نحو قراءه إسلاميه لمفهوم الحداثة
د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
Sabri.m.khalil@hotmail.com
ضوابط القراءة الاسلاميه لمفهوم الحداثة: كما ترى هذه القراءة انه فضلا عن أن الدلالة العامة المشتركة لمفهوم الحداثة لا تتعارض مع الإسلام، فإنها لا تحول دون اكتساب مفهوم الحداثة دلاله منفردة، تتمثل في استناده إلي أساس فكري اسلامى، كما لا تحول دون أن يكتسب دلاله خاصة عند مراعاته لواقع المجتمعات الاسلاميه المغاير لواقع المجتمعات الغربية عند التطبيق ،وهنا يجب الاشاره إلى ضوابط القراءة الاسلاميه لمفهوم الحداثة ، باعتبارها دلاله خاصة - منفردة معينه لمفهوم الحداثة:
التمييز بين الأصول والفروع: تميز القراءة الاسلاميه لمفهوم الحداثة بين أصول الدين (التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة) والتي لا يجوز مخالفتها-فهى ضابط لهذه القراءة وليست موضوع لها - وفروع الدين(التي مصدرها النصوص الظنية الورود والدلالة)والتي يجتهد فيها المسلمين دون إثم أو تكفير ,ومن أصاب منهم له اجري الاجتهاد والاصابه، ومن أخطا له اجر الاجتهاد، وهى احد موضوعات القراءة الاسلاميه لمفهوم الحداثة .، مقيدا بأصوله ، ويترتب على هذا أن التجديد المذكور في الحديث لا ينطبق على الوقوف عند أصول الدين وفروعه(التقليد)، ولا رفض أصول الدين وفروعه (التغريب).
التمييز بين الثابت والمتغير: كما تميز القراءة الاسلاميه لمفهوم الحداثة بين المجالات الثابتة والمجالات المتغيرة في الإسلام ، فالشريعة الاسلاميه تشمل العبادات والمعاملات التي تنقسم إلى قسمين :القسم الأول هو المعاملات الفردية وتضم الأحوال شخصية وقضايا الاسره ومعاملات الفرد من بيع وأجاره ورهن وكفالة والمواريث... أما القسم الثاني فهو تنظيم العلاقة بين الأفراد في الجماعة، وهو ما يسمي النظم ، مثل النظام الاقتصادي والنظام السياسي والنظام القانوني... أما العبادات والمعاملات الفردية فقد فصلها القران والسنة ، فهي ثابتة لا تخضع للتغير أو التطور، والأصل أنها لا تخضع للاجتهاد أو التجديد ، أما القسم الثاني من المعاملات المتعلق بتنظيم العلاقة بين الأفراد في الجماعة، فقد أورد فيه الإسلام قواعد كلية ،وترك أمر وضع قواعد الفرعية للاجتهاد، ولا يعنى هذا إلغاء اجتهادات السلف الصالح وعلماء أهل السنة ،بل اتخاذها نقطه بداية وليس نقطه نهاية.
المفهوم الاسلامى للعقل: كما تستند القراءة الاسلاميه لمفهوم الحداثة إلى المفهوم الاسلامى للعقل، الذي ينظر إلي العقل باعتباره نشاط أو فاعليه معرفيه( لذا لم يرد في القران لفظ عقل بصيغه الاسم. بل ورد بصيغه الفعل " نعقل، تعقلون، يعقلون..".كقوله تعالى " وكذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون ")، وهذه الفاعلية المعرفية محدودة: ا/ تكليفيا: بالوحي في إدراكها لعالم الغيب المطلق عن قيود الزمان والمكان، يقول الشاطبى (فهذا أصل اقتضى للعاقل أن لا يجعل العقل حاكما بإطلاق، وقد ثبت عليه حاكم بإطلاق وهو الشرع) ، ويقول البوشنجى عن تعريف الإيمان(... وان يجعل الأصول التي نزل بها القران واتت بها السنن من الرسول غايات للعقول ولا يجعلوا العقول غايات للأصول).ب/تكوينا: بالحواس في إدراكه لعالم الشهادة المحدود زمانا و مكانا قال تعالى ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والافئده لعلكم تشكرون﴾.فهو يختلف عن المفهوم الغربي للعقل ، ذو الجذور اليونانية الارسطيه والذي ينظر إلى العقل باعتباره ذو وجود مطلق ، اى قائم بذاته ومستقل عن الحواس في إدراكها لعالم الشهادة، والوحي في إدراكه لعالم الغيب والذي يستند إليه المفهوم الغربي الليبرالي للحداثة ، لذا نقد علماء الإسلام صيغته التى سادت فى عصرهم ، يقول علاء الدين الطوسي في كتابه الذخيرة أو تهافت الفلاسفة(...فقوته الادراكيه أيضا وان كانت أتم قواه وأقواها ليس من شانها أن تدرك حقائق جميع الأشياء وأحوالها حتى الأمور الالهيه إدراكا قطعيا لا يبقى معه ارتياب أصلا، كيف والفلاسفة الذين يدعون أنهم علموا غوامض الإلهيات باستقلال العقل ويزعمون أن معتقداتهم تلك يقينية وان كانوا أذكياء أجلاء قد عجزوا عن تحقيق ما بمرأى أعينهم حتى اختلفوا في حقيقته)..
المفهوم الغربي الليبرالي لمفهوم الحداثة والتغريب: أما المفهوم الغربي الليبرالي لمفهوم الحداثة كدلاله خاصة منفردة أخرى لمفهوم الحداثة فان القراءة الاسلاميه ترى ان اتخاذ موقف القبول المطلق منه يلزم منه الفشل فى تحقيق الحداثة في المجتمعات المسلمة، لان الحداثة لا يمكن أن تتم إلا عندما لا تتناقض مع الهيكل الاساسى لحضارة هذه المجتمعات، وهو الإسلام، وان جوهر هذا الموقف هو أن تستبدل المفاهيم والقيم والقواعد التي جاء بها الإسلام، بالمفاهيم والقيم والقواعد الغربية، وهو جوهر التغريب.وبالتالي فان الموقف الاسلامى الصحيح من المفهوم الغربي الليبرالي لمفهوم الحداثة- وغيره من الدلالات الخاصة المنفردة لمفهوم الحداثة - يتجاوز موقفي القبول والرفض المطلقين، إلى موقف نقدي يأخذ ما وافق أصول الدين وواقع المجامعات المسلمة، ويرد ما خالفهما .
القراءة الاسلاميه للمفهوم الحداثة والمواقف المتعددة منها : كما تنطلق القراءة الاسلاميه لمفهوم الحداثة من أن الموقف الاسلامى "الصحيح" من مفهوم الحداثة وغيرهم من المفاهيم الانسانيه - يتجاوز موقفي القبول المطلق والرفض المطلق - اللذين لا يميزان بين ما هو ايجابي وسلبي من دلالاتهما - إلى الموقف النقدي منهما ،يميز بين ما هو ايجابي وسلبي في هذه الدلالات ، ثم قبول ما هو ايجابي ورفض ما هو سلبي من هذه الدلالات. هذا فضلا عن أن الموقف الأول" القبول المطلق" هو موقف يقوم على تبنى كل دلالات مفهوم الحداثة، وان تناقضت مع أصول الدين النصية الثابتة، أما الموقف الثاني"الرفض المطلق" فلا يعبر عن الموقف الاسلامى الصحيح من المفاهيم "النظرية "والتجارب "العملية " الانسانيه ، فقد ذمه القران الكريم فى معرض ذمه لموقف الكفار والمشركين، القائم على رفضهم المطلق للعقيدة الصحيحة وأنماط السلوك القويمة التي جاء بها الأنبياء، والذى يلازم قبولهم المطلق للعقائد الفاسدة وأنماط السلوك القبيحة المتوارثة من الاباء ،وبالتالي قال تعالى﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ ﴾ (المائدة:104) ،وشبه هذا صاحب هذا الموقف بالأعمى لأنه يرفض ويقبل بدون دليل ﴿ وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء:72]،. اما الموقف الثالث " الموقف النقدي الذي يميز بين ما هو ايجابي وسلبي من دلالات هذين المفهوم، ثم قبول ما هو ايجابي ورفض ما هو سلبي من هذه الدلالات " فهو الذي يعبر عن الموقف الاسلامى الصحيح من هذين المفهومين وغيرهم من المفاهيم الانسانيه،وقد اشارت اليه الكثير من النصوص : قال تعالى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾ )الزمر:17-18(،ورد فى تفسير الطبرى( يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَبَشِّرْ يَا مُحَمَّد عِبَادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْل مِنْ الْقَائِلِينَ , فَيَتَّبِعُونَ أَرْشَدَهُ وَأَهْدَاهُ , وَأَدَلَّهُ عَلَى تَوْحِيد اللَّه , وَالْعَمَل بِطَاعَتِهِ , وَيَتْرُكُونَ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْقَوْل الَّذِي لَا يَدُلّ عَلَى رَشَاد , وَلَا يَهْدِي إِلَى سَدَاد . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل)،وقال تعالى ( ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ولا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ )( الأعراف : 85)، وقال تعالى( لاخَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً )(النساء :114). وقال الرسول ( صلى الله عليه وسلم) (لا يكن أحدكم إمعة، يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسئت، بل وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا،وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم)، وهو الموقف الحقيقي لعلماء الإسلام من من كثير من المفاهيم والمجالات المعرفيه ، كموقف الامام ابن تيمية الذي يقول في تقييم التصوف على سبيل المثال (لأجل ما وقع في كثير من الاجتهاد والتنازع فيه، تنازع الناس في طريقهم فطائفة ذمت الصوفية والتصوف وقال أنهم مبتدعون خارجون عن السنة وطائفة غلو فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء، وكلا طرفي هذه الأمور ذميم. ..) .
الموقف من الإسهامات الحضارية للأمم الأخرى : وهذا الموقف يقوم على تجاوز موقفي الرفض والقبول المطلقين للإسهامات الحضارية للأمم الأخرى، إلى موقف نقدي قائم على اخذ وقبول ما يتسق مع أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة، ورد ورفض ما يتناقض معهما ، وهو الموقف الذى يتسق مع جوهر موقف الإسلام من المجمعات الأخرى وإسهاماتها ، فقد استفاد الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) في غزوة الأحزاب من الفرس فى صنع الخندق ، ورد فى عون المعبود (سميت الغزوة بالخندق لأجل الخندق الذي حفر حول المدينة بأمره - عليه الصلاة والسلام - لما أشار به سلمان الفارسي فإنه من مكائد الفرس دون العرب)، و استفاد عمر بن الخطاب(رضي الله عنه) من الفرس في تدوين الدواوين ، يقول ابن الأثير(الديوان هو الدفتر الذي يكتب فيه أسماء الجيش وأهل العطاء، وأول من دون الدواوين عمر، وهو فارسي معرب)، كما قرر علماء أهل السنة جواز الاستفادة من إسهامات الأمم الأخرى في الأمور الدنيوية بشرط عدم تناقضه مع الدين، يقول ابن تيمية ( "فإن ذِكْر ما لا يتعلق بالدين مثل مسائل الطب والحساب المحض التي يذكرون فيها ذلك، وكتب من أخذ عنهم مثل محمد بن زكريا الرازي وابن سينا ونحوهم من الزنادقة الأطباء؛ ما غايته انتفاع بآثار الكفار والمنافقين في أمور الدنيا فهذا جائز، كما يجوز السكنى في ديارهم ولبس ثيابهم وسلاحهم، وكما تجوز معاملتهم على الأرض كما عامل النبي يهود خيبر) ( مجموع فتاوى ابن تيمية /العقيدة / كتاب مفصل اعتقاد السلف / مسألة مذهب السلف والمتأخرين في الاعتقاد والأصح منهما )، ويقول ابن القيم ( في استئجار النبي - صلى الله عليه وسلم - ابن أريقط الدؤلي هادياً في وقت الهجرة - رواه البخاري- وهو كافر؛ دليل على جواز الرجوع إلى الكافر في الطب والكحل والأدوية والكتابة والحساب والعيوب ونحوها، ما لم يكن ولاية تتضمن عدالة، ولا يلزم من مجرد كونه كافرا أن لا يوثق به في شيء أصلا؛ فإنه لا شيء أخطر من الدلالة في الطريق، ولا سيما في مثل طريق الهجرة) (البدائع)
د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
Sabri.m.khalil@hotmail.com
ضوابط القراءة الاسلاميه لمفهوم الحداثة: كما ترى هذه القراءة انه فضلا عن أن الدلالة العامة المشتركة لمفهوم الحداثة لا تتعارض مع الإسلام، فإنها لا تحول دون اكتساب مفهوم الحداثة دلاله منفردة، تتمثل في استناده إلي أساس فكري اسلامى، كما لا تحول دون أن يكتسب دلاله خاصة عند مراعاته لواقع المجتمعات الاسلاميه المغاير لواقع المجتمعات الغربية عند التطبيق ،وهنا يجب الاشاره إلى ضوابط القراءة الاسلاميه لمفهوم الحداثة ، باعتبارها دلاله خاصة - منفردة معينه لمفهوم الحداثة:
التمييز بين الأصول والفروع: تميز القراءة الاسلاميه لمفهوم الحداثة بين أصول الدين (التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة) والتي لا يجوز مخالفتها-فهى ضابط لهذه القراءة وليست موضوع لها - وفروع الدين(التي مصدرها النصوص الظنية الورود والدلالة)والتي يجتهد فيها المسلمين دون إثم أو تكفير ,ومن أصاب منهم له اجري الاجتهاد والاصابه، ومن أخطا له اجر الاجتهاد، وهى احد موضوعات القراءة الاسلاميه لمفهوم الحداثة .، مقيدا بأصوله ، ويترتب على هذا أن التجديد المذكور في الحديث لا ينطبق على الوقوف عند أصول الدين وفروعه(التقليد)، ولا رفض أصول الدين وفروعه (التغريب).
التمييز بين الثابت والمتغير: كما تميز القراءة الاسلاميه لمفهوم الحداثة بين المجالات الثابتة والمجالات المتغيرة في الإسلام ، فالشريعة الاسلاميه تشمل العبادات والمعاملات التي تنقسم إلى قسمين :القسم الأول هو المعاملات الفردية وتضم الأحوال شخصية وقضايا الاسره ومعاملات الفرد من بيع وأجاره ورهن وكفالة والمواريث... أما القسم الثاني فهو تنظيم العلاقة بين الأفراد في الجماعة، وهو ما يسمي النظم ، مثل النظام الاقتصادي والنظام السياسي والنظام القانوني... أما العبادات والمعاملات الفردية فقد فصلها القران والسنة ، فهي ثابتة لا تخضع للتغير أو التطور، والأصل أنها لا تخضع للاجتهاد أو التجديد ، أما القسم الثاني من المعاملات المتعلق بتنظيم العلاقة بين الأفراد في الجماعة، فقد أورد فيه الإسلام قواعد كلية ،وترك أمر وضع قواعد الفرعية للاجتهاد، ولا يعنى هذا إلغاء اجتهادات السلف الصالح وعلماء أهل السنة ،بل اتخاذها نقطه بداية وليس نقطه نهاية.
المفهوم الاسلامى للعقل: كما تستند القراءة الاسلاميه لمفهوم الحداثة إلى المفهوم الاسلامى للعقل، الذي ينظر إلي العقل باعتباره نشاط أو فاعليه معرفيه( لذا لم يرد في القران لفظ عقل بصيغه الاسم. بل ورد بصيغه الفعل " نعقل، تعقلون، يعقلون..".كقوله تعالى " وكذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون ")، وهذه الفاعلية المعرفية محدودة: ا/ تكليفيا: بالوحي في إدراكها لعالم الغيب المطلق عن قيود الزمان والمكان، يقول الشاطبى (فهذا أصل اقتضى للعاقل أن لا يجعل العقل حاكما بإطلاق، وقد ثبت عليه حاكم بإطلاق وهو الشرع) ، ويقول البوشنجى عن تعريف الإيمان(... وان يجعل الأصول التي نزل بها القران واتت بها السنن من الرسول غايات للعقول ولا يجعلوا العقول غايات للأصول).ب/تكوينا: بالحواس في إدراكه لعالم الشهادة المحدود زمانا و مكانا قال تعالى ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والافئده لعلكم تشكرون﴾.فهو يختلف عن المفهوم الغربي للعقل ، ذو الجذور اليونانية الارسطيه والذي ينظر إلى العقل باعتباره ذو وجود مطلق ، اى قائم بذاته ومستقل عن الحواس في إدراكها لعالم الشهادة، والوحي في إدراكه لعالم الغيب والذي يستند إليه المفهوم الغربي الليبرالي للحداثة ، لذا نقد علماء الإسلام صيغته التى سادت فى عصرهم ، يقول علاء الدين الطوسي في كتابه الذخيرة أو تهافت الفلاسفة(...فقوته الادراكيه أيضا وان كانت أتم قواه وأقواها ليس من شانها أن تدرك حقائق جميع الأشياء وأحوالها حتى الأمور الالهيه إدراكا قطعيا لا يبقى معه ارتياب أصلا، كيف والفلاسفة الذين يدعون أنهم علموا غوامض الإلهيات باستقلال العقل ويزعمون أن معتقداتهم تلك يقينية وان كانوا أذكياء أجلاء قد عجزوا عن تحقيق ما بمرأى أعينهم حتى اختلفوا في حقيقته)..
المفهوم الغربي الليبرالي لمفهوم الحداثة والتغريب: أما المفهوم الغربي الليبرالي لمفهوم الحداثة كدلاله خاصة منفردة أخرى لمفهوم الحداثة فان القراءة الاسلاميه ترى ان اتخاذ موقف القبول المطلق منه يلزم منه الفشل فى تحقيق الحداثة في المجتمعات المسلمة، لان الحداثة لا يمكن أن تتم إلا عندما لا تتناقض مع الهيكل الاساسى لحضارة هذه المجتمعات، وهو الإسلام، وان جوهر هذا الموقف هو أن تستبدل المفاهيم والقيم والقواعد التي جاء بها الإسلام، بالمفاهيم والقيم والقواعد الغربية، وهو جوهر التغريب.وبالتالي فان الموقف الاسلامى الصحيح من المفهوم الغربي الليبرالي لمفهوم الحداثة- وغيره من الدلالات الخاصة المنفردة لمفهوم الحداثة - يتجاوز موقفي القبول والرفض المطلقين، إلى موقف نقدي يأخذ ما وافق أصول الدين وواقع المجامعات المسلمة، ويرد ما خالفهما .
القراءة الاسلاميه للمفهوم الحداثة والمواقف المتعددة منها : كما تنطلق القراءة الاسلاميه لمفهوم الحداثة من أن الموقف الاسلامى "الصحيح" من مفهوم الحداثة وغيرهم من المفاهيم الانسانيه - يتجاوز موقفي القبول المطلق والرفض المطلق - اللذين لا يميزان بين ما هو ايجابي وسلبي من دلالاتهما - إلى الموقف النقدي منهما ،يميز بين ما هو ايجابي وسلبي في هذه الدلالات ، ثم قبول ما هو ايجابي ورفض ما هو سلبي من هذه الدلالات. هذا فضلا عن أن الموقف الأول" القبول المطلق" هو موقف يقوم على تبنى كل دلالات مفهوم الحداثة، وان تناقضت مع أصول الدين النصية الثابتة، أما الموقف الثاني"الرفض المطلق" فلا يعبر عن الموقف الاسلامى الصحيح من المفاهيم "النظرية "والتجارب "العملية " الانسانيه ، فقد ذمه القران الكريم فى معرض ذمه لموقف الكفار والمشركين، القائم على رفضهم المطلق للعقيدة الصحيحة وأنماط السلوك القويمة التي جاء بها الأنبياء، والذى يلازم قبولهم المطلق للعقائد الفاسدة وأنماط السلوك القبيحة المتوارثة من الاباء ،وبالتالي قال تعالى﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ ﴾ (المائدة:104) ،وشبه هذا صاحب هذا الموقف بالأعمى لأنه يرفض ويقبل بدون دليل ﴿ وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء:72]،. اما الموقف الثالث " الموقف النقدي الذي يميز بين ما هو ايجابي وسلبي من دلالات هذين المفهوم، ثم قبول ما هو ايجابي ورفض ما هو سلبي من هذه الدلالات " فهو الذي يعبر عن الموقف الاسلامى الصحيح من هذين المفهومين وغيرهم من المفاهيم الانسانيه،وقد اشارت اليه الكثير من النصوص : قال تعالى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾ )الزمر:17-18(،ورد فى تفسير الطبرى( يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَبَشِّرْ يَا مُحَمَّد عِبَادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْل مِنْ الْقَائِلِينَ , فَيَتَّبِعُونَ أَرْشَدَهُ وَأَهْدَاهُ , وَأَدَلَّهُ عَلَى تَوْحِيد اللَّه , وَالْعَمَل بِطَاعَتِهِ , وَيَتْرُكُونَ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْقَوْل الَّذِي لَا يَدُلّ عَلَى رَشَاد , وَلَا يَهْدِي إِلَى سَدَاد . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل)،وقال تعالى ( ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ولا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ )( الأعراف : 85)، وقال تعالى( لاخَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً )(النساء :114). وقال الرسول ( صلى الله عليه وسلم) (لا يكن أحدكم إمعة، يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسئت، بل وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا،وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم)، وهو الموقف الحقيقي لعلماء الإسلام من من كثير من المفاهيم والمجالات المعرفيه ، كموقف الامام ابن تيمية الذي يقول في تقييم التصوف على سبيل المثال (لأجل ما وقع في كثير من الاجتهاد والتنازع فيه، تنازع الناس في طريقهم فطائفة ذمت الصوفية والتصوف وقال أنهم مبتدعون خارجون عن السنة وطائفة غلو فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء، وكلا طرفي هذه الأمور ذميم. ..) .
الموقف من الإسهامات الحضارية للأمم الأخرى : وهذا الموقف يقوم على تجاوز موقفي الرفض والقبول المطلقين للإسهامات الحضارية للأمم الأخرى، إلى موقف نقدي قائم على اخذ وقبول ما يتسق مع أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة، ورد ورفض ما يتناقض معهما ، وهو الموقف الذى يتسق مع جوهر موقف الإسلام من المجمعات الأخرى وإسهاماتها ، فقد استفاد الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) في غزوة الأحزاب من الفرس فى صنع الخندق ، ورد فى عون المعبود (سميت الغزوة بالخندق لأجل الخندق الذي حفر حول المدينة بأمره - عليه الصلاة والسلام - لما أشار به سلمان الفارسي فإنه من مكائد الفرس دون العرب)، و استفاد عمر بن الخطاب(رضي الله عنه) من الفرس في تدوين الدواوين ، يقول ابن الأثير(الديوان هو الدفتر الذي يكتب فيه أسماء الجيش وأهل العطاء، وأول من دون الدواوين عمر، وهو فارسي معرب)، كما قرر علماء أهل السنة جواز الاستفادة من إسهامات الأمم الأخرى في الأمور الدنيوية بشرط عدم تناقضه مع الدين، يقول ابن تيمية ( "فإن ذِكْر ما لا يتعلق بالدين مثل مسائل الطب والحساب المحض التي يذكرون فيها ذلك، وكتب من أخذ عنهم مثل محمد بن زكريا الرازي وابن سينا ونحوهم من الزنادقة الأطباء؛ ما غايته انتفاع بآثار الكفار والمنافقين في أمور الدنيا فهذا جائز، كما يجوز السكنى في ديارهم ولبس ثيابهم وسلاحهم، وكما تجوز معاملتهم على الأرض كما عامل النبي يهود خيبر) ( مجموع فتاوى ابن تيمية /العقيدة / كتاب مفصل اعتقاد السلف / مسألة مذهب السلف والمتأخرين في الاعتقاد والأصح منهما )، ويقول ابن القيم ( في استئجار النبي - صلى الله عليه وسلم - ابن أريقط الدؤلي هادياً في وقت الهجرة - رواه البخاري- وهو كافر؛ دليل على جواز الرجوع إلى الكافر في الطب والكحل والأدوية والكتابة والحساب والعيوب ونحوها، ما لم يكن ولاية تتضمن عدالة، ولا يلزم من مجرد كونه كافرا أن لا يوثق به في شيء أصلا؛ فإنه لا شيء أخطر من الدلالة في الطريق، ولا سيما في مثل طريق الهجرة) (البدائع)