الفكر السياسي الاسلامى السني: أصوله النظرية وقواعده التطبيقية
د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
خامسا: اولويه الإصلاح والجمع بين أنماط التغيير: ومن أصول الفكر السياسي السني الالتزام بالإصلاح كنمط تغيير تدريجي جزئي،يقوم على آليات متعددة كالتقويم والنصح ، باعتباره نمط التغيير الاصلى ، يقول الإمام الباقلاني بعدما ذكر فسق الإمام و ظلمه وعدم جواز خلعه بالسيف ( بل يجب وعظه و تخويفه ، و ترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله)(التمهيد 186) . ولكن علماء أهل السنة ، اختلفوا في حكم الثورة كنمط تغيير فجائي كلى( والتي عبروا عنها بمصطلح خلع السلطان الجائر) ، إلى مذهبين : المذهب الأول: المنع: يقول الإمام ابن تيمية ( والصبر على جور الأئمة أصل من أصول أهل السنة والجماعة)( مجموع الفتاوى ، 28)، المذهب الثاني: الاباحه: ومن علماء الحنابلة الذين ذهبوا إلى القول بخلع الجائر ، ابن رزين ، وابن عقيل ، وابن الجوزي (الإنصاف للمرداوي :10 ,311)، ومن الواضح أن كل مذهب من هذين المذهبين، قد أسسه أصحابه ، بناءا على تقديرهم بتوافر امكانيه الإصلاح في النظام السياسى المعين أو عدم توافرها، وبناءا على ذلك فان المذهب الأول يصح الاستدلال به في حاله توافر امكانيه الإصلاح في النظام المعين، أما المذهب الثاني فيصح الاستدلال به في حاله عدم توافر امكانيه الإصلاح في النظام المعين ، فالفكر السياسي السني يقوم على محاوله الجمع بين أنماط التغيير المتعددة قدر الإمكان . وهذا الأصل يخالف المذاهب التي تتطرف في التأكيد على نمط تغيير معين لدرجه إلغاء نمط التغيير الأخر، ومن أمثلتها مذهب الخوارج ، والذي استنادا إلى مفهومه فى الخروج ، يتطرف فى التأكيد على الثورة الخروج على السلطان الجائر كنمط تغيير ، لدرجه إلغاء نمط التغيير الأخر اى الإصلاح، وإيه هذا أنهم لم يميزوا فى خروجهم بين نظم قانونيه شرعيه وأخرى غير شرعيه (مثال للأولى خلافه على ابن أبى طالبرضي الله عنهومثال للثانية كثير من خلفاء الدولة الامويه)، فهم لم يميزوا بين التمرد والثورة . ومن أمثلتها أيضا مذهب المرجئه، والذي يفصل بين الإيمان والعمل، فيرجي (يؤخر) عقاب العصاة إلى يوم القيامة، ويقول ( لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة)،أي أن المؤمن يظل مؤمناً مهما ارتكب من المعاصي كما يظل الكافر كافراً مهما قام بأعمال صالحة، ويقول (إن الإيمان اعتقاد، وان من أعلن الكفر بلسانه وعبد الأوثان أو لزم اليهودية والنصرانية في دار الإسلام وعبد الصليب وأعلن التثليث في دار الإسلام ومات على ذلك فهو مؤمن كامل الإيمان عند الله عز وجل ومن أهل الجنة)، ويترتب على مفهوم هذا المذهب في الإرجاء رفض التغيير بأنماطه المتعددة.
سادسا: الحاكمية تتصل بالسيادة وليس بالسلطة: ومن أصول الفكر السياسي السني، تفسير مصطلح ألحاكميه القرانى طبقا لدلالته السياسية بما يقارب مصطلح السيادة في الفكر السياسي الحديث والمعاصر، اى السلطة المطلقة،التى تتضمن حق وضع القانون ابتداء"التشريع" ، يقول الإمام الغزالي ( الحاكم هو الشارع ، و لا حكم إلا لله تعالى لا حكم غيرة، وأما استحقاق نفوذ الحكم فليس إلا لمن له الخلق والأمر، فإنما النافذ حكم المالك علي مملوكه ، ولا مالك إلا الخالق، فلا حكم ولا أمر إلا له، أما النبي صلى الله عليه وسلم والسلطان والسيد و الأب والزوج ، فان أمروا أو أوجبوا لم يجب شئ بإيجابهم ، بل بإيجاب الله تعالى طاعتهم ، فالواجب طاعة الله تعالى وطاعة من أوجب الله تعالى طاعته )، وبناءا على الأصل فان الفكر السياسي السني قائم على أن ألحاكميه الالهيه لا تتعارض مع إسناد السلطة للجماعة، بل هي نتيجة لها . وهذا الأصل يخالف احد الأصول السياسية لمذهب الخوارج وهو تفسير مفهوم ألحاكميه على انه يقابل مصطلح السلطة في الفكر السياسي الحديث، وهو ما يتضح من شعارهم لا حكم إلا لله ، وقد كان علي ابن أبي طالب (رضي الله عنه) هو أول من تعرض لهذا الأصل بالنقد ،فقال في معرض حديثه عن شعار الخوارج لا حكم إلا لله (.. كلمة حق أريد بها باطل ، نعم انه لا حكم إلا لله ، ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا لله، وانه لابد للناس من أمير بر أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفيء ، ويقاتل به العدو، وتؤمن به السبل ، ويؤخذ به للضعيف حتى يستريح بر و يسترح من فاجر) ، فعلي بن أبى طالب (رضي الله عنه) يقر إسناد ألحاكميه لله ( نعم انه لا حكم إلا لله )، ولكنة ينكر فهم هذه ألحاكميه بمعني السلطة، التي أشار لها بلفظ الإمرة ( ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا لله )، ثم يبين ضرورة الدولة لأي مجتمع ( وانه لابد للناس من أمير بر أو فاجر)، ثم يبين أن السلطة ممارسه للسيادة خلال الزمان والمكان، ومن أشكال هذه الممارسة : جمع الفيء ومقاتلة العدو وتأمين السبل الخ، والله تعالى منزه عن ذلك.
سابعا:تحريم الخروج بالسيف "التغيير المسلح " : ومن أصول الفكر السياسي السني تحريم الخروج على الحكام بالسيف اى أسلوب التغيير المسلح ، يقول الإمام النووي (وأما الخروج عليهم وقتالهم؛ فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظلمة وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق) (شرح مسلم:12/432-433)، ويقول الإمام الأشعري في (رسالة أهل الثغر)(وأجمعوا على السمع والطاعة لأئمة المسلمين، وعلى أن كل مَنْ ولي شيئًا من أمورهم عن رضي أو غلبة، وامتدت طاعته مِنْ برٍّ وفاجر لا يلزم الخروج عليه بالسيف جارَ أو عَدَل، وعلى أن يُغْزا معه العدو، ويُحَجَّ معهم البيت، وتُدْفع إليهم الصدقات إذا طلبوها، ويُصَلَّى خلفهم الجُمَع و الأعياد) (ص 297:ط / مكتبة العلوم والحكم)، وينقل الإمام ابن تيمية من مذهب أهل السنة ( أنهم لا يرون الخروج علي الأئمة وقتالهم بالسيف، وان كان فيهم ظلم، لان الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال، فيدفع أعظم الفاسدين بالتزام الادني).
ثامنا: وظيفتي الدولة(حراسه الدين وسياسة الدنيا) : ومن أصول الفكر السياسي السني ما قرره علماء أهل السنة من أن وظيفتي الدولة الاسلاميه هي حراسه الدين وسياسة الدنيا ، يقول الإمام الماوردى (الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا) (الأحكام السلطانية) والمقصود بحراسه الدين حفظ قواعد النظام القانوني الإسلامي، أما المقصود بسياسة الدنيا تحقيق مصالح المسلمين الدنيوية ، والتي تشمل توفير الأمن للناس وإشباع حاجاتهم المادية . التمييز بين حراسه الدين وإقامته: وهنا يميز الفكر السياسي السني بين مصطلحي "حراسه الدين" و"اقامه الدين " فالمقصود بالمصطلح الأول- كما ذكرنا اعلاه- حفظ قواعد النظام القانوني الإسلامي، ولا يختلف الفكر السياسي السني ، عن غيره من مذاهب الفكر السياسي، في تقريره لهذه الوظيفة من وظائف الدولة ، لان وظيفة اى دوله حفظ النظام القانوني فيها ، تستوي في هذا كل الدول، ووجه الاختلاف بينها هو فقط في فلسفه هذا النظام القانوني" فهي إسلاميه أو ليبراليه او ماركسيه ..." ، أما المصطلح الثاني اقامه الدين فالمقصود به الالتزام بمفاهيم وقيم وقواعد الإسلام ، وقد قرر علماء أهل السنة، ما قررته النصوص من ان اقامه الدين هو أصلا مسئوليه المجتمع المسلم ، قال تعالى (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)( الشورى) ، ورد في تفسير القرطبي (.. وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : أَنْ أَقِيمُوا الدِّين وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ أَيْ اِجْعَلُوهُ قَائِمًا ; يُرِيد دَائِمًا مُسْتَمِرًّا مَحْفُوظًا مُسْتَقَرًّا مِنْ غَيْر خِلَاف فِيهِ وَلَا اِضْطِرَاب )، وبناءا على هذا التمييز فانه لا يجوز نسبه الثيوقراطيه إلى الفكر السياسي السني ، عند تقريره لوظيفه حفظ الدين حيث أن هذا المصطلح لا يحمل اى دلالات ثيوقراطيه، لان وظيفة اى دوله - كما ذكرنا اعلاه- - حفظ النظام القانوني فيها ، تستوي فى هذا كل الدول سواء كانت ثيوقراطيه أو مدنيه أو حتى علمانيه ، اما مصطلح اقامه الدين فنسبته إلى الحاكم على وجه الانفراد هو الذي يحمل دلالات ثيوقراطيه ، لأنه يعنى انه ينفرد بالالتزام بالدين دون الجماعة ، وهو ما لم يقل به علماء أهل السنة كما ذكرنا اعلاه.
د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
خامسا: اولويه الإصلاح والجمع بين أنماط التغيير: ومن أصول الفكر السياسي السني الالتزام بالإصلاح كنمط تغيير تدريجي جزئي،يقوم على آليات متعددة كالتقويم والنصح ، باعتباره نمط التغيير الاصلى ، يقول الإمام الباقلاني بعدما ذكر فسق الإمام و ظلمه وعدم جواز خلعه بالسيف ( بل يجب وعظه و تخويفه ، و ترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله)(التمهيد 186) . ولكن علماء أهل السنة ، اختلفوا في حكم الثورة كنمط تغيير فجائي كلى( والتي عبروا عنها بمصطلح خلع السلطان الجائر) ، إلى مذهبين : المذهب الأول: المنع: يقول الإمام ابن تيمية ( والصبر على جور الأئمة أصل من أصول أهل السنة والجماعة)( مجموع الفتاوى ، 28)، المذهب الثاني: الاباحه: ومن علماء الحنابلة الذين ذهبوا إلى القول بخلع الجائر ، ابن رزين ، وابن عقيل ، وابن الجوزي (الإنصاف للمرداوي :10 ,311)، ومن الواضح أن كل مذهب من هذين المذهبين، قد أسسه أصحابه ، بناءا على تقديرهم بتوافر امكانيه الإصلاح في النظام السياسى المعين أو عدم توافرها، وبناءا على ذلك فان المذهب الأول يصح الاستدلال به في حاله توافر امكانيه الإصلاح في النظام المعين، أما المذهب الثاني فيصح الاستدلال به في حاله عدم توافر امكانيه الإصلاح في النظام المعين ، فالفكر السياسي السني يقوم على محاوله الجمع بين أنماط التغيير المتعددة قدر الإمكان . وهذا الأصل يخالف المذاهب التي تتطرف في التأكيد على نمط تغيير معين لدرجه إلغاء نمط التغيير الأخر، ومن أمثلتها مذهب الخوارج ، والذي استنادا إلى مفهومه فى الخروج ، يتطرف فى التأكيد على الثورة الخروج على السلطان الجائر كنمط تغيير ، لدرجه إلغاء نمط التغيير الأخر اى الإصلاح، وإيه هذا أنهم لم يميزوا فى خروجهم بين نظم قانونيه شرعيه وأخرى غير شرعيه (مثال للأولى خلافه على ابن أبى طالبرضي الله عنهومثال للثانية كثير من خلفاء الدولة الامويه)، فهم لم يميزوا بين التمرد والثورة . ومن أمثلتها أيضا مذهب المرجئه، والذي يفصل بين الإيمان والعمل، فيرجي (يؤخر) عقاب العصاة إلى يوم القيامة، ويقول ( لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة)،أي أن المؤمن يظل مؤمناً مهما ارتكب من المعاصي كما يظل الكافر كافراً مهما قام بأعمال صالحة، ويقول (إن الإيمان اعتقاد، وان من أعلن الكفر بلسانه وعبد الأوثان أو لزم اليهودية والنصرانية في دار الإسلام وعبد الصليب وأعلن التثليث في دار الإسلام ومات على ذلك فهو مؤمن كامل الإيمان عند الله عز وجل ومن أهل الجنة)، ويترتب على مفهوم هذا المذهب في الإرجاء رفض التغيير بأنماطه المتعددة.
سادسا: الحاكمية تتصل بالسيادة وليس بالسلطة: ومن أصول الفكر السياسي السني، تفسير مصطلح ألحاكميه القرانى طبقا لدلالته السياسية بما يقارب مصطلح السيادة في الفكر السياسي الحديث والمعاصر، اى السلطة المطلقة،التى تتضمن حق وضع القانون ابتداء"التشريع" ، يقول الإمام الغزالي ( الحاكم هو الشارع ، و لا حكم إلا لله تعالى لا حكم غيرة، وأما استحقاق نفوذ الحكم فليس إلا لمن له الخلق والأمر، فإنما النافذ حكم المالك علي مملوكه ، ولا مالك إلا الخالق، فلا حكم ولا أمر إلا له، أما النبي صلى الله عليه وسلم والسلطان والسيد و الأب والزوج ، فان أمروا أو أوجبوا لم يجب شئ بإيجابهم ، بل بإيجاب الله تعالى طاعتهم ، فالواجب طاعة الله تعالى وطاعة من أوجب الله تعالى طاعته )، وبناءا على الأصل فان الفكر السياسي السني قائم على أن ألحاكميه الالهيه لا تتعارض مع إسناد السلطة للجماعة، بل هي نتيجة لها . وهذا الأصل يخالف احد الأصول السياسية لمذهب الخوارج وهو تفسير مفهوم ألحاكميه على انه يقابل مصطلح السلطة في الفكر السياسي الحديث، وهو ما يتضح من شعارهم لا حكم إلا لله ، وقد كان علي ابن أبي طالب (رضي الله عنه) هو أول من تعرض لهذا الأصل بالنقد ،فقال في معرض حديثه عن شعار الخوارج لا حكم إلا لله (.. كلمة حق أريد بها باطل ، نعم انه لا حكم إلا لله ، ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا لله، وانه لابد للناس من أمير بر أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفيء ، ويقاتل به العدو، وتؤمن به السبل ، ويؤخذ به للضعيف حتى يستريح بر و يسترح من فاجر) ، فعلي بن أبى طالب (رضي الله عنه) يقر إسناد ألحاكميه لله ( نعم انه لا حكم إلا لله )، ولكنة ينكر فهم هذه ألحاكميه بمعني السلطة، التي أشار لها بلفظ الإمرة ( ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا لله )، ثم يبين ضرورة الدولة لأي مجتمع ( وانه لابد للناس من أمير بر أو فاجر)، ثم يبين أن السلطة ممارسه للسيادة خلال الزمان والمكان، ومن أشكال هذه الممارسة : جمع الفيء ومقاتلة العدو وتأمين السبل الخ، والله تعالى منزه عن ذلك.
سابعا:تحريم الخروج بالسيف "التغيير المسلح " : ومن أصول الفكر السياسي السني تحريم الخروج على الحكام بالسيف اى أسلوب التغيير المسلح ، يقول الإمام النووي (وأما الخروج عليهم وقتالهم؛ فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظلمة وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق) (شرح مسلم:12/432-433)، ويقول الإمام الأشعري في (رسالة أهل الثغر)(وأجمعوا على السمع والطاعة لأئمة المسلمين، وعلى أن كل مَنْ ولي شيئًا من أمورهم عن رضي أو غلبة، وامتدت طاعته مِنْ برٍّ وفاجر لا يلزم الخروج عليه بالسيف جارَ أو عَدَل، وعلى أن يُغْزا معه العدو، ويُحَجَّ معهم البيت، وتُدْفع إليهم الصدقات إذا طلبوها، ويُصَلَّى خلفهم الجُمَع و الأعياد) (ص 297:ط / مكتبة العلوم والحكم)، وينقل الإمام ابن تيمية من مذهب أهل السنة ( أنهم لا يرون الخروج علي الأئمة وقتالهم بالسيف، وان كان فيهم ظلم، لان الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال، فيدفع أعظم الفاسدين بالتزام الادني).
ثامنا: وظيفتي الدولة(حراسه الدين وسياسة الدنيا) : ومن أصول الفكر السياسي السني ما قرره علماء أهل السنة من أن وظيفتي الدولة الاسلاميه هي حراسه الدين وسياسة الدنيا ، يقول الإمام الماوردى (الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا) (الأحكام السلطانية) والمقصود بحراسه الدين حفظ قواعد النظام القانوني الإسلامي، أما المقصود بسياسة الدنيا تحقيق مصالح المسلمين الدنيوية ، والتي تشمل توفير الأمن للناس وإشباع حاجاتهم المادية . التمييز بين حراسه الدين وإقامته: وهنا يميز الفكر السياسي السني بين مصطلحي "حراسه الدين" و"اقامه الدين " فالمقصود بالمصطلح الأول- كما ذكرنا اعلاه- حفظ قواعد النظام القانوني الإسلامي، ولا يختلف الفكر السياسي السني ، عن غيره من مذاهب الفكر السياسي، في تقريره لهذه الوظيفة من وظائف الدولة ، لان وظيفة اى دوله حفظ النظام القانوني فيها ، تستوي في هذا كل الدول، ووجه الاختلاف بينها هو فقط في فلسفه هذا النظام القانوني" فهي إسلاميه أو ليبراليه او ماركسيه ..." ، أما المصطلح الثاني اقامه الدين فالمقصود به الالتزام بمفاهيم وقيم وقواعد الإسلام ، وقد قرر علماء أهل السنة، ما قررته النصوص من ان اقامه الدين هو أصلا مسئوليه المجتمع المسلم ، قال تعالى (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)( الشورى) ، ورد في تفسير القرطبي (.. وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : أَنْ أَقِيمُوا الدِّين وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ أَيْ اِجْعَلُوهُ قَائِمًا ; يُرِيد دَائِمًا مُسْتَمِرًّا مَحْفُوظًا مُسْتَقَرًّا مِنْ غَيْر خِلَاف فِيهِ وَلَا اِضْطِرَاب )، وبناءا على هذا التمييز فانه لا يجوز نسبه الثيوقراطيه إلى الفكر السياسي السني ، عند تقريره لوظيفه حفظ الدين حيث أن هذا المصطلح لا يحمل اى دلالات ثيوقراطيه، لان وظيفة اى دوله - كما ذكرنا اعلاه- - حفظ النظام القانوني فيها ، تستوي فى هذا كل الدول سواء كانت ثيوقراطيه أو مدنيه أو حتى علمانيه ، اما مصطلح اقامه الدين فنسبته إلى الحاكم على وجه الانفراد هو الذي يحمل دلالات ثيوقراطيه ، لأنه يعنى انه ينفرد بالالتزام بالدين دون الجماعة ، وهو ما لم يقل به علماء أهل السنة كما ذكرنا اعلاه.