مذهب التفسيرالسياسى للدين عند ابو الاعلى المودودى : قراءه نقديه اسلاميه 1
د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
سيرته الذاتية: ولد أبو الأعلى المودودي عام 1903 بولاية حيدر أباد بالهند من أسرة مسلمة .رفض والده إدخاله المدارس الحكومية ، بحجه أن مناهجها غربيه ، واكتفى بتعليمه في البيت، فدرسه اللغة العربية والقرآن والحديث والفقه . عمل المودودي بالصحافة ، وأصدر مجلة ترجمان القرآن عام ١٩٣٢. أسس الجماعة الإسلامية في الهند عام 1941، ودعا إلى انفصال المسلمين الهنود عن الهند ،وتأسيس دوله إسلاميه خاصة بهم، وبعد انفصال باكستان عن الهند عام 1947انتقل إلى باكستان . سجن عام 1948بسبب اتهامه للحكومة الباكستانية بالنفاق، لقبولها وقف إطلاق النار مع الهند في كشمير، فى الوقت الذي تعلن فيه دعم مطالب الكشميريين بالانفصال عن الهند، ، في وقت لاحق أعلن حرمة قسم الجنود والموظفين على الولاء للدولة، ما لم تعلن الدولة التزامها بالإسلام مرجعية للحكم، فقدم للمحاكمة وحكم عليه بالإعدام ، ثم خفف إلى السجن مدى الحياة ، وأطلق سراحه لاحقا . توفي ابوالاعلى المودودي عام 1979 ، و المودودي الكثير من المؤلفات منها: المصطلحات الاربعه في القران / الجهاد في الإسلام/ نظره فاحصه على العبادات الاسلاميه /المسألة القأديانية/ دين الحق/ الخلافة والملك.
رياده مذهب التفسير السياسي للدين" الإسلام السياسي" : يعتبر أبو الأعلى المودودي رائد مذهب التفسير السياسي للدين، و هو مذهب معين في تفسير طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة، يقوم على إثبات العلاقة بين الدين والسياسة ، ولكنه يتطرف في هذا الإثبات ، إلى درجه جعل العلاقة بينهما علاقة تطابق و خلط ، وليست علاقة ارتباط ووحده ، وبالتالي يساوى بين الدين والسياسة في الدرجة، وقد يتطرف فيجعل السياسة أعلى درجه من الدين، حين يجعل الغاية هي السلطة -الدولة والوسيلة هي الدين، بينما الدين هو الأصل"الغاية" والسياسة هي الفرع "الوسيلة"،اى أن الدين بالنسبة للسياسة هو بمثابة الكل للجزء يحده فيكمله ولكن لا يلغيه، ومرجع هذا التطرف في الإثبات أن هذا المذهب إنما ظهر في المجتمعات المسلمة في العصور الحديثة والمعاصرة ،كرد فعل على الليبرالية والتي باستنادها إلى العلمانية نفت اى علاقة للدين بالسياسة.وقد استخدم البعض مصطلح "الإسلام السياسي" للتعبير عن هذا المذهب، لكن - وكما أشار الكثير من الباحثين - فان هناك الكثير من الإشكاليات المتعلقة بالمصطلح ، فالمصطلح يوحى بأنه ليس ثمة إسلام واحد ، وانه ثمة إسلام سياسي وآخر غير سياسي ، فضلا عن نسبه الأصل(الإسلام) إلى الفرع(السياسة)، لذا نفضل استخدام مصطلح "التفسير السياسي للدين" وليس مصطلح" الإسلام السياسي"، مع ملاحظه أن المصطلح الأخير يصدق في وصف احد الأخطاء التي وقع فيها مذهب التفسير السياسي للدين ، وهو نسبه الأصل (الإسلام)إلى الفرع(السياسة) وليس العكس.
مظاهر التفسير السياسي للدين عند المودوى:
أولا:الدين وسيله لتحقيق غاية اقامه الحكومة الالهيه: يجعل المودودى الدين مجرد وسيله لتحقيق غاية هي اقامه الحكومة الالهيه ،حيث يقول( فغاية مهمة الأنبياء عليهم السلام في الدنيا هي اقامه الحكومة الالهيه وتنفيذ نظام الحياة بجميع أجزائه الذي جاؤوا به من عند الله ...)، ويقول أيضا فى معرض إشارته لاقامه الحكومة الالهيه( هذه هي الغاية التي من اجلها فرض الإسلام عبادات الصلاة والصوم والزكاة والحج ، والتعبير عنها بالعبادة لا يعنى أنها العبادة ليس غير، بل معنى ذلك أنها تعد الإنسان لتلك العبادة) (نظره فاحصه على العبادات الاسلاميه/ ج 1 / ص13)، وبما أن لمصطلح "الحكومة الالهيه" دلاله سياسيه واضحة ، فان هذا القول يلزم منه جعل الغاية هي السياسة " بما هي النشاط الهادف للوصول إلى السلطة ،أو السيطرة على الدولة ، والوسيلة هي الدين.
تقويم: وهذا القول يتعارض مع التفسير الديني -الاسلامى للسياسة، الذي عبر عنه العلماء بمصطلح السياسة الشرعية لأنه يجعل الدين هو الأصل" الغاية" والسياسة هي الفرع" الوسيلة" ،وهو ما أشارت إليه كثير من النصوص كقوله تعالى (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة واتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ...)( الحج) ، فالايه تعتبر التمكين- بمفهومه الشامل الذي يتضمن البعد السياسي- وسيله للدين" التضمن للعبادات والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر" وليس العكس.
ثانيا:اختزال الدين في ألحاكميه واختزال ألحاكميه في بعدها السياسي:كما يقوم المودودي بعمليه اختزال مزدوج، اختزال الدين في مفهوم ألحاكميه، ثم اختزال مفهوم ألحاكميه في بعدها السياسي:
ا/ ضيق معاني المصطلحات الاربعه( الإله والرب والدين والعبادة) بعد عصر نزول القران وتبدل معانيها الاصليه : وتبدأ عمليه الاختزال المزدوج هذه عند المودودي بتقريره أن معاني المصطلحات ألقرانيه الاربعه الاساسيه ( الإله والرب والدين والعبادة) قد ضاقت معانيها بعد عصر نزول القران وتبدلت معانيها الاصليه، حيث يقول ( لما نزل القران في العرب ،وعرض على الناطقين بالضاد ، كان حينئذ يعرف كل امرئ منهم ما معنى "الإله" وما المراد ب"الرب"...وكذلك كانت كلمتا " العبادة" و"الدين " شائعتين في لغتهم...ولكنه في القرون التي تلت ذلك العصر الزاهر جعلت تتبدل المعاني الاصليه لجميع الكلمات ...تلك المعاني التي كانت شائعة بين القوم عصر نزول القران، حتى آخذت تضيق كل كلمه من تلكم الكلمات الأربع عما تتسع له، وتحيط به من قبل ، وعادت منحصرة في معاني ضيقه محدودة...وذلك لسببين: الأول قله الذوق العربي السليم، ونضوب معين العربية الخالصة في العصور المتاخره، والثاني أن الذين ولدوا في المجتمع الاسلامى ونشئوا فيه لم يكن قد بقى لديهم من معاني كلمات ( الإله والرب والدين والعبادة)، ما كان شائعا في العصر الجاهلي وقت نزول القران..) ( المصطلحات الاربعه في القران، الدار الكويتية ، ط4.)
ب/ قصر معاني المصطلحات الاربعه على مفهوم ألحاكميه وقصر الأخير على معنى السلطة: وتكتمل عمليه الاختزال المزدوج هذه عند المودودي من خلال تقريره ان محور المصطلحات ألقرانيه الاربعه الاساسيه وفكرتها المركزية هي حاكميه الإله والرب، أما الدين والعبادة فهما طريقان يؤديان إليها( أبى الحسن الندوى/ التفسير السياسي للإسلام في مراه كتابات الأستاذ أبو الأعلى المودودي / دار ابن كثير / ص63. ) حيث يقول المودوى(فخلاصه القول أن أصل الالوهيه وجوهرها هو السلطة....ففي جميع هذه الآيات من أولها إلى آخرها لا تجد إلا فكره رئيسيه واحده ، ألا وهى أن كلا من الالوهيه والسلطة تستلزم الأخرى) ( المصطلحات الاربعه في القران من ص23.) ويقول أيضا ( فبقراءة هذه الآيات بالترتيب الذي سردناها به يتبين للقاري أن القران يجعل الربوبية مترادفة مع ألحاكميه والملكية ) المصطلحات الاربعه في القران / ص93)
تقويم :
تعارض فكره ضيق معاني المصطلحات الاربعه وتبدل معانيها الاصليه مع الضوابط الشرعية : إن فكره ضيق معاني المصطلحات الاربعه( الإله والرب والدين والعبادة) بعد عصر نزول القران وتبدل معانيها الاصليه تتعارض مع العديد من الضوابط الشرعية:أولا: فهي تتعارض تقرير الله تعالى أن القران الكريم يتصف بالابانه والوضوح، قال تعالى (حم والكتاب المبين)(الزخرف:1-2)،وقال تعالى (الر تلك آيات الكتاب وقران مبين)(الحجر:1)، وقال تعالى (فإذا قرأته فاتبع قرانه، ثم إنا علينا بيانه ) (القيامة) ، وهذه الابانه تشمل الكلمات ومعانيها .ثانيا: كما تتعارض هذه الفكرة مع قاعدة الحفظ الالهى للقران الكريم التي وردت الاشاره إليها في قوله تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)(الحجر:9)، وهذا الحفظ الالهى للقران يشمل كلماته ومعانيه . ثالثا: كما تتعارض مع تقرير النصوص عدم اجتماع الامه على ضلاله واستمرار ظهور طائفة على الحق( وهي أهل السنة والجماعة بمذاهبها الكلامية والفقهية المتعددة ) قال الرسول(صلى الله عليه وسلم) ( لا تجتمع امتى على ضلاله )وقال ( لا تزال طائفة من امتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى ياتى أمر الله وهم كذلك) .( السيد أبى الحسن الندوى/ التفسير السياسي للإسلام في مراه كتابات الأستاذ أبو الأعلى المودودي / دار ابن كثير / ص 38وما يليها).
الخلط بين توحيد الربوبية والإلوهية: كما ان تفسير المودودي لمصطلحات (الإله والرب والحاكميه .) يقوم على الخلط بين توحيد الربوبية وتوحيد الالوهيه،وبين صفات الربوبية وصفات الالوهيه ، فمضمون توحيد الربوبية أن الله تعالى ينفرد بكونه الفاعل المطلق فى الوجود ، يقول ابن تيميه في معرض رفضه لاستدلال المتكلمين على وجود الله بطريقه الأعراض الدالة على حدوث الأجسام( إن هذا المسلك مبنى على امتناع دوام كون الرب فاعلا وامتناع قيام الأفعال الاختيارية بذاته) (ابن تيميه، درء التعارض، /98 1 ) ، واما مضمون توحيد الإلوهية أن الله تعالى ينفرد بكونه الغاية المطلقة للموجودات ، يقول ابن تيمية ( . ولكن المراد المستعان على قسمين: منه ما يراد لغيره .. ومنه ما يراد لنفسه فمن المرادات ما يكون هو الغاية المطلوب فهو الذي يذل له الطالب ويحبه وهو الإله المعبود ومنه ما يراد لغيره) .. فالالوهيه عنده تتضمن تصريف أمور الكون ، بينما هذا التصريف هو من خصائص الربوبيه لا الالوهيه.فضلا عن انه يعتبر ألحاكميه من صفات الالوهيه ، بينما ألحاكميه من صفات الربوبية وليست من صفات الالوهيه.
تفسير مفهوم ألحاكميه :
التفسير السياسي لمصطلح ألحاكميه : فسر المودودى مفهوم ألحاكميه القرانى تفسير "سياسي" يختزله في بعده السياسي ويتجاهل إبعاده الأخرى، ومضمونه أن ألحاكميه هي ما يقابل مصطلح السلطة في الفكر السياسي الحديث والمعاصر، حيث يقول على سبيل المثال (... إن محور نظرية الإسلام السياسية تتمثل في نزع جميع سلطات الأمر والتشريع من أيدي البشر..لان ذلك أمر مختص بالله وحدة).
تعدد أبعاد مفهوم ألحاكميه: غير أن هذا التفسير يخالف حقيقة أن لمفهوم ألحاكميه القرانى أبعاد"دلالات" متعددة(عقدية، تكوينية، تكليفيه،دنيوية، اخرويه...) ، حيث يقرر القرآن الكريم أن الحاكمية صفة ربوبية ﴿ ... إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ ( يوسف) و هذه ألحاكميه الالهيه تشمل الدنيا والاخره، أما في الحياة الدنيا فان لهذه ألحاكميه الالهيه شكلين:الأول هو ألحاكميه ألتكليفيه:ومضمونها وجوب أن تحكم قواعد شريعته حركة الإنسان " فردا وجماعه" ﴿ ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الظالمون﴾ ، والثاني هو الحاكمية التكوينية:ومضمونها أن سننه تعالى تحكم حركة الأشياء والظواهر و الإنسان حتما ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴾ (الأحزاب: 62). أما ألحاكميه الالهيه في الحياة الاخره فمضمونها الفصل بين العباد﴿ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾( غافر 48. )
ألحاكميه هي السيادة وليس السلطة: أما البعد السياسي لمفهوم ألحاكميه فمضمونه يقابل أو يقارب مصطلح "السيادة " - وليس مصطلح "السلطة - في الفكر السياسي الحديث والمعاصر المصطلح ، ففي الفكر السياسي الحديث والمعاصر تعرف الدولة أنها التنظيم القانوني للمجتمع، وهنا نجد كيانين.الأول: له حق وضع القانون ابتداء ،وهو ما يعبر عنه بالسيادة، والثاني له حق ضمان نفاذ هذا القانون ولو بالإكراه، هو ما يعبر عنه بالسلطة، فالسيادة علي هذا هي مصدر السلطة او السلطة المطلقة، أما السلطة فهي ممارسة السيادة فى زمان ومكان معينين.. وتفسير المودودى لمصطلح ألحاكميه بما يقابل السلطة يخالف مذهب أهل السنة ،و أول من قال به الخوارج الذين رفعوا شعار " لا حكم إلا لله " وكان علي ابن أبي طالب هو أول من تعرض لهذا المذهب بالنقد فقال في معرض حديثه عن شعار الخوارج " لا حكم إلا لله " (.. كلمة حق أريد بها باطل ، نعم انه لا حكم إلا لله ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا لله، وانه لابد للناس من أمير بر أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر ويبلغ الله فيها الأجل ويجمع به الفيء ويقاتل به العدو وتؤمن به السبل ويؤخذ به للضعيف حتى يستريح بر و يسترح من فاجر) ،.اما مصطلح "السلطة" كما في الفكر السياسي الغربى فلم يستخدم في الفكر السياسي الإسلامي، وان اشتق من كلمة سلطان التي وردت في القرآن: ﴿ هلك عني سلطانية﴾ ،والمصطلح المقابل له في الفكر السياسي الإسلامي هو مصطلح ( الأمر) ومنه سمي من اسند إلية السلطة ( الأمير وأولي الأمر.) ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ... ﴾ ( النساء ) ، وهو المصطلح الذي استخدمه الخلفاء الراشدين والصحابة :فعند وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) تحدث أبو بكر عن السلطة فقال " إن محمد قد مضي لسبيله ولابد لهذا الأمر من قائم يقوم به".
ثالثا:تفسير مفهوم التشريع بمعنى حق وضع القواعد القانونية إطلاقا: كما أن المودودي فسر مصطلح "التشريع" بمعنى حق وضع القواعد القانونية إطلاقا،بما فى ذلك حق الدولة في إصدار قواعد قانونيه، وما يترتب على ذلك من نفى هذا الحق عن البشر والدولة إطلاقا كما فى قوله (... إن محور نظرية الإسلام السياسية تتمثل في نزع جميع سلطات الأمر والتشريع من أيدي البشر..لان ذلك أمر مختص بالله وحدة).
د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
سيرته الذاتية: ولد أبو الأعلى المودودي عام 1903 بولاية حيدر أباد بالهند من أسرة مسلمة .رفض والده إدخاله المدارس الحكومية ، بحجه أن مناهجها غربيه ، واكتفى بتعليمه في البيت، فدرسه اللغة العربية والقرآن والحديث والفقه . عمل المودودي بالصحافة ، وأصدر مجلة ترجمان القرآن عام ١٩٣٢. أسس الجماعة الإسلامية في الهند عام 1941، ودعا إلى انفصال المسلمين الهنود عن الهند ،وتأسيس دوله إسلاميه خاصة بهم، وبعد انفصال باكستان عن الهند عام 1947انتقل إلى باكستان . سجن عام 1948بسبب اتهامه للحكومة الباكستانية بالنفاق، لقبولها وقف إطلاق النار مع الهند في كشمير، فى الوقت الذي تعلن فيه دعم مطالب الكشميريين بالانفصال عن الهند، ، في وقت لاحق أعلن حرمة قسم الجنود والموظفين على الولاء للدولة، ما لم تعلن الدولة التزامها بالإسلام مرجعية للحكم، فقدم للمحاكمة وحكم عليه بالإعدام ، ثم خفف إلى السجن مدى الحياة ، وأطلق سراحه لاحقا . توفي ابوالاعلى المودودي عام 1979 ، و المودودي الكثير من المؤلفات منها: المصطلحات الاربعه في القران / الجهاد في الإسلام/ نظره فاحصه على العبادات الاسلاميه /المسألة القأديانية/ دين الحق/ الخلافة والملك.
رياده مذهب التفسير السياسي للدين" الإسلام السياسي" : يعتبر أبو الأعلى المودودي رائد مذهب التفسير السياسي للدين، و هو مذهب معين في تفسير طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة، يقوم على إثبات العلاقة بين الدين والسياسة ، ولكنه يتطرف في هذا الإثبات ، إلى درجه جعل العلاقة بينهما علاقة تطابق و خلط ، وليست علاقة ارتباط ووحده ، وبالتالي يساوى بين الدين والسياسة في الدرجة، وقد يتطرف فيجعل السياسة أعلى درجه من الدين، حين يجعل الغاية هي السلطة -الدولة والوسيلة هي الدين، بينما الدين هو الأصل"الغاية" والسياسة هي الفرع "الوسيلة"،اى أن الدين بالنسبة للسياسة هو بمثابة الكل للجزء يحده فيكمله ولكن لا يلغيه، ومرجع هذا التطرف في الإثبات أن هذا المذهب إنما ظهر في المجتمعات المسلمة في العصور الحديثة والمعاصرة ،كرد فعل على الليبرالية والتي باستنادها إلى العلمانية نفت اى علاقة للدين بالسياسة.وقد استخدم البعض مصطلح "الإسلام السياسي" للتعبير عن هذا المذهب، لكن - وكما أشار الكثير من الباحثين - فان هناك الكثير من الإشكاليات المتعلقة بالمصطلح ، فالمصطلح يوحى بأنه ليس ثمة إسلام واحد ، وانه ثمة إسلام سياسي وآخر غير سياسي ، فضلا عن نسبه الأصل(الإسلام) إلى الفرع(السياسة)، لذا نفضل استخدام مصطلح "التفسير السياسي للدين" وليس مصطلح" الإسلام السياسي"، مع ملاحظه أن المصطلح الأخير يصدق في وصف احد الأخطاء التي وقع فيها مذهب التفسير السياسي للدين ، وهو نسبه الأصل (الإسلام)إلى الفرع(السياسة) وليس العكس.
مظاهر التفسير السياسي للدين عند المودوى:
أولا:الدين وسيله لتحقيق غاية اقامه الحكومة الالهيه: يجعل المودودى الدين مجرد وسيله لتحقيق غاية هي اقامه الحكومة الالهيه ،حيث يقول( فغاية مهمة الأنبياء عليهم السلام في الدنيا هي اقامه الحكومة الالهيه وتنفيذ نظام الحياة بجميع أجزائه الذي جاؤوا به من عند الله ...)، ويقول أيضا فى معرض إشارته لاقامه الحكومة الالهيه( هذه هي الغاية التي من اجلها فرض الإسلام عبادات الصلاة والصوم والزكاة والحج ، والتعبير عنها بالعبادة لا يعنى أنها العبادة ليس غير، بل معنى ذلك أنها تعد الإنسان لتلك العبادة) (نظره فاحصه على العبادات الاسلاميه/ ج 1 / ص13)، وبما أن لمصطلح "الحكومة الالهيه" دلاله سياسيه واضحة ، فان هذا القول يلزم منه جعل الغاية هي السياسة " بما هي النشاط الهادف للوصول إلى السلطة ،أو السيطرة على الدولة ، والوسيلة هي الدين.
تقويم: وهذا القول يتعارض مع التفسير الديني -الاسلامى للسياسة، الذي عبر عنه العلماء بمصطلح السياسة الشرعية لأنه يجعل الدين هو الأصل" الغاية" والسياسة هي الفرع" الوسيلة" ،وهو ما أشارت إليه كثير من النصوص كقوله تعالى (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة واتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ...)( الحج) ، فالايه تعتبر التمكين- بمفهومه الشامل الذي يتضمن البعد السياسي- وسيله للدين" التضمن للعبادات والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر" وليس العكس.
ثانيا:اختزال الدين في ألحاكميه واختزال ألحاكميه في بعدها السياسي:كما يقوم المودودي بعمليه اختزال مزدوج، اختزال الدين في مفهوم ألحاكميه، ثم اختزال مفهوم ألحاكميه في بعدها السياسي:
ا/ ضيق معاني المصطلحات الاربعه( الإله والرب والدين والعبادة) بعد عصر نزول القران وتبدل معانيها الاصليه : وتبدأ عمليه الاختزال المزدوج هذه عند المودودي بتقريره أن معاني المصطلحات ألقرانيه الاربعه الاساسيه ( الإله والرب والدين والعبادة) قد ضاقت معانيها بعد عصر نزول القران وتبدلت معانيها الاصليه، حيث يقول ( لما نزل القران في العرب ،وعرض على الناطقين بالضاد ، كان حينئذ يعرف كل امرئ منهم ما معنى "الإله" وما المراد ب"الرب"...وكذلك كانت كلمتا " العبادة" و"الدين " شائعتين في لغتهم...ولكنه في القرون التي تلت ذلك العصر الزاهر جعلت تتبدل المعاني الاصليه لجميع الكلمات ...تلك المعاني التي كانت شائعة بين القوم عصر نزول القران، حتى آخذت تضيق كل كلمه من تلكم الكلمات الأربع عما تتسع له، وتحيط به من قبل ، وعادت منحصرة في معاني ضيقه محدودة...وذلك لسببين: الأول قله الذوق العربي السليم، ونضوب معين العربية الخالصة في العصور المتاخره، والثاني أن الذين ولدوا في المجتمع الاسلامى ونشئوا فيه لم يكن قد بقى لديهم من معاني كلمات ( الإله والرب والدين والعبادة)، ما كان شائعا في العصر الجاهلي وقت نزول القران..) ( المصطلحات الاربعه في القران، الدار الكويتية ، ط4.)
ب/ قصر معاني المصطلحات الاربعه على مفهوم ألحاكميه وقصر الأخير على معنى السلطة: وتكتمل عمليه الاختزال المزدوج هذه عند المودودي من خلال تقريره ان محور المصطلحات ألقرانيه الاربعه الاساسيه وفكرتها المركزية هي حاكميه الإله والرب، أما الدين والعبادة فهما طريقان يؤديان إليها( أبى الحسن الندوى/ التفسير السياسي للإسلام في مراه كتابات الأستاذ أبو الأعلى المودودي / دار ابن كثير / ص63. ) حيث يقول المودوى(فخلاصه القول أن أصل الالوهيه وجوهرها هو السلطة....ففي جميع هذه الآيات من أولها إلى آخرها لا تجد إلا فكره رئيسيه واحده ، ألا وهى أن كلا من الالوهيه والسلطة تستلزم الأخرى) ( المصطلحات الاربعه في القران من ص23.) ويقول أيضا ( فبقراءة هذه الآيات بالترتيب الذي سردناها به يتبين للقاري أن القران يجعل الربوبية مترادفة مع ألحاكميه والملكية ) المصطلحات الاربعه في القران / ص93)
تقويم :
تعارض فكره ضيق معاني المصطلحات الاربعه وتبدل معانيها الاصليه مع الضوابط الشرعية : إن فكره ضيق معاني المصطلحات الاربعه( الإله والرب والدين والعبادة) بعد عصر نزول القران وتبدل معانيها الاصليه تتعارض مع العديد من الضوابط الشرعية:أولا: فهي تتعارض تقرير الله تعالى أن القران الكريم يتصف بالابانه والوضوح، قال تعالى (حم والكتاب المبين)(الزخرف:1-2)،وقال تعالى (الر تلك آيات الكتاب وقران مبين)(الحجر:1)، وقال تعالى (فإذا قرأته فاتبع قرانه، ثم إنا علينا بيانه ) (القيامة) ، وهذه الابانه تشمل الكلمات ومعانيها .ثانيا: كما تتعارض هذه الفكرة مع قاعدة الحفظ الالهى للقران الكريم التي وردت الاشاره إليها في قوله تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)(الحجر:9)، وهذا الحفظ الالهى للقران يشمل كلماته ومعانيه . ثالثا: كما تتعارض مع تقرير النصوص عدم اجتماع الامه على ضلاله واستمرار ظهور طائفة على الحق( وهي أهل السنة والجماعة بمذاهبها الكلامية والفقهية المتعددة ) قال الرسول(صلى الله عليه وسلم) ( لا تجتمع امتى على ضلاله )وقال ( لا تزال طائفة من امتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى ياتى أمر الله وهم كذلك) .( السيد أبى الحسن الندوى/ التفسير السياسي للإسلام في مراه كتابات الأستاذ أبو الأعلى المودودي / دار ابن كثير / ص 38وما يليها).
الخلط بين توحيد الربوبية والإلوهية: كما ان تفسير المودودي لمصطلحات (الإله والرب والحاكميه .) يقوم على الخلط بين توحيد الربوبية وتوحيد الالوهيه،وبين صفات الربوبية وصفات الالوهيه ، فمضمون توحيد الربوبية أن الله تعالى ينفرد بكونه الفاعل المطلق فى الوجود ، يقول ابن تيميه في معرض رفضه لاستدلال المتكلمين على وجود الله بطريقه الأعراض الدالة على حدوث الأجسام( إن هذا المسلك مبنى على امتناع دوام كون الرب فاعلا وامتناع قيام الأفعال الاختيارية بذاته) (ابن تيميه، درء التعارض، /98 1 ) ، واما مضمون توحيد الإلوهية أن الله تعالى ينفرد بكونه الغاية المطلقة للموجودات ، يقول ابن تيمية ( . ولكن المراد المستعان على قسمين: منه ما يراد لغيره .. ومنه ما يراد لنفسه فمن المرادات ما يكون هو الغاية المطلوب فهو الذي يذل له الطالب ويحبه وهو الإله المعبود ومنه ما يراد لغيره) .. فالالوهيه عنده تتضمن تصريف أمور الكون ، بينما هذا التصريف هو من خصائص الربوبيه لا الالوهيه.فضلا عن انه يعتبر ألحاكميه من صفات الالوهيه ، بينما ألحاكميه من صفات الربوبية وليست من صفات الالوهيه.
تفسير مفهوم ألحاكميه :
التفسير السياسي لمصطلح ألحاكميه : فسر المودودى مفهوم ألحاكميه القرانى تفسير "سياسي" يختزله في بعده السياسي ويتجاهل إبعاده الأخرى، ومضمونه أن ألحاكميه هي ما يقابل مصطلح السلطة في الفكر السياسي الحديث والمعاصر، حيث يقول على سبيل المثال (... إن محور نظرية الإسلام السياسية تتمثل في نزع جميع سلطات الأمر والتشريع من أيدي البشر..لان ذلك أمر مختص بالله وحدة).
تعدد أبعاد مفهوم ألحاكميه: غير أن هذا التفسير يخالف حقيقة أن لمفهوم ألحاكميه القرانى أبعاد"دلالات" متعددة(عقدية، تكوينية، تكليفيه،دنيوية، اخرويه...) ، حيث يقرر القرآن الكريم أن الحاكمية صفة ربوبية ﴿ ... إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ ( يوسف) و هذه ألحاكميه الالهيه تشمل الدنيا والاخره، أما في الحياة الدنيا فان لهذه ألحاكميه الالهيه شكلين:الأول هو ألحاكميه ألتكليفيه:ومضمونها وجوب أن تحكم قواعد شريعته حركة الإنسان " فردا وجماعه" ﴿ ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الظالمون﴾ ، والثاني هو الحاكمية التكوينية:ومضمونها أن سننه تعالى تحكم حركة الأشياء والظواهر و الإنسان حتما ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴾ (الأحزاب: 62). أما ألحاكميه الالهيه في الحياة الاخره فمضمونها الفصل بين العباد﴿ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾( غافر 48. )
ألحاكميه هي السيادة وليس السلطة: أما البعد السياسي لمفهوم ألحاكميه فمضمونه يقابل أو يقارب مصطلح "السيادة " - وليس مصطلح "السلطة - في الفكر السياسي الحديث والمعاصر المصطلح ، ففي الفكر السياسي الحديث والمعاصر تعرف الدولة أنها التنظيم القانوني للمجتمع، وهنا نجد كيانين.الأول: له حق وضع القانون ابتداء ،وهو ما يعبر عنه بالسيادة، والثاني له حق ضمان نفاذ هذا القانون ولو بالإكراه، هو ما يعبر عنه بالسلطة، فالسيادة علي هذا هي مصدر السلطة او السلطة المطلقة، أما السلطة فهي ممارسة السيادة فى زمان ومكان معينين.. وتفسير المودودى لمصطلح ألحاكميه بما يقابل السلطة يخالف مذهب أهل السنة ،و أول من قال به الخوارج الذين رفعوا شعار " لا حكم إلا لله " وكان علي ابن أبي طالب هو أول من تعرض لهذا المذهب بالنقد فقال في معرض حديثه عن شعار الخوارج " لا حكم إلا لله " (.. كلمة حق أريد بها باطل ، نعم انه لا حكم إلا لله ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا لله، وانه لابد للناس من أمير بر أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر ويبلغ الله فيها الأجل ويجمع به الفيء ويقاتل به العدو وتؤمن به السبل ويؤخذ به للضعيف حتى يستريح بر و يسترح من فاجر) ،.اما مصطلح "السلطة" كما في الفكر السياسي الغربى فلم يستخدم في الفكر السياسي الإسلامي، وان اشتق من كلمة سلطان التي وردت في القرآن: ﴿ هلك عني سلطانية﴾ ،والمصطلح المقابل له في الفكر السياسي الإسلامي هو مصطلح ( الأمر) ومنه سمي من اسند إلية السلطة ( الأمير وأولي الأمر.) ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ... ﴾ ( النساء ) ، وهو المصطلح الذي استخدمه الخلفاء الراشدين والصحابة :فعند وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) تحدث أبو بكر عن السلطة فقال " إن محمد قد مضي لسبيله ولابد لهذا الأمر من قائم يقوم به".
ثالثا:تفسير مفهوم التشريع بمعنى حق وضع القواعد القانونية إطلاقا: كما أن المودودي فسر مصطلح "التشريع" بمعنى حق وضع القواعد القانونية إطلاقا،بما فى ذلك حق الدولة في إصدار قواعد قانونيه، وما يترتب على ذلك من نفى هذا الحق عن البشر والدولة إطلاقا كما فى قوله (... إن محور نظرية الإسلام السياسية تتمثل في نزع جميع سلطات الأمر والتشريع من أيدي البشر..لان ذلك أمر مختص بالله وحدة).