نحو تيار فكرى اسلامى معاصر ينطلق من الأبعاد المعرفية لمفهوم الاستخلاف (1)

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • صبرى محمد خليل خيرى
    طالب علم
    • Jan 2010
    • 416

    #1

    نحو تيار فكرى اسلامى معاصر ينطلق من الأبعاد المعرفية لمفهوم الاستخلاف (1)

    نحو تيار فكرى اسلامى معاصر ينطلق من الأبعاد المعرفية لمفهوم الاستخلاف(1)
    د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
    ا/ تعريف التيار الفكري الاسلامى المعاصر:
    المنطلق : الأبعاد المعرفية لمفهوم الاستخلاف القرانى: تهدف هذه الدراسة إلى التأسيس لتيار فكرى اسلامى معاصر، ينطلق من الأبعاد المعرفية " الحكمية والمنهجية والمذهبية " لمفهوم الاستخلاف القرانى، الذي أشارت إليه نصوص متعددة ، كقوله تعالى وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ)، يقول الغرناطي الكلبي (خليفة أي يخلف بعضكم بعضا في السكنى في الأرض أو خلائف عن الله في أرضه والخطاب على هذا لجميع الناس) ( التسهيل لعلوم التنزيل ، ج ٢، ص ٢٨ )، وفي السنة قال الرسول (صلى الله عليه وسلم)( إن الدنيا حلوة خضرة وان الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون)( مسلم: ذكر, 99 / الترمذي: فتن، 36 ).
    الغاية :الانتقال من ثنائيه الاستضعاف - الاستكبار إلى الاستخلاف: هذا التيار الفكري الاسلامى المعاصر يهدف إلى تحقيق ذات غاية منهج التغيير الاسلامى وهى الانتقال بالمسلمين من الواقع القائم على ثنائيه الاستضعاف- الاستكبار: السياسي،الاقتصادي ،الاجتماعي والتي تمثل ما هو كائن ، إلى الاستخلاف بكل أبعاده: السياسية ،الاقتصادية ،الاجتماعية والذي يمثل ما ينبغي آن يكون، والتي وردت الاشاره إليها في قوله تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ...)(النور:55).
    الوظيفة:طابعين سلبى وايجابى : ووظيفة هذا التيار الفكري الاسلامى المعاصر، ذات طابع سلبي هو تحرير العقل المسلم من نمط التفكير البدعى "المتضمن لنمطي التفكير شبه الخرافي والاسطورى" ، وطابع إيجابي هو تبنى نمط التفكير الاجتهادي " المتضمن لنمطي التفكير العلمي والعقلاني الغير متناقضين مع الوحي" على المستوى الفكري،والاجتهاد في وضع الحلول النظرية للمشاكل التي يطرحها هذا الواقع على المستوى الاشكالى، والتحديد النظري لأهداف الامه على المستوى الغائي .
    التمثيل:المستوى الاصلى للمرحلة الأولى للتغيير: وبهذا فان هذا التيار الفكري الاسلامى المعاصر يمثل المستوى الأصلي" الاعتقادى- الفكري" للمرحلة الأولى من مراحل التغيير اي مرحله الاستطاعة، و التي هي مرحله الانتقال مما هو كائن، إلى ما هو ممكن ، والتي يمكن التعبير عنها بمصطلح الاستطاعة، ومن أدلتها: تقرير النصوص لقواعد متعددة مها قاعدة الاستطاعة : (فَاتّقُوا ْاللّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ).
    الطابع : الانسانى الروحي "على المستويين الحكمي والمنهجي": هذا التيار الفكري الاسلامى المعاصر ذو طابع : انسانى روحي على المستويين الحكمي والمنهجي،لان البعدين الحكمي والمنهجي لمفهوم الاستخلاف "حكمه الاستخلاف ومنهج الاستخلاف" يقومان على تأكيد قيمه الوجود الانسانى، وإثبات هذا الوجود بأبعاده المتعددة(المادية،الروحية)،وهو ما يتسق مع ما قررته العديد من النصوص كقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)، مع التأكيد على ان الوجود الانسانى هو وجود محدود تكليفيا "بالسنن الالهيه" و تكليفيا "بالوحي "، وبالتالي يجعلان العلاقة بين الوجود الالهى والوجود الانسانى علاقة تحديد وتكامل- وليست علاقة إلغاء وتناقض " كما في النزعة الانسانيه الغربية ، التي تطرفت في تأكيد الوجود الإنساني، فحولته من وجود محدود "تكوينيا وتكليفيا" ، إلى وجود مطلق "قائم بذاته ومستقل عن غيره" ، فضلا عن إلغائها للبعد الروحي لهذا الوجود.
    الطابع: المستنير"على المستوى المذهبي": كما أن هذا التيار الفكري الاسلامى المعاصر ذو طابع مستنير- طبقا للمفهوم الاسلامى للتنوير، والذي أشارت إليه العديد من النصوص كقوله تعالىوأنزلنا إليكم نورا مبينا) - على المستوى المذهبي، فهو يتسق مع الدلالة ألعامه- المشتركة لمصطلح التنوير التي تتفق مع الإسلام ، لان البعد المذهبي لمفهوم الاستخلاف "مذهب الاستخلاف" يهدف- على المستوى الذاتي- إلى تحرير عقل الإنسان المسلم من القيود التي تعوق فعاليته كوسيلة للمعرفة كأنماط التفكير الخرافي والاسطورى والبدعى" ، باعتبار أن ذلك هو شرط ذاتي لنقل المجتمعات المسلمة من تخلف النمو الحضاري إلي التقدم الحضاري. كما يهدف - على المستوى الموضوعي- إلى حل للمشاكل التي يطرحها واقع المجتمعات ألمسلمه المعين زمانا ومكانا.
    ب/الأبعاد المعرفية لمفهوم الاستخلاف:
    تعريف المفهوم: الاستخلاف لغة الوكالة، وهى نوعان :عامه وهى نيابة شامله ، وخاصة وهى نيابة مقصورة على موضوع معين . وقد ورد مصطلح الاستخلاف في القران بمعنى الوكالة العامة ، وطبقا للمعنى الحقيقي للمصطلح ، وهو هنا يعنى أبدال وتغيير قوم بقوم آخرين ، كما في الاستخلاف التكويني . كما ورد بمعنى الوكالة الخاصة ، وطبقا للمعنى المجازى للمصطلح، حيث يصور القران الوجود " الشهادى " بمملكه ملكها الله تعالى ، والإنسان نائب ووكيل عنه في الأرض، تكريما للإنسان، وهو الاستخلاف التكليفى، يقول الراغب الاصفهانى (الخلافة النيابة عن الغير إما لغيبه المنوب عنهوإما لتشريف المستخلف)( المفردات في غريب القران ، ص156).
    أقسام المفهوم: وللاستخلاف أقسام متعددة:
    أولا:الاستخلاف الخاص:وهو استخلاف فرد معين، وهو مقصور على الأنبياء والرسل (عليهم السلام )،ومثال له قوله تعالى:﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ﴾( ص: 26 ).
    ثانيا:الاستخلاف العام : وهو استخلاف الجماعة، ومثال له قوله تعالى:﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ ، وينقسم إلى:
    ا/الاستخلاف التكويني : ومضمونه أن الله تعالى أودع في الإنسان إمكانية تحقيق الاستخلاف في الأرض ، وذلك بتوافر أمكانيه معرفه والتزام السنن إلالهيه التي تضبط حركة الوجود، وفي القرآن العديد من الآيات تشير إلى هذا النوع من الاستخلاف كقوله تعالى:﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾(يونس: 14). ومن أشكاله الاستخلاف الاجتماعي،ومضمونه هو أبدال وتغيير قوم بقوم آخرين: ومن أدلته قوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ ﴾( الأعراف:74)، وهو لا يتم جملة واحدة ، بل خلال أطوار نامية خلال الزمان، وهي :طور الاسره :﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ﴾- وهى أيضا وحده تكوين أساسيه لكل الأطوار التالية، وبالتالي غير قابله للتجاوز- فطور العشيرة:﴿ وانذر عشيرتك الأقربين﴾،فأطوار:القبيلة فالشعب: ( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) ، فطور أمه التكوين"أو الطور القومي"، وهنا يجب التمييز "وليس الفصل بين أمه التكليف والتي مناط الانتماء إليها العقيدة ،وأمه التكوين التي مناط الانتماء إليها: أولا: اللغة "اللسان "قال تعالى( وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ)( الروم:22)، تشير الايه إلى معيار الانتماء إلى الأطوار القبلية "النسب المتضمن للون"، و معيار الانتماء إلى الطور القومي- أمه التكوين - "اللسان") ، وقال ( صلى الله عليه وسلم) (يا أيها الناس إن الرب واحد، والأب واحد، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنما هي اللسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي )(رواه ابن عساكر:3/ 203 / 2) ، رغم أن الحديث تعرض للنقد من جهة الإسناد، إلا أن العلماء اقروا بصحته من جهة الدلالة "المعنى" ، فعلى سيبل المثال يقول الإمام ابن تيميه عن الحديث أن (...معناه ليس ببعيد، بل هو صحيح من بعض الوجوه )( الاقتضاء ، طبع الأنصار ، ص169) .ثانيا:الاستقرار في الأرض الخاصة "الديار"، قال تعالى:﴿ لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ﴾( الممتحنة:8)،أما آخر أطوار التكوين الاجتماعي فهو طور العالمية.
    ب- الاستخلاف ألتكليفي : و مضمونه إظهار الإنسان لربوبية الله تعالى وإلوهيته في الأرض، بالعبودية والعبادة ، على المستوى الصفاتى، يقول الإمام الماتريدى (وجائز أن يكونوا خلفاء في إظهار أحكام الله ودينه)( تأويلات أهل السنة، ج1) ، ومن أدلته: في السيرة: قول الصحابي للرسول (صلى الله عليه وسلم)( تأذن لي يا خليفة الله أضرب عنقه) ( أبي داؤد, حدود,3ك). وعن السلف الصالح: قال علي أبن أبي طالب ( واؤلئك خلفاء الله في أرضه ودعاته إلى دينه فآه لهم وواه شوقاً إلى رؤيتهم)( ابن القيم مفتاح السعادة, دار العهد الجديد, مصر ص 123). وعن علماء أهل السنة: قال ابن الجوزي عن العلماء(...وهم ورثة الأنبياء وخلفاء الله في الأرض)( صيد الخاطر، ج 2 ، ص 151). ورغم إنكار ابن تيميه جواز استخدام مصطلح خليفة الله في بعض السياقات ، ولكنه لم ينكر استخدامه بإطلاق ، بدليل استخدامه له في سياقات أخرى كقوله ( وقد كان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وهو خليفة الله على الأرض قد وكل أعوانًا يمنعون الداخل من تقبيل الأرض، ويؤدبهم إذا قبل أحد الأرض) ( الفتاوى/ زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور/حكم وضع الرأس عند الكبراء من الشيوخ وتقبيل الأرض).
    البعد الحكمي لمفهوم الاستخلاف(حكمه الاستخلاف): ويتمثل البعد الحكمي لمفهوم الاستخلاف ، في حكمه الاستخلاف ، التي تقوم على محاوله تحديد العلاقة بين المستخلف بكسر اللام الله تعالى والمستخلف بفتح اللامالإنسان والمستخلف فيه الكون- اى محاوله تحديد العلاقة بين أطراف علاقة الاستخلاف وذلك باتخاذ المفاهيم ألقرانيه الكلية ( التوحيد والاستخلاف والتسخير) مسلمات أولى ، ثم محاوله استنباط النتائج الحكميةالفلسفية لهذه المفاهيم الكلية، متخذه من اجتهادات أهل السنة بمذاهبهم العقدية الكلامية المتعددة نقطه بداية- وليس نقطه نهاية لهذا الاجتهاد.
    مصطلح الحكمة والمفهوم الاسلامى للفلسفة: و تستند حكمه الاستخلاف ، إلى مفهوم اسلامى للفلسفة ، مضمونه:أولا: أن مصطلح "حكمة" هو المصطلح القرآنى المقابل لمصطلح (فلسفة) في الفكر الغربي، وهذا ما يمكن استنباطه من ورود المصطلح في القرآن بمعاني كالعقل والعلم والفهم والإصابة في القول( ابن كثير، تفسير القرآن العظيم. زبده التفسير من فتح القدير، ص540) . ثانيا: رغم ذلك فانه يجوز استخدام مصطلح الفلسفة، استئناسا بالقاعدة (لا مشاحة في الألفاظ بعد معرفة المعاني)( المستصفى: 1/23 ) ، تأكيدا لذلك استخدام العديد من علماء الإسلام مصطلح الفلسفة أو مشتقاته ، يقول الإمام احمد بْنَ حَنْبَلٍ( الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة، واختلاف الناس، والمعاني، والفقه (البيهقي ، معرفة السنن والآثار :1/118).
    مذهب الشمول الشرعى لمصطلح أهل السنة : وهنا يجب الاشاره إلى أننا نستخدم مصطلح أهل السنة طبقا لمذهب الشمول الشرعي الذي يقوم على أساس أن لمصطلح أهل السنة دلالات متعددة: خاصة تتمثل في وصف مذهب معين من هذه المذاهب بمصطلح أهل السنة ، وعامه مضمونها كل مسلم متمسك بالكتاب والسنة ، يقول الإمام ابن تيميه (فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة)( مجموع الفتاوى:3/346) ،وتندرج تحت هذه الدلالة العامة المذاهب الفقهية : الحنبلي والشافعي والمالكي والحنفيوالمذاهب ألاعتقاديه الكلامية: الحنبلي و الظاهري و الماتريدي والطحاوي والاشعرى والتصوف السني الذي يشكل المذهب الأخير الاشعرى أساسه العقدي . يقول الإمام ابن تيمية ( فلفظ السنة يراد به من أثبت الخلفاء الثلاثة ، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلاّ الرافضة )(منهاج السنة 2/ 221).
    نظريه الوجود: وتستند حكمه الاستخلاف إلى نظريه في الوجود ، تنطلق من ثلاثة مفاهيم قرانيه هي:
    ا/ مفهوم التوحيد : ومضمونه إفراد الربوبية والالوهيه لله تعالى ، فهو بالتالي ينقسم إلى توحيد الربوبية الذي مضمونه أن الله تعالى ينفرد بكونه الفاعل المطلق، اى الدائم كونه فاعلا بتعبير ابن تيميه إن هذا المسلك مبنى على امتناع دوام كون الرب فاعلا وامتناع قيام الأفعال الاختيارية بذاته) (درء التعارض:1/98.)، أما مضمون توحيد الإلوهية فهو أن الله تعالى ينفرد بكونه الغاية المطلقة، اى الغاية المطلوب بتعبير ابن تيميه : ( . لكن المراد والمستعان على قسمين : منه ما يراد لغيره ، ومنه ما يراد لنفسه . .. فمن المراد ما يكون هو الغاية المطلوب فهو الذي يذل له الطالب ويحبه وهو الإله المعبود ومنه ما يراد لغيره) (مجموعة الفتاوى ، ج 1، توحيد الإلوهية) .
    الظهور الصفاتى والذاتي: وللفعل المطلق الذي عبر عنه القران الكريم بمصطلح الربوبية، ظهور صفاتي وظهور ذاتي :
    ا/الظهور الصفاتى : ومضمونه أن عالم الشهادة قائم على ظهور صفات الربوبية اى ما دل على الفعل المطلق لله تعالى، يقول ابن القيم ( فالكون كما هو محل الخلق والأمر ، مظهر الأسماء والصفات ، فهو بجميعه شواهد وأدله وآيات دعا الله سبحانه عباده إلى النظر فيها)، ولهذا الظهور شكلين: الأول تكويني: يتمثل في الكون، والسنن الإلهية التي تضبط حركته ، والثاني تكليفي :يتمثل في الوحي ومفاهيمه وقيمه وقواعده الكلية.
    ب/ مفهوم التسخير: ومضمونه أن الأشياء والكائنات التي لها درجه التسخير تظهر صفات ربوبية والوهيه الله تعالى ، على وجه الإجبار ، ويترتب على مفهوم التسخير قاعدتان هما: الموضوعية و السببية.ج/ مفهوم الاستخلاف : ومضمونه إظهار الإنسان لربوبية وإلوهيه الله تعالى في الأرض ،على المستوى الصفاتى، على وجه الاختيار، وهو ما يكون بالعبودية والعبادة، يقول الالوسى ( فلابد من إظهار من تم استعداده وقابليته ليكون مجليا لي ومراه لاسمائى وصفاتي)( روح المعنى،ص223)
    ب/ الظهور الذاتي( الحياة الاخره): ومضمونه ظهور ذات الفعل المطلق ، وقد عبر عنه القران بمصطلح التجلي كما في قوله تعالى (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا) (الأعراف: 143)، ولهذا الظهور الذاتي شكلين:الشكل الأول :مقيد: ويتم في الحياة الدنيا وله شكل تكويني يتمثل في معجزات الأنبياء، وشكل تكليفي يتمثل في نزول الوحي على الأنبياء. الشكل الثاني : مطلق: ويتم في الاخره ، فالحياة الاخره هي درجه من درجات الوجود قائمه على الظهور الذاتي (التجلي) ، قال تعالى(وأشرقت الأرض بنور ربها)، غير أن هذا الظهور الذاتي أو التجلي( بالنسبة إلي الناس) ليس شاملا لجميعهم، بل هو مقصور على المؤمنين، وهو ما عبر عنه أهل السنة برؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة،استنادا إلى العديد من النصوص كقوله تعالى (وجوهٌ يومئذٍ ناضرة، إلى ربِّها ناظرة).
    نظريه المعرفة: كما تستند حكمه الاستخلاف إلى نظريه في المعرفة مضمونها أن العلم صفة الوهية،وبالتالي ذات مضمون دال على كونه تعالى غاية مطلقة ، وهذه الصفة تظهر في عالم الشهادة من خلال شكلين:
    ا/ شكل تكويني: يتمثل في عالم الشهادة"المتضمن للكون المسخر والإنسان المستخلف" كمصدر للمعرفة والإحساس والتفكير المجرد(التذكير والإدراك والتصور) والرؤية الصادقة كوسائل لمعرفته.
    ب/ شكل تكليفي: يتمثل في عالم الغيب كمصدر للمعرفة والوحي كوسيلة لمعرفته.
    نظريه القيم: كما تستند حكمه الاستخلاف إلى نظريه في القيم مضمونها التمييز بين نوعين من القيم: قيم مطلقة مصدرها الله تعالى"المستخلف"،وقيم محدودة للقيمة مصدرها الإنسان"المستخلف"، هذا التمييز بين النوعين من القيم مصدره توحيد الإلوهية، إذ انه قائم على إفراد المطلق من الصفات- القيم "كالعدل والرحمة والحكمة والعلم..."لله تعالى، يقول ابن القيم (اختلف النظار في الأسماء التي تطلق على الله وعلى العباد... ثم يرجح أنها (حقيقة فيهما وللرب تعالى ما يليق بجلاله وللعبد ما يليق به)( بدائع الفوائد، ص 164). واستنادا إلى هذا التمييز تقدم هذه النظرية إجابات على الاسئله التي تطرحها نظريه القيم ، مضمونها أن القيم المطلقة التي مصدرها الله تعالى هي قيم: مطلقه / موضوعيه / غاية في ذاتها / معياريه ، بينما القيم المحدودة التي مصدرها الإنسان قيم نسبيه / يمكن أن تتضمن قيم ذاتيه ، ووسيلة إلى غاية غيرها ، ووصفيه.
    البعد المنهجي لمفهوم الاستخلاف (منهج الاستخلاف): ويتمثل البعد المنهجي لمفهوم الاستخلاف، في الاستخلاف كمنهج للمعرفة ، ومضمونه أن صفات الربوبية (اى ما دل على الفعل المطلق لله تعالى) تظهر في عالم الشهادة على شكلين:الشكل الأول : تكويني: يتمثل في السنن إلالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى ، وهى على نوعين:
    ا/ السنن الالهيه الكلية:التي تضبط حركه الوجود الشامل للطبيعة المسخرة والإنسان المستخلف ، وهى سنن"الحركة ، التغير،التأثير المتبادل".
    ب/السنن الالهيه النوعية: وهى التي تضبط حركة نوع معين من أنواع الوجود الشهادى ،كسنه الكدح إلى الله المقصورة على الإنسان ، والتي تشير إليها الايه " يا أيها الإنسان انك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه" ، الشكل الثاني : تكليفي : يتمثل في المفاهيم والقيم والقواعد الكلية التي مصدرها الوحي ، وهو يحدد الشكل التكويني ولا يلغيه.
    فلسفه ومنهج معرفه ذوى طابع انسانى - روحي:من العرض السابق نخلص إلى أن البعدين الحكمي والمنهجي لمفهوم الاستخلاف ( اى حكمه الاستخلاف ومنهج الاستخلاف) يقومان على تأكيد قيمه الوجود الانسانى، وإثبات هذا الوجود بأبعاده المتعددة، مع التأكيد على انه وجود محدود تكليفيا "بالسنن الالهيه" و تكليفيا "بالوحي "، وبالتالي يجعلان العلاقة بين الوجود الالهى والوجود الانسانى بأبعاده المتعددة علاقة تحديد وتكامل- فالوجود الالهى يحدد الوجود الانسانى ولكن لا يلغيه - وليست علاقة إلغاء وتناقض " كما في النزعة الانسانيه الغربية ، التي تطرفت في تأكيد الوجود الإنساني، فحولته من وجود محدود "تكوينيا وتكليفيا" ، إلى وجود مطلق "قائم بذاته ومستقل عن غيره" .
يعمل...