الفكر السياسي الاسلامى السني 3

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • صبرى محمد خليل خيرى
    طالب علم
    • Jan 2010
    • 416

    #1

    الفكر السياسي الاسلامى السني 3

    الفكر السياسي الاسلامى السني: أصوله النظرية وقواعده التطبيقية
    د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
    تاسعا: منع الاستعانه بغير المسلم الاجنبى على المسلم في حاله الحرب إلا للضرورة: ومن أصول الفكر السياسي السني منع الاستعانه بغير المسلم الاجنبى على المسلم في الحرب.
    التمييز بين غير المسلم المواطن والاجنبى : بداية يجب التمييز بين غير المسلم المواطن وغير المسلم الاجنبى، فالأول يجب الاستعانه به في السلم والحرب، لأن هذه الاستعانة جزء من حق المواطنة الذي اقره الإسلام على المستوى النظري ،حين اقر تعدد الانتماء الديني في الامه الواحدة دون أن يمس هذا التعدد وحده الامه ، لذا نجد في القران عشرات الآيات التي تنظم العلاقة بين المنتمين إلي أديان متعددة في أمه واحده، والذي اقره الإسلام على المستوى التطبيقي، في وثيقة الصحيفة والتي تكون في ظلها "شعب " تتعدد فيه علاقات الانتماء إلى الدين(المسلمين أمه واليهود أمه)، ولكن يتوحد الناس فيه مع اختلاف الدين في علاقة انتماء إلى ارض مشتركه "اى وطن" (اليهود من بني عوف أمه مع المسلمين )، ففيما يتعلق بالاستعانه بغير المسلم المواطن فى السلم بإسناد الأعمال له فإننا اذا كنا نجد نجد من يرى المنع المطلق كأغلب المالكية والإمام احمد، لكن هناك من يرى الجواز المطلق كابي حنيفة وبعض المالكية، أو الجواز أحيانا والمنع أحيانا وهو رأى اغلب العلماء حيث يرى ابن العربي( أن كانت في ذلك فائدة محققه فلا باس به)(ابن العربي، 16،268). كما جوز الماوردي وأبو يعلى لغير المسلم أن يتولى وزاره التنفيذ دون ولاية التفويض .وتاريخيا استعان بهم الخلفاء. اما فيما يتعلق بالاستعانه بغير المسلم المواطن فى الحرب فهناك سوابق تاريخية تؤيد ذلك ، ففي صلح حبيب بن مسلم للجراحجه( أنهم طلبوا الأمان والصلح فصالحوه على أن يكونوا أعوانا للمسلمين وان لا يؤخذوا بالجزية)( البلاذردى، فتوح البلدان،ج1/ ص217) ومع أهل ارمينه( أن ينفروا لكل غاره... على أن توضع الجزاء عمن أجاب إلي ذلك)( الطبري، تاريخ الأمم، ج 5،ص 257.).
    التمييز بين الاعانه والاستعانة : إما غير المسلم الاجنبى فيجب التمييز بين إعانته والاستعانة به، ففيما يتعلق باعانه غير المسلم الاجنبى اتفق العلماء على منع أعانه غير المسلم على المسلم لورود العديد من النصوص الدالة على ذلك كقوله تعالى( يا ايها الذين امنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فانه منهم ان الله لا يهدي القوم الظالمين) [ المائدة : 51 ] ، ولكنهم تفاوتوا في درجه الحكم على من اعان غير المسلم على المسلم ، فقال بعضهم ان هذه الاعانه توجب التكفير ، وقال اخرون ليست كل إعانة مكفرة.
    الاستعانة بغير المسلم الاجنبى: أما الاستعانة بغير المسلم الاجنبى فيمكن تفضيلها كالاتى:
    ا/ الاستعانة بغير المسلم الاجنبى في السلم : اختلف العلماء في حكم الاستعانة بغير المسلم الاجنبى في حاله السلم، فقال بعضهم بالمنع، وقال آخرون يجوز للمسلم أن يستعين بغير المسلم المسالم في الأمور الدنيوية التي لا تتصل بالدين مثل: الطب، والزراعة، والصناعة، ومن الادله على ذلك ما جاء في حديث الهجرة الى المدينة أن أبا بكر قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "يا نبي الله إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا، فاستأجر عبد الله بن اريقط، رجلاً من بني الديل بن بكر وكان مشركاً، يدلهما على الطريق، فدفعا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما" (ابن هشام ج 2 ص 98 ). وفي بيعة العقبة الكبرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ومعه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه ،إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له) ابن هشام ج 1 ص 49).
    ب/ الاستعانة بغير المسلم الاجنبى فى الحرب :
    1- الاستعانة بغير المسلم على غير المسلم بين الايجاب والمنع :اختلف العلماء فى حكم الاستعانة بغير المسلم على غير المسلم فذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ , وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ , وَالشَّافِعِيَّةُ مَا عَدَا ابْنَ الْمُنْذِرِ , وَابْنَ حَبِيبٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ , وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ إلَى جَوَازِ الِاسْتِعَانَةِ بغير المسلم فِي قِتَالِ غير المسلم عِنْدَ الْحَاجَةِ. بينما َيَرَى الْمَالِكِيَّةُ مَا عَدَا ابْنَ حَبِيبٍ , وَجَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ , مِنْهُمْ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْجُوزَجَانِيُّ : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِعَانَةُ بِمُشْرِكٍ ; لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: ( فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ) . وَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونُوا فِي غَيْرِ الْمُقَاتِلَةِ , بَلْ فِي خَدَمَاتِ الْجَيْشِ
    2- منع الاستعانة بغير المسلم على المسلم: كما اتفق العلماء على أن الحكم الاصلى للاستعانة بغير المسلم على المسلم هو المنع لورود العديد من النصوص الداله على ذلك كقوله تعالى(يا أيها الذين امنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) (المائدة: 51 ) ، ورد في تفسير القرطبي (قوله تعالى"ومن يتولهم منكم" أي يعضدهم على المسلمين "فإنه منهم" بين تعالى أن حكمه كحكمهم، وهو يمنع إثبات الميراث للمسلم من المرتد، وكان الذي تولاهم ابن أبي، ثم هذا الحكم باق إلى يوم القيامة في قطع المولاة).
    وقوله تعالى: (الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا) [النساء : 139)].ورد في تفسير القرطبي ( قوله تعالى"الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين"...وتضمنت المنع من موالاة الكافر وأن يتخذوا أعوانا على الأعمال المتعلقة بالدين) (الجامع لأحكام القرآن : (5/416.
    الاباحه مقصورة على الضرورة: وإذا كان بعض العلماء المعاصرين العلماء أباح الاستعانة بغير المسلم على المسلم للضرورة فانه لابد من قصر الضرورة التي قررها هؤلاء ، على حماية حياه المسلمين من الأذى والخطر المباشر، الذي قد تتعرض له ، بعد عدم توافر أمكانيه تحقيق ذلك بواسطة آهل البلد المعين خاصة والمسلمين عامه ، وان لا يتجاوز ذلك إلى ما يمس مصلحه ألدوله الاسلاميه المعينة،ووحدتها وسلامه أراضيها ،وسيادتها على أرضها ، وذلك استنادا الى قاعدة (الضرورة تقدر بقدرها).
    عاشرا:الجمع بين سريه وعلنية نصيحة الحكام:ومن أصول الفكر السياسي السني الجمع بين سريه وعلنية نصيحة الحكام, فقد تعددت في الفكر السياسي السني مذاهب تحديد كيفيه نصيحة الحكام بين السرية والعلنية :
    مذهب سريه النصيحة: فهناك أولا المذهب الذي يرى وجوب سريه نصيحة الحكام، ويحرم علنيتها، استنادا إلى تفسيره للعديد من النصوص أهمها الحديث المنسوب لعياض بن غنم (رضي الله عنه) ، الذي جاء فيه جزءان الجزء الاول منه (جلد عياض بن غنمٍ صاحب «دارا» حين فتحت، فأغلظ له هشام بن حكيم القول، حتى غضب عياض، ثم مكث ليالي، فأتاه هشام بن حكيم، فاعتذر إليه، ثم قال هشام لعياض، ألم تسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن من أشد الناس عذاباً أشدهم عذاباً في الدنيا للناس»)؟اما الجزء الثاني(فقال عياض بن غنم: يا هشام بن حكيم! قد سمعنا ما سمعت ورأينا ما رأيت، أو لم تسمع رسول الله يقول: «من أراد أن ينصح لذي سلطان بأمرٍ، فلا يبد له علانية، ولكن ليأخذ بيده، فيخلو به، فإن قبل منه، فذاك، وإلا، كان قد أدى الذي عليه له»، وإنك ياهشام لأنت الجرىء إذ تجترىء على سلطان الله، فهلا خشيت أن يقتلك السلطان فتكون قتيل سلطان الله تبارك وتعالى")، وقال الإمام الشافعي (مَنْ وَعَظَ أخَاهُ سِرًّا فقد نَصَحَه وزَانَه، ومَنْ وَعَظَهُ عَلانِيَةً فَقَدْ فَضَحَهُ وشَانَه).
    مذهب علنية النصيحة : وهناك ثانيا المذهب الذي يرفض سريه النصيحه وبرى وجوب علنيتها ،ويحتج هذا المذهب ا بان الجزء الأول من حديث عياض فقط هو الصحيح باتفاق العلماء ، وأكدته رواية مسلم ، اما الجزء الثاني منه فيرى انه لا يحتج به لسببين الأول ضعف الرواية (الروايه الاولى لأحمد مرسلة للانقطاع بين شريح وهشام،الرواية الثانية بيّن ابن أبي عاصم في «السنة» ضعف الرواة والانقطاع والتدليس، الرواية الثالثة لأبي نعيم في «معرفة الصحابة» فيها عبد الوهاب بن الضحاك متروك الحديث ، الرواية الرابعة للحاكم في «المستدرك» ضعفها الذهبي لضعف الرواة، الرواية الخامسة لأحمد كذلك قال عنها الحافظ ابن حجر موضوعة بلا ريب) .والسبب الثاني هو تضافر الأدلة على علانية النصيحة منها قوله تعالى على لسان نوح ـ عليه السلام ((ُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وأَنصَحُ لَكُمْ وأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) [الأعراف: 62]. وعلى لسان هود ـ عليه السلام (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ) [الأعراف: 68]. وعلى لسان صالح ـ عليه السلام (يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ) [الأعراف: 79].. والحديث المشهور (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله). وحديث (والله لتأمرون بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذون على يد الظالم، ولتأطرونه على الحق أطراً) .وعندما أراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه تحديد المهور حاجّته امرأة قرشية قائلة له: كيف تحدد المهور والله يقول اذ اتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه) فقال عمر(أخطأ عمر وأصابت امرأة) ، ويعلق السرخسى في المبسوط على موقف الإمام على بن أبى طالب من الخوارج بقوله( فيه دليل على أنهم ما لم يعزموا على الخروج فالإمام لا يتعرض لهم بالحبس والقتل وفيه دليل على أن التعرض بالشتم للإمام لا يوجب التعذير)(ج10، ص125-126). وقال الحسن البصري ( ليس لصاحب بدعة ولا لفاسق يعلن فسقه غيبه (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للآلكائى : 279 )
    مذهب الجمع بين سريه النصيحة وعلانيتها: أما المذهب الثالث فهو المذهب الذي يوفق بين المذهبين السابقين- لذا فهو أكثر تعبيرا منهما عن الفكر السياسي السني من خلال جمعه بين سريه وعلانيه نصيحة الحكام ويستدل بالعديد من الادله ومنها:
    أولا: ورود نصوص مطلقه من شرطي السرية و العلنية كقوله(صلى الله عليه وسلم)(الدين النصيحة ، قيل : لمن يا رسول الله !؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم ) [مسلم]. وعن جرير بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ قال: ((بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ عَلَى إِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ(البخاري).
    ثانيا: ورود نصوص تفيد سريه النصيحه كقوله -صلى الله عليه وسلم- لعائشة -رضي الله عنها- في حادثة الإفك: (إِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ) (متفق عليه)، وأخرى تفيد علنيتها كقوله -صلى الله عليه وسلم- في غير ما موقف: (مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَفْعَلُونَ كَذَا وَكَذَا...)،وكقوله (صلى الله عليه وسلم) (اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ) (رواه البخاري) كما في قصة بني جذيمة.
    أساليب الجمع بين السرية والعلنية: هذا الجمع يتحقق من خلال التمييز بين مراحل النصيحة ومضمونها، اما من حيث مراحل النصيحة فيفضل أن يكون مبتدأ النصيحة السرية ، فإذا أصر المنصوح على خطاْه كانت علنيتها اسئناسا بقوله تعالى ( اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى* فَقُولاَ لَهُ
    قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)(طه:43-44 )، فجعلت الايه بداية النصيحة القول اللين.
    . اما من حيث مضمون النصيحه فيجب التمييز بين الشأن الشخصي والشأن العام، فيفضل سريه النصيحه في الشأن الشخصي ، كما يفضل علنيتها في الشأن العام ، ويمكن الاستئناس في ذلك بتمييز الإمام ابن تيمية بين من اظهر المنكر و من استتر بذنبه عندما سُئلَ عن حديث:‏ ‏(‏لا غيبة لفاسق) فقال (‏ أما الحديث فليس هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه مأثور عن الحسن البصرى، أنه قال‏:‏ أترغبون عن ذكر الفاجر‏؟‏ اذكروه بما فيه يحذره الناس‏.‏ وفى حديث آخر‏:‏ من ألقى جلباب الحياء، فلا غيبة له‏.‏ وهذان النوعان يجوز فيهما الغيبة بلا نزاع بين العلماء‏.‏ أحدهما‏:‏ أن يكون الرجل مظهرا للفجور، مثل‏:‏الظلم والفواحش والبدع المخالفة للسنة، فإذا أظهر المنكر، وجب الإنكار عليه بحسب القدرة ...‏ فمن أظهر المنكر وجب عليه الإنكار، وأن يهجر ويذم على ذلك‏.‏ فهذا معنى قولهم‏:‏ من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له‏.‏ بخلاف من كان مستترا بذنبه مستخفيا، فإن هذا يستر عليه، لكن ينصح سرا، ويهجره من عرف حاله حتى يتوب، ويذكر أمره على وجه النصيحة).وكذلك يمكن الاستئناس بتمييز الإمام احمد ابن حنبل بين الخاص و العام عندما قيل له: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال( إذا صام وصلى واعتكف، فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع، فإنما هو للمسلمين) .
    حادي عشر : حق الجماعة في تعيين ومراقبه وعزل الحاكم إذا جار : ومن أصول الفكر السياسي السني في تعيين ومراقبه وعزل الحاكم إذا جار ، يقول الإمام ابن حزم ( فهو الإمام الواجب طاعته ما قادنا بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم- فإذا زاغ عن شيء منهما، منع من ذلك وأقيم عليه الحق والحق ، فإن لم يؤمن أذاه إلا بخلعه ، خُلع وولي غيره )،وهذا الأصل تنطلق من كون المنظور السياسي الإسلامي- على مستوى أصوله النصية الثابتة - يسند السلطة السياسية التي عبر عنها القران بمصطلح الأمر- إلى الجماعة- بموجب الاستخلاف العام قال تعالى ﴿ وأمرهم شورى بينهم)، أما الحاكم فنائب ووكيل عن الجماعة، لها حق تعينه ومراقبته وعزله ، يقول أبو يعلي (الخليفة وكيل للمسلمين ) (الأحكام السلطانية، ص 7 )، ويقول الماوردي ( البيعة عقد مرضاة واختيار لا يدخله اكراة ولا إجبار).
    ثالثا: تصحيح الفهم الخاطئ لبعض القواعد السياسية عند أهل السنة : يشيع فهم الخاطئ لبعض القواعد السياسية الجزئية التي قررها علماء أهل السنة" كقواعد عدم جواز الخروج على السلطان الجائر وأماره الغلبة والصلاة خلف البر والفاجر" ، ومضمونه أن علماء أهل السنة قد قرروا هذه القواعد باعتبارها قواعد صالحه لكل زمان ومكان ، ولإثبات شرعيه نظم استبداديه ، و تصحيح هذا الفهم الخاطئ لا يتحقق من خلال تقديم الفهم الصحيح لهذه القواعد ، والقائم على أن علماء أهل السنة قد قرروا هذه القواعد باعتبارها استثناء خاص بظروف زمانية ومكانية معينه، واستنادا إلى قاعدة الضرورة ، وبالتالي لا يمكن الاستناد إليها لتأكيد شرعيه اى نظم سياسيه استبداديه .
    التمييز بين القواعد السياسية الاصليه والقواعد السياسية الفرعية عند أهل السنة : وتصحيح هذا الفهم الخاطئ لهذه القواعد السياسية - من خلال تقديم الفهم الصحيح لها- لا يتحقق إلا من خلال التمييز بين القواعد السياسية الاصليه ، التي قررها علماء أهل السنة ، استنادا إلى قواعد نصيه ثابتة- وهى متضمنة في أصول الفكر السياسي السني المشار إليها أعلاه - والقواعد السياسية الفرعية لأهل السنة، استنادا إلى قواعد اجتهادية متغيره ، اى مصدرها نصوص ظنيه الورود والدلالة وهى تندرج تحت اطار القواعد التطبيقية للفكر السياسي الاسلامى -
    القواعد السياسية الفرعية متعلقة بالظروف الزمانيه والمكانية لاستخدام الجماعة حقها في عزل الحاكم إذا جار وكيفيته: فهذه القواعد السياسية الفرعية، متصلة بتحديد الظروف الزمانيه والمكانية لاستخدام الجماعة حقها في عزل الحاكم إذا جار وكيفيته (اى المتصلة بكيفية عزله وأين ومتى )، دون أن تنفى حق الجماعة في عزل الجماعة إذا جار ، لأنه من القواعد السياسية الاصليه، المتضمنة في احد أصول الفكر السياسي السني ، فأهل السنه لم ينكروا- عند تقريرهم لهذه القواعد - حق الجماعة في عزل الحاكم إذا جار - لأنه من القواعد ألسياسيه الاصليه - بل قرروا عدم جواز عزله في ظروف زمانية ومكانية معينه- وليس في كل زمان ومكان-وطبقا لكيفية معينه وليس طبقا لكل الكيفيات،استناد إلى قاعدة الضرورة، وبهدف الحفاظ على وجود المجتمع المسلم- والدولة الاسلاميه كممثل له- ووحدته، في أوقات الخطر الذي يتهدده ، وليس بهدف إضفاء شرعيه على انظمه استبداديه ،وفيما يلي نتناول هذه القواعد بشيْ من التفصيل
    اولا: الفهم الصحيح لقاعدة "عدم جواز الخروج على السلطان الجائر " : فأهل السنه لم ينكروا- عند تقريرهم لقاعدة "عدم جواز الخروج على السلطان الجائر " - حق الجماعة في عزل الحاكم إذا جار - لأنه من القواعد ألسياسيه الاصليه - بل قرروا عدم جواز عزله في ظروف زمانية ومكانية معينه- - سنوضحها عند الحديث عن "أمارة الغلبة " - وليس في كل زمان ومكان- وطبقا لكيفية معينه هي أسلوب التغيير المسلح"والذي يعتبر رفضه من أصول الفكر السياسي السني "، وليس طبقا لكل الكيفيات، فرفضهم لا ينصب على أساليب التغيير السلمية - وبالضرورة لا يتصل بأساليب التغيير السلمية التي قررتها النصوص كالتقويم و النصح - بشرط الالتزام بالضوابط الشرعية.
    الخروج المجمع على تحريمه عند أهل السنة هو أسلوب التغيير المسلح "الخروج بالسيف ": فالكيفية التي اجمع علماء أهل السنه على تحريمها في كل زمان ومكان هي أسلوب التغيير المسلح، ، ويترتب على هذا ان الخروج المجمع على تحريمه عند أهل السنه هو أسلوب التغيير المسلح " اى الخروج بالسيف" ، واستقراء النصوص الواردة في تحريم أهل السنه الخروج يوضح هذا المعنى أن المقصود بمصطلح الخروج " أسلوب التغيير المسلح - حيث تربط هذه النصوص بين مصطلحات "الخروج "و"السيف" و"القتال" يقول الإمام النووي (وأما الخروج عليهم وقتالهم؛ فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظلمة وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق) (شرح مسلم:12/432-433)، ويقول الإمام الأشعري في (رسالة أهل الثغر)(وأجمعوا على السمع والطاعة لأئمة المسلمين، وعلى أن كل مَنْ ولي شيئًا من أمورهم عن رضي أو غلبة، وامتدت طاعته مِنْ برٍّ وفاجر لا يلزم الخروج عليه بالسيف جارَ أو عَدَل، وعلى أن يُغْزا معه العدو، ويُحَجَّ معهم البيت، وتُدْفع إليهم الصدقات إذا طلبوها، ويُصَلَّى خلفهم الجُمَع و الأعياد) (ص 297:ط / مكتبة العلوم والحكموينقل الإمام ابن تيمية من مذهب أهل السنة ( أنهم لا يرون الخروج علي الأئمة وقتالهم بالسيف، وان كان فيهم ظلم، لان الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال، فيدفع أعظم الفاسدين بالتزام الادني).
    رفض علماء أهل السنة لا ينصب على أساليب التغيير السلمية: فرفض علماء أهل السنة ينصب على أسلوب التغيير المسلح ، ولا ينصب على أساليب التغيير السلمبه، ومن أدله ذلك : أولا : ما سبق ذكره من أن استقراء النصوص الواردة في تحريم أهل السنة الخروج يدل على أن المقصود بمصطلح الخروج " أسلوب التغيير المسلح - حيث تربط هذه النصوص بين مصطلحي "الخروج "و"السيف" - بشرط الالتزام بالضوابط الشرعية. ثانيا: استثناء بعض هذه النصوص التغيير السلمي من حكم عدم جواز خلع السلطان الجائر ، يقول الإمام الغزالي في كتابه الاقتصاد في الاعتقاد انه ( يجب خلع السلطان الجائر إن قدر بلا تهيج قتال، وان لم يكن ذلك ممكنا إلا بتحريك قتال وجبت طاعة ،وحكم بامامتة)،فقول الإمام الغزالي (إن قدر بلا تهيج قتال) بشير إلى التغيير السلمي المستثنى من حكم عدم جواز خلع الجائر.
    إقرار النصوص لبعض أساليب التغيير السلمي : وقد أشارت العديد من النصوص الى بعض أساليب التغيير السلمي كالنصح والتقويم
    اختلاف علماء أهل السنة حول أسلوب التغيير وليس حول شرعيه التغيير : فقد اتفق علماء أهل ألسنه على أن اى سلطه لم تجئ من خلال بيعه صحيحة، باعتبارها عقد اختيار لم يدخله إجبار، وتستبد بالسلطة دون الجماعة، بدلا من أن تكون نائب ووكيل عنها، لها حق تعيينها ومراقبتها وعزلها، فهي غير شرعيه، ويجب تغييرها. لكنهم اختلفوا بعد ذلك حول أسلوب التغيير كما سبق ذكره - الى مذهبين: المذهب الأول: يأخذ بالثورة كأسلوب للتغيير يتصف بالفجائية والكلية- ولا يشترط فيه استخدام العنف - والذي عبر عنه الفقهاء بمصطلح "خلع السلطان الجائر" ،المذهب الثاني: برفض الثورة كأسلوب للتغيير، لكن في ذات الوقت يأخذ بالإصلاح كأسلوب للتغيير يتصف بالتدرج والجزئية والسلمية، ويأخذ أشكال عده أهمها التقويم والنصح .
    الضوابط الشرعية :غير أن إقرار أساليب التغيير السلمية مشروط بجمله من الضوابط الشرعية ومنها: أولا: ألقدره والاستطاعة: فعلماء أهل الستة الذين اجازو خلع الحكم الجائر جعلوا شرطه القدرة فكما سبق ذكره نقل عن الإمام ابن حنبل فى روايه قوله (من دعا منهم إلى بدعة فلا تجيبوه ولا كرامــة ، وإن قدرتم على خلعه فافعلوا )( طبقات الحنابلة) . ثانيا: التوحد وعدم التفرق :ويدل على ذلك جمله من النصوص التي تحث عن الوحدة وتنهى عن التفرق كقوله تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا). ثالثا:عدم استخدام العنف أو الاعتداء على الممتلكات ألعامه والفردية: ويدل على ذلك النصوص الواردة في النهى عن العدوان كقوله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ). رابعا: الالتزام بقاعدة "سد الذرائع وفتحها ": أن يغلب على الظن أن المنفعة التي تلزم من خلع الحاكم الجائر أعظم من المفسدة التي تلزم منه استنادا إلى قاعدة "سد الذرائع وفتحها"
    ثانيا: الفهم الصحيح قاعدة أمارة الغلبة: أوضحنا أعلاه أن علماء أهل السنة اتفقوا علي أن البيعة عقد مرضاة واختيار لا يدخله إجبار ، وبالتالي فان البيعة التي يدخلها الإجبار غير شرعية ويجب إزالتها، ولكن ما يرونة هو أن هذه البيعة - غير الشرعية - قد تظل مستمرة في بعض الظروف - دون أن يعني هذا شرعيتها -. من هذه الظروف أن نموذج الدولة السائدة في عصرهم كان محتوما عليها أن تكون مقاتلة غزوا و دفاعا ،بالتالي فان القيادة القوية ضرورية لبقاء الدولة، فإذا ضعفت القيادة أدي ذلك إلى توقف الدولة عن القتال، وبالتالي الفتك بها وتمزقها ، وعلي هذا فانه في حاله عدم وجود القيادة التي تتوافر فيها الشرط الشرعية، ووجود القيادة القوية التي لم تتوافر لها الشرعية، فانه يجب استمرارها بحكم الضرورة - وليس إقرارا بشرعيتها - حتى لا تتمزق الدولة .وهناك أيضا ظروف مماثله لها ، وهى انه في أوقات الخطر الذي يتهدد الامه كلها، يجب تأجيل الدفع الاجتماعي ( خلع الحاكم الظالم) وليس إلغائه- وتحالف كل قوي الأمة لمواجهة العدو - وليس إلغاء هذه القوي- وبهذا فان علماء اهل السنه بإقرارهم لإمارة الغلبة لم يقرروا قاعدة صالحه لكل زمان ومكان ، وإنما اجتهدوا في حل مسالة طرحها واقعهم الزماني والمكاني، أخذا بقاعدة الضرورة ، ويدل علي هذا قول الامام الغزالي( .... فليت شعري من لا يساعد علي هذا، ويقضي ببطلان الإمامة في عصرنا لفوات شرطها، وهو عاجز عن الاستبدال بالمتصدي لها، بل هو فاقد للمتصف بشرعيتها ،فأي أفضل: القول أن القضاة معزولون وان الولايات باطلة و الانكحة غير منعقدة ...... أم القول بالإمامة منعقدة والتصرفات والولايات نافذة بحكم الحال والاضطرار ، ومعلوم أن البعيد مع الأبعد قريب وان الشرين خير بالإضافة، ويجب علي العقل اختياره ) (الاقتصاد فى الاعتقاد ،ص41)، وورد في حاشية الباجوري( ... ثالثها استبدال شخص مسلم شوكة فتغلب علي الإمامة ولو غير أهل لها، فتنعقد إمامته وتنفذ أحكامه للضرورة) ، وقال الشربيني ( والطريق الثالث : استيلاء شخص فتغلب علي الإمامة بجامع للشرط المعتبرة في الإمامة علي الملك بقهر وغلبة بعد موت الإمام ، لينتظم شمل المسلمين) (مغني المحتاج، ص66)،ويتضح أن الإقرار هنا هو اخذ بقاعدة الضرورة من مصطلحات "بحكم الحال والاضطرار"عند الغزالي و"تنفيذ أحكامه للضرورة" في "حاشية الباجورى" و"لينتظم شمل المسلمين" في "مغنى المحتاج".
يعمل...