علاقة الدين بالدولة بين االثيوقراطيه والعلمانية والدولة المدنية: قراءه اسلاميه 1

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • صبرى محمد خليل خيرى
    طالب علم
    • Jan 2010
    • 416

    #1

    علاقة الدين بالدولة بين االثيوقراطيه والعلمانية والدولة المدنية: قراءه اسلاميه 1

    العلاقة بين الدين والدولة بين الكهنوت والثيوقراطيه والعلمانية والدولة المدنية: قراءه تقويميه إسلاميه 1
    د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
    تمهيد: هناك العديد من المذاهب في تحديد طبيعة العلاقة بين السلطة الدينية / الروحية " التي تمثل الدين" ، والسلطة السياسية / الزمنية " التي تمثل الدولة " :
    أولا: العلاقة بين الدين والدوله في الفكر السياسي الغربي : وفي إطار الفكر السياسي الغربي فان هناك مذهبين رئيسيين في تحديد طبيعة هذه العلاقة:
    ا/ الخلط بين الدين والدولة: فهناك أولا المذهب الذي يجعل العلاقة بين السلطتين الدينية والسياسية علاقة تطابق وخلط ، وينقسم إلى مذهبين فرعيين هما :
    أولا: الكهنوت : يرجع الأصل اللغوي لمصطلح كهنوت إلى ماده (كَهَنَ ) التي تعنى: قَضى له بالغيب (القاموس المحيط) . أما اصطلاحا فان الكهنوت هو مذهب يقول بوجود طبقه معينه هي طبقه رجال الدين ، وهم ليسوا مجرد علماء بالدين ، بل هم علماء بالدين يتصفون بصفات معينه هي مظاهر الكهنوت- وهى :ا/ يسند إليهم سلطه دينيه مطلقه من مظاهرها التحليل والتحريم بدون نص يقيني الورد قطعي الدلالة.ب/ ينفردون بسلطة دينيه مقيده من مظاهرها الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والاجتهاد. ج/هم واسطة بين الناس والله تعالى.د/ هم معصومون عن الخطأ.
    تعارض الكهنوت مع الإسلام : والكهنوت بدلالتيه اللغوية والاصطلاحية يتعارض مع الإسلام وفيما يلي نورد أدله هذا التعارض :
    أدله تعارض الدلالة اللغوية للكهنوت ادعاء العلم الغيب مع الإسلام:
    ا/ لا يعلم الغيب إلا الله : يقرر القران الكريم انه لا يعلم الغيب إلا الله تعالى قال تعالى ( قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) (النمل:65).ويترتب على هذا انه لا يعلم سواه تعالى الغيب، والمقصود بالغيب هنا الغيب الكلى المطلق، أما الغيب الجزئي المقيد ، فهو جائز في حق من ارتضى الله تعالى من الملائكة ، والأنبياء والرسل الذين أوحى إليهم ، دون سواهم من المخلوقات الغيبيةكالجن ، والشهاديهكسوى الأنبياء من البشر ، قال تعالى (عالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) (الجن:26-27)
    ب/ الجن لا يعلمون الغيب: كما قرر القران الكريم أن الجن- الذين يدعى الكهنة أنهم يتصلون بهم لا يعلمون الغيب اى الغيب الكلى المطلق قال تعالى (لَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ)، ورد فى تفسير ابن كثير: ( ... تبينت الجن والإنس أيضا أن الجن لا يعلمون الغيب ، كما كانوا يتوهمون ويوهمون الناس ذلك )
    الكهنة لا يعلمون الغيب: كما قرر الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن الكهنة بفرض اتصالهم بالجن وبفرض موافقة بعض أقوالهم للواقع لا يعلمون الغيب، سَأَلَ أُنَاسٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْكُهَّانِ ، فَقَالَ : ( إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا ، قَالَ : فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنْ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ فَيُقَرْقِرُهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ كَقَرْقَرَةِ الدَّجَاجَةِ فَيَخْلِطُونَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ ) رواه البخاري برقم (7561) .
    تحريم الكهانة في الإسلام : أولا: نفى القران الكريم صفه ألكهانه عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) -وذلك في معرض ذمها قال تعالى (وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ).ثانيا: حرمت العديد من النصوص ألكهانه، ومنها قول الرسول (صلى اله عليه وسلم )( من أَتى كاهِناً أَو عَرَّافاً فقد كَفَر بما أُنزِل على محمد أَي من صَدَّقهم) ، قال الأَزهري( وكانت الكَهانةُ في العرب قبل مبعث سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلما بُعث نَبِيّاً وحُرِسَت السماء بالشُّهُب ومُنِعت الجنُّ والشياطينُ من استراق السمع وإِلقائه إِلى الكَهَنةِ بطل علم الكَهانة، وأَزهق الله أَباطيلَ الكُهَّان بالفُرْقان ... فلا كَهانةَ اليوم بحمد الله ومَنِّه وإِغنائه بالتنزيل عنها) .
    أدله تعارض الدلالة الاصطلاحية للكهنوت مع الإسلام: الكهنوت هو طبقه رجال الدين ، الذين هم ليسوا مجرد علماء بالدين، بل هم علماء بالدين يتصفون بالصفات التالية:ا/ يسند إليهم سلطه دينيه مطلقه من مظاهرها التحليل والتحريم بدون نص يقيني الورد قطعي الدلالة.ب/ ينفردون بسلطة دينيه مقيده من مظاهرها الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والاجتهاد. ج/هم واسطة بين الناس والله تعالى.د/ هم معصومون عن الخطأ.
    ا/ ليس في الإسلام سلطه دينيه مطلقه التحليل و التحريم بدون نص قطعي : أول صفه للكهنوت هي أن يسند إلى العلماء سلطه دينيه مطلقه مظهرها الاساسى التحليل والتحريم بدون نص يقيني الورد قطعي الدلالة ،وهو ما نهت عنه النصوص، قال تعالى ( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ.) (النحل:116).وقال تعالى ﴿ يَا أيُّهَا الَّذِينَ امنوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ (المائدة 78)، يقول الإمام الشوكاني في تفسير الايه (لا تعتدوا على الله بتحريم طيبات ما أحل الله، ولا تعتـدوا فتحـلوا ما حرم الله عليكم،فهو اعتداء في الحالتين؛ ولهذا قال تعالى إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾.
    ب/ العلماء لا ينفردون بسلطة دينيه مقيده الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر : ثاني صفه للكهنوت أن العلماء ينفردون بسلطة دينيه مقيده من مظاهرها الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وهو ما يتعرض مع كون هذه السلطة الدينية المقيدة مخوله في الإسلام بموجب الاستخلاف العام لجماعة المسلمين﴿ كنتم خير أمه أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾، أما اى جماعه من المسلمين ومنها جماعه العلماء- فهي مكلفه بالأمر بالمعروف او النهى عن المنكر من باب التخصص، وليس الانفراد كما فى قوله تعالى(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر )(آل عمران: 104)،
    ج/ لا واسطة بين الإنسان وربه: ثالث صفه للكهنوت هو جعل العلماء وسطاء بين الناس والله تعالى ، وهو ما نفته النصوص عن العلماء وغيرهم لأنه شكل من أشكال الشرك- شرك الواسطة قال تعالى( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)( الزمر / 3) يقول الإمام ابن تيمية : (ليس أحد من البشر واسطة بين الله وخلقه في رزقه وخلقه ، وهداه ونصره ، وإنما الرسل وسائط في تبليغ رسالاته ، لا سبيل لأحد إلى السعادة إلا بطاعة الرسل . وأما خلقه ورزقه ، وهداه ونصره ، فلا يقدر عليه إلا الله (تعالى)...) ( منهاج السنة النبوية :1/97)،فالعلاقة بين الإنسان وخالقه فى التصور الاسلامى علاقة ذاتيه مباشره قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ألداع إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186]
    د/ لا عصمه لأحد بعد الرسول صلى الله عليه وسلم: رابع صفه للكهنوت هى ان العلماء معصومين عن الخطأ ، وهو ما يتعارض مع القاعدة التي قررها علماء أهل السنة، وهى انه لا عصمه لأحد بعد الرسول (صلى الله عليه وسلم)، يقول الإمام ابن تيمية : (والقاعدة الكلية في هذا ألا نعتقد أن أحداً معصوم بعد النبي صلى الله عليه وسلم- ، بل الخلفاء وغير الخلفاء يجوز عليهم الخطأ)( منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية: 6/196 ).
    ثانيا: الثيوقراطيه: الأصل اللغوي لمصطلح الثيوقراطيه مشتق من الكلمة اليونانية ( Theokratia) وتعني الحكم الالهى ،أما اصطلاحا فان الثيوقراطيه هي مذهب يسند إلى الحاكم سلطه دينيه روحيه : مطلقهمظهرها الاساسى سلطه التحليل والتحريم بدون نص، ومقيده من مظاهرها انفراده بسلطة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، ويترتب على هذا أحقيته في الانفراد بالسلطة السياسيةالزمنية . ومن أشكال الثيوقراطيه : ا/ نظريه الحاكم الإله: وتقول أن الحاكم هو اله أو ابن الإله ، وقد أشار إليها القران الكريم في معرض الذم عند أشارته لقول فرعون فحشر فنادي فقال أنا ربكم الأعلى ، ب / نظريه الحق الالهى:وتقول بان الحاكم ذو حق الهي في الحكم .ج/ نظريه العناية الالهيه :وتقول أن العناية الالهيه وجهت الأحداث ليصل هذا الحاكم إلى الحكم
    تعارض الثيوقراطيه مع الإسلام: والثيوقراطيه تتعارض مع الإسلام ،وفيما يلي نورد أدله تعارضها مع الإسلام والفلسفة السياسية الاسلاميه:
    ليس في الإسلام سلطه دينيه مطلقه التحليل و التحريم بدون نص قطعي : أول صفه للثيوقراطيه كما في الكهنوت- هي أنها تسند إلى الحكام سلطه دينيه مطلقه مظهرها الاساسى التحليل والتحريم بدون نص يقيني الورد قطعي الدلالة ، وهو ما نهت عنه النصوص كما سبق ذكره قال تعالى ( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ.)(النحل:116).
    الحكام لا ينفردون بسلطة دينيه مقيده الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر : ثاني صفه للثيوقراطيه كما الكهنوت- أن الحكام ينفردون بسلطة دينيه مقيده من مظاهرها الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وهو ما يتعرض مع كون هذه السلطة الدينية المقيدة مخوله في الإسلام بموجب الاستخلاف العام لجماعة المسلمين ﴿ كنتم خير أمه أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾، أما اى جماعه من المسلمين ومنها جماعه الحاكم ونوابه فهي مكلفه بالأمر بالمعروف او النهى عن المنكر من باب التخصص، وليس الانفراد كما في قوله تعالى(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر )(آل عمران: 104)،
    الحكام لا ينفردون بالسلطة السياسية : ثالث صفه للثيوقراطيه أن الحكام ينفردون بالسلطة السياسية ،وهو ما يتعارض مع كون الفلسفة السياسية الاسلاميه تسند السلطة السياسية التي عبر عنها القران بمصطلح الأمر- إلى الجماعة- بموجب الاستخلاف العام قال تعالى ﴿ وأمرهم شورى بينهم)، أما الحاكم فنائب ووكيل عن الجماعة، لها حق تعينه ومراقبته وعزله ، ي، يقول أبو يعلي (الخليفة وكيل للمسلمين ) (المارودي، الأحكام السلطانية، ص 7 )، ويقول الماوردي ( البيعة عقد مرضاة واختيار لا يدخله اكراة ولا إجبار) .
    طاعة الحكام مقيده وليست مطلقه: ومن صفات الثيوقراطيه وجوب طاعة الإمام طاعة مطلقه وهو ما يتعارض مع تحريم النصوص للطاعة المطلقة للحكام او غيرهم ، وإيجابها للطاعة المقيدة المشروطة اى الطاعة بالمعروف ، قال الرسول (صلى الله عليه وسلم ) (إنما الطاعة في المعروف لا طاعة في معصية)، يقول لماوردي ( إذا تكاملت فيه شروط العادلة ، تجوز بها شهادته وتصبح ولايته ، فإذا انخرم منها وصف منع هذه الشهادة والولاية فلم يسمع له قول ولم ينفذ له حكم)، .وقال الإمام ابن حزم ( فهو الإمام الواجب طاعته ما قادنا بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم- فإذا زاغ عن شيء منهما، منع من ذلك وأقيم عليه الحق والحق ، فإن لم يؤمن أذاه إلا بخلعه ، خُلع وولي غيره ).
    ثانيا:الفصل بين الدين والدولة : وهناك ثانيا المذهب الذي يجعل العلاقة بين السلطتين الدينية والسياسية علاقة فصل ومثال له العلمانية.
    العلمانية : مصطلح "العلمانية " هو ترجمه عربيه لمصطلح (Secularism )، والذي هو صيغه نسب لكلمه ( Secular )، والتي تعنى في اللغة اللاتينية الدنيا أو العالم ، فالأصل اللاتيني لمصطلح العلمانية يفيد أذا معنى ما هو دنيوي مقابل ما هو ديني ، ورغم ما يدخل في تركيب كلمه العلمانية من حروف كلمه العلم، إلا انه لا علاقة بين العلمانية نزعه والعلم منهاجا، والأصل اللاتيني للترجمة العربية ينفى مثل هذه الصلة (د. عصمت سيف الدولة ، عن العروبة والإسلام ، ص187)، فالأولى أصلها اللاتيني ( Secular )، بينما الثانية أصلها (science) . أما اصطلاحا فان العلمانية هي نزعه تعمل على الفصل بين الدين"ممثله في السلطة الدينية" والدولة "ممثله في السلطة السياسية" . وإذا كان ما سبق من حديث يتصل بالدلالة ألعامه -المشتركة لمصطلح علمانيه وهى دلالته الأصلية التاريخية ، فقد اكتسب المصطلح لاحقا دلالات خاصة- منفردة متعددة، ومنها أن العلمانية هي فصل الدين عن السياسة"السلطة السياسية" ،وليس الدولة "ميشيل عفلق"
    شكلي العلمانية:
    العلمانية المسيحية " ذات الأساس الديني": وقد كانت العلمانية في الأصل جزء من الديانة المسيحية، استنادا إلى قول المسيح (عليه السلام) " أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله " (متى 17: 21) .وهنا يمكن الحديث عن احد أشكال العلمانية وهو العلمانية المسيحية، وهى علمانيه ذات أساس ديني للاتي ا/ لأنها احد مبادئ الديانة المسيحية ، وردت الاشاره إليه في العديد من النصوص المسيحية،وله تطبيقات كثيرة في هذه الديانة، ب/ لان المسيحية ديانة تعنى بالعلاقة بين الإنسان-الفرد- وربه، وتركز على العقائد والعبادات والقيم الاخلاقيه والروحية "ذات طابع فردى "اى تنظم العلاقة بين الأفراد" ولكنها لا تتضمن تشريعات ذات الطابع الاجتماعي " اى تنظم حركه المجتمع " كما في الديانة الاسلاميه مثلا- وما أطلق عليها اسم "تشريعات مسيحيه " هي من وضع الكنائس المسيحية المتعددة في مراحل متاجره،ج/ رغم أنها ترى جسد الإنسان يجب أن يخضع لسلطه الحاكم ، لكنها ترى في ذات الوقت أن روحه يجب أن تخضع لسلطه المسيح- تلاميذ المسيح الكنيسة..
    العلمانية الليبرالية"الطبيعية - اللادينيه": وقد تحولت العلمانية إلي تيار فكرى معين، ظهر في مرحله معينه من مراحل التاريخ الاوربى ، تحول إلي ثوره ضد تدخل الكنيسة في الحكم، انتهى إلي أقامه نظام متكامل للحياة ، هو النظام الليبرالي التي تشكل العلمانية احد أركانه، كان محصله عوامل ثقافية ونفسيه وتاريخية وحضارية سادت أوربا نحو سبعه قرون . وهنا يمكن الحديث عن شكل آخر للعلمانية وهو العلمانية الليبرالية ، اى التي تشكل احد أركان النظام الليبرالي الاربعه "بالاضافه إلى الراسماليه والفردية والراسماليه " . وهى علمانيه طبيعيه- لا دينيه، اى تنطلق من فكره "القانون الطبيعي "، والتي مضمونها ( أن مصلحه المجتمع ككل ستتحقق حتما من خلال سعى كل فرد لتحقيق مصلحته الخاصة ) - التي يستند إليها المنهج اللييرالى - لتقول بعدم تدخل الدولة في النشاط الديني والحياة الدينية للمجتمع - ليصبح النشاط الديني بذلك مقصورا على الأفراد - وتقول بوجوب خضوع جسد الإنسان للسلطة السياسية ، أما روحه فحرة حرية مطلقه ، اى تقوم على أساس حرية الاعتقاد المطلقة ولست المقيده ، اى للإنسان مطلق الحرية في اختيار اى اعتقاد ديني"مسيحي أو خلافه"، أو لا ديني "الإلحاد أو الشك.."
    المواقف المتعددة من العلمانية : وقد تعددت المواقف من العلمانية في المجتمعات المسلمة ، غير أن هناك ثلاثة مواقف أساسيه منها وهى :
    أولا : موقف القبول المطلق :اى قبول العلمانية دون تمييز بين دلالاتها المتعددة، وأشكالها المختلفة ، و سلبياتها وايجابيتها .
    التغريب: كما سبق الاشاره فان أن العلمانية "الليبرالية" هي احد أركان النظام الليبرالي ، كنظام متكامل للحياة ، كان محصله عوامل ثقافية ونفسيه وتاريخية وحضارية سادت أوربا نحو سبعه قرون. بناءا على هذا فان موقف القبول المطلق للعلمانية هو شكل من أشكال التغريب الذي مضمونه أن تستبدل المفاهيم والقيم والقواعد الاسلاميه (التي تشكل الهيكل الحضاري للمجتمعات المسلمة ) بالمفاهيم والقيم والقواعد الغربية، لتحقيق قدر من الشعور المستقر بالانتماء إلى الحضارة الغربية .
    ثانيا :موقف الرفض المطلق: اى رفض العلمانية دون تمييز بين:اولا دلالاتها المتعددة "دلالتها الاصليه التاريخية"العامة - المشتركة"(فصل الدين عن الدولة) ودلالاتها اللاحقة ،ثانيا: أشكالها المختلفة "العلمانية المسيحية ذات الأساس الديني"قول المسيح أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله " و العلمانية المسيحية ذات الاساس الطبيعي اللاديني، ثالثا: سلبياتها التي تتناقض مع الإسلام كالدين ومنها إقصاء واستبعاد الدين عن الحياة العامة وقصره على الحياة الخاصة... و ايجابياتها التي تتسق مع الإسلام كدين : ومنها تقرير مدنيه السلطة ورفض الكهنوت والثيوقراطيه..
    التكفير:هذا الموقف يقوم على تكفير كل من يتبنى أو يدعو إلى العلمانية في المجتمعات المسلمة .هذا الموقف يواجه عده إشكاليات ومنها:
    أولا:عدم التمييز بين عله منع شكلي العلمانية : أن هذا الموقف لا يميز بين عله المنع في الشكل الأول من أشكال العلمانية "العلمانية المسيحية" ممثله في قول المسيح (عليه السلام)(أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله)، وهى أنها من شرع من قبلنا الذي يخالف شرعنا لان شرعنا يتضمن تشريعات كليه تشمل كافه مناحي الحياة- وهنا لا يجوز أن يقترن المنع بالتكفير" لان هذا طعن في الأنبياء السابقين، فعدم عملنا بشرائعهم لا يعنى إنكارنا عملهم بشرائعهم - وعله المنع في الشكل الثاني من أشكال العلمانية "العلمانية الليبرالية"-وهى أن أساسها طبيعي لا دينى- وهنا يجب على من أراد أن يقرن المنع بالتكفير أن يلتزم بضوابط التكفير الشرعية .
    ثانيا:عدم الالتزام بضوابط التكفير الشرعية : أن هذا موقف لا يلتزم بضوابط التكفير التي قررتها النصوص وأكد عليها علماء الإسلام ومنها قاعدة"التكفير على العموم أما المعين فيتوقف تكفيره على استيفاء الشروط وانتفاء الموانع" بمعنى جواز القول بان المذهب المعين أو القول المعين هو كفر، أما الشخص المعين فلا يجوز القول بكفره إلا بعد استيفائه شروط التكفير وانتفاء موانعه عنه، والدليل على ذلك أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) لعن شارب الخمر على العموم، ولما جلد رجلاً شرب الخمر قام رجل فلعنه فقال (صلى الله عليه وسلم) (لا تلعنوه فو الله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله) (رواه البخاري(، فوجد الرسول(صلى الله عليه وسلم) مانع من اللعن العام وهو محبته لله والرسول .يقول ابن تيمية ( إن التكفير العام يجب القول بإطلاقه وعمومه، وأما الحكم على المعين بأنه كافراً أو مشهود له بالنار، فهذا يقف على الدليل المعين، فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه وانتفاء موانعه) (ابن تيمية، الفتاوى، الفتاوى ،مجلد 12، ص22) .وتطبيقا لهذه القاعدة فانه إذا كان من الجائز القول بتضمن مذهب العلمانية أو بعض مذاهبها لمفاهيم كفريه- وهو قول مقصور على العلماء - فانه لا يجوز أن القول أن الشخص المعين "العلماني " كافر إلا بعد استيفائه شروط التكفير وانتفاء موانعه عنه.
    ثالثا :عدم التمييز بين أنواع عدم الالتزام بالشرع : أن هذا الموقف يحكم بكفر العلمانيين لأن تعريفه للعلمانية هو عدم الالتزام بالشرع ، ولكنه لا يميز بين أنواع عدم الالتزام بالشرع ، وهو ما يخالف أصل من أصول الفكر السياسي السني وهو وجوب التمييز بين نوعين من أنواع عدم الالتزام بالشرع :الأول هو عدم الالتزام بالشرع مع الإقرار به، وحكمه انه ظلم او فسق، والثاني: عدم الالتزام بالشرع مع إنكاره ،وحكمه انه كفر بدليل قوله تعالى ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) [5 /المائدة /45]، وقوله تعالى ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) [5 المائدة /47]، وَقوله تعالى (مَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )، وقد روى علي بن أبي طلحة ،عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ قال ( من جحد ما أنزل الله، فقد كفر، ومن أقرّبه، لم يحكم به فهو ظالم فاسق) (أخرجه الطبري في جامع البيان بإسناد حسن/ سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني /ذكره أبو عبد الله بن بطة في الإبانة الحكم بغير ما أنزل الله)، ولذا ينسب لابن عباس في رده على الخوارج إنه ليس الكفر الذي تذهبون إليه، إنه ليس كفراً ينقل عن الملة: كفر دون كفر ، ويقول الشيخ الألباني (وقد جاء عن السلف ما يدعمها، وهو قولهم في تفسير الآية: «كفر دون كفر»، صحّ ذلك عن ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنه، ثم تلقاه عنه بعض التابعين وغيرهم )، بناءا الأصل فان الفكر السياسي الاسلامى السني يقوم على عدم تكفير من لم يلتزم بالشرع (سواء كان فرد أو جماعه أو حاكم أو نظام سياسي..)، إلا بعد التحقق من إنكاره للشرع . وهذا الأصل يتسق مع احد الأصول السياسية لمذهب الخوارج ، وهو تكفير الحكام الذين لم يلتزموا بالشرع والخروج عليهم دون تمييز بين من اقر به ومن أنكره ، استنادا إلى تفسير خاطئ لقوله تعالى( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )(المائدة:44).
    رابعا:استبعاد المبرر الحضاري لرفض العلمانية : أن هذا الموقف يحصر رفض العلمانية للمبرر الديني ، ويستبعد رفضها لمبرر حضاري أيضا وهو أنها شكل من إشكال التغريب ،لأنه يقصر الإسلام على الدين، بينما الإسلام دين وحضارة.
    ثالثا : الموقف االنقدى : وهو الموقف الذي يقوم على التمييز بين الدلالات المتعددة لمصطلح العلمانية ، حيث أن للمصطلح دلاله أصليه تاريخيه واحده - هي فصل الدين عن الدولة ، كما أن له دلالات لاحقه - خاصة متعددة ، وبالتالي فان رفض الدلالة الاصليه التاريخية"العامه المشتركه" للمصطلح، لا يترتب عليه رفض أو قبول دلالاته اللاحقة" الخاصة المنفرده" إلا بعد تقييمها.
    كما يقوم هذا الموقف على التمييز بين سلبيات للعلمانية التي تتناقض مع الإسلام كالدين ومنها إقصاء واستبعاد الدين عن الحياة العامة وقصره على الحياة الخاصة... و ايجابياتها التي تتسق مع الإسلام كدين : ومنها تقرير مدنيه السلطة ورفض الثيوقراطيه... يقول المفكر الاسلامى احمد كمال أبو المجد انه يجب تحليل المكونات المختلفة للعلمانية " إذ أن فيها عناصر لا نعتقد أنها تتعارض بالضرورة مع الإسلام ، كاعتبار السلطة السياسية ذات أساس مدني مستمد من رضا المحكومين، ونفى الصفة الثيوقراطيه عنها ،وكالتسليم بحق أتباع الديانات المختلفة في ممارسه شعائرهم الدينية بحريه، إلا إذا صادمت ما يعرف بالنظام العام والآداب العامة، وهى فكره ترتبط بالدولة ولا ترتبط بالإسلام ، أما فصل الدين عن الوله، بمعنى إقصاء الدين عن أن يكون له دور في تنظيم أمور المجتمع فإنها المكون الرئيسي من مكونات العلمانية الذي لا يسع مسلما قبوله " (احمد كمال أبو المجد، نحو صيغه جديدة للعلاقة بين القومية العربية والإسلام،مجله المستقبل العربي ،العدد26 ابريل1981 ، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ، ص115 )
يعمل...