نحو مذهب اسلامى في العروبة :دراسة في تلازم العروبة والإسلام
د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
sabri.m.khalil@hotmail.com
تمهيد :مذاهب العلاقة بين العروبة والإسلام: تعددت المذاهب التي تتناول العلاقة بين العروبة والإسلام واهم هذه المذاهب هي:
أولا: مذهب التناقض والإلغاء:فهناك أولا المذهب الذي يجعل العلاقة بين العروبة والإسلام علاقة تناقض وإلغاء،وينقسم أيضا إلى مذهبين مختلفين في ألمقدمه والمنطلق لكنهما متفقين في النتيجة - وهى جعل العلاقة بين العروبة والإسلام علاقة تناقض وإلغاء ،وهذين المذهبين هما : ا/ مذهب مناهضه الإسلام بالعروبة : وهو المذهب الذي يلزم منه موضوعيا بصرف النظر عن النوايا الذاتية لأصحابه - مناهضه الإسلام بالعروبة ، ويتضمن العديد من المذاهب منها:
1- المذهب العلماني الليبرالي/ الغربي في القومية : و يستند هذا المذهب إلى المنهج الليبرالي القائم على فكرة القانون الطبيعي الخالد المستقر في ضمير الناس ، وبالتالي فالأمة طبقاً له هي المجتمع الطبيعي ،ويترتب على ذلك أنها خالدة خلود لطبيعة ذاتها(د. عصمت سيف لدولة، نظرية الثورة العربية، ج2 ، ص 266.)، و يترتب على هذا ن هذا المذهب يحول الأمة من وجود-وحده تكوين اجتماعي- محدود زمانا ومكانا ،إلى وجود مطلق من قيود الزمان والمكان ، وهو ما يلزم منه تحويل القومية من علاقة انتماء إلى أمه، إلى شكل من أشكال الاستكبار- القومي -الذي يأخذ أشكالا عدة منها: أولا: فرض عبودية الأمم الضعيفة للأمم القوية كما حدث في أوربا عندما اكتمل تكوين أممها (الاستعمار).ثانيا: جعل مناط انتماء إلى الأمة الجنس (العصبية) بدلا من الهوية اللسانية والحضارية ، وهي من مخلفات الطور القبلي(النازية والفاشية..) .
2- مذهب العصبية القبلية العربية(الاعرابيه): وهو المذهب الذي يرى أن العرب الحاليين- اى العرب كأمه - هم سلاله عرقية لعرب الجاهلية، ووجه الخطأ في هذا المذهب لا يكمن في إقراره - على المستوى الاسرى أو العشائري أو القبلي - بوجود جماعات عربيه ،يمكن اعتبارها سلاله عرقيه لعرب الجاهلية، ولكن يكمن في انه يفهم العروبة على المستوى القومي اى كعلاقة انتماء إلى امه - على أساس عرقي وليس لغوي حضاري ومرجع ذلك انه يخلط بين العرب في الطور القبلي( ما يقابل الأعراب في القرآن)، والعرب في طور الامه، حيث أن مناط الانتماء في الطور الأول النسب، بينما مناط الانتماء في الطور الثاني اللسان.كما انه بخلط بين معيار الانتماء الاسرى والعشائرى و القبلي (العنصر) ومعيار الانتماء القومي(اللسان)، فهو يتجاهل التطور خلال الزمان. ويترتب على هذا إنكاره لحقيقة اختلاط اغلب الجماعات القبلية ذات الأصول العربية بالجماعات القبلية والشعوبية ذات الأصول غير العربية، وهو ما يعنى استناده لاسطوره النقاء العرقي، التي تتعارض مع حقيقة انه لم يوجد جنس لم يختلط بغيره مطلقا . وهذا المذهب يتعارض مع تقرير الإسلام أن العروبة لسان وليس عرق ، قال الرسول(صلى الله عليه وسلم) (إنَّ الرب واحد، والأبُ واحد، والدَين واحد، وإنَّ العربيةَ ليست لأحدكم بأبٍ ولا أمّ، إنما هي لسانَّ، فمنْ تكلَّمَ بالعربيةِ فهو عربي)، وإذا كان بعض العلماء قد قال أن هذا الحديث ضعيف، فان الإمام ابن تيميه يقرر أن ذلك لا ينفى أن معناه صحيح من بعض الوجوه، حيث يقول ( ... وهذا الحديث ضعيف، لكنَّ معناه ليس ببعيد. بل هوَ صحيح من بعض الوجوه. ولهذا كان المسلمون المتقدموَن لما سكنوَا أرض الشام ومصر ولغة أهلها رومية وقبطيةْ وَأرض العِرَاق وخُرُاسان ولغَة أهلها فارسية. وأرض المغرب ولغة أهلها بربرية، عَودوا أهلَ هذه البلاد العربيةَ حتى غلبت على أهل هذه الأمصار مسلمهم وكافرهم) (اقتضاء الصراط المستقيم).فضلا عن نهى الإسلام عن العصبية بأشكالها المختلفة.
ب/ مذهب مناهضه العروبة بالإسلام: وهو المذهب الذي يلزم منه موضوعيا بصرف النظر عن النوايا الذاتية لأصحابه - مناهضه العروبة بالإسلام ، ويتضمن العديد من المذاهب منها:
1- المذهب الشعوبي : وهو المذهب الذي ينكر- أو يقلل من شان علاقة الانتماء العربية والعرب كأمه ، ولهذا المذهب شكلين :
الشكل الأول: الشعوبية التاريخية الفارسية: و تتمثل في انه عندما ظهر الإسلام كان الفرس في طور الشعب ، بينما كان العرب في قلب الجزيرة في طور القبائل، فارتقى إلاسلام بالعرب إلى طور أمة، ثم حمل العرب الإسلام إلى الفرس ليرتقي بهم إلى أمة مسلمة، غير أن هناك من يرفض هذا الارتقاء، كما كان يستعلى على العرب حملة الإسلام، فكانت الشعوبية الفارسية مناهضة للإسلام والعرب معا، يقول البغدادي (الشعوبية الذين يرون تفضيل العجم على العرب ويتمنون عودة الملك إلى العجم) (البغدادي، الرق بين الفرق، ص285). ويقول ابن منظور (الشعوبية فرقة لا تفضل العرب على العجم وإنما تنتقض العرب ولا ترى لهم فضلا على غيرهم).
الشكل الثاني: الشعوبية الاجتماعية"المعاصرة": كما أن هناك من أنكر علاقة الانتماء العربية حديثا ، وهم ما يمكن أن ينطبق عليهم وصف الشعوبية بمفهومها الاجتماعي ، والتي تتمثل في محاولة الارتداد بالجماعة التي دخلت طور أمة إلى طور الشعوب السابق، وطبقا لهذا المفهوم فان الشعوبية موجودة في كل أمم الأرض ، وهى تقوم في الامه العربية المسلمة ،على الدعوة إلى إلغاء أربعه عشر قرنا من التاريخ، أوجد فيه إلاسلام للعرب أمة، ليعودوا إلى الشعوب السابقة على الفتح الاسلامى، لذا فان الشعوبية في الامه العربية تتناقض موضوعيا -مع الإسلام بصرف النظر عن النوايا الذاتية لدعاتها و أنصارها -.
2- مذهب إنكار وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي : وهو مذهب يقوم على إنكار وجود وحدات وأطوار التكوين اجتماعي وهي ذات وحدات التكوين الاجتماعي وهي نامية خلال الزمان: كوحدة أو طور: الاسره، العشيرة، القبيلة ،الشعب، الامه..، و هذا المذهب يستند إلى فلسفات أجنبيه متعددة ، اما في صيغته المطروحة كجزء من الفكر السياسي الاسلامى الحديث والمعاصر، فيستند الى افتراض مضمونه أن الإسلام كدين ينفى وجود وحدات وأطوار تكوين الاجتماعي متعددة ، كما أن الإسلام كعلاقة انتماء دينيه يلغى علاقات الانتماء إلى هذه الوحدات والأطوار، وهو افتراض خاطى لان الإسلام كدين اقر وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي، كما اقر علاقات الانتماء إلى هذه الوحدات والأطواركما سنوضح ادناه عند الحديث عن مذهب التحديد والتكامل..
ثانيا: مذهب التحديد والتكامل (المذهب الاسلامى فى العروبه ):وهناك ثانيا المذهب الذي يجعل العلاقة بين العروبة والإسلام علاقة تحديد وتكامل - وليست علاقه تناقض والغاء- اى ان الاسلام (كدين وعلاقه انتماء دينى الى امه التكليف " الامه الاسلاميه" ذات المضمون الديني الحضاري) يحدد العروبه( كعلاقه انتماء قومى الى امه التكوين "الامه العربيه" ذات المضمون اللسانى الحضارى) كما يحدد الكل الجزء فيكمله ويغنيه ولكن لايلغيه ،وياخذ هذا التحديد التكاملى- اشكال متعدده اهما ان الاسلام يشكل الهيكل الحضارى للامه العربيه . كما يترتب عليه أن العلاقة بين العروبة والاسلام هي علاقة تلازم وارتباط ، قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)( نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فلا نطلب بغير الله بديلاً. )( البداية والنهاية).وهذا المذهب فيما نرى يمثل المذهب الاسلامى فى العروبه الذى يستند الى: اولا: إقرار الإسلام وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي ، ثانيا:إقرار الإسلام علاقات الانتماء إلى وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي ثالثا: الامامه "التكوينية" للامه العربية المسلمة.
اولا: إقرار الإسلام وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي: اقر الإسلام وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي المتعددة ، اتساقا مع إشارته للاستخلاف الاجتماعي الذي مضمونه أبدال وتغيير قوم بقوم آخرين كما في قوله تعالى ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ﴾ ( الأعراف:74)، ورد في تفسير أبن كثير ( إي قوماً يخلف بعضهم قرنا بعد قرن وجيلاً بعد جيل كما قال تعالى وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض )، فهي وحدات وأطوار لهذا الاستخلاف الاجتماعي .
وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي في القران الكريم:
إلاسرة: يقرر القرآن الكريم أن الأسرة هي أول أطوار الاستخلاف الاجتماعي، قال تعالى ﴿ وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة﴾، كما أنها وحدة التكوين الاجتماعي الأساسية لكل الأطوار التالية ، قال تعالى ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾.
العشيرة : ثم أشار القران للعشيرة كطور تكوين اجتماعي قال تعالى ﴿ قَاَل لَوْ أَنَّ لى ِبِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ ( هود: 80)، عن أبوهريرة عن النبي ( صلى الله عليه وسلم) أنه قال ( قال: قد يأوي إلى ركن شديد الملائكة التي نصرته- لكنه عنى عشيرته) ( رواه أحمد)..كما عرض القرآن للعشيرة كوحدة اجتماعية كطور في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال تعالى﴿ وانذر عشيرتك الأقربين﴾ .
القبيلة: كما أشار القران الكريم للقبيلة كطور تكوين اجتماعي قال تعالى ( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا)، كما أشارت السنة إلى القبيلة كوحدة تكوين اجتماعي كما في قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) (إن الله خلق الخلق ثم جعلهم قبائل فجعلني خيرهم قبيلة) ( رواه الترمذي). وتتميز القبيلة بالأصل الواحد ، فمقياس الانتماء إليها هو النسب ، وكانت لا تتميز في الطور القبلي عن غيرها بالأرض المعينة إي الديار ، لحركتها من مكان إلى مكان كما جاء في وصف القرآن الكريم لبني إسرائيل ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّند ِديَارِكُمْ فَّأَقْرَرْتُمْ وَأَنتُم تَشْهَدُونَ) ( البقرة. (85.
الشعب: كما أشار القران إلى الشعب كطور تكوين اجتماعي متقدم عل الطور القبيلة ( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا )، أما أدلة أن الشعوب طور متقدم على القبيلة أنه متميز بالاستقرار على الأرض وان لم يكن دائماً،ورد وفي تفسير الجلالين (أن معنى ذكر وأنثى آدم وحواء وأن الشعب مثل حزيمة ، ويليه القبيلة مثل كنانة ثم عمارة مثل قريش ثم بطن مثل قصي ثم فخذ مثل هاشم ثم فصيلة مثل العباس).
الأمة : ويلي طور الشعب طور الامه الذي يتميز بالاتي
أولا:مناط الانتماء اللّسان لا النسب: إن مناط الانتماء لطور الأمة هو اللسان وليس النسب لقول الرسول (صلى لله عليه وسلم)( ليست العربية بأحد من أب ولا أم إنما هي اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي)، وهذا الأمر لا ينطبق على أمة العرب وحدها ،بل سائر الأمم ، لذا جعل القرآن تعدد الألسنة آية من آيات الله ﴿ ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم و ألوانكم).
ثانيا:الديــار:كما أن الأمة تتميز عن الأطوار السابقة باستقرار الجماعات في الأرض، فتكون ديارها، لذا جاء الإسلام بالنهي عن إخراج الناس من ديارهم ﴿ أنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومني تولهم فأولئك هم الظالمون﴾ ( الممتحنة:9) . وعندما جاء الإسلام كانت المنطقة العربية بين الطورين القبلي والشعوبي(وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا )، فارتقى بها إلى طور الامه.
أمه التكليف وأمه التكوين:غير انه يجب التمييز بين دلالتين لمصطلح الامه
أمه التكليف : فهناك أولا الدلالة ألتكليفيه لمصطلح الامه ، ممثلا في أمه التكليف التي تتميز عن غيرها بالمضمون العقدي كما في قوله تعالى﴿ أن هذه أمتكم أمه واحده وأنا ربكم فاعبدون﴾(الأنبياء:92)
أمه التكوين: وهناك ثانيا الدلالة التكوينية لمصطلح الامه ، ممثلا في امه التكوين التي تتميز عن غيرها بالمضمون الاجتماعي كما فى قوله تعالى﴿ وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ﴾(الأعراف:160)،وهنا نستخدم مصطلح الامه بدلاله خاصة لا تتناقض مع دلالته العامة ألسابقه الذكر- مضمونها الامه كوحدة وطور تكوين اجتماعي تتميز بان مناط الانتماء إليها اللسان لا النسب، بالاضافه إلى الاستقرار في ارض خاصة كما سبق بيانه.
د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
sabri.m.khalil@hotmail.com
تمهيد :مذاهب العلاقة بين العروبة والإسلام: تعددت المذاهب التي تتناول العلاقة بين العروبة والإسلام واهم هذه المذاهب هي:
أولا: مذهب التناقض والإلغاء:فهناك أولا المذهب الذي يجعل العلاقة بين العروبة والإسلام علاقة تناقض وإلغاء،وينقسم أيضا إلى مذهبين مختلفين في ألمقدمه والمنطلق لكنهما متفقين في النتيجة - وهى جعل العلاقة بين العروبة والإسلام علاقة تناقض وإلغاء ،وهذين المذهبين هما : ا/ مذهب مناهضه الإسلام بالعروبة : وهو المذهب الذي يلزم منه موضوعيا بصرف النظر عن النوايا الذاتية لأصحابه - مناهضه الإسلام بالعروبة ، ويتضمن العديد من المذاهب منها:
1- المذهب العلماني الليبرالي/ الغربي في القومية : و يستند هذا المذهب إلى المنهج الليبرالي القائم على فكرة القانون الطبيعي الخالد المستقر في ضمير الناس ، وبالتالي فالأمة طبقاً له هي المجتمع الطبيعي ،ويترتب على ذلك أنها خالدة خلود لطبيعة ذاتها(د. عصمت سيف لدولة، نظرية الثورة العربية، ج2 ، ص 266.)، و يترتب على هذا ن هذا المذهب يحول الأمة من وجود-وحده تكوين اجتماعي- محدود زمانا ومكانا ،إلى وجود مطلق من قيود الزمان والمكان ، وهو ما يلزم منه تحويل القومية من علاقة انتماء إلى أمه، إلى شكل من أشكال الاستكبار- القومي -الذي يأخذ أشكالا عدة منها: أولا: فرض عبودية الأمم الضعيفة للأمم القوية كما حدث في أوربا عندما اكتمل تكوين أممها (الاستعمار).ثانيا: جعل مناط انتماء إلى الأمة الجنس (العصبية) بدلا من الهوية اللسانية والحضارية ، وهي من مخلفات الطور القبلي(النازية والفاشية..) .
2- مذهب العصبية القبلية العربية(الاعرابيه): وهو المذهب الذي يرى أن العرب الحاليين- اى العرب كأمه - هم سلاله عرقية لعرب الجاهلية، ووجه الخطأ في هذا المذهب لا يكمن في إقراره - على المستوى الاسرى أو العشائري أو القبلي - بوجود جماعات عربيه ،يمكن اعتبارها سلاله عرقيه لعرب الجاهلية، ولكن يكمن في انه يفهم العروبة على المستوى القومي اى كعلاقة انتماء إلى امه - على أساس عرقي وليس لغوي حضاري ومرجع ذلك انه يخلط بين العرب في الطور القبلي( ما يقابل الأعراب في القرآن)، والعرب في طور الامه، حيث أن مناط الانتماء في الطور الأول النسب، بينما مناط الانتماء في الطور الثاني اللسان.كما انه بخلط بين معيار الانتماء الاسرى والعشائرى و القبلي (العنصر) ومعيار الانتماء القومي(اللسان)، فهو يتجاهل التطور خلال الزمان. ويترتب على هذا إنكاره لحقيقة اختلاط اغلب الجماعات القبلية ذات الأصول العربية بالجماعات القبلية والشعوبية ذات الأصول غير العربية، وهو ما يعنى استناده لاسطوره النقاء العرقي، التي تتعارض مع حقيقة انه لم يوجد جنس لم يختلط بغيره مطلقا . وهذا المذهب يتعارض مع تقرير الإسلام أن العروبة لسان وليس عرق ، قال الرسول(صلى الله عليه وسلم) (إنَّ الرب واحد، والأبُ واحد، والدَين واحد، وإنَّ العربيةَ ليست لأحدكم بأبٍ ولا أمّ، إنما هي لسانَّ، فمنْ تكلَّمَ بالعربيةِ فهو عربي)، وإذا كان بعض العلماء قد قال أن هذا الحديث ضعيف، فان الإمام ابن تيميه يقرر أن ذلك لا ينفى أن معناه صحيح من بعض الوجوه، حيث يقول ( ... وهذا الحديث ضعيف، لكنَّ معناه ليس ببعيد. بل هوَ صحيح من بعض الوجوه. ولهذا كان المسلمون المتقدموَن لما سكنوَا أرض الشام ومصر ولغة أهلها رومية وقبطيةْ وَأرض العِرَاق وخُرُاسان ولغَة أهلها فارسية. وأرض المغرب ولغة أهلها بربرية، عَودوا أهلَ هذه البلاد العربيةَ حتى غلبت على أهل هذه الأمصار مسلمهم وكافرهم) (اقتضاء الصراط المستقيم).فضلا عن نهى الإسلام عن العصبية بأشكالها المختلفة.
ب/ مذهب مناهضه العروبة بالإسلام: وهو المذهب الذي يلزم منه موضوعيا بصرف النظر عن النوايا الذاتية لأصحابه - مناهضه العروبة بالإسلام ، ويتضمن العديد من المذاهب منها:
1- المذهب الشعوبي : وهو المذهب الذي ينكر- أو يقلل من شان علاقة الانتماء العربية والعرب كأمه ، ولهذا المذهب شكلين :
الشكل الأول: الشعوبية التاريخية الفارسية: و تتمثل في انه عندما ظهر الإسلام كان الفرس في طور الشعب ، بينما كان العرب في قلب الجزيرة في طور القبائل، فارتقى إلاسلام بالعرب إلى طور أمة، ثم حمل العرب الإسلام إلى الفرس ليرتقي بهم إلى أمة مسلمة، غير أن هناك من يرفض هذا الارتقاء، كما كان يستعلى على العرب حملة الإسلام، فكانت الشعوبية الفارسية مناهضة للإسلام والعرب معا، يقول البغدادي (الشعوبية الذين يرون تفضيل العجم على العرب ويتمنون عودة الملك إلى العجم) (البغدادي، الرق بين الفرق، ص285). ويقول ابن منظور (الشعوبية فرقة لا تفضل العرب على العجم وإنما تنتقض العرب ولا ترى لهم فضلا على غيرهم).
الشكل الثاني: الشعوبية الاجتماعية"المعاصرة": كما أن هناك من أنكر علاقة الانتماء العربية حديثا ، وهم ما يمكن أن ينطبق عليهم وصف الشعوبية بمفهومها الاجتماعي ، والتي تتمثل في محاولة الارتداد بالجماعة التي دخلت طور أمة إلى طور الشعوب السابق، وطبقا لهذا المفهوم فان الشعوبية موجودة في كل أمم الأرض ، وهى تقوم في الامه العربية المسلمة ،على الدعوة إلى إلغاء أربعه عشر قرنا من التاريخ، أوجد فيه إلاسلام للعرب أمة، ليعودوا إلى الشعوب السابقة على الفتح الاسلامى، لذا فان الشعوبية في الامه العربية تتناقض موضوعيا -مع الإسلام بصرف النظر عن النوايا الذاتية لدعاتها و أنصارها -.
2- مذهب إنكار وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي : وهو مذهب يقوم على إنكار وجود وحدات وأطوار التكوين اجتماعي وهي ذات وحدات التكوين الاجتماعي وهي نامية خلال الزمان: كوحدة أو طور: الاسره، العشيرة، القبيلة ،الشعب، الامه..، و هذا المذهب يستند إلى فلسفات أجنبيه متعددة ، اما في صيغته المطروحة كجزء من الفكر السياسي الاسلامى الحديث والمعاصر، فيستند الى افتراض مضمونه أن الإسلام كدين ينفى وجود وحدات وأطوار تكوين الاجتماعي متعددة ، كما أن الإسلام كعلاقة انتماء دينيه يلغى علاقات الانتماء إلى هذه الوحدات والأطوار، وهو افتراض خاطى لان الإسلام كدين اقر وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي، كما اقر علاقات الانتماء إلى هذه الوحدات والأطواركما سنوضح ادناه عند الحديث عن مذهب التحديد والتكامل..
ثانيا: مذهب التحديد والتكامل (المذهب الاسلامى فى العروبه ):وهناك ثانيا المذهب الذي يجعل العلاقة بين العروبة والإسلام علاقة تحديد وتكامل - وليست علاقه تناقض والغاء- اى ان الاسلام (كدين وعلاقه انتماء دينى الى امه التكليف " الامه الاسلاميه" ذات المضمون الديني الحضاري) يحدد العروبه( كعلاقه انتماء قومى الى امه التكوين "الامه العربيه" ذات المضمون اللسانى الحضارى) كما يحدد الكل الجزء فيكمله ويغنيه ولكن لايلغيه ،وياخذ هذا التحديد التكاملى- اشكال متعدده اهما ان الاسلام يشكل الهيكل الحضارى للامه العربيه . كما يترتب عليه أن العلاقة بين العروبة والاسلام هي علاقة تلازم وارتباط ، قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)( نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فلا نطلب بغير الله بديلاً. )( البداية والنهاية).وهذا المذهب فيما نرى يمثل المذهب الاسلامى فى العروبه الذى يستند الى: اولا: إقرار الإسلام وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي ، ثانيا:إقرار الإسلام علاقات الانتماء إلى وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي ثالثا: الامامه "التكوينية" للامه العربية المسلمة.
اولا: إقرار الإسلام وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي: اقر الإسلام وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي المتعددة ، اتساقا مع إشارته للاستخلاف الاجتماعي الذي مضمونه أبدال وتغيير قوم بقوم آخرين كما في قوله تعالى ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ﴾ ( الأعراف:74)، ورد في تفسير أبن كثير ( إي قوماً يخلف بعضهم قرنا بعد قرن وجيلاً بعد جيل كما قال تعالى وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض )، فهي وحدات وأطوار لهذا الاستخلاف الاجتماعي .
وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي في القران الكريم:
إلاسرة: يقرر القرآن الكريم أن الأسرة هي أول أطوار الاستخلاف الاجتماعي، قال تعالى ﴿ وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة﴾، كما أنها وحدة التكوين الاجتماعي الأساسية لكل الأطوار التالية ، قال تعالى ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾.
العشيرة : ثم أشار القران للعشيرة كطور تكوين اجتماعي قال تعالى ﴿ قَاَل لَوْ أَنَّ لى ِبِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ ( هود: 80)، عن أبوهريرة عن النبي ( صلى الله عليه وسلم) أنه قال ( قال: قد يأوي إلى ركن شديد الملائكة التي نصرته- لكنه عنى عشيرته) ( رواه أحمد)..كما عرض القرآن للعشيرة كوحدة اجتماعية كطور في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال تعالى﴿ وانذر عشيرتك الأقربين﴾ .
القبيلة: كما أشار القران الكريم للقبيلة كطور تكوين اجتماعي قال تعالى ( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا)، كما أشارت السنة إلى القبيلة كوحدة تكوين اجتماعي كما في قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) (إن الله خلق الخلق ثم جعلهم قبائل فجعلني خيرهم قبيلة) ( رواه الترمذي). وتتميز القبيلة بالأصل الواحد ، فمقياس الانتماء إليها هو النسب ، وكانت لا تتميز في الطور القبلي عن غيرها بالأرض المعينة إي الديار ، لحركتها من مكان إلى مكان كما جاء في وصف القرآن الكريم لبني إسرائيل ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّند ِديَارِكُمْ فَّأَقْرَرْتُمْ وَأَنتُم تَشْهَدُونَ) ( البقرة. (85.
الشعب: كما أشار القران إلى الشعب كطور تكوين اجتماعي متقدم عل الطور القبيلة ( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا )، أما أدلة أن الشعوب طور متقدم على القبيلة أنه متميز بالاستقرار على الأرض وان لم يكن دائماً،ورد وفي تفسير الجلالين (أن معنى ذكر وأنثى آدم وحواء وأن الشعب مثل حزيمة ، ويليه القبيلة مثل كنانة ثم عمارة مثل قريش ثم بطن مثل قصي ثم فخذ مثل هاشم ثم فصيلة مثل العباس).
الأمة : ويلي طور الشعب طور الامه الذي يتميز بالاتي
أولا:مناط الانتماء اللّسان لا النسب: إن مناط الانتماء لطور الأمة هو اللسان وليس النسب لقول الرسول (صلى لله عليه وسلم)( ليست العربية بأحد من أب ولا أم إنما هي اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي)، وهذا الأمر لا ينطبق على أمة العرب وحدها ،بل سائر الأمم ، لذا جعل القرآن تعدد الألسنة آية من آيات الله ﴿ ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم و ألوانكم).
ثانيا:الديــار:كما أن الأمة تتميز عن الأطوار السابقة باستقرار الجماعات في الأرض، فتكون ديارها، لذا جاء الإسلام بالنهي عن إخراج الناس من ديارهم ﴿ أنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومني تولهم فأولئك هم الظالمون﴾ ( الممتحنة:9) . وعندما جاء الإسلام كانت المنطقة العربية بين الطورين القبلي والشعوبي(وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا )، فارتقى بها إلى طور الامه.
أمه التكليف وأمه التكوين:غير انه يجب التمييز بين دلالتين لمصطلح الامه
أمه التكليف : فهناك أولا الدلالة ألتكليفيه لمصطلح الامه ، ممثلا في أمه التكليف التي تتميز عن غيرها بالمضمون العقدي كما في قوله تعالى﴿ أن هذه أمتكم أمه واحده وأنا ربكم فاعبدون﴾(الأنبياء:92)
أمه التكوين: وهناك ثانيا الدلالة التكوينية لمصطلح الامه ، ممثلا في امه التكوين التي تتميز عن غيرها بالمضمون الاجتماعي كما فى قوله تعالى﴿ وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ﴾(الأعراف:160)،وهنا نستخدم مصطلح الامه بدلاله خاصة لا تتناقض مع دلالته العامة ألسابقه الذكر- مضمونها الامه كوحدة وطور تكوين اجتماعي تتميز بان مناط الانتماء إليها اللسان لا النسب، بالاضافه إلى الاستقرار في ارض خاصة كما سبق بيانه.