريم وتفقد أحوالهن وسؤاله إياهن ما لم أر لغيره من الملوك وأرجو أن الله ينفعه بذلك
ملحوظة
قال الذهبي فى سير اعلام النبلاء:
الكامل
الملك الكامل الشهيد ناصر الدين محمد بن الملك المظفر شهاب الدين غازي بن السلطان الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب .
تملك ميافارقين وغيرها بعد أبيه سنة خمس وأربعين ، وكان شابا ، عاقلا ، شجاعا ، مهيبا ، محسنا إلى رعيته ، مجاهدا ، غازيا ، دينا ، تقيا ، حميد الطريقة ، حاصره عسكر هولاكو نحوا من عشرين شهرا حتى فني الناس جوعا ووباء ، حتى لم يبق بالبلد سوى سبعين رجلا فيما قيل ; فحدثني الشيخ محمود بن عبد الكريم الفارقي قال :
سار الكامل إلى قلاع بنواحي آمد فأخذها ، ثم نقل إليها أهله ، وكان أبي في خدمته ، فرحل بنا إلى قلعة منها ، فعبرت التتار علينا ، فاستنزلوا أهل الملك الكامل بالأمان من قلعة أخرى ، وردوا بهم علينا ، وأنا صبي مميز ، وحاصروا ميافارقين أشهرا ، فنزل عليهم الثلج ، وهلك بعضهم ، وكان الكامل يبرز إليهم ويقاتلهم ، وينكي فيهم فهابوه ، ثم بنوا عليهم سورا بإزاء البلد ، بأبرجة ، ونفدت الأقوات ، حتى كان الرجل يموت فيؤكل ، ووقع فيهم الموت ، وفتر عنهم التتار وصابروهم ، فخرج إليهم غلام أو أكثر وجلوا للتتار أمر البلد ، فما صدقوا ، ثم قربوا من السور وبقوا أياما لا يجسرون على الهجوم ، فدلى إليهم مملوك للكامل حبالا فطلعوا إلى السور فبقوا أسبوعا لا يجسرون ، وبقي بالبلد نحو التسعين بعد ألوف من الناس ، فدخلت التتار دار الكامل وأمنوه ، وأتوا به هولاكو بالرها فإذا هو يشرب الخمر ، فناول الكامل كأسا فأبى ، وقال : هذا حرام ، فقال لامرأته : ناوليه أنت ، فناولته فأبى ، وشتم وبصق - فيما قيل - في وجه هولاكو . وكان الكامل ممن سار قبل ذلك ورأى القان الكبير ، وفي اصطلاحهم من رأى وجه القان لا يقتل ، فلما واجه هولاكو بهذا استشاط غضبا وقتله .
ثم قال : وكان الكامل شديد البأس ، قوي النفس ، لم ينقهر للتتار بحيث إنهم أخذوا أولاده من حصنهم ، وأتوه بهم إلى تحت سور ميافارقين ، وكلموه أن يسلم البلد بالأمان فقال : ما لكم عندي إلا السيف .
قلت : طيف برأسه بدمشق بالطبول ، وعلق على باب الفراديس ، فلما انقلعوا ، وجاء المظفر دفن الرأس . وكان في سنة ست وخمسين قدم دمشق مستنجدا بالناصر فبالغ في إكرامه واحترامه ، ووعده بالإنجاد ، ورجع إلى ميافارقين وقتل في سنة ثمان وخمسين رحمه الله .