علم النفس الاستخلافى )2(

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • صبرى محمد خليل خيرى
    طالب علم
    • Jan 2010
    • 416

    #1

    علم النفس الاستخلافى )2(

    علم النفس الاستخلافى )2(
    د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
    sabri.m.khalil@hotmail.com
    عن العلاقة بين علم النفس والفلسفة : من القوال الشائعة أن علم النفس قد استقل أو انفصل عن الفلسفة أو أنه آخر العلوم التي استقلت عن الفلسفة
    من ناحية تاريخية: إن هذه المقولة غير منكورة من الناحية التاريخية،على الأقل في الغرب، إذ أن إحدى دلالات مصطلح الفلسفة التي سادت في الغرب طويلا المعرفة بكل أنماطها،وليس نمط معين من أنماط المعرفة يتصف بالكلية كما هو سائد الآ ن.وترتب على سيادة هذه الدلالة -التي ترجع إلى أرسطو- أن علم النفس-شأنه شأن سائر العلوم- هو فرع من فروع الفلسفة، غير أنه بتطور المعرفة، أصبح كم هذه المعرفة من الضخامة بحيث استحال على فرد واحد أن يحيط بها (كما كان سائدًا في الماضي ، وبالتالي ظهرت الحاجة إلى تخصص فرد أو مجموعة من الأفراد في نمط معين من أنماط المعرفة، أو جزئية معينة من جزيئات هذا النمط أو ذاك من أنماط المعرفة كما هو سائد الآن في الغرب.
    من ناحية الدلالة:
    الخلط: من جهة أخرى فإن سيادة الدلالة السابقة لمصطلح فلسفة أدى إلى خلط الغربيين ولفترة طويلة بين الفلسفة وعلم النفس- وسائر العلوم الأخرى-، ويتمثل هذا الخلط في اعتقادهم بأن منهج الفلسفة - المنهج الاستدلالي القائم على الانتقال من مقدمات عقلية إلى نتائج عقلية- هو المنهج الصالح لعلم النفس -وسائر العلوم-لذا ظلت دراسة النفس خاضعة للمنهج التأملي لفترة طويلة ،وظل هذا الخلط مستمرًا إلى فترة عصر النهضة الأوربي، حيث ظهر التيار التجريبي (الذي كان رائده فرانسيس بيكون، ودعا إلى الأخذ بالمنهج الاستقرائي القائم على الانتقال من مقدمات تجريبية إلى نتائج عقلية، مع ملاحظة أن هذه الدعوة اتصفت بالتطرف-من حيث هي رد فعل متطرف- للدلالة السابقة للفلسفة، فاستخدمت مصطلح العلم- ومنهجه الاستقرائي- للدلالة على المعرفة بكل أنماطها، لا للدلالة على نمط معين من أنماط المعرفة وبالتالي أصبحت الفلسفة- ومنهجها الاستدلالي- تابع للعلم (وظيفة الفلسفة التحليل المنطقي واللغوي لنتائج العلوم عند الوضعية المنطقية، التي هي أحد فروع التيار التجريبي، أو مرحلة سابقة للعلم يجب تجاوزها _ قانون الحالات الثلاث اللاهوتية، الميتافيزيقية الوضعية عند أوجست كونت وفلسفته الوضعية الاجتماعية.
    خصوصية المنهج والمشاكل: كما أن مقولة استقلال علم النفس عن الفلسفة غير منكورة من ناحية الدلالة إذا أريد أن كل من الفلسفة وعلم النفس يمثل نمط من أنماط المعرفة له مشاكل خاصة يحاول أن يضع لها حلو لا ومنهجًا خاصًا لحلها.
    انفصال نسبى وليس مطلق: غير أن مقولة استقلال علم عن الفلسفة تصبح خاطئة من ناحية الدلالة إذ اأريد بها أن يتحول علم النفس إلى كل قائم بذاته ومستقل عن الفلسفة، وبالتالي يصبح
    هذا الاستقلال أو الانفصال لعلم النفس عن الفلسفة مطلق لا نسبي، وهذه الدلالة جاءت كرد فعل متطرف للدلالة السابقة للفلسفة ،التي جعلت العلاقة الصحيحة بين علم النفس والفلسفة علاقة خلط، دون الانتباه إلى أن العلاقة الصحيحة بينهما هي علاقة وحدة وارتباط وليس خلط ، وتمييز وليس فصل ، وآية هذا أن علم النفس بما هو العلم الذي يبحث في القوانين الموضوعية التي تضبط حركة الإنسان (الفرد) بأبعاده الذاتية(التفكير،الانفعالات، العواطف) والموضوعية(السلوك) لا يمكن أن يوجد ما لم نبحث في افتراضات نظرية سابقة على هذا البحث العلمي. البحث في طبيعة الإنسان (هل الإنسان تركيب مادي أم كيان روحي) أو البحث في علاقة الإنسان بكل من الطبيعة والمجتمع والإله. أو البحث في كيف بدء الوجود الإنساني وكيف سينهي هذا البحث في هذه الافتراضات النظرية نجد مجاله في الفلسفة في مباحث الميتافيزيقا - ما وراء الطبيعة- ونظرية الوجود ونظرية المعرفة ونظرية القيم وفلسفة العقل وفلسفة العلم.كما نجد مجاله في علم النفس في علم النفس الفلسفي.
    العلاقة بين علم النفس والدين :
    الخلط: جعل بعض رجال الدين في الكنيسة الكاثوليكية بعض النظريات العلمية جزء من الدين المسيحي، وبالتالي اعتبرت الدراسات النفسية في تلك الفترة جزءًا من الدين المسيحي.
    الفصل : وجاءت الدعوة الى فصل علم النفس-وسائر العلوم- عن الدين كرد فعل متطرف على
    موقف بعض رجال في الكنيسة الكاثوليكية السابق ذكره الذي انتهى إلى الخلط بين علم النفس والدين.
    علاقة وحده وتمييز: وفي تصورنا أن علاقة علم النفس-وسائر العلوم- بالدين هى علاقة وحدة
    وليس ا خلط، وعلاقة تمييز وليس فصل، هذا التصور يستند إلى ان التصور الإسلامي للعلم يميز- ولا يفصل- بين نمطين من أنماط العلم:
    العلم التكويني :مضمونه البحث في الظواهر الجزئية، العينية والقوانين الموضوعية- السنن الإلهيه بالتعبير القرآني) التي تضبط حركتها، ومجال بحثه الوجود- الإنساني والطبيعي.
    العلم التكليفى : مضمونه القواعد الموضوعية المطلقة التي جاء بها الوحي ينبغي أن تضبط النشاط المعرفي العقلي الاستدلالي- هادف إلى الكشف عن الافتراضات الكلية، التجريدية التي تسبق البحث العلمي السابق الذكر. والعلاقة بينهما هي علاقة الجزء (العلم ألتكويني) بالكل (العلم ألتكليفي) فالثاني يحد الأول فيكمله ويغنيه ولا يلغيه. يترتب على هذا أنه يمكن استخدام مصطلحي علم النفس التكويني للدلالة على فروع علم النفس التي يطلق عليها (بصورة عامة) اسم علم النفس التجريبي، والتي معيار التحقق منها التجربة والاختبار العلميين، وعلم النفس ألتكليفي للدلالة على فروع علم النفس التي يطلق عليها -صورة عامة- علم النفس الفلسفي لكن بعد التحقق منها بمعيار الوحي.

    قضيه تأصيل علم النفس والمواقف المتعددة منها : ترتبط مشكلة تأصيل علم النفس -والعلوم الأخر ى- بمشكلة حضارية اشمل هي مشكلة كيفية تحقيق التقدم الحضاري- المتضمن للتقدم العلمي) في المجتمعات المسلمة؟ ويترتب على هذا أن هناك ثلاثة مواقف من مشكلة تأصيل علم النفس (والعلوم الأخر ى) هي ذات المواقف من مشكلة الأصالة والمعاصرة.
    الرفض المطلق (التقليد ): يقوم على تحقيق التقدم الحضاري -المتضمن للتقدم العلمي- للمجتمعات المسلمة يكون بالعودة إلى الماضي والعزلة عن المعاصرة،وبمنظور علم أصول الفقه الوقوف عند أصول الدين وفروعه. وفي مجال تأصيل علمالنفس يفهم عملية تأصيل علم النفس على أنها الاكتفاء بما جاء به الوحي من نصوص قطعية عن النفس وطبيعتها (الأصول) واجتهادات العلماء المسلمين في فهم ما جاء في الوحي من نصوص ظنية أو دراسة الظواهر النفسية- الجزئية، العينية - طبقا
    للنصوص القطعية- الفروع- . مع الرفض المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية المعاصرة في مجال علم النفس، دون تمييز بين فروعه التي تنطوي تحت مجال علم النفس الفلسفي-أصول-أو تلك التي تنطوي تحت مجال علم النفس التجريبي-فروع-. كما أن هذا الموقف يجعل العلاقة بين الدين والعلم علاقة خلط وليست علاقة ارتباط وتمييز ، وهو يحاول الكشف عن الظواهر النفسية ا لجزئية، العينية- وقوانين حركتها فى القران وليس في الإنسان ، وبالتالي يحيل القرآن من كتاب لهداية الناس لما فيه صلاحهم في كل زمان ومكان، إلى كتاب في علم النفس ، دون الانتباه إلى أن النظريات العلمية النفسية التي تجئ كمحصلة للبحث أو الكشف عن الظواهر النفسية الجزئية العينية هي محدودة نسبية تحتمل الصواب والخطأ، ومعيارها التجربة والاختبار العلميين، بينما القرآن مطلق لا يحتمل الصواب والخطأ ومعياره الإيمان.
    والواقع أن أقصى ما يقدمه هذا الموقف في مجال الدراسات النفسية هو محاولة تأويل
    النص القرآني ليتفق مع نظرية علمية- نفسية- ليجعل بذلك علم النفس ونظرياته الأصل والقرآن الفرع والمحدود. يقول بروفيسور مالك بدري: (... ومما يؤسف به أن كثيرًا من الأخصائيين الذين كتبوا في أسلمة علم النفس لم يتخطوا هذه المرحلة. لذا نجد أن كثيرًا مما كتب هو منجنس هذا الاتجاه التوفيقي الذي يلوي أعناق النصوص الإسلامية حتى تتمشى مع التصورات النفسية الحديثة،
    القبول المطلق (التغريب ) : يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري(المتضمن للتقدم العلمي للمجتمعات المسلمة لا يمكن أن يتم إلا باجتثاث الجذور وتبني قيم المجتمعات الغربية. وبمنظور علم أصول الفقه يقوم على تبني قيم حضارة أخرى تناقض أصول الدين وفروعه - وقد لا يعي أصحاب هذا الموقف بهذا التناقض، فهو موقف يقوم على الرفض المطلق من هذه الجهة. ومن جهة أخرىيقوم على القبول المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية في مجال علم النفس، دون
    تمييز بين فروعه التي تنطوي تحت إطار علم النفس الفلسفي وتلك التي تنطوي تحت
    إطار علم النفس التجريبي.
    الموقف النقدي (التجديد) : يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري المتضمن للتقدم العلمي)يتم باستيعاب ما لا يناقض أصول الإسلام التي تمثل الهيكل الحضاري للمجتمعات المسلمة سواء كانت من إبداع المسلمين أو إسهامات المجتمعات المعاصرة الأخرى. كما يفهم عملية تأصيل علم النفس على أنها عملية ذات أوجه متعددة.فمن جهة فإن تأصيل علم النفس هو نشاط معرفي عقلي يبحث في مسلمات نظرية كلية سابقة على البحث العلمي في الظواهر النفسية الجزئية العينية يتخذ من النصوص القطعية التي وردت عن النفس وطبيعتها ضوابط موضوعية مطلقة له.
    كما يتخذ من اجتهادات علماء المسلمين وفلاسفتهم في فهم ما جاء في النصوص الظنية عن النفس وطبيعتها أو دراساتهم المتعلقة بالظواهر النفسية الجزئي ة العينية نقطة بداية لا نقطة نهاية لهذا النشاط المعرفي العقلي. كما يميز بين فروع علم النفس التي تنطوي تحت مجال علم النفس الفلسفي وفروعه التي تنطوي تحت مجال علم النفس التجريبي. فمجال التأصيل من هذه الجهة ينصب على فروع علم النفس التي تنطوي تحت علم النفس الفلسفي لا تلك التي تنطوي تحت مجال علم النفس التجريبي، أي تلك التي تنطوي على درجة أكبر من الكلية والتجريد ودرجة أقل من الجزئية والعينية. وقد انتبه إلى هذه الحقيقة عددًا من دعاة تأصيل علم النفس حيث يرى بروفيسور مالك بدري أن هناك قاعدتين لأسلمه علم النفس هما أنه كلما كانت المواد المأخوذة من علم النفس أكثر اعتمادًا على البحث التجريبي ألمختبري والميداني فإنها تكون أكثر قبو لا وكلما كانت أكثر اعتمادًا على النظريات الأريكية فإنها تزداد بعدًا عن التصورات الإسلامية. وأنه كلما كانت تدرس جانبًا محدودًا من السلوك الإنساني كانت أكثر قبو لا من الناحية الإسلامية وكلما كانت تهتم بالسلوك الإنساني العام فإنها تزداد بعدًا عن المظلة الإسلامية(
    وبالتالي فإن هذا الموقف يتجاوز موقف الرفض المطلق والقبول المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية في مجال علم النفس الفلسفي إلى موقف نقدي يقوم على أخذ وقبول ما لا يناقض النصوص القطعية والرد والرفض لما يناقضها.
    غير أن هذا لا يعني القبول المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية في مجال علم النفس التجريبي ، بل يعني أن المعيار هنا هو التجربة والاختبار العلميين ، فما تحقق من صحته وجب قبوله وما تحقق من خطأه وجب رفضه طبقًا لهذا المعيا ر. يقول بروفيسور الزبير بشير طه: (ليس هناك ما يدعو للاعتقاد بأن القطعية بين الإطارين الإسلامي والغربي" فاللغة النفسية مشتركة والإجراءات التجريبية والبحثية هي أدوات للمعرفة التي لا غنى عنها لعلم النفس أيًا كانت تربية الثقافة)
    قراءه نفديه عامه لمدارس علم النفس الغربية:
    أولا: أن مدارس علم النفس بما هي مداخل نظرية لتفسير الظواهر السلوكية، تقع في إطار علم النفس الفلسفي، بما هو أحد فروع علم النفس التي تبحث في الافتراضات الكلية، المجردة- التي تسبق البحث العلمي في الظواهر النفسية -الجزئية، العينية-والقوانين التي تضبط حركتها.
    ثانيا: أن هذه المدارس وكونها تندرج تحت إطار علم النفس الفلسفي هو دليل قاطع على أن علاقة الفلسفة- ذات الطابع الكلي المجرد- بعلم النفس- ذو الطابع الجزئي، العيني- هي علاقة وحدة وتمييز لا علاقة خلط أو فصل،كما أنه دليل قاطع على خطا مقوله أن علم النفس عن انفصل-بصورة مطلقة- عن الفلسفة في حقبة سابقة.
    ثالثا: تأكيدا لما سبق فان هناك ارتباط عضوي بين هذه المدارس و الفلسفات الغربية( البنائيه والنزعة التجريبية عند لوك وهيوم، التحليل النفسي والفلسفة الحيوية عند نيتشه وشوبنهاور، الوظيفية والبراجماتية عند جيمس وديوي، الجشتالت والظواهراتية عند هوسرل، الإنسانية والفلسفة الوجودية).
    رابعا: أن الموقف الصحيح من هذه المدارس يتجاوز موقفي الرفض المطلق والقبول المطلق إلى موقف نقدي يتضمن:
    1- النقد الخارجي:يتمثل في بيان مدى اتفاق مفاهيم ونظريات هذه المدارس مع النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة.
    2 -نقد داخلي:يتمثل في بيان مدى اتساق المفاهيم التي تستند إليها كل مدرسه منطقيا ،ومدى صدقها واقعيا.
يعمل...