ضياع مصر الأزهر ! .. بين الأنماط الأربعة

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد يوسف رشيد
    طالب علم
    • Sep 2003
    • 601

    #1

    ضياع مصر الأزهر ! .. بين الأنماط الأربعة

    تتعدد الأسباب، والموت واحد..

    تختلف الأنماط والمشارب، والثمرة مفجعة..

    الأزهر، مؤسسة عريقة، مؤسسة الإسلام العلمية والزعامية التي قادت المصريين وشريحة عظيمة من الأمة الإسلامية عدد من القرون هو أكثر عمر الإسلام.. قادتهم علما وسلوكا وتوجيها.. ثم تم نحرها على عتبات (الرؤساء) و (الباحثين) تحت سمع وبصر أربعة أنماط من الناس:

    نمط أول متواضع التصور، لا يرى مسوغا للخلاف بين الأزهر كممثل عن أهل السنة وبين غيره.

    ونمط ثان يعطي الأمور نوع أهمية، بل ويتعصب ويشتد للمبادئ، إلا أنه يرى غيرها أولى منها وغالبا ما يكون هذا الغير أمورا حركية سياسية.

    ونمط ثالث مخلص فاهم منتم، إلا أنه ضعيف، لا يمكنه العمل إلا جمع يساد نفسيَّته، ولا يطيق وحشة الغُربة ومخالفة البارزين.

    ونمط رابع عابد دنيا، يبيع دينه بالريالات غالبا وبالدولارات أحيانا.


    لو تأملنا واستقرأنا مواقف المتحملين لمنهج وعقيدة أهل السنة التي كان يمثلها الأزهر قبل المدرسة الحداثية التي اتهمت الأزهر ومناهجه بالجمود، أدركنا أن المتعاملين مع قضية الدعوة والدفاع أو الذين ينتظر منهم ذلك، لا يخرجون هذه الأنماط الأربعة..

    * * *

    فالنمط الأول / هو نمط لم يرتق إلى حقيقة استيعاب الخلاف بين أهل السنة وغيرهم، ونسمعه يعبر تعبيرات تعمل على الإصلاح النفسي بين الفريقين، وإن كان فيه خراب الدين! فيقول عبارات من جنس: (يا إخوان إن المثبت لحقائق اليد والقدم يقصد تعظيم الله، والمؤول والمفوض يقصد تعظيم الله فلماذا نختلف!) (يا إخوان والله الأمر لا تستحق)...

    إن هذا النمط يغلب فيه الضعف العلمي والتصوري لتلك الحقائق، بل يغلب فيه الضعف العقلي كذلك، وتغلب فيه العاطفة والطيبة غير المنضبطة على العلم وحدوده؛ إذ كيف يغفل عن حقيقة أن السلف والخلف كانوا حكماء، وهم لم يتهاونوا في مثل هذ1ه القضايا، وكانوا حرسا شديدي الردع لكل من يستلل إلى بوابة الدين أو سوره؟ وكيف تخلف عن إدراكه أن ما يقوله لو كان صحيحا لما وقف سلطان العلماء العز بن عبد السلام موقفه الصارم تجاه أوباش مجسمة الحنابلة لما وشوا به عند السلطان ووقع اختباره على عقيدته فثبت عليها واشتد؟.. إن هذا النمط ينظر إلى تلك القضايا بسطحية كبيرة، ولا يزيح قلبه ليمنح عقله وقتا ضئيلا للتفكير حول مرتبة هذه المسائل من الخطورة، والتي بذل فيها العلماء والمتكلمون من أهل السنة كأبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي وأبي بكر الباقلاني والنسفي والأنصاري وابن جماعة بل وجماهير الأمة الإسلامية من نفيس وقتهم، فما من إمام إلا وبذل في هذا الباب نصيبا، فلو كان شغله وبابه بذل فيه عمره، ولو لم يكن بذل فيه ما يبذل في أنفس العلوم التي يقوم عليها تلقيا وتدريسا، فكانت ملاحم علمية بين تعليم للناس وبيان فساد الاعتقاد المخالف، وبين مناظرات واحتدامات.

    فيأتي هذا النمط بنقاء سريرة وحسن نية، مجموعا إليها ضعف العقل والعلم، ليمحو ذلك بجرة لسان أو قلم.

    إن هذا النمط الأول لا نخشى في الحقيقة ضرره إلا من باب واحد، وهو أنه رغم قصر إدراكه وقلة علمه يُنسب إلى المؤسسة الرسمية الأزهرية، وكل كلمة يقولها بلسانه فسينقلها الناس عنه كما ينقلون عن ابن عابدين وابن الهمام والبيجوري وغيرهم منم المحققين! فهو في نظر (العامة) يتساوى مع هؤلاء لا فرق، فكلهم علماء!

    * * *

    النمط الثاني / هو نمط يشغل الموضوع أهمية لديه، ولو تكلم في المجالس الخاصة أبرز ما في سريرته وأظهر خبيئة نفسه، ونقد، وحلل، وتهكم ربما على مخالفه، لكنه لا يعمل إلا داخل البيئة الموافقة، أما على المستوى العلمي العام فإنه يرى غير ذلك أولى، وغالبا ما يكون ذلك تأثرا بتوجهات سياسية لها أهداف تسمى سياسية، وتهدف في الغالب إلى (الحشد) و (التجميع) وإلا فالصحيح أنه لا يمنعه العمل السياسي من الكلام باعتقاد أهل السنة وتعليم الناس إياه وتنبيههم على أن الفكرين الساعيين للترأس الفكر الحداثي المقاصدي والفكر الوهابي التجسيمي ليسا على قاعدة وعقيدة أهل السنة والجماعة، وذلك أثناء حركته السياسية والتجميعية، إلا أن ما منع من هذه الدعوة هو رفع مبدأ (التجميع) على مبدأ (التصحيح) ومنح أولوية للكم على الكيف.

    وهذا النمط لا يصرح عادة بالسب وراء إعراضه عما يُنتظَر منه، وهو تقديمه لأمور يراها ذات تقدير، لأن ذلك واضح التهمة في تأخير العمل الدعوي وتبليغ محتويات الإسلام نفسه من عقيدة وتصوف وأحكام، فيلجأ إلى تبريرات أكثر عمومية من عدم جدوى الكلام، أو لعدم إثارة عصبية الناس، أو تجنبا للنتائج غير المحمودة. وربما كان من الممكن اعتماد التبرير؛ إلا أنه يعكر عليه قيام الأفراد من هذاالنمط بأعمال أخرى غير تبليغ الإسلام تؤدي إلى ذات النتائج التي ادعوا قصد اجتنابها لما تجنبوا العمل الدعوي العلمي المطلوب منهم.

    ولا أدري: أكان حسن البنا والهضيبي وسيد قطب غير حركيين؟ وهل كانوا لا يسعون للمجتمع المسلم على كافة الأصعدة؟ وهل تركوا النشاط السياسي؟ إنهم جمعوا بين المكونات الإسلامية وبين الحركة بها، بينما النمط المذكور تبنوا مبدأ الحركة عنها!
    وهذا النمط نخشى ضرره من خلال تطبيقاته العملية، ، فإن أنشطته تكون حجة عند الناس على تقديم أمور أخرى على تصحيح الاعتقاد والتصوف والأحكام، التي هي مكونات ذات الدين، فيقال: انظروا، إن فلانا هو على اعتقاد أهل السنة وعلى ذات المنهج العلمي الفكري ثم هو لا يشتغل بها ولا يظهرها وإنما يقدم كذا وكذا من الأعمال، فيكون ذلك دليلا على أن الصواب هو الاشتغال بهذه الأعمال.

    * * *

    النمط الثالث / أصحابه كُثُر، وأكثره من أهل الأقاليم، أو الذين عهدهم ومعاشهم بالعواصم محدودا، وهم أناس طيبون، وشيوخ ربما يعملون على مستوى اللاحتكاك، وإن ورد وارد الاحتكاك تجنبوه وألانوا القول وجاملوا الضيف، فإذا جالسوا من أمنوه صرحوا وبينوا تأسفهم بضياع الحال، ربما إن افتُتِح معهم القولُ وليس بكل الأحوال، فقد توطنوا على الأمر، وعلة ذلك كونهم ضعافا، لا يتحملون وحشة الغربة ومخالفة الناس لهم والولوغ في أعراضهم كما يفعل أهل البدعة عادة، فلا يطيقون أن يكونوا موضع نقد وتضليل ممن يسمع الناس لهم.

    أذكر في ذلك منذ سنوات أحدَ الدكاترة الكبار الأفاضل؛ كان مدعوا لمناقشة رسالة الدكتوراه في أصول الفقه لأحدهم ممن يدرِّس حاليا بكلية الشريعة والقانون، فحضرت المناقشة، وكنت بداية منذ الإعلان عنها مذهولا من عنوانها، فهي (مسروقة) من رسالة مطبوعة لأحد علماء الشام المشهورين، والعنوان يكاد يطابق العنوان، سوى أني تصاغرت في نفسي، وقلت لا أتصور أن أنتبه لهذا ولا ينتبه له هذا الشيخ، فكان أن حدث في أثناء مناقشة الرسالة استدراكات خطيرة بل وتقريعات لصاحب الرسالة على خلاف ما يجري عادة في المناقشات، ثم تقرر منحه الرسالة وعلى تقدير أذكر أنه غير مرتفع، وشريطة تغيير ما تمت الإشارة إليه.

    ثم قمت بزيارة هذا الفاضل الكبير في فيلته وتناقشت معه حول بعض الأمور في تدريس أصول الفقه، ثم حدثته على أمر رسالة الدكتوراه وذكرت له أني معاتبه على منحه الرسالة وأن الأمر فيه كذا وكذا.. فنظر لشيخ وقال في صورة المتأسف على الحال: هناك عوامل أخرى غير العلم تدعوني لمنحه الدكتوراه! ولو اتصل بي الدكتور فلان وسمى لي المشرف لمناقشة الرسالة ولم آت لكان فيها ما فيها..!

    إن هذا النمط موجود بكثرة في مؤسستنا، ونعرفهم من خلال دراستنا في الجامعة وزيارتنا للمشايخ، إن في دخيلتهم استعدادا كامنا للعمل والتصحيح لو توفرت لهم البيئة التي توفر لهم الحماية الكافية لهم من الغربة، ولا ننتظر منهم أن يكونوا هم أصحاب مرتبة الفضل الأولى التي يحتلها الغرباء وأصحاب النفوس المتقوية بربها الجليل.

    ولابد من تدارك هذه الفئة، وأن يوفر لها الشجعان بيئتها، ولا ينتظروا من أصحابها أن يحققوها معهم، بل على الشجعان أن يسبقوا إلى الفضل، ويهيئوا الطريق لمن دونهم، فالله قد رفع الناس بعضهم على بعض درجات، فإذا توفرت تلك البيئة بالقلة الفاضلة، جاء ذُخر الناس من خلفهم أفواجا فيملؤون تلك الفراغات، فهم ذوو عدد كبير ينبغي إعداد الطريق لفيوضه.

    وإن مكمن الخطر في هذا النمط أن أصحابه كُثُر، ومن طيبتهم يستعملهم المخالفون لأهل السنة، في أنشطتهم العلمية والدعوية، فكثيرا ما يأخذونهم بسيف الحياء، فينخرط الشيخ المسكين في زخم البيئة، ويمده ويثني، فيحتج أصحاب البدعة بمشاركته معهم ومدحه إياهم، وقد رأينا من هؤلاء من يصرح على مستوى المجلس الخاص بأنه من أهل السنة، ويمدح أبا الحسن الأشعري في تقريره لاعتقاد أهل السنة، ويضلل من خالفه، ثم هو على رأس نشاطات الوهابية، ويمدحهم في مجالسهم وأنهم من أهل السنة، بل ويسكت عن سب الإمام أبي الحسن الأشعري والماتريدي في حضرته! وعن تضليل اعتقاد أهل السنة، لو دُعيَ إلى مؤتمر بالسعودية، وكله عنده يهون في سبيل أن لا يتكلم عليه أحد وإن تكلموا على دينه وخربوا فيه في حضوره!

    * * *

    أما النمط الرابع /
    فنعوذ بالله من مثل سيرته؛ فإنما هم عباد المال، إذا كان في مدرجات الأزهر زمان استضعاف الوهابية سبهم وجهل عليهم، وربما رماهم بما ليس فيهم، فإذا سيقت إليه بعثة لإحدى الجامعات بالسعودية تحوَّل، فأعفى لحيته، وارتدى الشماغ، واصطنع في لكنته ما يخالف مصريته، يَتسعْوَد بها، وما هو إلا (الريال) الذي ينقلب به الدكتور مهرجا، والوقور مبتذلا، فإذا انتهت مدة التعاقد مع عابد (الريال) ليعود إلى بلده، انقلب عليهم، ورجع إلى حاله الأول، فكان حجة في يد الوهابية على فساد اعتقاد ومنهج الأزهر الذي يُصدِّر لدول العربية هذه النماذج.

    وهؤلاء لا يكمن خطرهم سوى في كونهم يُستعمَلون كحُجج ومشاجب للمشغبين على أهل السنة، وما وراء ذلك فهم يُعرفون كموظفين لا كمشايخ، ولا تخفى على الناس شعائرهم في عبادة الريال، فلا يُحسبون على المشيخة.

    * * *
    إن الفائدة من التعرف على هذه النماذج هو الوقوف على حقيقة غياب النماذج التي تمثل كوادر فكر أهل السنة والجماعة، وحتى نعي جيدا حاجتنا إلى إيجاد هذه الكوادر، حتى لا ينفلت الأمر ويضيع، ويأتي الكاتبون بعد عقود ليترجموا لأهل السنة بالوهابية، ويذكروا هامشيا أنه المصطلح كان يطلق في زمان غابر على غيرهم، فقط قضية تاريخية لا كبير جدوى لها بعد تقرر حقائق مختلفة!
    أيها الطلاب، أيها الدعاة.. إن الساكت على نحر الأزهر ومنهجه العريق الممثل لأهل السنة عقيدة وتصوفا وسلوكا هو كالناحر سواء بسواء، والساكت عن الحق شيطان أخرس، لا يحض على الفاحشة بصمته وإفساحه.

    والله تعالى المستعان وعليه التكلان.

    17/2/2012
يعمل...