نظرية الجملة في الآية القرآنية (1) تطبيق على الآية الخاتمة لسورة القصص

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد يوسف رشيد
    طالب علم
    • Sep 2003
    • 601

    #1

    نظرية الجملة في الآية القرآنية (1) تطبيق على الآية الخاتمة لسورة القصص

    آية في المصحف تدبرتها اليوم، هي آخر آية من سورة القصص، تحتل من المصحف سطرا ونصف تقريبا، سوى أنها بالتدبر عجيبة؛ فقد اشتمل هذا السطر ونصف السطر على أربع جمل بأربعة معان متكاملة، تستقل كل جملة عن أخواتها بمعناها، ولو ضمت إلى أخواتها ازدادت كمالات وتضافرت لأداء معنى يتوحد مع المعنى الكلي للسورة الواحدة.

    آية واحدة، هي قوله تعالى:

    ((ولا تدع مع الله إلها آخر، لا إله إلا هو، كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون))

    رأيتني أقف فيها أربعة وقوفات ولا أهدر المعنى بقراءتها بالوصل؛ فأقف على أربع جمل مستقلة، بأربع قضايا تامة، ثم هي في ذات الوقت متممة وكالعلة لما قبلها :

    [ولا تدع مع الله إلها آخر]

    أمر بالتكليف الأعظم الذي من أجله خلق الله البشر بل المخلوقات جميعا، والجملة بنفسها تامة، تأمر بالتوحيد بالنهي عن الشرك، ويمكن فصل الجملة من سياقها وااستعمالها مستقلة كـ (مبدأ) يشتغل الذهن بمعناها إن رآها مستقلة على لوحة، وتتداولها الألسن وتعتادها وتحفظها الأذهان دون أن يعرف المتداولون لها سائر كلمات الآية، أو من أية سورة هي.

    [لا إله إلا هو]

    كانت الجملة الأولى مستقلة بالتكليف بالتوحيد، وكانت إنشاء، أما هذه الجملة الثانية فهي خبر، وهي تمثل تعليلا للجملة الأولى، ومع ذلك تتحقق فيها ذات الخصيصة، وهي (الاستقلال) بالمعنى؛ فهي في نفسها ودون ارتباط بالجملة قبلها هي كلمة التوحيد تامة مغلقة، سوى الإتيان بالضمير عوضا عن لفظ الجلالة الظاهر ضرورة ذكره في الجملة من قبلها.بل لا يمتنع أن يتداولها الناس بصورتها بالضمير المنفصل اعتمادا على المعهود الذهني.

    [كل شيء هالك إلا وجهه]

    حقيقة توحيدية، وهي صفة البقاء لله، وهي كذلك تعد خبرا يشعر فيه بتعليل التكليف بالتوحيد كالجملة السابقة، ينضاف إلى هذا المعنى ما فيه من ريح التحذير في الهلاك، ثم هي - كذلك - جملة مستقلة بمعناها! تصلح عنوانا وخلاصة باب رئيس في الاعتقاد، هي العنوان وهي تلخيص البيان!ويمكن أن يتداولها الناس منفصلة سهلة على الألسنة دون حتى أن يعرفوا سابقها ولاحقها!

    [له الحكم وإليه ترجعون]

    واتصالها بما قبلها من الجمل ظاهر، فالحكم لله، وسيحكم بين الناس في توحيده والإشراك به، وسيرجعون إليه سبحانه ليحكم بينهم، ثم هي - كذلك - جملة مستقلة تامة بمعناها، لا تفتقر في صحة المعنى لغيرها، ولا يضرها أن تنفصل من سياقها في أدائها لمعنى نفسها!وهي تمثل بابا من اعتقاد المؤمنين مقصود بذاته في التوحيد، فهو ركن، هو الإيمان باليوم الآخر، وبالحساب فيه، وبحكم الله فيه بين العباد، وما يظهره سبحانه من المحق والمبطل.

    هذا في آية واحدة من سطر ونصف، وقد حوت هذه الحقائق، وتلك الأركان، والأبواب، المتصلة، المستقلة!

    لم يسعني أثناء ذلك التدبر إلا أن أقف على رأس كل جملة، مرتلا؛ فلا أحدر القراءة، ولا أصل كلما ساغ الوقوف، فالآية معانيها غزيرة، ربما كتبتها وحدها في لوحة مستقلة متأملا لها طوال اليوم، وهي آية واحدة، قصيرة في مساحتها قليلة في عدد كلماتها، أي في مفهومنا البشري، وبهذا التدبر أنزل الله القرآن، وعلل به النزول مفرقا فقال ((وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا)) فالقرآن لا يُفهم إلا إذا كان على مكث. فما بال أقوام (يخترعون) طرائق إدخال (الداتا) في أذهانهم مع القرآن، فيحفظون بشكل الصفحة، ويحفظون بترتيب عريض المعاني والمقاطع، قافزين عن الألفاظ والتراكيب، ناسين أن القرآن ما نزل بهذه (الكتل) التي يحفظونها، بل نزل آية، وآيتين، وثلاث آيات، وخمس.. ومظنة النزول لكامل السورة هو في قصار السور؛ فهذه سورة البقرة من أول المدني نزولا، وهي آخر القرآن نزولا، أفنختصر نزولها في مقاطع عريضة أو هيئات لصفحات نحفظ بها أصواتا لا نفقهها؟

    وإنني أدعي أن الحرمان من هذا التدبر هو ما يجعل بعض الناس لا يفهمون القرآن إلا إذا سمعوه أو قرؤوه حدرا؛ ووجه ذلك أن الحدر يحقق لهم تدارك المعاني الظاهرة قبل أن تتنساها أذهانهم، فالسرعة تحقق لهم دوام الاتصال، وإنهم لو مكثوا في الآيات القليلة كما مكث فيها السلف فإنها ستنقش في أذهانهم ومشاعرهم، ولن يتأتى أن تُتناسى، فإذا انتقلوا منها إلى غيرها كان نورا على نور، وكان فهما تراكميا؛ فيثبت الأول ثبوتا صخريا لا خلخلة فيه، ومن ثم يتأسس عليه غيره، فتصير المعاني كالجبال في علوها وثباتها.

    والله إن من لا يعيش القرآن كما أراد الله للمؤمنين أن يعيشوه لهو محروم حرمانا مبينا. فاللهم لا تجعلنا من المحرومين.
يعمل...