تيار الاستخلاف : نحو تيار فكرى اسلامى معاصر: إنساني/ روحي/ مستنير(2)
د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
Sabri.m.khalil@gmail.com
شروط الاستخلاف: وتنقسم الى:
اولا: شروط نصية مطلقة " تكليفية": وتتضمن مفاهيم وقيم وقواعد الوحي الكلية.
ثانيا: شروط اجتهادية مقيدة "تكوينيه" : تتضمن أهداف الإرادة الشعبية للامهالحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة والأصالة والمعاصرة، والتي يتضمن تأصيلها:
اولا: أنها تطبيق لقيم دعا إليها الإسلام :
ا/ فقد أكد المنظور القيمي الإسلامي على قيمه الحرية بأبعادها المتعددة قال عمر بن الخطاب ( رضى الله عنه )( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهم أحراراً) (فتوح مصر ، ص 290 )
ب/ كما اعتبر المنظور الاجتماعي والاقتصادى الاسلامى أن العدل الاجتماعي غاية للنشاط الاقتصادي للفرد والدولة كممثل للمجتمع ، وذلك من خلال تقريره لشرطي العدل الاجتماعي: الشرط الأول هو تكافؤ الفرص، ومثال له قول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ( والله ما احد أحق بهذا المال من احد ، وما من أحد إلا وله نصيب في هذا المال نصيب أعطيته أو منعته)، والشرط الثاني هو عدالة توزيع الثروة ،ومثال له روي أن ابوعبيدة تحدث يوماً مع عمر(رضي الله عنه) في استخدام الصحابة في العمل فقال ( أما إن فعلت فأغنهم بالعمالة عن الخيانة) .
ج/ كما حثت النصوص المسلمين على الوحدة- بشكليها التكليفي الديني والتكويني السياسي ، كما في قوله تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) .
ثانيا: ان السياسة الشرعية هي ما كل يحقق مصلحة الجماعة ولو لم يرد فيه ، يقول ابْنُ عَقِيلٍ(السِّيَاسَةُ مَا كَانَ فِعْلاً يَكُونُ مَعَهُ النَّاسُ أَقْرَبَ إلَى الصَّلَاحِ، وَأَبْعَدَ عَنْ الْفَسَادِ، وَإِنْ لَمْ يَضَعْهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا نَزَلَ بِهِ وَحْيٌ)( ابن القيم / كتاب الطرق الحكمية في السياسة الشرعية).
الاستخلاف وتفعيل الاراده الشعبيه للامه : يثبت المنظور السياسي الإسلامي الاراده الشعبية للامه، لأنه يسند اليها السلطة " المقيدة " ، بموجب الاستخلاف العام ﴿ وأمرهم شورى بينهم) بعد إسناده الحاكمية (السيادة "السلطة المطلقة ") لله تعالى - أما الحاكم فنائب ووكيل عن الامه ، لها حق تعيينه ومراقبته وعزله اذا جار- بالاساليب السلمية - يقول أبو يعلي (الخليفة وكيل للمسلمين ) (المارودي، الأحكام السلطانية، ص 7 ). بناء على ما سبق فان غاية الاستخلاف تفعيل الارادة الشعبية للامه. أما غاية ثنائيه " الاستكبار- الاستضعاف" فهى إلغائها وهو ما يؤدى إلى تعطيلها وليس إلغائها " لأنها غير قابله للإلغاء"
انماط - مراحل تفعيل وتعطيل الإرادة الشعبية لامه التكوين" الامه العربيه المسلمه":
أولا: في مرحله الاستخلاف العام الأول للامه : تضمنت هذه المرحلة أنماط - مراحل تفعيل و تعطيل الإرادة الشعبية للامه التالية :
ا/ التعطيل الاستبدادي"الداخلي ": تمثل فى عدم الالتزام بدرجات متفاوتة بقيمة الشورى، التي كانت متحققة في مرحلتي الاستخلاف الاصلى " النبوي والراشدي".
ب/ التعطيل الغزوى "الخارجي" : تمثل في تعرض الامه لغزوات خارجيه متتاليه ( الغزو المغولي التتري ، الغزوالصليبى، الاستعمار القديم ) .
ج/ التفعيل الزعامي : تمثل في نجاح الإرادة الشعبية للامه في تحقيق أهدافها، والتي تضمنت نجاحها في مقاومة وهزيمة الغزوات الخارجية المتتالية ، من خلال توحدها حول بعض المواقف المعبرة عن ارادة الامة لبعض حكامها ، ومنها المواقف المقاومة للعدوان الخارجي على الامه ، والتى بسببها حولتهم ذاكرتها الى زعماء تاريخيين ورموز تاريخية للمقاومه لها دون إنكار ما شاب عهودهم من سلبيات- وتمثل آخر مظهر لهذا النمط المرحلة فى توحدها حول المواقف الوطنيه والقوميه لجمال عبد الناصر ( رحمه الله تعالى ) ليس باعتباره حاكم سابق لمصر ، لكن باعتباره قائد حركة التحرر العربى، من الاستعمار القديم " البريطانى، الفرنسى، الايطالى..." ، والجديد " الامبريالي - الامريكي " ، و الاستيطاني " الصهيوني". فالحديث عن الاخير ليس كشخص ، لكن كرمز تاريخي للمقاومه ، ملك للامه العربيه بشعوبها المتعددة ، وليس ملك لحزب معين .
ثانيا: فى مرحله الاستخلاف العام الثاني للامه :
مرحله التعطيل الارتدادي للاراده الشعبيه للامه على المستوى الرسمي: وهي مرحله الانتهاء " الفعلي " للاستخلاف العام الأول للامه . مع تضمنها مؤشرات لبداية الاستخلاف العام الثاني للامه . وهي المرحلة التي بدأت بالارتداد " السياسى" للرئيس محمد أنور السادات، بعد توليه السلطة فى مصر1970 ، عن المواقف الوطنيه والقوميه لسلفه "جمال عبد الناصر " ، والتى كانت حققت خطوات كبيره، تجاه أهداف الإرادة الشعبية للامه، فى الحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة رغم ما شاب تجربته من سلبيات - وهو الارتداد السياسى الذى تم بدعم من الغرب الرأسمالي- الاستعماري، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيونى ثم تبنى العديد من الأنظمة العربية نفس المواقف لاحقا ... وفى هذه المرحلة تعطلت الإرادة الشعبية للامه على المستوى السياسي ، نتيجة لتردى النظام السياسي العربي من التجزئة " الشعوبية " إلى التفتيت" الطائفي "، فضلا عن انزلاق بعض أجزائه نحو الفوضى لاحقا .
مرحله تفعيل الاراده الشعبيه للامه على المستوى الشعبي: غير أن هذا التعطيل "الارتدادي" للاراده الشعبية للامه على المستوى الرسمي ، أدى إلى تفعيلها على مستوى آخر ، هو مستواها الشعبي ، فضلا عن انه مهد الطريق أمام انتقال الاراده الشعبية العربية من نمط التفعيل الزعامي - المشار اليه اعلاه- الى نمط تفعيل آخر هو نمط التفعيل الجماهيري ، والذي دعمه تطور وسائل الإعلام والاتصال وظهور الخاصية التفاعلية للإعلام. وتشمل هذه المرحلة مرحلتين هما:
ا/ مرحله التفعيل التلقائي: وفيها أخذت حركة الاراده الشعبيه للامه شكل رد فعل عاطفي " انفعالي"، ضد مظاهر تردي النظام السياسي الرسمي العربي ، ومحاولات تطبيق المشاريع التي تهدف إلى أو يلزم منها إلغاء الإرادة الشعبية العربية"كمشروع الشرق الأوسط الجديد الامبريالي - الصهيوني" ..وقد حققت الإرادة الشعبية للامه في هذه المرحلة العديد من الانتصارات الجماهيريه، بدون ان يدعمها او يمثلها نظام سياسى عربى معين . ويتمثل الامتداد الطبيعى لها فى المسار الأصلي للموجات الكمية لثورة الشباب العربي، والتي تتضمن موجاتها :
الموجة الاولى:التي نجحت فى إسقاط عدد من الأنظمة الاستبدادية ، بأساليب سلمية في بعض الدول العربية، قبل أن تنجح النظم والقوى" العالمية والإقليمية والمحلية" ، التي تتعارض مصالحها مع غايات الإرادة الشعبية العربي ،في تحويل مسارها في دول عربية أخرى،إلى صراع طائفي مسلح بغرض تشويه صورتها ومن ثم منع انتشارها الى دول اخرى، من خلال اساليب متعددة أهمها أسلوب الإسقاط العنيف.
الموجة الثانية: وتتمثل فى الحراك الشعبي السلمي - والذي طليعته الشباب أيضا- في العديد من الدول العربية ،والذى نجح أيضا فى إسقاط العديد من الانظمة بأسلوب سلمى، وهى الموجة التى تعمل ذات النظم والقوى على إجهاضها وافراغها من مضمونها، من خلال العديد من الأساليب ، أهمها أسلوب "الهبوط الناعم" ، والذي يتضمن :إجراء تغيير شكلى يشمل تغيير الأشخاص ، دون اى تغيير حقيقى السياسات الاقتصاديه والسياسيه والاجتماعيه... التى تتعارض مع غايات الاراده الشعبيه للامة فى الحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة ...
ب/ مرحله التفعيل القصدي: إن تردى النظام السياسي العربي نحو مزيد من التجزئة "التفتيت"، يزيد من احتمال انزلاقه نحو الفوضى وخاصة أجزائه التي تتصف بضعف الروابط الوطنية والقومية ، لشيوع الطائفية أو القبلية أو العشائرية فيها وهذا ما يقتضى ضرورة انتقال الإرادة الشعبية للامه، إلى مرحله جديدة من مراحل تفعيلها، وهي المرحلة القصدية ، والتي يجب أن تتجاوز فيها حركتها شكل رد الفعل العاطفي- التلقائي/ المؤقت- إلى شكل فعل عقلاني- مستمر منظم / مؤسساتي ، يهدف إلى تحقيق ما هو ممكن من خطوات ، تجاه أهداف الإرادة الشعبية للامه ، بأساليب سلمية - وهي بذلك ستتضمن الموجه الكيفية لثورة الشباب العربي وهذه المرحلة ستمثل مرحله تحقيق الاستخلاف العام الثانى للامه .
الاستخلاف ومنهج التغيير كيفيه ومراحل تحقيق الاستخلاف :وهناك مرحلتين أساسيتين للتغير- تمثل أيضا مراحل لتحقيق الاستخلاف:
المرحلة الأولى"الاستطاعه": هي مرحله الانتقال مما هو كائن، إلى ما هو ممكن ، والتي يمكن التعبير عنها بمصطلح الاستطاعة ، ومن أدلتها: تقرير النصوص لقواعد متعددة مها قاعدة الاستطاعة (فَاتّقُوا ْاللّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ). ولهذه المرحلة مستويان :
مستوى أصلى: هو مستواها الاعتقادى"الفكري" . ويتضمن الاجتهاد فى وضع الحلول النظرية للمشاكل التي يطرحها واقع الامه المعاصر- والتى تتضمن مشاكل (التبعية "الخارجيه والاستبداد "الداخلي" / التخلف الاقتصادي والظلم الاجتماعى / التجزئة والتفتيت/الانشطار الحضارى بين جمود التقليد وتخريب التغريب) ، كمظاهر لثنائيه الاستكبار- الاستضعاف بأبعاده المتعددة :السياسيه/الاقتصاديه/ الاجتماعيه/ الحضارية) - وتتضمن هذه الحلول(الحريه والعدالة الاجتماعية والوحدة والجمع بين الأصالة والمعاصرة"التجديد") كمظاهر للاستخلاف بابعاده المتعدده :السياسيه/الاقتصاديه/ الاجتماعيه/ الحضارية), والتى هى فى ذات الوقت غايات للاراده الشعبيه للامه ، وشروط مقيدة اجتهادية للاستخلاف.
تيار الاستخلاف: ويتضمن هذا المستوى التأسيس لتيار فكري شامل - لا يقصي اى فئه من فئات الامه - فيشمل كل من يلتزم بهذه الحلول النظريه- او بعضها- حتى ولو لم يكن هناك رابط تنظيمى بينهم . ويأخذ الالتزام بها احد الاشكال التالية- التي تمثل مستويات متعددة لهذا التيار الفكري-
ا/ التاسيس والإمامة" الفكرية" : الاجتهاد العلمي فى وضع هذه الحلول النظرية بما هى غايات للاراده الشعبيه للامه ، وشروط مقيدة اجتهادية للاستخلاف.
ب/الطليعية "الفكرية ": نشر الوعى "النظرى" بها.
ج/ القاعديه الفكرية: التبنى "الفكرى" لها.
مستوى فرعى: هو مستواها العملي"التطبيقي". ويتضمن ان تنبثق من هذا التيار الفكري الشامل مبادرات شعبية منظمة "مؤسسيه"، تسعى لتحقيق ما هو ممكن من هذه الحلول النظريه، فى الواقع العملى للامه بأبعاده المتعددة "السياسيه الاقتصاديه الاجتماعيه الحضارية.."، بأساليب سلمية وشكل تدريجي.
المرحلة الثانية " العزم ":هي مرحله الانتقال مما هو ممكن إلى ما ينبغي أن يكون ، ويمكن التعبير عنها بمصطلح العزم ، و من أدلتها مفهوم العزم الذي يرتبط بما ينبغي أن يكون كما في قوله ( وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ )( الشورى: 43 ) ، وهذه المرحلة لها مستويان :
مستوى أصلى : هو مستواها العملي"التطبيقي" .ويتضمن الانتقال مما هو ممكن الى ما ينبغي أن يكون. باكمال التنفيذ العملى لكل هذه الحلول النظرية فى واقع الامه.
مستوى فرعي: هو مستواها الاعتقادي"الفكري". ويتضمن الاجتهاد العلمي فى وضع حلول نظرية جديده، للمشاكل الجديدة التي سيطرحها الواقع العملى للامه، بعد حل المشاكل السابقه.
مذهب مستنير: مما سبق نخلص إلى أن مذهب الاستخلاف هو بالأصالة مذهب مستنير، فمصطلحي الاستنارة والتنوير يدلان في اللغات الأوربية على معاني كالذكاء و المعرف"، ثم استخدم في السياق الغربي على عصر اوروبى معين" القرنين السابع والثامن عشر"،اعتقد فيه الفلاسفة الغربيون أن أنوار العقل الطبيعي وحدها قادرة على السير بالبشر نحو التقدم الحضاري . أما في السياق الإسلامي فإن كلمات استنارة تنوير في اللغة العربية مشتقة من الأصل الثلاثي" نور، نار ، أنار"، وقد استخدم القران اللفظ دلالته المجازية لوصف الله تعالى: ( الله نور السماوات والأرض)، والقرآن الكريم
وأنزلنا إليكم نورا مبينا)،والرسول
صلى الله عليه وسلم)( وداعيا إلي الله بإذنه وسراجا منيرا) .أما من ناحية الاصطلاح فان لمصطلح التنوير دلالة عامة- مشتركه، تتمثل في التنوير كمفهوم مجرد تشترك في فهمه كل الفلسفات والمناهج ، ومضمونها أن تحرير عقل الإنسان من القيود التي تعوق فعاليته كوسيلة للمعرفة " كأنماط التفكير الخرافي والأسطوري"،هو أحد شروط نقل اى مجتمع من التخلف الحضاري إلي التقدم الحضاري- وهي دلالة تتفق مع الإسلام- . كما أن له دلاله خاصة - منفردة ، تتمثل في تطبيق مفهوم التنوير في واقع اجتماعي معين زمانا ومكانا ، وطبقا للمعنى الذي تنفرد بفهمه فلسفه ومنهج معرفة معينين-وهى دلاله قد تتفق أو تختلف مع الإسلام- . بناءا على ما سبق فإن المقصود بكون مذهب الاستخلاف مذهب مستنير، انه يهدف- على المستوى الذاتي- إلى تحرير عقل الإنسان المسلم من القيود التي تعوق فعاليته كوسيلة للمعرفة كأنماط التفكير الخرافي والأسطوري والبدعى ، باعتبار أن ذلك هو شرط ذاتي لنقل المجتمعات المسلمة من تخلف النمو الحضاري إلي التقدم الحضاري، كما يهدف- على المستوى الموضوعي- إلى حل للمشاكل التي يطرحها واقع المجتمعات المسلمة المعين زمانا ومكانا.
للاطلاع على مقالات أخرى للدكتور صبري محمد خليل يمكن زيارة الموقع التالي:
الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات https://drsabrikhalil.wordpress.com
د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
Sabri.m.khalil@gmail.com
شروط الاستخلاف: وتنقسم الى:
اولا: شروط نصية مطلقة " تكليفية": وتتضمن مفاهيم وقيم وقواعد الوحي الكلية.
ثانيا: شروط اجتهادية مقيدة "تكوينيه" : تتضمن أهداف الإرادة الشعبية للامهالحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة والأصالة والمعاصرة، والتي يتضمن تأصيلها:
اولا: أنها تطبيق لقيم دعا إليها الإسلام :
ا/ فقد أكد المنظور القيمي الإسلامي على قيمه الحرية بأبعادها المتعددة قال عمر بن الخطاب ( رضى الله عنه )( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهم أحراراً) (فتوح مصر ، ص 290 )
ب/ كما اعتبر المنظور الاجتماعي والاقتصادى الاسلامى أن العدل الاجتماعي غاية للنشاط الاقتصادي للفرد والدولة كممثل للمجتمع ، وذلك من خلال تقريره لشرطي العدل الاجتماعي: الشرط الأول هو تكافؤ الفرص، ومثال له قول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ( والله ما احد أحق بهذا المال من احد ، وما من أحد إلا وله نصيب في هذا المال نصيب أعطيته أو منعته)، والشرط الثاني هو عدالة توزيع الثروة ،ومثال له روي أن ابوعبيدة تحدث يوماً مع عمر(رضي الله عنه) في استخدام الصحابة في العمل فقال ( أما إن فعلت فأغنهم بالعمالة عن الخيانة) .
ج/ كما حثت النصوص المسلمين على الوحدة- بشكليها التكليفي الديني والتكويني السياسي ، كما في قوله تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) .
ثانيا: ان السياسة الشرعية هي ما كل يحقق مصلحة الجماعة ولو لم يرد فيه ، يقول ابْنُ عَقِيلٍ(السِّيَاسَةُ مَا كَانَ فِعْلاً يَكُونُ مَعَهُ النَّاسُ أَقْرَبَ إلَى الصَّلَاحِ، وَأَبْعَدَ عَنْ الْفَسَادِ، وَإِنْ لَمْ يَضَعْهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا نَزَلَ بِهِ وَحْيٌ)( ابن القيم / كتاب الطرق الحكمية في السياسة الشرعية).
الاستخلاف وتفعيل الاراده الشعبيه للامه : يثبت المنظور السياسي الإسلامي الاراده الشعبية للامه، لأنه يسند اليها السلطة " المقيدة " ، بموجب الاستخلاف العام ﴿ وأمرهم شورى بينهم) بعد إسناده الحاكمية (السيادة "السلطة المطلقة ") لله تعالى - أما الحاكم فنائب ووكيل عن الامه ، لها حق تعيينه ومراقبته وعزله اذا جار- بالاساليب السلمية - يقول أبو يعلي (الخليفة وكيل للمسلمين ) (المارودي، الأحكام السلطانية، ص 7 ). بناء على ما سبق فان غاية الاستخلاف تفعيل الارادة الشعبية للامه. أما غاية ثنائيه " الاستكبار- الاستضعاف" فهى إلغائها وهو ما يؤدى إلى تعطيلها وليس إلغائها " لأنها غير قابله للإلغاء"
انماط - مراحل تفعيل وتعطيل الإرادة الشعبية لامه التكوين" الامه العربيه المسلمه":
أولا: في مرحله الاستخلاف العام الأول للامه : تضمنت هذه المرحلة أنماط - مراحل تفعيل و تعطيل الإرادة الشعبية للامه التالية :
ا/ التعطيل الاستبدادي"الداخلي ": تمثل فى عدم الالتزام بدرجات متفاوتة بقيمة الشورى، التي كانت متحققة في مرحلتي الاستخلاف الاصلى " النبوي والراشدي".
ب/ التعطيل الغزوى "الخارجي" : تمثل في تعرض الامه لغزوات خارجيه متتاليه ( الغزو المغولي التتري ، الغزوالصليبى، الاستعمار القديم ) .
ج/ التفعيل الزعامي : تمثل في نجاح الإرادة الشعبية للامه في تحقيق أهدافها، والتي تضمنت نجاحها في مقاومة وهزيمة الغزوات الخارجية المتتالية ، من خلال توحدها حول بعض المواقف المعبرة عن ارادة الامة لبعض حكامها ، ومنها المواقف المقاومة للعدوان الخارجي على الامه ، والتى بسببها حولتهم ذاكرتها الى زعماء تاريخيين ورموز تاريخية للمقاومه لها دون إنكار ما شاب عهودهم من سلبيات- وتمثل آخر مظهر لهذا النمط المرحلة فى توحدها حول المواقف الوطنيه والقوميه لجمال عبد الناصر ( رحمه الله تعالى ) ليس باعتباره حاكم سابق لمصر ، لكن باعتباره قائد حركة التحرر العربى، من الاستعمار القديم " البريطانى، الفرنسى، الايطالى..." ، والجديد " الامبريالي - الامريكي " ، و الاستيطاني " الصهيوني". فالحديث عن الاخير ليس كشخص ، لكن كرمز تاريخي للمقاومه ، ملك للامه العربيه بشعوبها المتعددة ، وليس ملك لحزب معين .
ثانيا: فى مرحله الاستخلاف العام الثاني للامه :
مرحله التعطيل الارتدادي للاراده الشعبيه للامه على المستوى الرسمي: وهي مرحله الانتهاء " الفعلي " للاستخلاف العام الأول للامه . مع تضمنها مؤشرات لبداية الاستخلاف العام الثاني للامه . وهي المرحلة التي بدأت بالارتداد " السياسى" للرئيس محمد أنور السادات، بعد توليه السلطة فى مصر1970 ، عن المواقف الوطنيه والقوميه لسلفه "جمال عبد الناصر " ، والتى كانت حققت خطوات كبيره، تجاه أهداف الإرادة الشعبية للامه، فى الحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة رغم ما شاب تجربته من سلبيات - وهو الارتداد السياسى الذى تم بدعم من الغرب الرأسمالي- الاستعماري، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيونى ثم تبنى العديد من الأنظمة العربية نفس المواقف لاحقا ... وفى هذه المرحلة تعطلت الإرادة الشعبية للامه على المستوى السياسي ، نتيجة لتردى النظام السياسي العربي من التجزئة " الشعوبية " إلى التفتيت" الطائفي "، فضلا عن انزلاق بعض أجزائه نحو الفوضى لاحقا .
مرحله تفعيل الاراده الشعبيه للامه على المستوى الشعبي: غير أن هذا التعطيل "الارتدادي" للاراده الشعبية للامه على المستوى الرسمي ، أدى إلى تفعيلها على مستوى آخر ، هو مستواها الشعبي ، فضلا عن انه مهد الطريق أمام انتقال الاراده الشعبية العربية من نمط التفعيل الزعامي - المشار اليه اعلاه- الى نمط تفعيل آخر هو نمط التفعيل الجماهيري ، والذي دعمه تطور وسائل الإعلام والاتصال وظهور الخاصية التفاعلية للإعلام. وتشمل هذه المرحلة مرحلتين هما:
ا/ مرحله التفعيل التلقائي: وفيها أخذت حركة الاراده الشعبيه للامه شكل رد فعل عاطفي " انفعالي"، ضد مظاهر تردي النظام السياسي الرسمي العربي ، ومحاولات تطبيق المشاريع التي تهدف إلى أو يلزم منها إلغاء الإرادة الشعبية العربية"كمشروع الشرق الأوسط الجديد الامبريالي - الصهيوني" ..وقد حققت الإرادة الشعبية للامه في هذه المرحلة العديد من الانتصارات الجماهيريه، بدون ان يدعمها او يمثلها نظام سياسى عربى معين . ويتمثل الامتداد الطبيعى لها فى المسار الأصلي للموجات الكمية لثورة الشباب العربي، والتي تتضمن موجاتها :
الموجة الاولى:التي نجحت فى إسقاط عدد من الأنظمة الاستبدادية ، بأساليب سلمية في بعض الدول العربية، قبل أن تنجح النظم والقوى" العالمية والإقليمية والمحلية" ، التي تتعارض مصالحها مع غايات الإرادة الشعبية العربي ،في تحويل مسارها في دول عربية أخرى،إلى صراع طائفي مسلح بغرض تشويه صورتها ومن ثم منع انتشارها الى دول اخرى، من خلال اساليب متعددة أهمها أسلوب الإسقاط العنيف.
الموجة الثانية: وتتمثل فى الحراك الشعبي السلمي - والذي طليعته الشباب أيضا- في العديد من الدول العربية ،والذى نجح أيضا فى إسقاط العديد من الانظمة بأسلوب سلمى، وهى الموجة التى تعمل ذات النظم والقوى على إجهاضها وافراغها من مضمونها، من خلال العديد من الأساليب ، أهمها أسلوب "الهبوط الناعم" ، والذي يتضمن :إجراء تغيير شكلى يشمل تغيير الأشخاص ، دون اى تغيير حقيقى السياسات الاقتصاديه والسياسيه والاجتماعيه... التى تتعارض مع غايات الاراده الشعبيه للامة فى الحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة ...
ب/ مرحله التفعيل القصدي: إن تردى النظام السياسي العربي نحو مزيد من التجزئة "التفتيت"، يزيد من احتمال انزلاقه نحو الفوضى وخاصة أجزائه التي تتصف بضعف الروابط الوطنية والقومية ، لشيوع الطائفية أو القبلية أو العشائرية فيها وهذا ما يقتضى ضرورة انتقال الإرادة الشعبية للامه، إلى مرحله جديدة من مراحل تفعيلها، وهي المرحلة القصدية ، والتي يجب أن تتجاوز فيها حركتها شكل رد الفعل العاطفي- التلقائي/ المؤقت- إلى شكل فعل عقلاني- مستمر منظم / مؤسساتي ، يهدف إلى تحقيق ما هو ممكن من خطوات ، تجاه أهداف الإرادة الشعبية للامه ، بأساليب سلمية - وهي بذلك ستتضمن الموجه الكيفية لثورة الشباب العربي وهذه المرحلة ستمثل مرحله تحقيق الاستخلاف العام الثانى للامه .
الاستخلاف ومنهج التغيير كيفيه ومراحل تحقيق الاستخلاف :وهناك مرحلتين أساسيتين للتغير- تمثل أيضا مراحل لتحقيق الاستخلاف:
المرحلة الأولى"الاستطاعه": هي مرحله الانتقال مما هو كائن، إلى ما هو ممكن ، والتي يمكن التعبير عنها بمصطلح الاستطاعة ، ومن أدلتها: تقرير النصوص لقواعد متعددة مها قاعدة الاستطاعة (فَاتّقُوا ْاللّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ). ولهذه المرحلة مستويان :
مستوى أصلى: هو مستواها الاعتقادى"الفكري" . ويتضمن الاجتهاد فى وضع الحلول النظرية للمشاكل التي يطرحها واقع الامه المعاصر- والتى تتضمن مشاكل (التبعية "الخارجيه والاستبداد "الداخلي" / التخلف الاقتصادي والظلم الاجتماعى / التجزئة والتفتيت/الانشطار الحضارى بين جمود التقليد وتخريب التغريب) ، كمظاهر لثنائيه الاستكبار- الاستضعاف بأبعاده المتعددة :السياسيه/الاقتصاديه/ الاجتماعيه/ الحضارية) - وتتضمن هذه الحلول(الحريه والعدالة الاجتماعية والوحدة والجمع بين الأصالة والمعاصرة"التجديد") كمظاهر للاستخلاف بابعاده المتعدده :السياسيه/الاقتصاديه/ الاجتماعيه/ الحضارية), والتى هى فى ذات الوقت غايات للاراده الشعبيه للامه ، وشروط مقيدة اجتهادية للاستخلاف.
تيار الاستخلاف: ويتضمن هذا المستوى التأسيس لتيار فكري شامل - لا يقصي اى فئه من فئات الامه - فيشمل كل من يلتزم بهذه الحلول النظريه- او بعضها- حتى ولو لم يكن هناك رابط تنظيمى بينهم . ويأخذ الالتزام بها احد الاشكال التالية- التي تمثل مستويات متعددة لهذا التيار الفكري-
ا/ التاسيس والإمامة" الفكرية" : الاجتهاد العلمي فى وضع هذه الحلول النظرية بما هى غايات للاراده الشعبيه للامه ، وشروط مقيدة اجتهادية للاستخلاف.
ب/الطليعية "الفكرية ": نشر الوعى "النظرى" بها.
ج/ القاعديه الفكرية: التبنى "الفكرى" لها.
مستوى فرعى: هو مستواها العملي"التطبيقي". ويتضمن ان تنبثق من هذا التيار الفكري الشامل مبادرات شعبية منظمة "مؤسسيه"، تسعى لتحقيق ما هو ممكن من هذه الحلول النظريه، فى الواقع العملى للامه بأبعاده المتعددة "السياسيه الاقتصاديه الاجتماعيه الحضارية.."، بأساليب سلمية وشكل تدريجي.
المرحلة الثانية " العزم ":هي مرحله الانتقال مما هو ممكن إلى ما ينبغي أن يكون ، ويمكن التعبير عنها بمصطلح العزم ، و من أدلتها مفهوم العزم الذي يرتبط بما ينبغي أن يكون كما في قوله ( وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ )( الشورى: 43 ) ، وهذه المرحلة لها مستويان :
مستوى أصلى : هو مستواها العملي"التطبيقي" .ويتضمن الانتقال مما هو ممكن الى ما ينبغي أن يكون. باكمال التنفيذ العملى لكل هذه الحلول النظرية فى واقع الامه.
مستوى فرعي: هو مستواها الاعتقادي"الفكري". ويتضمن الاجتهاد العلمي فى وضع حلول نظرية جديده، للمشاكل الجديدة التي سيطرحها الواقع العملى للامه، بعد حل المشاكل السابقه.
مذهب مستنير: مما سبق نخلص إلى أن مذهب الاستخلاف هو بالأصالة مذهب مستنير، فمصطلحي الاستنارة والتنوير يدلان في اللغات الأوربية على معاني كالذكاء و المعرف"، ثم استخدم في السياق الغربي على عصر اوروبى معين" القرنين السابع والثامن عشر"،اعتقد فيه الفلاسفة الغربيون أن أنوار العقل الطبيعي وحدها قادرة على السير بالبشر نحو التقدم الحضاري . أما في السياق الإسلامي فإن كلمات استنارة تنوير في اللغة العربية مشتقة من الأصل الثلاثي" نور، نار ، أنار"، وقد استخدم القران اللفظ دلالته المجازية لوصف الله تعالى: ( الله نور السماوات والأرض)، والقرآن الكريم
وأنزلنا إليكم نورا مبينا)،والرسول
صلى الله عليه وسلم)( وداعيا إلي الله بإذنه وسراجا منيرا) .أما من ناحية الاصطلاح فان لمصطلح التنوير دلالة عامة- مشتركه، تتمثل في التنوير كمفهوم مجرد تشترك في فهمه كل الفلسفات والمناهج ، ومضمونها أن تحرير عقل الإنسان من القيود التي تعوق فعاليته كوسيلة للمعرفة " كأنماط التفكير الخرافي والأسطوري"،هو أحد شروط نقل اى مجتمع من التخلف الحضاري إلي التقدم الحضاري- وهي دلالة تتفق مع الإسلام- . كما أن له دلاله خاصة - منفردة ، تتمثل في تطبيق مفهوم التنوير في واقع اجتماعي معين زمانا ومكانا ، وطبقا للمعنى الذي تنفرد بفهمه فلسفه ومنهج معرفة معينين-وهى دلاله قد تتفق أو تختلف مع الإسلام- . بناءا على ما سبق فإن المقصود بكون مذهب الاستخلاف مذهب مستنير، انه يهدف- على المستوى الذاتي- إلى تحرير عقل الإنسان المسلم من القيود التي تعوق فعاليته كوسيلة للمعرفة كأنماط التفكير الخرافي والأسطوري والبدعى ، باعتبار أن ذلك هو شرط ذاتي لنقل المجتمعات المسلمة من تخلف النمو الحضاري إلي التقدم الحضاري، كما يهدف- على المستوى الموضوعي- إلى حل للمشاكل التي يطرحها واقع المجتمعات المسلمة المعين زمانا ومكانا.للاطلاع على مقالات أخرى للدكتور صبري محمد خليل يمكن زيارة الموقع التالي:
الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات https://drsabrikhalil.wordpress.com